

النظام المصري يتجه لبيع 745 فدانًا على النيل بـ 9 مليارات دولار لمستثمرين خليجيين والسيسي يُوسّع نفوذ الجيش في الصحة لصالح الإمارات.. الجمعة 25 سبتمبر 2026.. انتعاش تجارة بقايا الطعام دليل فشل حكومات السيسي وإفقار المصريين
شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري
*قبضة أمنية وحلول مؤقتة: إلى متى تستمر أزمة العمال في مصر؟
تتوسع رقعة الحركات الاحتجاجية العمالية خلال الأيام الأخيرة عبر عدة قطاعات حيوية، حيث انطلقت التحركات من محطات شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة لتشمل عاملات النسيج بشركة سمنود للوبريات في محافظة الغربية، في مشهد متكرر يعكس تعامل الإدارات مع المطالب عبر التجاهل أو الوعود الفارغة بدلاً من الاستجابة الفعلية.
تصاعد موجة الاحتجاجات العمالية بسبب تأخر الحقوق المالية في المؤسسات الخدمية
أعاد عمال شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالقاهرة تنظيم وقفاتهم الاحتجاجية على مدار ثلاثة أيام متتالية داخل عدة محطات رئيسية، للمطالبة بضم العلاوات المتأخرة منذ شهر يناير من عام 2016. وأكد المتظاهرون أن ضم هذه العلاوات سيرفع صافي الرواتب بنسب تراوح بين 40% و60% لمواجهة الأعباء المعيشية التي دفعت الغالبية نحو الاستدانة المستمرة.
وجاء هذا التحرك احتجاجاً على تجاهل رئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لمياه الشرب، مصطفى الشيمي، للمطالب، رغم تشكيل لجنة في شهر يونيو الماضي بقرار من وزيرة الإسكان، راندة المنشاوي.واعتبر المحتجون أن هذه الجصائص واللجان مجرد مسكنات لتهدئة الأوضاع دون حلول حقيقية للأزمة المزمنة التي شهدت العام الماضي 2025 تصعيداً استمر نحو 15 يوماً.
تحركات أمنية وإدارية لاحتواء الغضب العمالي
واجهت الإدارة هذا التصعيد السلمي بأساليب تهديد متكررة تضمنت التلويح بالإحالة للتحقيق، تزامناً مع استدعاء جهاز الأمن الوطني خمسة من العمال وبقائهم لمدة ثلاث ساعات لطلب التهدئة.ويأتي هذا النمط ليكرر سيناريوهات سابقة شهدتها مواقع العمل المختلفة دون الوصول إلى تسوية جذرية للعلاوات المالية المتراكمة طوال السنوات الماضية.
وفي السياق ذاته، تواصل عاملات قسم الملابس بشركة سمنود للنسيج والوبريات في محافظة الغربية إضرابهن لليوم السادس على التوالي بسبب عدم صرف راتب شهر أغسطس كاملاً.وأوضحت الإدارة أن باقي المستحق سيُصرف في نهاية شهر سبتمبر، وهو ما ينذر بتعطيل صرف دفعة شهر أكتوبر ويشعل توسع الاحتجاجات لتشمل كافة الأقسام الحيوية بالشركة المصنعة.
أزمة أجور سمنود وتداعيات التقسيط الشهري
تعتمد إدارة الشركة منذ منتصف عام 2015 نظام تجزئة الرواتب على ثلاث دفعات شهرية، وهو نظام رفضه العاملون مراراً لعدم انتظام مواعيده وتأثيره المباشر على معيشة الأسر.وعندما عرضت الإدارة صرف 900 جنيه فقط مقابل فض الإضراب، رفضت العاملات العرض متمسكات بالحصول على كامل المستحقات المالية القانونية والمتأخرة.
أصدرت قوى سياسية ونقابية ومؤسسات حقوقية بياناً مشتركاً يوثق الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات، والتي تشمل تجزئة الأجور، وصرف مرتبات تقل عن الحد الأدنى القانوني، وخصم اشتراكات التأمينات دون توريدها.وطالب البيان بالالتزام بمواعيد الصرف، وتطبيق الحد الأدنى للأجور، ووقف كافة التهديدات والإجراءات العقابية ضد العمال المدافعين عن حقوقهم المعيشية.
* تأجيل محاكمة “سيد مشاغب” و5 آخرين إلى 20 أكتوبر المقبل
قررت الدائرة الأولى بمحكمة جنايات القاهرة (مأمورية بدر) تأجيل نظر القضية المتهم فيها سيد علي فهيم، المعروف باسم “سيد مشاغب”، وخمسة آخرين، إلى جلسة 20 أكتوبر المقبل، وذلك لاستكمال إجراءات نظر الدعوى.
يأتي ذلك على ذمة القضية رقم 7304 لسنة 2026 جنايات بولاق الدكرور، والمقيدة برقم 4375 لسنة 2026 حصر تحقيق أمن الدولة العليا.
وجاء قرار التأجيل للاستماع إلى باقي الشهود، وشهود النفي والاستعلام من إدارة المرور عما إذا كان قد حصل تعطيل للمرور من عدمه أثناء الاحتفال، وذلك بعد مناقشة المحكمة لشاهد الإثبات الرابع.
وكانت قوات الأمن قد ألقت القبض على سيد مشاغب بعد ساعات من الإفراج عنه، في نهاية أبريل الماضي، هو وخمسة آخرين كانوا في استقباله وتهنئته عقب خروجه، قبل أن تتم إحالتهم جميعًا إلى المحاكمة في القضية نفسها، استنادًا إلى اتهامات تتعلق بالتجمهر وحيازة ألعاب نارية.
وفي بيان مشترك، طالب عدد من الشخصيات العامة، قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي والنائب العام محمد شوقي ووزير الداخلية محمود توفيق، بالنظر إلى الأبعاد الإنسانية للقضية والعمل على الإفراج عن مشاغب.
وأكد الموقعون على البيان أن مشاغب أمضى سنوات طويلة داخل السجون، وأنه يستحق فرصة حقيقية للعودة إلى حياته الطبيعية والاندماج مجددًا في المجتمع.
وضم البيان عددًا من الشخصيات السياسية والحقوقية البارزة، من بينهم حمدين صباحي، وخالد علي، وطارق العوضي، وفريد زهران، وكمال أبو عيطة.
أحداث استاد الدفاع الجوي
وأُلقي القبض على مشاغب على خلفية القضية المعروفة إعلاميًا بـ”أحداث استاد الدفاع الجوي”، التي وقعت في 8 فبراير 2015، وأسفرت عن وفاة 22 مشجعًا من جماهير نادي الزمالك نتيجة التدافع وإطلاق قنابل الغاز قبل مباراة الزمالك وإنبي.
واتُّهم سيد مشاغب كمتهم رئيس بتدبير الأحداث، والتحريض على إثارة الشغب، والاعتداء على المنشآت العامة، والانضمام إلى جماعة أسست على خلاف القانون.
وفي 24 سبتمبر 2017، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا بـالسجن المشدد لمدة 7 سنوات بحق سيد مشاغب و4 آخرين. وبعد أن قضى العقوبة الفعلية في هذه القضية، أعيد تدويره في قضايا أخرى حصل في معظمها على البراءة.
وقالت مؤسسة عدالة، إنه خلال سنوات احتجازه، تعرّض مشاغب لظروف قاسية، من بينها الحبس الانفرادي لفترات ممتدة، وهو ما يشكل انتهاكًا للمعايير الدولية التي تحظر العزل المطوّل، لما له من آثار نفسية وجسدية بالغة الخطورة، قد ترقى إلى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية.
* الإفراج عن دينا عزت بكفالة 10 آلاف جنيه
قررت النيابة العامة إخلاء سبيل دينا عزت- التي تصدرت محركات البحث خلال الساعات الماضية – بكفالة مالية قدرها 10 آلاف جنيه على ذمة التحقيقات.
ووجهت جهات التحقيق إلى عزت اتهامات بنشر أخبار وبيانات كاذبة على خلاف الحقيقة، فضلًا عن تكدير السلم العام.
تفاصيل الواقعة
وجاء ذلك بعد أن نشرت سلسلة مقاطع فيديو اتهمت فيها قوة أمنية تابعة لقسم شرطة أول مدينة نصر باقتحام منزلها دون إذن نيابة، والاستيلاء على مبالغ مالية ومجوهرات، وتلفيق قضية مخدرات لزوجها “يوسف السوري” لرفضه العمل كمخبر لديهم.
وكانت النيابة أمرت بعرض عزت على مستشفى لإعداد تقرير بشأن حالتها الصحية، لبيان ما إذا كانت قد تعرضت لإصابات من عدمه، وذلك عقب ادعائها إصابتها أثناء إلقاء القبض عليها.
وانتشر مقطع فيديو مصور مأخوذ من كاميرات مراقبة ومن شهود عيان في الشارع، وُصف بأنه يُظهر لحظة القبض على دينا عزت فجرًا وسط حالة من الصراخ والاستغاثة وسماع أصوات تعالي الاحتجاجات، حيث تم اقتيادها داخل سيارة ميكروباص (فان) بيضاء اللون. ووفقًا لمنصات حقوقية، فإن القوة الأمنية اقتحمت مسكنها والتعدي عليها قبل توقيفها.
في المقابل، نفت وزارة الداخلية الرواية مؤكدة أن زوجها ضُبط متلبسًا بحوزته مواد مخدرة (حشيش وآيس) وسلاح أبيض، وأن نشر الفيديوهات هدفه التشكيك في الإجراءات القانونية.
* 5 أعوام و573 قتيلا بالاعدام الميداني .. جبال أكاذيب الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026)
ترجمت وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب الصلاحيات الممنوحة لها بموجب المادة 102 إلى حصاد دموي واسع النطاق خلال الفترة الأخيرة من عمر الاستراتيجية الوطنية، وهو ما رصدته السجلات الحقوقية بدقة بالأرقام والنسب.
ولجأ ضباط الداخلية إلى استخدام واستدعاء المادة 102 لتبرير القوة المميتة 69 مرة خلال الفترة الممتدة من يناير 2025 إلى يونيو 2026. وأسفرت هذه المطاردات والمداهمات الأمنية عن مقتل 573 شخصاً تصفيتهم جسدياً خارج إطار القانون والقضاء.
أشار التقرير إلى نمط ثابت ومكرر في البيانات الرسمية لوزارة الداخلية؛ حيث يتم وسم وتصنيف الضحايا عقب تصفيتهم بأنهم “هاربون من تنفيذ أحكام” أو “أصحاب معلومات جنائية سابقة”، وهي الديباجة الجاهزة التي تُستخدم كغطاء سياسي وقانوني لتبرير تصفيتهم بمزاعم “الاشتباك وتبادل إطلاق النيران”.
ومع إسدال الستار على المدى الزمني المحدد لـ “الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026)”، كشفت تقارير حقوقية وميدانية متقاطعة عن إخفاقات بنيوية حادة تحولت بموجبها بنود الاستراتيجية إلى ما يشبه “جبالاً من الأكاذيب”، لا سيما في أكثر الملفات مساساً بالحق في الحياة: عقوبة الإعدام ووقائع القتل خارج نطاق القضاء.
وأظهرت القراءة الفنية للمشهد الحقوقي أن الاستراتيجية لم تكن سوى واجهة دبلوماسية للتغطية على قفزات غير مسبوقة في وتيرة التصفية الجسدية والتوسع التشريعي والأمني في سلب الحياة خارج مظلة المحاكمات العادلة.
مستهدفات “ميكروسكوبية” وتجاهل للواقع
أكد التقرير الحقوقي أن الغرض الأساسي من الصياغة التشريعية للاستراتيجية الوطنية في ملف عقوبة الإعدام كان الالتفاف على التزامات مصر الدولية، عبر وضع أهداف محدودة للغاية واقتصارها عملياً على رصد بعض ضمانات التقاضي الظاهرية، ومراجعة نطاق “الجرائم الأشد خطورة”.
مظاهر الإخفاق في ملف الإعدام
تجاهل التوسع الممنهج: غضت الاستراتيجية الطرف تماماً عن الاتساع الأفقي المرعب في إصدار أحكام الإعدام من قِبل محاكم الجنايات ومحاكم أمن الدولة العليا طوارئ وتنفيذها الفعلي.
غياب الرؤية بعيدة المدى: لم تضع الوثيقة الرسمية أي هدف استراتيجي أو جدول زمني لخفض نطاق تطبيق هذه العقوبة، حتى على المدى الطويل، مما يعكس غياب الإرادة السياسية في الإصلاح.
غياب الاستقلالية للملفات الحرجة: أسقطت الاستراتيجية من حساباتها التعامل مع الانتهاكات الجسيمة كملفات مستقلة تستوجب المعالجة الجنائية والمؤسسية الشاملة.
