


تصعيد خطير داخل سجن بدر 3 وإيداع 20 معتقلًا في العزل ومحاولة انتحار وسط استمرار الإضراب عن الطعام.. الخميس 15 أكتوبر 2026.. استهداف النظام المصري منجم داخل الأراضي السودانية بالطائرات جريمة حرب
شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري
*إهمال طبي ينهي حياة معتقل بسجن جمصة بالتزامن مع حراك أكتوبر
شهدت مراكز الاحتجاز والمنشآت الشرطية حالة من التوتر المتصاعد إثر توثيق حادثة وفاة جديدة داخل سجن جمصة. لفظ المعتقل مرسي محمد عبد الله أنفاسه الأخيرة عن عمر يناهز 55 عامًا عقب تدهور دراماتيكي في وضعه الصحي داخل محبسه.
تفاصيل وفاة معتقل بسجن جمصة تزامنًا مع احتجاجات السجون المطالبة بالرعاية الصحية
ينتمي الفقيد إلى مركز كفر صقر الواقع بداخل نطاق الشرقية، وكان يمارس عمله الحر في تجارة الأعلاف والدواجن، وتوفى مخلفًا وراءه ثلاثة أبناء.عانى عبد الله طوال فترة احتجازه من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم، مما ضاعف من المخاطر الصحية التي لاحقته داخل مركز التأهيل.
تغيب التفاصيل القانونية والطبية الإجرائية الدقيقة المحيطة بملابسات هذه الواقعة. لا تزال طبيعة الاتهامات الموجهة للراحل غير معلنة، مع عدم توضيح ما إذا كان يقضي فترة حبس احتياطي أم ينفذ حكمًا قضائيًا باتًا. يظل موقف نقله إلى مستشفى خارجي لتلقي العلاج قبل حدوث الوفاة غير محسوم، إلى جانب غياب الفحوصات أو التقرير الطبي الرسمي الكاشف للأسباب المباشرة. يغيب أيضًا أي بيان رسمي صادر عن قطاع الحماية المجتمعية أو وزارة الداخلية للتعقيب على تلك الحادثة.
تزامن هذا الحدث مع موجة من الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت مع بداية شهر أكتوبر. جاء هذا الحراك، استنادًا لتغطيات صحفية ومصادر حقوقية، عقب قرار تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد بشكل مفاجئ. أثار القرار حالة من الإحباط الشديد لدى المحتجزين وذويهم الذين كانوا يترقبون حلحلة ملف الحبس الاحتياطي الممتد. أدى هذا التطور لاندلاع احتجاجات داخل عدة منشآت احتجاز مطالبة بتحسين الأوضاع وإنهاء التضييقات المقيدة للحقوق الأوليّة.
اتسعت دائرة الحراك الاحتجاجي لتشمل مقاطعة الوجبات الغذائية والرسمية خلال أيام 7 و8 و9 أكتوبر. أظهرت بيانات صادرة عن مراكز حقوقية مشاركة عدد من زنازين سجن بدر 3 وسجن شديد المنيا وليمان المنيا ومراكز احتجاز بالفيوم.تركزت مطالب المشاركين في الإضراب على الإفراج عن المحتجزين الموقوفين على ذمة قضايا رأي، مع المطالبة برفع القيود المفروضة على حقوق الزيارة والتريض اليومي وتوفير الرعاية الطبية الفعالة لأصحاب الأمراض المزمنة.
تصاعدت حدة الإجراءات العقابية والتدابير التأديبية المتخذة لمواجهة حراك السجون. تلقت الأسر تقارير تفيد بتنسيق عمليات نقل وتعزير وإبعاد لبعض السجناء نحو سجون بعيدة عن أماكن إقامتهم فيما يُعرف بالتغريب. شملت الإجراءات التضييقية تقليص مدة التريض أو منعها تمامًا، إلى جانب تقييد الزيارات العائلية، والإيداع في زنازين التأديب الفردية بدون مستلزمات المعيشة الأساسية لعدة أيام متواصلة.