المادة 102 وقوننة التصفية الجسدية
يمثل ملف القتل خارج إطار القضاء الفجوة الأعمق بين الشعارات الرسمية والواقع الميداني، حيث يثبت التقرير الحقوقي وجود “غطاء تشريعي” يمنح رجال الأمن رخصة مفتوحة للقتل بناءً على التقدير الشخصي دون حسيب أو رقيب.
ثغرة قانون الشرطة: يستند رجال وزارة الداخلية إلى المادة 102 من قانون هيئة الشرطة رقم 109 لسنة 1971، التي تمنح قوات الأمن الحق في “استعمال القوة بالقدر اللازم -وفق تقديرهم- لأداء واجبهم، إذا كانت هي الوسيلة الوحيدة لأداء هذا الواجب”.
سلطة التقدير المطلقة: تحول شرط “التقدير الشخصي” الوارد في القانون إلى أداة إفلات تام من العقاب، حيث تصبح القوة المميتة هي الخيار الأول والوحيد في مواجهة المشتبه بهم تحت ذريعة أداء الواجب الأمني.
وينتهي التقرير الحقوقي إلى أن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026) مثلت فشلاً مؤسسياً ذريعاً وعجزت عن تقديم أي إصلاح تشريعي أو هيكلي حقيقي لوقف نزيف الأرواح، لافتة إلى أن استمرار العمل بالقوانين الاستثنائية مثل المادة 102 من قانون الشرطة يثبت أن العقيدة الأمنية الحالية قائمة على “التصفية الميدانية المباشرة” بدلاً من الحفظ التدريجي للأمن وتقديم المتهمين لمحاكمات عادلة، مما يضع مصداقية الدولة المصرية في المحافل الدولية على المحك.
ووضعت ما يسمى بـ”الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان” أهداًفًا محدودة فيما يتعلق بعقوبة الإعدام، واقتصرت عملًيًا على بعض ضمانات التقاضي ومراجعة نطاق الجرائم الأشد خطورة. وتجاهلت اتساع إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها، ولم تضع هدًفًا لخفض نطاق العقوبة حتى على المدى الطويل، ولم تتعامل مع القتل خارج نطاق القضاء* بوصفه ملًفًا مستقًلًا يحتاج إلى إصلاح تشريعي ومؤسسي.
https://eipr.org/sites/default/files/reports/pdf/
موقع مصر على مؤشرات الإعدام العالمية
تتقاطع البيانات المحلية المرصودة خلال فترة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021-2026) مع تقارير دورية صادرة عن كبرى المنظمات الدولية مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International) وهيومن رايتس ووتش (HRW)، التي تؤكد وجود فجوة هائلة بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني.
وتصنّف تقارير منظمة العفو الدولية السنوية الخاصة بعقوبة الإعدام جمهورية مصر العربية بانتظام ضمن القائمة العالمية لأكثر خمس دول تنفيذاً وإصداراً لأحكام الإعدام في العالم.
وتؤكد المنظمات الدولية أن التوسع في إصدار هذه الأحكام يأتي نتاجاً لـ “محاكمات جماعية افتقرت لأدنى معايير العدالة”، ولا سيما تلك الصادرة عن دوائر الإرهاب المتخصصة ومحاكم أمن الدولة عليا طوارئ، والتي تعتمد بشكل شبه كلي على تحريات قطاع الأمن الوطني واعترافات يُنتزع بعضها تحت وطأة التعذيب أو الاختفاء القسري.
ووصفت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقييماتها المتتابعة الاستراتيجية الوطنية بأنها “أداة للعلاقات العامة والبروباغندا السياسية الموجهة للغرب”، حيث عجزت تماماً عن خفض وتيرة الإصدار أو التنفيذ الجنائي للأحكام.
وتذهب التقارير الدولية الموازية إلى ما هو أبعد من مجرد رصد أرقام ضحايا المادة 102 من قانون الشرطة؛ حيث تُفكك النمط المكرر لبيانات وزارة الداخلية حول “تبادل إطلاق النيران”:
وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية حالات عديدة لأشخاص أعلنت وزارة الداخلية مقتلهم في مداهمات مسلحة باعتبارهم “هاربين أو عناصر إرهابية وجنائية خاضت اشتباكاً مع القوات”، في حين ثبت بالدليل القاطع أن هؤلاء الضحايا كانوا قيد الاحتجاز الفعلي أو الاختفاء القسري لدى الأجهزة الأمنية قبل تاريخ الإعلان عن مقتلهم بأيام أو أسابيع.
وتؤكد كبرى المنظمات الدولية أن الصياغة الفضفاضة للمادة 102 تمنح حصانة مطلقة لرجال الأمن؛ حيث لم تشهد أي من الواقعات الـ 69 المرصودة بين عامي 2025 و2026 أي تحقيق قضائي علني ومستقل يحاسب أفراد الشرطة على استخدام القوة المميتة كخيار أول بدلاً من الاعتقال والتقديم للمحاكمة.
مطالب وتوصيات دولية ملزمة
تُجمع الهيئات والمنظمات الحقوقية الدولية على حزمة من المطالب العاجلة لوقف تآكل الحق في الحياة بمصر، وتتمثل في تعليق العمل فوراً بعقوبة الإعدام كخطوة انتقالية نحو إلغائها تماماً من القوانين والتشريعات الجنائية المصرية.
إلغاء أو تعديل المادة 102 من القانون رقم 109 لسنة 1971، لتتماشى بدقة مع “مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية” من جانب موظفي إنفاذ القوانين.
السماح للمقررين الخواص التابعين للأمم المتحدة بزيارة مصر وتشكيل لجان تحقيق مستقلة لتقصي الحقائق حول الـ 573 حالة تصفية جسدية المرصودة أخيراً.
*بين طاولات الحوار وأزمات السجون.. أين تكمن البوصلة الحقوقية؟
شارك رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان السفير الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين في افتتاح أعمال الجمعية العمومية الثانية عشرة للمنظمة العربية لحقوق الإنسان في العاصمة المصرية حيث ركز في كلمته على أهمية التعاون بين المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني وضرورة م مواكبة التحولات الرقمية معتبرا أن الذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي أصبحا جزءا من أجندة حقوق الإنسان الحديثة كما شدد على أهمية استمرار الحوار بين مختلف مؤسسات الحكومة والمجتمع بما يعزز مفهوم التنمية الشاملة.
اختبار الحوار الحقوقي: هل تُنقذ الإصلاحاتُ الموعودة أزمة السجون؟
طالب المحامي الحقوقي خالد علي في تصريحات إعلامية متكررة بأن المجلس يمتلك صلاحيات قانونية تتيح له زيارة أماكن الاحتجاز وتلقي الشكاوى ورفع التوصيات إلا أن الرأي العام ينتظر منه دورا أكثر فاعلية في الملفات المرتبطة بالحبس الاحتياطي وظروف الاحتجاز وضمانات المحاكمات العادلة في شهر يوليو من عام ألفين وستة وعشرين.
تضمنت كلمة رئيس المجلس أيضا تأكيده على أن منطقة الشرق الأوسط تواجه تحديات معقدة تشمل الحروب والنزاعات والفقر والهجرة والتغير المناخي داعيا إلى مقاربة تجعل حقوق الإنسان جزءا من عملية بناء الاستقرار والتنمية بما يتوافق مع الشروط الدولية المعمول بها حتى شهر ديسمبر من كل عام تبعا للتقارير الصادرة في شهر يناير وفبراير الماضيين لمواجهة الأزمات بكفاءة عالية.
رأى المحامي الحقوقي نجاد البرعي في أكثر من حوار إعلامي وتصريحات صحفية أن المجلس القومي لحقوق الإنسان لا يستطيع أداء دوره الحقيقي إلا إذا امتلك استقلالا كاملا عن السلطة التنفيزية مؤكدا أن وظيفة المجلس الأساسية هي مراقبة أداء الحكومة وتقديم النقد والتوصيات عندما تقع انتهاكات وليس الاكتفاء بالأدوار الاستشارية أو البروتوكولية تلك التي تبدأ عادة في شهر مارس وتنتهي في شهر أبريل من كل سنة تلك الأدوار المعروفة محليا ودوليا.
أشار منتقدو المجلس إلى أن السنوات الأخيرة شهدت استمرار صدور تقارير من منظمات حقوقية دولية ومحلية بشأن أوضاع الاحتجاز والحبس الاحتياطي وحرية التعبير بينما لم ينعكس ذلك -بحسب رأيهم- في تحركات علنية أو تقارير دورية للمجلس بنفس المستوى الذي يتوقعونه من مؤسسة وطنية تتمتع باعتماد دولي خلال شهر مايو وشهر يونيو من عام ألفين وستة وعشرين تماما بما يتطلب ممارسة مهام جديدة فعلية مثل تلك المتبعة في شهر أغسطس وشهر سبتمبر.
أوضح الحقوقي بهي الدين حسن في تصريحات ومقالات منشورة أن المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان يفترض أن تكون إحدى أدوات الرقابة على أداء السلطة وأن نجاحها يرتبط بقدرتها على إصدار تقارير مستقلة وإعلان نتائج تحقيقاتها والدفاع عن ضحايا الانتهاكات دون تمييز عبر الآليات المتحدث عنها خلال شهر أكتوبر وشهر نوفمبر لضمان الشفافية التامة والمتابعة الدورية المستمرة للتعهدات الوطنية والحقوقية.
* حسام منوفي.. رحلة من الخرطوم إلى إسطنبول تنتهي باعتقاله في مصر
بدأت قصة المهندس حسام منوفي محمود سلام في يناير 2022 برحلة جوية من الخرطوم إلى إسطنبول، لكنها لم تصل إلى وجهتها. فبعد هبوط اضطراري وغير مجدول في مطار الأقصر، نزل الركاب من الطائرة، قبل أن تستدعي السلطات المصرية ثلاثة مصريين لفحص أوراقهم، ليعود اثنان إلى الطائرة بينما لم يعد حسام إليها، وفقًا لرواية أسرته.
ومنذ ذلك الوقت، ظل منوفي رهن الاحتجاز في مصر، وسط تساؤلات من أسرته ومنظمات حقوقية حول ظروف توقيفه، والملابسات التي أحاطت ببقائه داخل البلاد، والأساس القانوني لاستمرار احتجازه لسنوات.
وتقول الأسرة إن حسام لم يكن يخطط لدخول مصر، وإن وجهته كانت إسطنبول، كما تشير إلى أنه كان قد تعرض للتوقيف والاستجواب في مطار الخرطوم قبل السماح له بمغادرة السودان. وتضيف أنه بعد وصوله إلى الأقصر طُلب منه، تحت ظروف تصفها بالإكراه، توقيع إقرار يفيد بأنه دخل الأراضي المصرية بإرادته.
هبوط اضطراري غيّر مسار الرحلة
في 12 يناير 2022، كان حسام منوفي على متن رحلة تابعة لشركة «بدر للطيران» متجهة من الخرطوم إلى إسطنبول، عندما أُبلغ عن إنذار صادر من نظام الكشف عن الدخان في كابينة البضائع، بحسب الرواية المتداولة بشأن الواقعة.
وعلى إثر الإنذار، هبطت الطائرة بصورة غير مجدولة في مطار الأقصر، لتتخذ الرحلة مسارًا مختلفًا عن وجهتها الأصلية.
وبعد هبوط الطائرة، نزل الركاب منها، قبل أن يخضع عدد من المسافرين لإجراءات فحص من جانب السلطات. ووفقًا لرواية أسرة منوفي، جرى استدعاء ثلاثة مصريين لفحص أوراقهم، ثم عاد اثنان منهم إلى الطائرة واستكملا الرحلة، بينما بقي حسام خارجها.
وبقاء أحد الركاب دون العودة إلى الطائرة، رغم استمرار الرحلة، كان بداية فصل جديد في حياة المهندس المصري، إذ تحولت الرحلة التي كان يفترض أن تنتهي في إسطنبول إلى احتجاز طويل داخل مصر.
وتطرح هذه الملابسات سؤالًا رئيسيًا حول طبيعة الإجراءات التي اتُخذت بحق منوفي منذ لحظة نزوله من الطائرة، وما إذا كان توقيفه قد تم وفق إجراءات قانونية واضحة، خصوصًا أن وجهته الأصلية لم تكن مصر، بحسب أسرته.
الأسرة تتحدث عن توقيف سابق
لا تقتصر رواية أسرة حسام على ما حدث داخل مطار الأقصر، إذ تقول إن الرجل كان قد تعرض للتوقيف والاستجواب قبل مغادرته الخرطوم.
وبحسب الأسرة، أوقف حسام في مطار الخرطوم وخضع للاستجواب، قبل أن يُسمح له في النهاية بالسفر على متن الرحلة المتجهة إلى إسطنبول.
وتكتسب هذه الواقعة أهمية في سياق القضية، لأنها تسبق مباشرة الهبوط غير المجدول في الأقصر، وتثير تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات في مصر قد اتخذت إجراءات بحق منوفي بناءً على معلومات أو طلبات سابقة، أم أن الأمر بدأ فقط بعد هبوط الطائرة.
ولا تقدم رواية الأسرة، في حد ذاتها، إجابة حاسمة عن هذه التساؤلات، لكنها تمثل أحد المحاور الرئيسية التي تطالب المنظمات الحقوقية بالكشف عن تفاصيلها، خاصة ما يتعلق بسبب استدعائه تحديدًا بعد هبوط الطائرة.
إقرار بدخول مصر يثير التساؤلات
تقول أسرة حسام منوفي إنه أُجبر بعد وصوله إلى الأقصر على توقيع إقرار يفيد بأنه دخل الأراضي المصرية بإرادته.
وتعتبر الأسرة أن هذه الجزئية تمثل جانبًا أساسيًا من القضية، لأنها تتعلق مباشرة بظروف وجوده داخل مصر، في الوقت الذي كان فيه مسافرًا إلى دولة أخرى.
سنوات خلف القضبان بعيدًا عن أسرته
على مدار السنوات التالية، تحول احتجاز حسام منوفي إلى أزمة إنسانية بالنسبة إلى أسرته، التي تقول إنه حُرم من حياته الطبيعية ومن الوجود إلى جانب زوجته وطفليه.
فالرحلة التي بدأت في السودان بهدف الوصول إلى إسطنبول انتهت إلى احتجاز طويل داخل مصر، لتجد الأسرة نفسها أمام سنوات من الانتظار ومحاولات معرفة مصير أحد أفرادها.
وتشير الأسرة إلى أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالمدة التي قضاها منوفي محتجزًا، وإنما أيضًا بالظروف التي بدأت بها القضية، والاتهامات التي أُدرج فيها لاحقًا، ومدى صلته بتلك القضايا.
كما أن استمرار الاحتجاز لفترة طويلة يطرح، وفق المنظمات الحقوقية، أسئلة تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة والحق في الدفاع ومراجعة الأساس القانوني للاحتجاز.
منظمات حقوقية تطالب بكشف الملابسات
أبدت منظمات حقوقية اعتراضها على استمرار احتجاز حسام منوفي، مطالبة بالكشف عن ملابسات توقيفه منذ لحظة هبوط الطائرة في الأقصر.
وتتركز المطالب الحقوقية على عدة نقاط، أبرزها توضيح أسباب احتجازه، والكشف عن الإجراءات التي اتُخذت بحقه، وتحديد الأساس القانوني لاستمرار احتجازه، فضلًا عن التحقيق في رواية الأسرة المتعلقة بإجباره على توقيع إقرار بشأن دخوله مصر.
كما تطالب هذه الجهات بضمان حصول منوفي على جميع حقوقه القانونية والإنسانية، بما في ذلك حقه في الدفاع ومعرفة الاتهامات الموجهة إليه، ومراجعة وضعه القانوني أمام جهة قضائية مستقلة وفقًا للضمانات القانونية المعمول بها.
وتدعو المنظمات كذلك إلى إجراء تحقيق مستقل وشفاف في الادعاءات المتعلقة بظروف توقيفه ونقله إلى مصر، وعدم الاكتفاء بالروايات المتداولة من أي طرف دون فحص الأدلة والوثائق ذات الصلة.
أسئلة معلقة منذ يناير 2022
بعد أكثر من أربع سنوات على الواقعة، لا تزال قضية حسام منوفي محاطة بعدد من الأسئلة التي تتمسك أسرته والمنظمات الحقوقية بالحصول على إجابات واضحة عنها.
ومن أبرز هذه الأسئلة: لماذا بقي منوفي في مطار الأقصر بينما عاد باقي الركاب إلى الطائرة؟ وما طبيعة الإجراءات التي اتُخذت بحقه في تلك اللحظة؟ وهل كان هناك طلب سابق لتوقيفه؟ وما الظروف التي أحاطت بالإقرار الذي قيل إنه وقّعه بشأن دخوله مصر؟
كما يظل السؤال الأهم متعلقًا بالمسار القانوني الذي اتخذته القضية بعد إعلان وزارة الداخلية احتجازه في 15 يناير 2022، والقضايا التي أُدرج عليها لاحقًا، ومدى وجود أدلة تثبت صلته بها.
وبينما تقول أسرته إن حسام أُدخل في قضايا لا علاقة له بها، تظل الإجابة الرسمية الموثقة بشأن هذه الاتهامات عنصرًا أساسيًا لفهم القضية وتقييم وضعه القانوني.
وفي ظل استمرار احتجازه، تطالب المنظمات الحقوقية بالكشف عن كامل تفاصيل ملفه، ومراجعة مشروعية استمرار حبسه، وضمان حقوقه أمام القضاء، إلى جانب التحقيق في جميع الادعاءات المرتبطة بظروف توقيفه منذ لحظة هبوط الطائرة في الأقصر.
وهكذا، تبقى رحلة حسام منوفي من الخرطوم إلى إسطنبول واحدة من القضايا التي بدأت بحادث طيران غير متوقع، لكنها تحولت إلى احتجاز امتد لسنوات، بينما تنتظر أسرته إجابات بشأن ما حدث في الساعات الأولى داخل مطار الأقصر، وما جرى بعد ذلك وصولًا إلى القضايا التي أُدرج عليها ومصيره القانوني حتى الآن.
*مصر تجدد رفضها الكامل لتهجير الفلسطينيين وعزل قطاع غزة
أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي رفض بلاده لتهجير الفلسطينيين أو ضم الأراضي الفلسطينية والتوسع الاستيطاني، بعد تصريحات علنية للمسؤولين الإسرائيليين.
وشدد عبد العاطي، خلال مشاركته في الاجتماع الوزاري للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، المنعقد على هامش أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تمسك القاهرة بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وقابلة للحياة بحدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق حل سلمي عادل.
وترأس الاجتماع الأمير فيصل بن فرحان، وزير خارجية المملكة العربية السعودية، وإسبن بارث إيدي، وزير خارجية النرويج، وكايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية.
وقال عبد العاطي، إن المسؤولين الإسرائيليين يعلنون بكل وضوح خططا لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، مؤكدا إدانة المشروع الاستيطاني E1 الذي يقسم الضفة الغربية إلى نصفين ويمنع قيام الدولة الفلسطينية.
وأكد الوزير المصري ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وعدم الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، مشددا على أهمية دعم وتمكين السلطة الفلسطينية، باعتبار أنه لا بديل عنها يضطلع بمسؤولياتها في قطاع غزة عقب انتهاء المرحلة الانتقالية.
كما طالب عبد العاطي، في كلمته بمحاسبة مرتكبي أعمال العنف والإرهاب من المستوطنين الإسرائيليين، مشيدا بالمواقف الأوروبية الأخيرة في هذا الشأن الرافضة للتوسع الاستيطاني وأعمال العنف الإسرائيلية.
واستعرض عبد العاطي الجهود المصرية بالتعاون مع الوسطاء لاستكمال تنفيذ خطة الرئيس ترامب الشاملة، مؤكدا ضرورة استكمال استحقاقات المرحلة الأولى والانتقال الفوري إلى المرحلة الثانية، بما يشمل الترتيبات الانتقالية للأمن والحوكمة بالتزامن مع الانسحاب الإسرائيلي، وبدء مشروعات التعافي المبكر وإعادة الإعمار.
كما شدد على ضرورة ضمان النفاذ غير المشروط للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة ودعم دور وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، محذرا من خطورة الإجراءات الإسرائيلية في القدس ومحاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك.
ودعا وزير الخارجية المجتمع الدولي إلى تكثيف الجهود لترجمة الالتزام بحل الدولتين إلى خطوات عملية وملموسة، بما يسهم في تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وإنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة.
*هل لعب التقارب العسكري المصري-الصيني دوراً في تسليم واشنطن مروحيات “شينوك” للقاهرة؟ مصادر تكشف تفاصيل
لم يكن توقيع القاهرة صفقة جديدة مع شركة بوينغ الأمريكية لتسليم مروحيات “شينوك” مجرد خطوة في مسار تسليح طويل بين البلدين، إذ جاء الإعلان عنها في وقت تتزايد فيه المؤشرات حول تعميق التقارب العسكري المصري مع الصين، مع حديث عن صفقات مقاتلات وأنظمة تسليح حديثة.
رغم أن الصفقة مع الشركة الأمريكية تعود إلى اتفاق جرى توقيعه قبل 3 سنوات، فإن إبرازها وتسليم أولى المروحيات على هامش معرض العلمين الدولي للطيران والفضاء أعادا طرح سؤال دلالات التوقيت، وما إذا كانت القاهرة تستخدم تنويع شراكاتها العسكرية، وخصوصاً مع بكين، لتوسيع هامش حركتها في مواجهة القيود الأمريكية.
وأشارت مصادر عسكرية، في تصريحات لـ”عربي بوست”، إلى أن المسألة لا تختزل في محاولة مصر الضغط على واشنطن، بقدر ما ترتبط بسياسة بدأت القاهرة اعتمادها منذ سنوات لتنويع مصادر التسليح، وبناء قاعدة تكنولوجية وصناعية عسكرية تقلل من اعتمادها على مورد واحد.
من “الحجب والمنع” إلى تنويع مصادر التسليح
قال مصدر عسكري مطلع إن رسائل القاهرة إلى الولايات المتحدة لم تبدأ مع التقارب العسكري المصري مع الصين، وإنما تعود إلى التغيير الذي طرأ على سياسة التسليح المصرية بعد استخدام واشنطن ما وصفه المصدر بـ”سلاح الحجب والمنع” منذ عام 2013، خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.
المصدر الذي تحدث لـ”عربي بوست” مفضلاً عدم ذكر اسمه، أوضح أن القاهرة اتجهت آنذاك إلى تنويع مصادر التسليح والانفتاح على أطراف مختلفة، وكان من أبرزها التقارب مع الصين، إلى جانب دول أوروبية عديدة، وهو ما ساهم، بحسب المصدر، في عودة العلاقات العسكرية المصرية–الأمريكية.
كما أشار إلى استئناف مناورات “النجم الساطع” عام 2017، بعد 8 سنوات من الانقطاع، إلى جانب انتظام المساعدات العسكرية وفقاً لاتفاقية كامب ديفيد، بعد حجب وتقليص هذه المساعدات في أكثر من مناسبة خلال نحو عقد.
لكن هذا التغيير في العلاقات العسكرية لم ينعكس، وفق المصدر، على استجابة واشنطن لمطالب القاهرة بالحصول على تسليح يقترب أو يضاهي نظم التسليح الحديثة التي تمد الولايات المتحدة بها إسرائيل.
وظلت صفقة طائرات “إف-15” معلقة حتى الآن، وكذلك “إف-16″، ولم يظهر تجاوب أمريكي بالمستوى الذي تطمح إليه القاهرة في مجال التعاون على التقنيات العسكرية المتطورة.
يقول المصدر إن ذلك تزامن مع اتجاه القاهرة إلى بناء شراكات أكثر عمقاً مع أطراف دولية متعددة، ليس فقط من خلال إبرام الصفقات العسكرية، وإنما أيضاً عبر التصنيع العسكري وعدم الاكتفاء بشراء الأسلحة والمعدات الجاهزة.
وأصبح هذا التوجه أكثر فعالية بالنسبة لسياسات التسليح المصرية، لأنه يسمح للقاهرة ببناء قاعدة تكنولوجية حديثة تضم نظم تسليح متطورة، والاستفادة من الخبرات الأخرى في هذا المجال.
كما أن هذا المسار، وفق المصدر، يتيح للقاهرة تحقيق ذلك بكلفة سياسية ضئيلة، من دون الدخول في أزمات مع الولايات المتحدة، التي تضع بدورها قيوداً على استيراد نظم تسليحية بعينها من روسيا ودول أخرى.
“شينوك” صفقة أمريكية في توقيت صيني
في هذا السياق، تسلمت القوات الجوية المصرية هذا الشهر أول 5 مروحيات نقل ثقيلة من طراز “Boeing CH-47F Chinook”، خلال مراسم أقيمت على هامش معرض العلمين الدولي للطيران على الساحل المصري للبحر المتوسط.
جاء التسليم ضمن تنفيذ صفقة للمبيعات العسكرية الأجنبية تبلغ قيمتها نحو 426 مليون دولار، حصلت بموجبها شركة بوينغ في يناير/ كانون الثاني 2023 على عقد لتزويد القاهرة بـ12 مروحية نقل من الجيل الجديد.
وتعد المروحيات الـ5 أول دفعة من أصل 12 مروحية تصل إلى مصر، فيما توجد المروحيات الـ7 المتبقية حالياً ضمن جدول التسليم، وفق البرنامج التعاقدي الممتد حتى عام 2026، بحسب منصة الدفاع العربي.