ناشدت ذوو المحتجزين والجهات الحقوقية الجهات القضائية والرسمية بضرورة التدخل السريع. حمّلت الأسر كلًا من النائب العام ووزارة الداخلية وسلطات قطاع الحماية المجتمعية المسؤولية القانونية والصحية عن سلامة ذويهم داخل أماكن الاحتجاز. طالبت الأسر بفتح أبواب المنشآت العقابية أمام وفود تقصي حقائق مستقلة تضم ممثلين عن نقابة المحامين ونقابة الأطباء للوقوف على مستوى الرعاية المقدمة والتأكد من تطبيق معايير السلامة المهنية والطبية.
تضاربت الأنباء بشأن طبيعة الأوضاع الداخلية عقب تلك التطورات المتلاحقة. أفادت بعض الجهات والمجالس المعنية بتلقي الشكاوى بتلقيها إفادات تؤكد استقرار الأوضاع بداخل المنشآت ووصفها بالترتيبات العادية الطبيعية. أعلنت هذه المجلس عن نيتها ترتيب زيارات ميدانية مرتقبة لبعض السجون والمواقع التي شهدت تقديم بلاغات وشكاوى تتعلق بنقص الخدمة الطبية وصعوبة تنفيذ زيارات الأهالي وتقليص فترات التريض المقررة قانونًا.
*تصعيد خطير داخل سجن بدر 3.. إيداع 20 معتقلًا في العزل ومحاولة انتحار وسط استمرار الإضراب عن الطعام
تواصلت حملات التفتيش والتجريد، وإيداع المعتقلين في زنازين العزل داخل سجن بدر 3، وسط أنباء عن تدهور الأوضاع المعيشية والصحية للمحتجزين، وتصاعد الاحتجاجات داخل قطاعات السجن.
وشنت إدارة سجن بدر اليوم حملة تفتيش قمعية وعنيفة.
الحملة جاءت بقيادة رئيس المباحث الجديد “أحمد عويس” المعروف ببطشه وخشونته منذ أن كان في سجن 15 مايو، وبمشاركة مفتش المباحث “محمد شادي“.
تعمدت القوة تجريد الزنازين من محتويات المعتقلين البسيطة، لكن الرد جاء سريعًا وحاسمًا؛ حيث واجه الشباب هذا القمع بالطرق المستمر على الأبواب والهتاف الذي زلزل القطاع.
سياسة استبدال الوجوه والإتيان بضباط عُرفوا بالقسوة لن تُرهب الأحرار أبدًا، ولن تثنيهم عن التمسك بمطالبهم.
وبحسب معلومات أوردها مركز الشهاب لحقوق الإنسان، شهد قطاع 4 بالدور الثاني، حملة تفتيش عنيفة، قادها رئيس المباحث الجديد بالسجن، أحمد عويس، القادم من سجن 15 مايو، بمشاركة ضابط مفتش مباحث المنطقة محمد شادي، وأسفرت عن تجريد عدد من الزنازين من محتوياتها، فيما قابل المعتقلون الحملة بالطرق على الأبواب والهتاف احتجاجًا على الإجراءات المتخذة بحقهم.
وفي تطور أكثر خطورة، شهد قطاع 1، في نحو الساعة الثانية ظهرًا، تجريد إحدى الزنازين بالدور الأرضي، وإيداع المعتقلين الخمسة الموجودين بها في العزل، بزعم إشعالهم البطاطين، ليرتفع بذلك عدد المعتقلين المودعين بالعزل إلى 20 معتقلًا، وفقًا للمعلومات المتاحة.
وتشير المعلومات إلى أن المعتقلين المعزولين يواجهون أوضاعًا بالغة القسوة، في ظل حرمانهم من مستلزمات أساسية، تشمل الفرش والأغطية والملابس والأدوية، بما يثير مخاوف جدية بشأن سلامتهم الجسدية والنفسية.