وأقيم معرض العلمين الدولي للطيران خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر/ أيلول في مطار العلمين الدولي، بتنظيم من وزارة الدفاع المصرية والقوات الجوية المصرية.
وقال بريندان نيلسون، نائب الرئيس الأول لشركة بوينغ، إن مصر تمثل “واحدة من أهم شركاء الدفاع والأمن في المنطقة”. وستحل المروحيات الجديدة من طراز CH-47F محل أسطول القوات الجوية المصرية من مروحيات CH-47D، الذي تقدر بوينغ عدده حالياً بـ19 مروحية.
تعود علاقة مصر بمروحيات “شينوك” إلى فترة أقدم، إذ تسلمت القاهرة 15 مروحية CH-47C في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، ثم أضافت 4 مروحيات CH-47D عامي 1998 و1999.
وقامت مصر لاحقاً بترقية معظم المروحيات من طراز C إلى معيار D، وذلك في حدود عام 2002، كما تقدمت عام 2009 بطلب لشراء 6 مروحيات إضافية من طراز CH-47D، لكن يبدو أن هذا الطلب لم يتحول إلى صفقة.
وتعود الصفقة الحالية إلى موافقة وزارة الخارجية الأمريكية في مايو/ أيار 2022 على بيع محتمل يصل إلى 23 مروحية شينوك، بقيمة تصل إلى 2.6 مليار دولار.
لكن مصر خفضت حجم الصفقة، وتعاقدت في يناير/ كانون الثاني 2023 على شراء 12 مروحية بقيمة تقارب 426 مليون دولار، ضمن برنامج المبيعات العسكرية الأجنبية، حيث حصلت بوينغ على العقد عبر الجيش الأمريكي نيابة عن مصر.
ويأتي تسليم مروحيات شينوك الجديدة في ظل نمو سوق المروحيات العسكرية في المنطقة، فيما تمتلك مصر بالفعل أكثر من 300 مروحية من طرازات مختلفة، اعتماداً على موردين روس وأمريكيين وفرنسيين وصينيين، وفقاً لمنصة الدفاع العربي.
وتعد CH-47F أحدث نسخة إنتاجية من مروحيات شينوك ذات المروحتين المتعاكستين، وهي مصممة لتنفيذ مهام نقل القوات والمعدات والحمولات الثقيلة، وتوفير قدرة نقل جوي في مجموعة واسعة من العمليات العسكرية واللوجستية.
الصين خيار إضافي وواشنطن تحتفظ بموقعها
قال مصدر عسكري آخر، في تصريح لـ”عربي بوست”، إن التقارب العسكري المصري–الصيني يمكن أن يشكل، إلى حد ما، ورقة تفاوض مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بتوريد الأسلحة والمعدات العسكرية إلى مصر.
لكنه أوضح أن هذا التقارب لا يدفع بالضرورة نحو إبرام صفقات أمريكية جديدة، نظراً إلى وجود حسابات أمريكية عديدة، كما أن القاهرة نفسها قد لا يكون هدفها الضغط على الولايات المتحدة بشكل مباشر، وإنما يأتي تقاربها مع الصين في إطار سياسة تنويع التسليح.
وأوضح المصدر أن مصر تدرك أهمية العلاقات العسكرية الممتدة مع الولايات المتحدة، وما توفره من تسليح وتدريب ودعم فني، لكنها في الوقت ذاته تحرص على تنويع مصادر التسليح وعدم الاعتماد على طرف واحد.
يمنح تنامي التعاون الدفاعي مع الصين القاهرة، بحسب المصدر، مساحة أكبر للمناورة، إذ إن ظهور بدائل حقيقية أمام مصر، سواء في الطائرات أو أنظمة الدفاع الجوي أو الطائرات المسيّرة وغيرها من المجالات، قد يدفع الولايات المتحدة إلى النظر بصورة أكثر جدية إلى احتياجات الجيش المصري.
يرتبط ذلك، وفق المصدر، باحتمال أن تشعر واشنطن بأن القاهرة لديها خيارات أخرى يمكن اللجوء إليها. ولا يتعلق الأمر فقط بالحصول على أسلحة بديلة، وإنما أيضاً بالحفاظ على قدرة مصر على اتخاذ قراراتها التسليحية وفقاً لاحتياجاتها ومصالحها.
كما لفت المصدر إلى أن التدريبات المصرية–الصينية المتزايدة، ومنها مناورات “نسور الحضارة 2026″، تعكس اتساع نطاق التعاون العسكري بين البلدين.
لكنه استبعد في الوقت ذاته أن يؤدي التقارب مع الصين، بمفرده، إلى تحول جذري في الموقف الأمريكي، قائلاً إن “العلاقة العسكرية المصرية–الأمريكية لها طبيعة خاصة وتراكم يمتد لعقود، وتشمل منظومات تسليح وتدريب وصيانة وقطع غيار“.
أضاف المصدر العسكري الذي صرح لـ”عربي بوست” مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن القاهرة لا تتعامل مع الصين باعتبارها بديلاً سريعاً عن الولايات المتحدة، وإنما باعتبارها أحد الخيارات التي يمكن أن توسع هامش الحركة المصري.
لفت المصدر إلى أن الولايات المتحدة وافقت خلال السنوات الأخيرة على صفقات تسليح مهمة لمصر، ما في ذلك تحديث دبابات “أبرامز” وصواريخ “هيلفاير”، وهو ما يشير إلى استمرار التعاون العسكري بين البلدين بالتوازي مع انفتاح القاهرة على شركاء آخرين.
كما أشار إلى أن الهدف المصري الأساسي يتمثل في تحقيق توازن في العلاقات مع القوى الكبرى، بحيث لا تتحول أي علاقة منفردة إلى قيد على القرار المصري. وبحسب المصدر، فإن مجرد امتلاك بدائل تسليحية وتكنولوجية متعددة قد يعزز الموقف التفاوضي المصري مع جميع الشركاء، ما في ذلك الولايات المتحدة والصين.
لماذا يقلق التقارب مع الصين إسرائيل؟
شدد المصدر العسكري الأول على أن العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة قوية على مستوى التنسيق المشترك، وهناك تعاون وثيق في مجالات التأمين في البحر الأحمر وشرق المتوسط وغيرها من المناطق الملتهبة في المنطقة.
لكن الأمر يختلف، وفق المصدر، عندما يتعلق بالتسليح، في ظل حسابات موازين القوى، إذ تحافظ واشنطن على تفوق نوعي لإسرائيل، اعتقاداً منها أن ذلك من شأنه حماية دولة الاحتلال.
ويرى المصدر أن التقارب العسكري مع الصين يقلق إسرائيل أكثر من الولايات المتحدة ذاتها، لإدراكها أن هناك تغيراً نوعياً في أساليب التعاون الدفاعي القائم حالياً بين دول المنطقة وقوى عظمى مثل الصين.
ولفت إلى أن الطائرات التي حصلت عليها القاهرة مؤخراً من واشنطن يمكن أن تكون مقدمة لصفقات أخرى، إذا ما شعرت واشنطن بوجود خطر ماثل تجاه التقارب العسكري المصري–الصيني.
وأشار إلى أن التقارب مع روسيا كان، بحسب قراءته، بوابة لعودة التدريبات المشتركة وتسريع تقديم قطع الغيار وتحديث بعض الأسلحة الأمريكية لدى الجيش المصري، معتبراً أن التقارب العسكري المصري مع الصين هذه المرة يمكن أن يدفع واشنطن إلى إبرام صفقات جديدة أخرى مع القاهرة.
بحسب محلل سياسي مصري، فإن تنامي التعاون العسكري بين مصر والصين، ولا سيما في مجال التدريبات وتبادل الخبرات، إلى جانب توجه القاهرة لتنويع مصادر تسليحها، يثير اهتماماً واضحاً لدى الولايات المتحدة.
وأوضح المحلل أن واشنطن تنظر إلى مصر باعتبارها شريكاً أمنياً وعسكرياً مهماً في المنطقة، وتدرك أن استمرار انفتاح القاهرة على الصين وروسيا وفرنسا في مجال التسليح يوسع خياراتها.
لذلك، وفق المحلل، تحرص واشنطن على الحفاظ على مستوى متقدم من التعاون العسكري مع القاهرة، سواء من خلال صفقات السلاح أو التدريبات المشتركة أو التعاون الفني.
وأضاف أن المسألة بالنسبة إلى الولايات المتحدة لا ترتبط فقط بحجم صفقات السلاح، وإنما بالحفاظ على موقعها كشريك دفاعي رئيسي لمصر، وضمان استمرار ارتباط القوات المسلحة المصرية بمنظومات التسليح والتكنولوجيا والتدريب الأمريكية.
وأشار إلى أن واشنطن تأخذ في الاعتبار أيضاً حساسية التوازن العسكري في المنطقة، وفي مقدمته التوازن بين مصر وإسرائيل، لافتاً إلى أن تسليم مروحيات “شينوك” يعكس رغبة واشنطن في استمرار التعاون الدفاعي مع القاهرة.
حدود الضغط على واشنطن
منذ عام 2015، تستهدف القاهرة تنويع مصادر تسليح قواتها المسلحة التي تعد الأكبر عربياً. ورغم اعتمادها على أسلحة غربية أمريكية، فإن قواتها الجوية تضم مزيجاً من المقاتلات الفرنسية “رافال” والروسية من طراز MIG29M2، فضلاً عن مروحيات روسية من طراز “كاموف“.
تمتلك مصر واحداً من أكبر الأساطيل الجوية العسكرية في المنطقة، لكن العماد الرئيس لسلاح الجو المصري يتمثل في أكثر من 200 مقاتلة أمريكية من الجيل 4 من طراز F-16. وتتميز هذه المقاتلات بخفة الوزن ومحرك واحد، لكنها تتمتع بقدرات في القتال الجوي ومرونة تشغيلية عالية، فضلاً عن مدة خدمة طويلة.
وتعد مصر رابع أكبر دولة في العالم امتلاكاً لهذه المقاتلة، من طرازات متنوعة. وقد طلبت القاهرة باستمرار تطوير وتحديث النسخ القديمة من المقاتلة الأمريكية الأكثر انتشاراً في العالم.
لكن طلبات التحديث العميق لا تزال تقتصر على بضع عشرات من المقاتلات التي تمت ترقيتها إلى معيار بلوك 52، فيما سمحت الولايات المتحدة بتطوير مقاتلات F-16 لدول أخرى مثل المغرب والإمارات إلى معيار بلوك 60 وحتى المعيار الأقصى للمقاتلة، وهو Viper Block 70/72، الذي يجعل المقاتلة تصل رسمياً إلى مستوى الجيل 4 المعزز 4.5.
يرى المحلل السياسي المصري أن العلاقات العسكرية المصرية–الأمريكية تستند إلى مصالح استراتيجية أوسع من صفقات التسليح، تشمل التعاون في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات والتدريبات المشتركة، فضلاً عن الأهمية الاستراتيجية لقناة السويس بالنسبة إلى حركة التجارة وانتشار القوات الأمريكية في المنطقة.
في المقابل، فإن التقارب المصري–الصيني يوفر للقاهرة، وفق المصادر الواردة في المادة، خيارات إضافية في مجال التسليح والتكنولوجيا والتدريب، من دون أن يعني بالضرورة انتقالها إلى شراكة بديلة عن واشنطن.
تشير هذه المعادلة إلى أن تسليم مروحيات شينوك الجديدة يأتي في وقت تواصل فيه القاهرة بناء علاقات دفاعية متعددة الاتجاهات، بينما تستمر في الوقت نفسه في المحافظة على التعاون العسكري الممتد مع الولايات المتحدة.
بذلك، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان التقارب مع الصين سيدفع واشنطن إلى تقديم صفقات إضافية، وإنما أيضاً بمدى نجاح القاهرة في الحفاظ على تعدد خياراتها التسليحية والتكنولوجية، من دون أن تتحول أي من شراكاتها العسكرية إلى قيد على قرارها الدفاعي.
*”وهبه” من احتكار “آيفون” إلى صفقات عقارية بالمليارات.. شبهات تضارب مصالح تحيط بمجموعة صهر السيسي
أعلن مجلس إدارة شركة زهراء المعادي للاستثمار والتعمير، قبل أيام قليلة، موافقته على عرض تقدمت به شركة الصافي للتطوير العقاري لتطوير عشرات الأفدنة داخل المدينة بهدف إقامة مشروع سكني وخدمي متكامل.