محاولة انتحار وإغماء أحد المضربين عن الطعام
في سياق الاحتجاج على أوضاع الاحتجاز وإيداع عدد من المعتقلين في العزل، أقدم أحد المعتقلين على محاولة إيذاء نفسه بقطع شرايين يده، بحسب المركز الحقوقي. وأفادت التقارير بأن المعتقل ظل ينزف قرابة ساعة كاملة دون تدخل لإنقاذه، قبل نقله إلى عيادة السجن لتلقي الإسعافات اللازمة.
تزامن ذلك مع تعرض أحد المعتقلين المضربين عن الطعام منذ ستة أيام لحالة إغماء، استدعت نقله إلى عيادة السجن، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن التداعيات الصحية لاستمرار الإضراب في ظل الظروف الراهنة.
كما استمرت احتجاجات المعتقلين، عبر الطرق على الأبواب والهتافات في مختلف قطاعات السجن، من الساعة الواحدة ظهرًا حتى السابعة مساءً، وردد المحتجون هتافات ضد ضابط الأمن الوطني أحمد فكري، متهمين إياه بالمسؤولية عن تصعيد الأوضاع وتعريض حياة زملائهم للخطر.
تدخل عاجل لوقف الانتهاكات
وأكد مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن ما ورد من معلومات بشأن أوضاع المعتقلين داخل سجن بدر 3 يستدعي تحركًا عاجلًا للتحقق من الوقائع، وضمان حماية المحتجزين من أي معاملة قاسية أو مهينة، وتوفير الرعاية الطبية اللازمة لهم دون تأخير.
وطالب المركز بـ :
وقف إجراءات التنكيل والتجريد التعسفي داخل قطاعات السجن، وإنهاء أي ممارسات من شأنها تعريض سلامة المعتقلين للخطر.
إنهاء العزل التعسفي للمعتقلين، وتمكينهم من الحصول على الفرش والأغطية والملابس والأدوية وسائر الاحتياجات الأساسية.
توفير الرعاية الطبية العاجلة والمستقلة للمعتقلين، خاصة المضربين عن الطعام، ومتابعة الحالات التي تعرضت للإغماء أو إيذاء النفس، وضمان التدخل الفوري في الحالات الطارئة.
فتح تحقيق جاد ومستقل في ملابسات تأخر التدخل لإنقاذ المعتقل الذي تعرض للنزيف، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير يثبت وقوعه.
تمكين الجهات الرقابية المختصة من زيارة السجن والاطلاع على أوضاع المحتجزين، والتحقق من مدى الالتزام بالضمانات القانونية والحقوقية.
ضمان حق المعتقلين في تقديم الشكاوى والاحتجاج السلمي على أوضاع احتجازهم، دون تعريضهم للانتقام أو العقاب الجماعي.
وحذر مركز الشهاب لحقوق الإنسان من خطورة استمرار تجاهل مطالب المعتقلين، في ظل تصاعد الاحتجاجات وتدهور الأوضاع الصحية لبعضهم، وما قد يترتب على ذلك من مخاطر جسيمة على حياتهم وسلامتهم.
وجدد مناشدته للمنظمات الحقوقية الدولية، والآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان، والإعلاميين والسياسيين، للتحرك العاجل من أجل متابعة الأوضاع داخل سجن بدر 3، والضغط لضمان احترام حقوق المحتجزين ووقف أي انتهاكات بحقهم.
وشدد على أن حماية حياة المحتجزين وسلامتهم مسؤولية قانونية لا يجوز التهاون فيها.