جاء الإفصاح الرسمي للبورصة المصرية مقتضباً للغاية، وأوضح أن المشروع يتعلق بتطوير مساحة تبلغ 104 أفدنة في الشطر الرابع عشر من زهراء المعادي، بقيمة تعاقدية تتجاوز 82 مليار جنيه. وتبلغ حصة شركة زهراء المعادي، التي تُعد الحكومة المساهم الرئيسي فيها بما يقرب من نصف رأس المال، نحو 37% من القيمة التعاقدية، أي ما يعادل حوالي 30.4 مليار جنيه، مع حد أدنى مضمون قدره 22 مليار جنيه يتم تحصيله على مدى تسع سنوات، بينما تحصل شركة الصافي على الباقي في منطقة شديدة الحيوية قرب طريق القطامية-العين السخنة والطريق الدائري.
يثير هذا التعاقد تساؤلات جوهرية حول مصلحة الشركة الحكومية في الدخول في شراكة مع جهة لا يزال تاريخها في القطاع العقاري حديث العهد نسبياً، فالصفقة تأتي في ظل ظروف صعبة يمر بها القطاع العقاري ككل، ويبدو أن الشروط التي حصلت عليها مجموعة الصافي تجعل الفرصة أكثر جاذبية مقارنة بمنافسين آخرين في السوق.
صعود سريع تزامن مع علاقة النسب
مالك مجموعة الصافي هو نسيب عائلة المنقلب عبد الفتاح السيسي، وتحديداً والد زوج ابنة شقيقه “المستشار” أحمد السيسي. بدأت مرحلة الثراء السريع منذ أغسطس 2018، بالتزامن مع زواج نجله محمد الصافي من مريم حفيدة “آل السيسي”، بعد عام واحد فقط من هذه المصاهرة، عُين صافي وهبة رئيساً للجانب المصري في مجلس الأعمال المصري الكويتي بقرار من وزير الصناعة. وقبل ذلك بأسابيع قليلة تعاقدت وزارة التربية والتعليم معه لتوريد حصري لصفقة التابلت المدرسي، بتكلفة بلغت نحو نصف مليار دولار وفقاً لتصريحات الوزير الأسبق، وهي الصفقة التي لم تُسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن.
في عام 2020 تولى وهبة رئاسة مجلس إدارة شركة النيل لحلج الأقطان، وهي شركة حكومية كانت قد خضعت لخصخصة قبل الثورة ثم صدر حكم قضائي ببطلانها. استحوذ على كامل الشركة تقريباً عبر عرض شراء إجباري للأسهم في البورصة بسعر 50 جنيهاً للسهم، وهو نصف القيمة التي كانت مطروحة في مفاوضات سابقة لحل أزمة الخصخصة قبل أربع سنوات.
بعد عامين، دخل في شراكة مع إبراهيم العرجاني ومجموعة الغانم الكويتية، التي كانت الوكيل الحصري لسيارات بي إم دبليو في مصر، لإعادة افتتاح مصنع تجميع السيارات بعد توقف دام خمس سنوات. وأسس الطرفان معاً شركة تطوير عقاري باسم «ذا آرك»، انطلقت في مشروعات بالعاصمة الإدارية الجديدة بتكاليف تصل إلى 30 مليار جنيه. وفي 2023 استحوذ على 53% من الشركة العربية للفنادق المالكة لفندق هيلتون، في صفقة بلغت قيمتها حوالي 4 مليارات جنيه، بعد تخارج صناديق ثروة خليجية وعربية.
من الأجهزة الإلكترونية إلى العقارات والهواتف الذكية
بدأت مجموعة الصافي في الثمانينيات كشركة لتجارة وتوزيع الأجهزة الإلكترونية والاتصالات، ثم توسعت تدريجياً خلال السنوات الأخيرة إلى قطاعات جديدة. في سوق الهواتف المحمولة حصلت على حقوق توزيع سامسونج وتسويق شاومي، ثم توسعت في السيطرة على مبيعات الآيفون.
وكشفت منصة «صحيح مصر» أن شركة «سويتش بلس» المملوكة لصافي وهبة تستعد لإدارة فروع شركة «إيه بي إم»، الموزع المعتمد لمنتجات آبل في مصر والخليج والعراق، على أن يُفتتح أول مركز توزيع لها في الشيخ زايد بنهاية أكتوبر. وكان جهاز حماية المنافسة قد اتهم «إيه بي إم» عام 2018 بممارسات تحد من المنافسة وترفع أسعار منتجات آبل عبر منع الاستيراد المستقل وقصر التوزيع على شركات محددة من بينها «سويتش بلس».
على صعيد العقارات، أعلنت شركة سوديك في يوليو 2023 اتفاقاً مع مجموعة الصافي لتطوير نحو 440 فداناً في الساحل الشمالي، بمبيعات تعاقدية متوقعة تصل إلى 80 مليار جنيه خلال 11 سنة. كما تمتلك المجموعة وتطور قطعاً من الأراضي ومشروعات سياحية في منطقة الجلالة والساحل الشمالي بالتعاون مع مستثمرين محليين وعرب.
أسئلة مفتوحة حول تضارب المصالح
يصف مراقبون الصفقة الأخيرة مع زهراء المعادي بأنها حالة كلاسيكية من تضارب المصالح. فشركة حكومية كبيرة تمنح عقد تطوير أو شراكة لمطور خبرته محدودة نسبياً في القطاع العقاري، في وقت تحاول فيه الحكومة نفسها معالجة مشكلات القطاع. الحصول المتكرر على عقود حكومية كبيرة ساهم في تضخم حجم أعمال المجموعة خلال السنوات الأخيرة وفتح أبواب الربح في قطاعات جديدة.
المنفعة الاقتصادية لمجموعة الصافي في صفقة زهراء المعادي واضحة: الدخول في مشروع بتعاقدات متوقعة تتجاوز 82 مليار جنيه والحصول على الحصة المتبقية بعد نصيب الشركة الحكومية، مع تحمل التكاليف والالتزامات التي يحددها العقد، وهو العقد الذي لم يُنشر حتى الآن. وتمتلك الحكومة عبر شركاتها المملوكة للشعب نحو 47% من شركة زهراء المعادي المدرجة في البورصة.
تظل الأسئلة الأساسية قائمة: لماذا اختيرت شركة الصافي للتطوير العقاري تحديداً؟ وما تقييم الأرض الذي بُنيت عليه نسبة المشاركة؟ وهل وُجدت عروض منافسة كانت تحقق عائداً أفضل للشركة الحكومية؟ وما ضمانات تحصيل مستحقات زهراء المعادي على مدى التسع سنوات؟ هذه المعلومات هي التي تسمح بالحكم على ما إذا كانت الشراكة تحقق مقابلاً عادلاً لصاحب الأرض، أم أنها تمثل نموذجاً جديداً لرأسمالية المحاسيب يعتمد على القرابة من دوائر السلطة.
*السيسي يُوسّع نفوذ الجيش في الصحة.. هل يُعيد رسم خريطة الأصول لصالح الإمارات؟
“مستقبل مصر” ينتقل إلى القطاع الطبي بعد إعادة تنظيمه وتوسيع صلاحياته
لم يعد توسع المؤسسات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية في الاقتصاد بزمن المنقلب السيسي مقتصرًا على الزراعة واستصلاح الأراضي والصناعة والتشييد والتجارة، إذ وصل التمدد هذه المرة إلى القطاع الصحي، عبر دخول جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» مجال الرعاية الطبية، مستفيدًا من إعادة تنظيمه ونقل تبعيته إلى رئاسة الجمهورية، بما يفتح فصلًا جديدًا في ملف إدارة الأصول العامة وتوزيع النفوذ الاقتصادي بين مؤسسات الدولة والمستثمرين المحليين والخليجيين.
وفي منتصف سبتمبر الجاري، أعلن «مستقبل مصر» إطلاق «تحالف مستقبل مصر الطبي»، على أن تضم المرحلة الأولى من المنظومة مستشفيين تابعين للقوات المسلحة، هما المركز الطبي العالمي والمستشفى الجوي التخصصي، مع إعلان التوسع لاحقًا بضم منشآت ومستشفيات أخرى.
ويأتي التحرك بعد أسابيع من صدور القانون رقم 147 لسنة 2026، الخاص بإعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة»، والذي صدق عليه المنقلب عبدالفتاح السيسي في يوليو الماضي، ويمنح القانون الجهاز إطارًا قانونيًا جديدًا لإدارة واستثمار الأراضي والأصول الواقعة ضمن نطاق اختصاصه.
ويثير هذا التحول أسئلة تتجاوز مجرد دخول كيان جديد سوق الرعاية الصحية، لتصل إلى طبيعة العلاقة بين الجيش والاقتصاد، وحدود انتقال الأصول التابعة للمؤسسة العسكرية إلى كيانات اقتصادية تتبع الرئاسة، في الوقت الذي تشهد فيه السوق المصرية توسعًا لافتًا في استثمارات القطاع الخاص ورؤوس الأموال الخليجية في المستشفيات والأدوية والتشخيص الطبي.
من اقتصاد الجيش إلى اقتصاد الرئاسة
منذ تأسيس سلطة الانقلاب العسكري لـ «مستقبل مصر»، اتسعت أنشطة الجهاز بصورة سريعة لتشمل قطاعات الزراعة واستصلاح الأراضي والاستزراع السمكي والصناعة والتجارة والتشييد وغيرها.
لكن التطور الأكثر دلالة جاء مع إعادة تنظيم الجهاز في يوليو 2026، إذ انتقل إلى إطار قانوني جديد بوصفه كيانًا اقتصاديًا يرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يمثل مجرد إعادة هيكلة إدارية، أم إعادة توزيع لمراكز القوة الاقتصادية داخل الدولة.
ودخول الجهاز إلى قطاع الصحة يضيف بعدًا جديدًا لهذه العملية، خصوصًا أن أول أصوله الطبية المعلنة ليست منشآت جديدة جرى بناؤها من الصفر، وإنما مستشفيات عسكرية قائمة بالفعل.
وبحسب تقرير «مدى مصر»، فإن المركز الطبي العالمي والمستشفى الجوي التخصصي يقدمان خدمات للعسكريين ضمن منظومة التأمين الصحي للقوات المسلحة، كما يقدمان خدمات للمدنيين بمقابل مالي أو عبر تعاقدات مع جهات التأمين وغيرها، مع وجود خطة للتوسع في ضم منشآت أخرى.
وبذلك، يبدو أن التحول لا يتعلق فقط بإنشاء شركة طبية جديدة، وإنما بإعادة إدخال أصول قائمة ضمن منظومة استثمارية تستهدف قطاعات أكثر ربحية، وفي مقدمتها السياحة العلاجية والخدمات الطبية الموجهة إلى القادرين على الدفع والعملاء الأجانب والخليجيين.
السياحة العلاجية.. سوق جديدة للجيش
شارك «تحالف مستقبل مصر الطبي» في معرض «إيجي هيلث 2026» الذي أقيم بالقاهرة في الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر، مستعرضًا خدماته الطبية والتخصصات الدقيقة والتدريب والبحث العلمي والتحول الرقمي والسياحة العلاجية.
وتكشف طبيعة الخدمات التي يجري الترويج لها عن تحول في طريقة النظر إلى المستشفيات العسكرية، من مؤسسات تقدم خدمات علاجية ضمن منظومة القوات المسلحة إلى أصول يمكن إدارتها باعتبارها جزءًا من نشاط اقتصادي يستهدف أسواقًا خارجية.
وتكتسب السياحة العلاجية أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا إلى إمكانية تحصيل الإيرادات بالعملات الأجنبية من المرضى العرب والأجانب وشركات التأمين الدولية، في وقت تعاني فيه مصر أزمة مزمنة في توفير العملة الصعبة.
لكن هذا التوجه يضع في المقابل سؤالًا أساسيًا أمام السياسة الصحية للدولة: هل يجري توجيه جزء متزايد من الاستثمارات الطبية نحو الخدمات القادرة على تحقيق عائد تجاري مرتفع، بينما لا تزال قطاعات واسعة من المصريين تعتمد على مستشفيات ووحدات صحية حكومية تعاني نقص الموارد؟
وتزداد أهمية السؤال مع توسع الدولة في إتاحة إدارة وتشغيل بعض المنشآت الصحية الحكومية أمام المستثمرين، وفق قانون التزام المرافق العامة لإنشاء وإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية.
أصول الدولة بين الجيش والمستثمرين الخليجيين
اللافت أن توسع «مستقبل مصر» في الصحة لا يحدث في فراغ، وإنما في سوق شهد خلال السنوات الأخيرة صفقات واستثمارات خليجية وأجنبية كبيرة.
وكان القطاع الصحي منذ الانقلاب العسكري، قد شهد اهتمامًا واسعًا من المستثمرين، خصوصًا في المستشفيات الخاصة والتشخيص والأدوية، وفي 2021، على سبيل المثال، جرت مفاوضات لاستحواذ مجموعة مستشفيات كليوباترا على مجموعة «ألاميدا» للرعاية الصحية العاملة في مصر، لكن الاتفاق لم يكتمل وانتهت المفاوضات في مايو من العام نفسه
وتكشف هذه الواقعة عن حجم المنافسة على سوق الرعاية الصحية المصرية، لكنها في الوقت نفسه تؤكد ضرورة الفصل بين الملكية الفعلية الحالية وبين الصفقات التي جرى التفاوض بشأنها ولم تتم.
كما شهد القطاع الطبي صفقات واستثمارات مرتبطة بمستثمرين إماراتيين في مجالات المستشفيات والتشخيص والأدوية، وهو ما جعل الرعاية الصحية واحدة من القطاعات التي تتقاطع فيها استثمارات الدولة المصرية مع رؤوس الأموال الخليجية.
وفي هذا السياق، فإن دخول كيان تابع للرئاسة ومسنود بأصول عسكرية إلى المجال نفسه يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول شكل المنافسة المقبلة: هل تتجه الدولة إلى منافسة المستثمرين الخليجيين، أم إلى العمل معهم، أم إلى إعادة توزيع الأصول بحيث تتعايش الملكية الحكومية والعسكرية والخليجية داخل سوق واحدة؟
منافسة بين مشروعين للسياحة العلاجية
وتزداد علامات الاستفهام مع وجود خطط حكومية موازية لتطوير السياحة العلاجية من خلال منشآت تابعة لوزارة الصحة.
فقد سبق الإعلان عن مشروع لإنشاء مدينة طبية للسياحة العلاجية وزراعة الأعضاء في معهد ناصر، بما يشمل تخصصات طبية متعددة، بهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي للخدمات العلاجية.
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في المشهد الجديد: وجود مشروع حكومي للسياحة العلاجية إلى جانب كيان اقتصادي جديد تديره مؤسسة مرتبطة بالرئاسة ويضم مستشفيات عسكرية قائمة.
ويطرح ذلك تساؤلًا حول مستقبل الأصول العامة: هل ستعمل المشروعات الحكومية والكيانات العسكرية الجديدة في إطار تكاملي، أم أن تعدد الجهات المالكة والمديرة للمنشآت الصحية سيؤدي إلى منافسة داخل الدولة نفسها؟
ويرى منتقدون للسياسات الحالية أن امتلاك جهاز اقتصادي ذي نفوذ واسع لأصول طبية قائمة قد يمنحه أفضلية كبيرة في السوق، خصوصًا إذا حصل على أصول عامة أو عسكرية تتمتع أصلًا بالبنية التحتية والخبرات والتجهيزات.
الإمارات حاضرة في المشهد.. لكن الملكية تحتاج إلى تدقيق
في المقابل، فإن الحديث عن «السيطرة الإماراتية» على القطاع الصحي المصري يحتاج إلى التمييز بين الاستثمارات الإماراتية القائمة والصفقات التي لم تكتمل.
ففي يناير 2021، كانت قيمة صفقة استحواذ كليوباترا على «ألاميدا» محل اهتمام واسع، وبلغت قيمة المديونية المرتبطة بالصفقة نحو 3.3 مليار جنيه، إلا أن الصفقة توقفت لاحقًا ولم تتحول إلى استحواذ مكتمل.
كما أن جهاز حماية المنافسة المصري سبق أن أبدى مخاوف من آثار الصفقة المحتملة على المنافسة في سوق المستشفيات، وهو ما يوضح أن مسألة تركّز ملكية المنشآت الصحية كانت محل نقاش رسمي قبل سنوات.
ومن ثم، فإن القضية الأوسع ليست مجرد سؤال: «هل يصطدم السيسي بالإمارات؟»، وإنما: كيف يعاد توزيع ملكية وإدارة أصول القطاع الصحي المصري بين الدولة والجيش والقطاع الخاص ورؤوس الأموال الخليجية؟
وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع دخول «مستقبل مصر» إلى المجال الصحي في الوقت نفسه الذي تتوسع فيه الدولة في إتاحة إدارة وتشغيل منشآت صحية أمام المستثمرين.
من الخدمة العامة إلى الأصل الاستثماري
التحول الأكبر في المشهد يتمثل في تغير النظرة إلى المستشفى نفسه.
فالمستشفى الذي كان يُنظر إليه باعتباره مرفقًا للخدمة العامة يمكن أن يتحول، بموجب ترتيبات الإدارة والتشغيل الجديدة، إلى أصل استثماري قابل لتحقيق الإيرادات.
وبالنسبة إلى منتقدي النظام، فإن توسيع هذا النموذج يندرج ضمن سياسة أوسع يرون أنها أدت إلى تراجع مفهوم الخدمة العامة لمصلحة إدارة الأصول بمنطق تجاري، بينما تتزايد حاجة المصريين إلى خدمات صحية مدعومة وميسرة.
وفي المقابل، تقول الدولة: “إن إشراك القطاع الخاص والمستثمرين في الإدارة والتشغيل يهدف إلى رفع كفاءة المنشآت وتوفير التمويل والتكنولوجيا وتحسين مستوى الخدمة”.
لكن دخول جهاز «مستقبل مصر» نفسه إلى السوق يعقد الصورة؛ إذ لم يعد الجدل يدور فقط حول خصخصة أو تأجير منشآت حكومية، بل أيضًا حول نقل أصول كانت مرتبطة بالمؤسسة العسكرية إلى كيان اقتصادي جديد يتبع الرئاسة.
الجيش يخسر جزءًا من نفوذه أم يعيد إنتاجه؟
ويثير نقل المستشفيات العسكرية إلى «تحالف مستقبل مصر الطبي» سؤالًا آخر يتعلق بطبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والكيانات الاقتصادية المستحدثة.
فمن زاوية أولى، يمكن قراءة الأمر باعتباره تقليصًا مباشرًا لملكية أو تبعية بعض الأصول للمؤسسة العسكرية ونقلها إلى كيان يتبع الرئاسة.
لكن من زاوية أخرى، فإن انتقال الأصل من مؤسسة عسكرية إلى جهاز اقتصادي تابع للرئاسة لا يعني بالضرورة خروجه من دائرة النفوذ الرسمي، وإنما قد يمثل إعادة تنظيم لطريقة إدارة الأصول وتوزيع العوائد والصلاحيات.
وهنا تكمن أهمية إعادة تنظيم «مستقبل مصر»؛ إذ نص القانون رقم 147 لسنة 2026 على إطار جديد للجهاز، ما يضعه في موقع مختلف عن صورته السابقة ككيان مرتبط بالمنظومة العسكرية.
وبالتالي، فإن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كان الجيش «خسر» هذه المستشفيات، وإنما من أصبح يملك قرار إدارتها واستثمارها، ومن يحصل على عوائدها، وكيف تخضع هذه العمليات للرقابة والإفصاح العام.
أين يقف المواطن المصري؟
وسط هذا الصراع على إدارة الأصول والأسواق، يبقى المواطن المصري الطرف الذي يفترض أن تكون السياسة الصحية موجهة إليه في الأساس.
وتشير الانتقادات الموجهة إلى التوسع الاستثماري في القطاع الصحي إلى خطر تحول المستشفيات والخدمات الطبية إلى سلع ترتفع أسعارها مع تراجع مساحة الخدمة العامة.
وفي المقابل، فإن الحكومة المصرية تطرح مشاركة المستثمرين باعتبارها وسيلة لزيادة الطاقة الاستيعابية وتحسين الإدارة وتطوير الخدمات، خصوصًا في ظل الضغوط المالية التي تواجه الموازنة.
لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق توازن واضح بين جذب الاستثمار وبين ضمان استمرار قدرة المواطن محدود الدخل على الوصول إلى العلاج.
إعادة تشكيل خريطة الأصول
دخول «مستقبل مصر» إلى القطاع الصحي لا يمكن فصله عن المسار الأوسع لإعادة تشكيل خريطة الأصول المصرية خلال السنوات الأخيرة.
فمن ناحية، تتوسع الكيانات الاقتصادية المرتبطة بالدولة في قطاعات جديدة، ومن ناحية ثانية تُطرح منشآت حكومية أمام المستثمرين للإدارة والتشغيل، بينما تستمر الاستثمارات الخليجية والأجنبية في البحث عن فرص داخل قطاعات مثل الصحة والأدوية والتشخيص.
وفي هذه الخريطة المتشابكة، تبدو الإمارات واحدة من القوى الاستثمارية الحاضرة في السوق المصرية، لكن تحديد حجم سيطرتها الفعلية على القطاع الصحي يتطلب التفريق بين الملكية المباشرة والاستثمارات والحصص والصفقات التي لم تكتمل.
أما دخول جهاز «مستقبل مصر» إلى المجال الطبي، فيعني أن الدولة نفسها باتت تتحرك عبر كيان اقتصادي ذي صلاحيات واسعة داخل سوق تتنافس عليها جهات حكومية وعسكرية وخاصة وخليجية.
وبينما يرى منتقدو سياسات المنقلب السفيه السيسي أن هذه التحولات تمثل جزءًا من مسار أوسع لتسليع الأصول العامة وإعادة توزيعها خارج الإطار التقليدي للقطاع الحكومي، يرى المدافعون عن إشراك المستثمرين أن الهدف هو توفير التمويل ورفع كفاءة الخدمات.
وفي الحالتين، تبقى القضية الأساسية مرتبطة بالشفافية: من يملك الأصل؟ ومن يديره؟ ومن يحصل على العائد؟ وما نصيب المواطن من الخدمة؟
وهذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية كلما اتسعت دائرة الكيانات التي تدير أصول الدولة، وتداخلت في السوق المصرية أدوار الرئاسة والمؤسسة العسكرية والقطاع الخاص ورؤوس الأموال الخليجية.
* انتعاش تجارة بقايا الطعام دليل فشل حكومات السيسي وإفقار المصريين
تدفع موجات الغلاء المتلاحقة شرائح من المصريين إلى تغيير شكل مشترياتها الغذائية، حتى باتت قطع الجبن الصغيرة و«كسر اللانشون» وبقايا المصانع والمطاعم بدائل أرخص لعائلات لم تعد دخولها تتحمل الأسعار الكاملة للسلع.
وتضع المشاهد المتداولة لباعة يعرضون قطعًا صغيرة من الجبن واللانشون بأسعار مخفضة سؤالًا اجتماعيًا ثقيلًا حول المسافة التي قطعتها أزمة المعيشة، بعدما انتقلت الضغوط من تقليل الكميات إلى البحث عن الأرخص مهما تراجعت الجودة.
وفي سبتمبر 2026، بلغ متوسط كيلو الجبن الأبيض نحو 142.29 جنيه، بينما وصل كيلو الجبن الرومي إلى 285 جنيهًا، وفق بيانات الأسعار الحكومية المنشورة، وهي مستويات تجعل «الكسر» خيارًا أقل تكلفة لبعض المشترين.
كما سجل متوسط كيلو اللحوم الطازجة نحو 432.11 جنيه، والدواجن الطازجة 97.54 جنيه، فيما تجاوز لتر زيت عباد الشمس 103 جنيهات، وهي أرقام توضح حجم الضغط الذي تواجهه ميزانية الأسرة عند شراء الاحتياجات المعتادة.
وبينما تتغير الأسعار بين منطقة وأخرى، فإن اتساع البحث عن المنتجات المخفضة وبواقي المصانع ليس ظاهرة جديدة، إذ وثقت تقارير سابقة أسواقًا شعبية تعرض بواقي الطعام والحلويات واللحوم المصنعة بأسعار أدنى من المتاجر التقليدية.
لكن عودة هذه الصور إلى الواجهة في 2026 تأتي وسط مستوى سعري مرتفع تراكم عبر سنوات، ما يجعل انخفاض معدل التضخم وحده غير كافٍ لإعادة السلع إلى مستوياتها القديمة أو استعادة ما فقدته الدخول من قوة شرائية.
الغلاء يعيد تشكيل موائد الأسر
ويقول الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، الخبير الاقتصادي، إن تحركات سعر الدولار أصبحت من العوامل المؤثرة مباشرة في تكلفة السلع ومدخلات الإنتاج، وهو ما ينتقل بدوره إلى أسعار البيع التي يتحملها المستهلك النهائي.
كما أشار عبدالمطلب إلى ارتفاع أسعار السكر بنحو 18% خلال الفترة الأخيرة، إلى جانب زيادة أسعار الزيوت، بما يعكس استمرار الضغوط على سلع أساسية يصعب على غالبية الأسر الاستغناء عنها أو تقليص استهلاكها طويلًا.
وفي سبتمبر وحده، قفز سعر طن السكر إلى نطاق بين 25 و26 ألف جنيه، بعدما كان يتراوح بين 21 و22 ألفًا خلال أغسطس، بزيادة تقارب 18% عقب السماح بتصدير كميات من السلعة.
كذلك ارتفع زيت عباد الشمس في الأسواق إلى أكثر من 100 جنيه للتر في عدة أيام من سبتمبر، بينما سجل السكر المعبأ نحو 35 جنيهًا للكيلو، لتتراكم الزيادات داخل فاتورة الطعام اليومية.
ومع ارتفاع الأسعار، تفقد الأسرة مساحة الاختيار تدريجيًا؛ فالمشكلة لا تقف عند استبدال علامة تجارية بأخرى، وإنما تصل لدى بعض محدودي الدخل إلى تقليص البروتين أو الاتجاه إلى الأطراف والبواقي الأقل سعرًا.
لذلك يصبح «كسر الجبن» أو قطع اللانشون غير المنتظمة سلعة لها سوق، ليس لأنها تمثل تفضيلًا استهلاكيًا جديدًا، بل لأنها تسمح للمشتري بالحصول على كمية محدودة بسعر يمكن إدخاله في ميزانية مضغوطة.
وفي المقابل، تبلغ قيمة الدعم السلعي المقرر للفرد على البطاقة التموينية 50 جنيهًا شهريًا حتى الفرد الرابع، وتنخفض إلى 25 جنيهًا للفرد الخامس ومن يليه، وفق نظام الصرف المطبق خلال سبتمبر.
وبحساب الأسعار الرسمية للمقررات، فإن الخمسين جنيهًا تساوي تقريبًا زجاجة زيت تمويني بسعر 30 جنيهًا ويتبقى منها عشرون جنيهًا، وهو مبلغ محدود أمام أسعار اللحوم والجبن والزيوت خارج منظومة الدعم.
التضخم يتراجع والأسعار تبقى مرتفعة
ويرى الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد والمالية بجامعة القاهرة، أن الانخفاض المحدود في معدل التضخم لا يعني بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في مستويات الأسعار، لأن بعض بنود السكن والطاقة والخدمات ما زالت تدفع التكاليف صعودًا.
كما أوضح نافع أن ارتفاع الكهرباء والغاز والوقود ينتقل إلى تكاليف الإنتاج، ثم تعيد الشركات تمرير جزء من تلك الزيادات إلى أسعار السلع والخدمات، بما يجعل أثرها ممتدًا على القوة الشرائية للأسر.
ورغم تراجع التضخم السنوي للحضر إلى 14.5% في أغسطس مقابل 14.9% خلال يوليو، فإن هذا الرقم يقيس سرعة ارتفاع الأسعار مقارنة بالعام السابق، ولا يعني عودتها إلى المستويات التي سبقت موجات الغلاء.
وفي الوقت نفسه، سجل التضخم الأساسي 14.9% خلال أغسطس، بينما ارتفعت أسعار الكهرباء للاستخدام المنزلي بنسبة 9.2% خلال الشهر وفق تحليل بيانات التضخم، وهي تكلفة لا تتوقف آثارها عند فاتورة المنزل وحدها.
كذلك ارتفعت الألبان والجبن والبيض بنسبة 1.3% خلال أغسطس مقارنة بالشهر السابق، بينما ارتفعت الزيوت والدهون والسكر والأغذية السكرية، رغم انخفاض بعض مجموعات اللحوم والخضروات في الشهر نفسه.
ومن ثم فإن الحديث عن هدوء التضخم لا يمحو أثر سنوات من الزيادات المتراكمة، فالأسرة التي اضطرت سابقًا إلى حذف أصناف من مشترياتها لا تستعيدها لمجرد تباطؤ سرعة الزيادة خلال شهر واحد.
وبينما تستطيع الأسر الأعلى دخلًا امتصاص جانب من الزيادات، تصبح الخيارات لدى محدودي الدخل أكثر قسوة، بدءًا من شراء كميات أصغر، مرورًا بالاستغناء عن أصناف، وصولًا إلى أسواق «الكسر» والبواقي.
الديون والإنتاج وفاتورة المعيشة
ويقول الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، إن مصر تحتاج إلى برنامج وطني يركز على زيادة الإنتاج بدل الاعتماد على القروض، معتبرًا أن هيكل السياسة الاقتصادية يحدد قدرة المجتمع على تحمل الضغوط.
كما أشار عبده إلى أن برامج التمويل الدولية ارتبطت بإجراءات تضمنت تحرير سعر الصرف وخفض الدعم ورفع أسعار بعض السلع والخدمات، وهي قرارات ينتقل جانب كبير من آثارها في النهاية إلى تكلفة معيشة المواطنين.
ومع تكرار تحركات سعر الصرف، ترتفع تكلفة المواد الخام المستوردة والنقل والتعبئة، وهو ما ظهر مجددًا خلال سبتمبر بعدما رفعت شركات زيوت الطعام أسعارها بنحو 1500 جنيه للطن بالتزامن مع صعود الدولار فوق 52 جنيهًا.
كذلك تتحمل الأسر الزيادة في تكاليف الطاقة والنقل والسكن بالتوازي مع الغذاء، ولذلك لا يمكن قراءة «كسر اللانشون والجبنة» باعتباره مجرد عرض تجاري لطيف أو وسيلة مبتكرة لتوفير بضعة جنيهات.
بل يمثل انتشار هذه البدائل مؤشرًا اجتماعيًا على الطريقة التي تعيد بها الأسر ترتيب أولوياتها عندما تصبح المنتجات الكاملة أثقل من قدرتها الشرائية، فيتراجع معيار الجودة تدريجيًا أمام سؤال أكثر إلحاحًا: كم سيدفع المشتري؟
وفي الأسواق الشعبية، تزيد خطورة المسألة عندما تنتقل من منتجات سليمة غير منتظمة الشكل إلى أغذية مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية، إذ وثقت جولات ميدانية بيع لانشون وهامبرجر وبواقي حلويات بأسعار منخفضة وسط مخاوف صحية.
ولهذا لا تبدو المشكلة محصورة في رقابة بائع صغير، لأن توسع الطلب على الغذاء الأرخص يرتبط أصلًا بقدرة الأسر على شراء الطعام الآمن، وهي قدرة تتآكل عندما تتسع الفجوة بين الدخل وتكلفة الاحتياجات الأساسية.
وفي النهاية، لا تختصر صورة «كسر اللانشون والجبنة» أزمة الاقتصاد المصري كلها، لكنها تختصر جانبًا شديد الوضوح منها: مواطن يحاول إعادة تقسيم جنيهاته أمام رفوف ارتفعت أسعارها أسرع مما تحسنت قدرته على الإنفاق.
وبذلك تصبح القطع الصغيرة وبواقي المصانع والمطاعم جزءًا من اقتصاد يومي قائم على تقليص الكميات وخفض الجودة والبحث المستمر عن البديل الأرخص، بينما تظل معالجة جذور الأزمة مرتبطة بالدخل والإنتاج والأسعار وسياسات الحماية الاجتماعية.
*النظام المصري يتجه لبيع 745 فدانًا على النيل بـ 9 مليارات دولار لمستثمرين خليجيين و تفرط في متنفسات القاهرة
تضع الحكومة 745 فدانًا من الأراضي والمباني المطلة على النيل بالقاهرة والجيزة ضمن محفظة أصول يجري تقييمها، قُدرت مبدئيًا بنحو 470.4 مليار جنيه، أي قرابة 9 مليارات دولار بسعر 52.25 جنيهًا للدولار.
وتضم المحفظة 192 موقعًا، فيما يجري تجهيز 136 قطعة أمام المستثمرين، وتلقى صندوق التنمية الحضرية 3 طلبات من مستثمرين خليجيين.
أراضٍ نيلية تنتظر مصيرها
وبينما تتعامل الحكومة مع المواقع باعتبارها أصولًا قابلة للاستثمار، يظل السؤال الأهم هو طبيعة التصرف فيها، وما إذا كان تجهيزها للمستثمرين سيقود إلى تنازل طويل الأمد عن مواقع لا تتكرر داخل العاصمة.
كما تتوزع المواقع بين 110 قطع بالقاهرة على مساحة 430 فدانًا، و82 موقعًا بالجيزة على 315 فدانًا، في حصر يضع شريطًا طويلًا من واجهة النيل تحت إدارة قرارات استثمارية مركزية.
وفي القاهرة تشمل المناطق الساحل وروض الفرج وبولاق أبو العلا والسيدة زينب ومصر القديمة ودار السلام والمعادي وطرة والمعصرة وغرب القاهرة، بينما تمتد المواقع في الجيزة إلى الوراق وإمبابة والعجوزة والدقي وجنوب الجيزة.
وعلى الرغم من هذا الانتشار، لا تتوافر قائمة تفصيلية معلنة تربط كل قطعة بمساحتها ومالكها الحالي واستخدامها وشروط البناء عليها، ما يجعل تقييم الجمهور لما يُخطط له محجوبًا خلف أرقام إجمالية.
كذلك لا تعني قيمة 470.4 مليار جنيه أن هذه حصيلة ستدخل خزينة الدولة، فهي تقدير أولي للأراضي التي تبلغ نحو 745 فدانًا، بينما تستمر إجراءات التقييم المالي والفني لتحديد القيمة النهائية.
وفي هذا السياق، يرى الدكتور أحمد شطاوي، الأستاذ المشارك بقسم التخطيط والتصميم العمراني في جامعة عين شمس، أن تحويل المساحات العامة إلى أنشطة تجارية قد يقصي فئات لا تستطيع تحمل تكاليف استخدامها.
وتحذر أبحاث شطاوي عن خصخصة الحدائق العامة من أن الإقصاء لا يحتاج دائمًا إلى بوابات مغلقة؛ فالرسوم وطبيعة النشاط والإحساس بأن المكان مخصص لطبقة بعينها قد تحول الفضاء العام إلى مساحة لا يشعر الجميع بالترحيب فيها.
لذلك لا يكفي الإعلان عن قيمة الأراضي أو وعد بتطويرها، ما لم تُعلن ضمانات واضحة لبقاء النيل متاحًا للجمهور، وتُحدد مساحات مجانية وممرات مفتوحة تمنع تحول الواجهة إلى امتداد مغلق للمشروعات التجارية.
طلبات خليجية للاستيلاء على الأراضي المميزة
وفي 23 سبتمبر، أعلن المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، حصر 136 قطعة على كورنيش النيل، وتلقي الصندوق ثلاثة طلبات من مستثمرين خليجيين، دون إعلان أسمائهم أو مواقع الأراضي التي يستهدفونها.
كما أشار إلى دراسة طلبات المستثمرين عبر لجنة تضم جهات حكومية، في خطوة تسبق بدء الترويج للأراضي، المتوقع خلال شهرين من الإعلان؛ أي إن الملف لا يزال في مرحلة التجهيز وجمع الاهتمام.
لكن انتقال الملف من الحصر إلى الترويج يفتح بابًا واسعًا لتغيير استخدام مواقع مطلة على النيل، خصوصًا مع الحديث عن مشروعات سياحية وفندقية وأنشطة استثمارية، وهي استعمالات قد ترفع قيمة الأرض وتدفع كلفة الوصول إليها.
ومن ثم يمكن وصف ما يجري بأنه بيع مكتمل أو صفقة نافذة، فالمعلن حتى الآن طلبات وتجهيز مواقع، لكن لم تُنشر عقود أو أسعار نهائية أو أسماء مستثمرين أو شروط إتاحة الأراضي.
غير أن غياب البيع المنجز لا يبدد المخاوف؛ فالتفاوض على أصول عامة بهذه القيمة، من دون إعلان كامل عن قواعد الاختيار والعائد ومدة الاستغلال وضمانات المرور، يترك المجال مفتوحًا لقرارات تمس حقًا عامًا.
وفي هذا الإطار، تكتسب ملاحظات الدكتور أحمد شطاوي أهمية مباشرة؛ إذ تربط دراسته بين إدارة المكان وطبيعة مستخدميه، وتحذر من أن فرض أنشطة تجارية موجهة لأصحاب الإنفاق الأعلى يضعف التنوع الاجتماعي.
كما أن تسمية المشروع «استثمارًا» لا تحسم أثره على السكان، فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كان التطوير سيضيف مساحات عامة وخدمات متاحة، أم سيحوّل أفضل الإطلالات إلى واجهات استهلاكية بأسعار لا تناسب غالبية المصريين.
وعلى الحكومة أن تكشف قبل أي تصرف عن خرائط كل قطعة، والاشتراطات البنائية، والارتفاعات، وأثر المشروعات على المرور والبيئة، مع ضمان حق الجمهور في الوصول للنهر دون رسوم أو حواجز مستترة.
أصول عامة وأعباء الديون
وتأتي هذه التحركات فيما تبحث الدولة عن موارد وتمويلات وسط أعباء الدين، فمن المعروف أن حصيلة هذه الأراضي ستُخصص مباشرة لسداد الديون، وأن البيع النهائي تقرر أصلًا.
ومع ذلك، يثير طرح أصول عامة ثمينة في ظرف مالي ضاغط مخاوف من استخدام ما لا يتكرر لتوفير سيولة عاجلة، بينما تظل أسباب المديونية قائمة وتعود الحاجة إلى الاقتراض بعد استهلاك الحصيلة.
وفي نقاشه بشأن مبادلة الأصول بالديون، شدد الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات الاقتصادية، على ضرورة التمييز بين الأصول الخاملة والأصول ذات العائد المستقبلي، لأن التفريط في الثانية قد يكلف الدولة طويلًا.
كما يوضح الجوهري أن نقل الأصل أو التصرف فيه لا يعالج الدين تلقائيًا؛ فالمعيار هو أثر القرار في موارد الدولة المستقبلية وتدفقاتها، لا مجرد تحصيل مبلغ كبير مرة واحدة أو تحسين رقم مالي مؤقت.
ومن هنا تبدو قيمة النيل أكبر من سعر المتر: فالأراضي المطلة عليه تحمل عائدًا اقتصاديًا محتملًا، لكنها أيضًا متنفس نادر ومجال عام في مدينة تعاني نقص المساحات المفتوحة وتزايد كلفة الترفيه والخدمات.
كذلك فإن بيع موقع أو إتاحته باستعمالات حصرية قد يدر إيرادًا سريعًا، لكنه يحرم الأجيال المقبلة من أصل ثابت، ويرفع قيمة الأراضي المحيطة، ويعيد تشكيل قلب القاهرة وفق قدرة المستثمر على جني الأرباح.
ولهذا لا ينبغي أن يتحول ضغط الديون إلى مبرر لتسليم المواقع الأعلى قيمة دون نقاش عام، أو لتقديم احتياجات الدائنين والميزانية على حق ملايين السكان في ضفاف مفتوحة ومساحات آمنة ومجانية.
وعلى الرغم من حديث الجهات الرسمية عن تعظيم الاستفادة، فإن غياب بيانات القطع والصفقات وآليات ضمان المنفعة العامة يترك جوهر المسألة بلا إجابة: من سيملك حق استخدام هذه الواجهة، ومن سيدفع ثمن تحويلها إلى أصل ربحي؟.
وفي النهاية، فإن صفقة بيع هذه الأراضي، وتجهيز 136 قطعة واستقبال طلبات خليجية يضعان مستقبل كورنيش النيل أمام اختبار حقيقي، بين حماية المتنفس العام والسعي وراء سيولة قد لا تنهي أزمة الدين.
*”الدواء” تعلن آليتها الجديدة لتسعير الأدوية.. ومصادر: تحرير للأسعار «فوق دماغ المواطن”
نشرت الجريدة الرسمية، أمس، قرار هيئة الدواء، الذي يتضمن الآلية الجديدة لتسعير الأدوية، اعتمادًا على معادلة ترتبط بثلاثة متغيرات: سعر الصرف والتضخم وأسعار الفائدة، على أن تتم مراجعة الأسعار كل ستة أشهر اعتبارًا من تاريخ صدور القرار، أو على فترات زمنية أقل في حالة حدوث ظروف استثنائية طارئة تستدعي مراجعة الأسعار، بحسب نص القرار الذي لم يوضح طبيعة الظروف الاستثنائية.
سبق أن أوضحت مصادر لـ«مدى مصر» أن القرار الجديد يأتي في ظل رغبة الهيئة في تقليل الخلافات الأخيرة مع شركات الأدوية التي كررت المطالبة بزيادة الأسعار، في حين اعتبرت مصادر في قطاعي الدواء والصحة أن القرار الأخير في صالح الشركات، وأن المواطن سيكون المتضرر الأول منه، كونه بمثابة تحرير لسعر الدواء، بعد ربطه بتحركات سعر الصرف.
بموجب القرار، تعتمد الآلية الجديدة على إعادة تقييم الأسعار كل ستة أشهر، عبر معادلة تستحوذ نسبة التغير في معامل صرف العملة على 60% منها، مقابل 30% لمعدل التضخم، و10% للتغير في معدل الفائدة البنكية، على أن يتم تحريك أسعار المستحضرات إذا كان التغير الناتج عن المعادلة نسبته 10% على الأقل، مع استمرار المتغيرات الاقتصادية المؤثرة لمدة 45 يوما على الأقل، وإن نص القرار على أنه في حالة الزيادة، يتم زيادة المستحضرات بناء على طلب صاحب تسجيل المستحضر، وفي حالة الانخفاض، تقوم الهيئة بخفض كل المستحضرات المتداولة في السوق، دون اشتراط تقدم صاحب التسجيل بطلب.
القرار أتاح للهيئة أيضًا احتساب معادلة التغير خلال فترة زمنية أقل من ستة أشهر، وذلك في حالة حدوث ظروف استثنائية طارئة، لم يحدد طبيعتها، تستدعي مراجعة الأسعار، كما أتاح لصاحب تسجيل المستحضر طلب مراجعة أسعار مستحضراته، وفقًا لمعطيات تراجعها الهيئة، على أن يكون ذلك بعد مرور ستة أشهر من آخر إخطار تسعير للمستحضر.
رئيس جمعية الحق في الدواء، محمود فؤاد، قال لــ«مدى مصر» إن جميع الحالات التي أشار إليها القرار لزيادة أسعار الدواء «موجودة طبعًا» نتيجة المشكلات العالمية والإقليمية والاقتصادية، وبالتالي «سعر الدواء هيزيد، وهيزيد بقسوة».
وفي حين اعتبر فؤاد أن الغريب في القرار هو النص على مراجعة أسعار نحو 16 ألف صنف دواء كل ستة أشهر، «يعني الدواء ممكن يزيد مرتين في السنة»، رأى أن القرار يمثل «بداية الذهاب لتحرير سعر الدواء».
فؤاد وصف القرار بأنه «لصالح الشركات»، بينما سيتحمل المواطن التضخم وأسعار الصرف وفوائد البنوك، متسائلًا: «ما أعرفش المواطن ليه يتحمل الحاجات دي، هو ماله؟ في الأول والآخر شركات الدواء بتكسب».
بدوره، قال رئيس لجنة الصحة في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، علاء غنام، إن القرار الجديد هو «تحرير كامل لسعر الدواء، يربطه بالدولار بحجة حماية صناعة الدواء»، لكن «ده اللي هيدفع تمنه المواطن»، لأن معناه إن «كل 6 شهور هيبقى في سعر للدواء، وفي الغالب هيكون زيادة». وأضاف: «ده تنظيم لحماية صناعة الدواء، لكن على حساب المريض».
في المقابل، أوضح رئيس شركة دواء لـ«مدى مصر» أن هيئة الدواء أصدرت آلية التسعير الجديدة لأن المصانع «ما بقتش عايزة تنتج»، إذ كانت تبيع الأدوية بأسعار تتسبب لها في خسائر، ما دفع بعضها إلى التوقف عن التصنيع، وهو ما أدى بدوره إلى نقص في الأدوية داخل الصيدليات.
المصدر نفسه أضاف أن القرار الجديد وضع آلية تسعير «تضمن ليا كمصنع أو صاحب منتج إن لو حصلي مشكلة في تشغيلة، أنا مش هخسر فيها»، إذ ستتم إحالة الأمر إلى لجنة التسعير بشكل تلقائي.
في مواده، نص القرار كذلك على أن يكون تحديد السعر بناءً على أقل سعر مسجل للمستحضر في أي من الدول المرجعية، وهي بولندا، واليونان، والمجر، وإسبانيا، وفنلندا، والنرويج، ورومانيا، وبلجيكا، والنمسا، والمملكة المتحدة، والسويد، والإمارات العربية المتحدة، وكندا، وألمانيا، والدنمارك.
مع تذكيره بأن الدول المرجعية في نظام التسعير القديم، القائم منذ 15 عامًا، كانت 36 دولة «منهم دول متوسطة الدخل»، لفت غنّام إلى أن الدولة الـ15 المرجعية الحالية «كلهم دول أحسن منا اقتصاديًا بكتير مش صح أربط نفسي بيهم، أنا مالي ومال الإمارات وإنجلترا. مفيش غير رومانيا تقريبًا متوسطة الدخل»، حسبما قال، معتبرًا أن تحديد تلك الدولة كمرجعية «اختيار خاطئ».
قرار الهيئة، الذي وافق عليه مجلسها في 6 يوليو الجاري، ووقعه رئيسها في 16 أغسطس، قبل نشره رسميًا أمس، حدد كذلك هوامش ربح الصيدلي والموزع، بواقع 22% للصيدلي من سعر البيع للجمهور، للمستحضرات المحلية في قائمة الأدوية الأساسية، التي يقل سعر عبوتها عن 500 جنيه، و20% للمستحضرات التي يتجاوز سعرها 500 جنيه، وللموزع 8% و5.8% على الترتيب.
وبالنسبة للمستحضرات المحلية غير الواردة بقائمة الأدوية الأساسية، حدد القرار هامش ربح الصيدلي عن 27%، والموزع 8.5% من سعر البيع للجمهور، للمستحضرات التي يقل سعر عبوتها عن 500 جنيه، مقابل 25%، و6% للمستحضرات التي يتجاوز سعرها 500 جنيه.
وتشير قائمة الأدوية الأساسية إلى الأدوية الواجب توافرها باستمرار وبكميات كافية ضمن أنظمة الرعاية الصحية، مع وجود بدائل لها، بحسب «الهيئة».
فؤاد من جهته لفت إلى أن القرار زاد هامش ربح الموزعين «اللي مخزنين الدواء من فترة»، ما يعني أنهم سيطرحون الأدوية الموجودة في مخازنهم ليحققوا أرباحًا كبيرة خلال الفترة المقبلة، كما زاد هامش ربح الصيدليات، والذي قال إنه لم يرتفع تقريبًا منذ 30 عامًا، وإن اعتبر أنه سيفيد الصيدليات الكبرى، بينما لن تستفيد الصيدليات الصغيرة بالقدر نفسه، لأنها لا تملك رأس المال الكافي لشراء كميات كبيرة من أصناف الدواء بالأسعار الجديدة.
رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، محفوظ رمزي، وصف القرار بالمفيد للصيادلة، مشيرًا إلى تضمنه لأول مرة ما ينظم إعادة الأدوية منتهية الصلاحية. وفي حين لجأت «الصيادلة» وهيئة الدواء وغرفة صناعة الدواء وشركات التوزيع، في مطلع العام الجاري، على مبادرة لسحب المستحضرات منتهية الصلاحية من السوق، نص القرار الأخير على إعادة الأدوية منتهية الصلاحية، بنسبة 3% من قيمة فواتير الشراء، مع خصم قيمتها من الشهر التالي.
سبق أن أوضح مساعد رئيس هيئة الدواء، يس رجائي، لــ«مدى مصر»، أن الهيئة عقدت في يوليو الماضي اجتماعات مع مختلف أطراف صناعة الدواء، لمناقشة الآلية الجديدة للتسعير، استجابة للضغوط المختلفة التي واجهها سوق الدواء خلال الأعوام الماضية، إلى جانب الرغبة في تشجيع مزيد من الاستثمارات الجديدة في القطاع الدوائي «من خلال معادلة واضحة وشفافة وآلية معلنة ومحدثة»، بحسب تعبيره، لافتًا إلى أن آخر تعديل في نظام التسعير يعود إلى عام 2012.
الآلية القديمة، التي حددها قرار وزير الصحة 499 لسنة 2012، كانت تتيح للشركات التقدم بطلبات لإعادة التسعير مع تحرك سعر الصرف بنسبة 15%، إلا أنه مع القفزات الكبيرة التي شهدها الدولار خلال الفترة الأخيرة، انتهت المراجعات إلى إقرار زيادات على بعض المستحضرات تراوحت بين 25-30%، بحسب رمزي، الذي سبق أن قال إن الآلية الجديدة تضمن أن تصبح زيادات الأسعار أسرع، ولكن ليس بنفس حجم القفزات التي شهدها السوق خلال السنوات الأخيرة، فيما قال رجائي إن الهدف من الآلية الجديدة هو ضمان التوازن بين توافر الدواء في السوق ووجود آلية تسعيرية محايدة.
من ناحيته، وبينما اعتبر أن القرار الأخير «من الآخر فوق دماغ المواطن»، شبّه غنام الآلية الجديدة بآلية التسعير التلقائي للوقود، «مع الفارق إن الدواء سلعة لا يمكن الاستغناء عنها، لأنها مرتبطة بالحق في الحياة»، مؤكدًا أن الحل يتمثل في وجود تأمين صحي هو الذي يدفع، لافتًا إلى أن النظام الجديد للتأمين الصحي الشامل «لسه مش موجود غير في عدد محافظات قليل»، بينما يغطي النظام القديم 60% من السكان، «لكن الدواء فيه بفلوس»
marsadpress.net – شبكة المرصد الإخبارية شبكة المرصد الإخبارية