*الداخلية المصرية تتجاهل مطالب حراك أكتوبر داخل السجون وتواجهه بإجراءات عقابية
توسعت التحركات الاحتجاجية داخل عدد من السجون ضمن ما عُرف باسم «حراك أكتوبر»، الذي يطالب بالإفراج عن المحتجزين وإنهاء أزمة الحبس الاحتياطي، وسط تقارير حقوقية وشهادات من أسر المحتجزين تحدثت عن إجراءات عقابية شملت نقل سجناء إلى أماكن احتجاز بعيدة، وتقليص الزيارات وساعات التريض، وفرض عقوبات تأديبية على مشاركين في الاحتجاجات.
وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع تصاعد المطالبات الحقوقية والسياسية بمراجعة أوضاع المحبوسين احتياطيًا، خصوصًا الذين تجاوزوا المدد القانونية للاحتجاز دون حسم أوضاعهم القضائية، في وقت أثار فيه تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام انتقادات بشأن استمرار أزمة الحبس الاحتياطي وتأخر معالجة تداعياتها.
وفي مقابل التقارير التي تحدثت عن إضرابات عن الطعام واحتجاجات داخل عدد من أماكن الاحتجاز، نفت وزارة الداخلية تنظيم مثل هذه التحركات، مؤكدة أن الأوضاع داخل مراكز الإصلاح والتأهيل طبيعية، وأن النزلاء يحصلون على الزيارات المقررة قانونًا.
إضرابات عن الطعام في عدة سجون
أعلن محتجزون في عدد من السجون المصرية الامتناع عن تسلم الوجبات التي تقدمها إدارات السجون، خلال أيام 7 و8 و9 أكتوبر الجاري، في خطوة احتجاجية جاءت ضمن «حراك أكتوبر»، للمطالبة بالإفراج عن المحتجزين وإنهاء فترات الحبس الاحتياطي المطولة.
وتزامنت التحركات مع مطالبات بوقف احتجاز الأشخاص الذين استنفدوا المدد القانونية المقررة للحبس الاحتياطي، وتنفيذ قرارات إخلاء السبيل الصادرة بحق مستحقين للإفراج، فضلًا عن مراجعة أوضاع المحبوسين على ذمة قضايا ذات طابع سياسي.
وقالت أسر محتجزين، في بيان نشرته صفحة «كفاية سجون»، إن الاحتجاجات قوبلت بإجراءات وصفتها بالعقابية، من بينها نقل سجناء إلى أماكن احتجاز بعيدة عن مقار احتجازهم الأصلية، ومنع الزيارات أو تقليصها، والحد من ساعات التريض، إلى جانب الحبس الانفرادي وفرض عقوبات تأديبية والحرمان من بعض الحقوق الأساسية.
وأعربت الأسر عن مخاوفها بشأن سلامة المحتجزين الذين شاركوا في التحركات، مطالبة النائب العام ووزارة الداخلية وقطاع الحماية المجتمعية بالتحرك لضمان حمايتهم، والكشف عن أماكن جميع من جرى نقلهم، وتمكينهم من التواصل مع ذويهم والحصول على الزيارات والرعاية الطبية اللازمة.
كما دعت إلى التحقيق في الوقائع التي تحدثت عنها، ومراجعة أوضاع السجون وأماكن الاحتجاز، وضمان تنفيذ قرارات إخلاء السبيل، والإفراج الفوري عن كل من تجاوزوا الحدود القانونية للحبس الاحتياطي.
وشملت المطالب أيضًا الإفراج عن المحتجزين في قضايا ذات طابع سياسي، سواء كانوا محبوسين احتياطيًا أو محالين إلى المحاكمة أو صدرت بحقهم أحكام على خلفية ممارسة حقهم في التعبير عن الرأي.
وتعكس هذه المطالب اتساع نطاق الخلاف بشأن إدارة ملف الاحتجاز، في ظل اتهامات حقوقية باستخدام الحبس المطول وسيلة للضغط على المعارضين، مقابل تأكيدات رسمية تنفي وجود انتهاكات أو احتجاجات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.
سبعة أحزاب تعلن تضامنها مع المضربين
على الصعيد السياسي، أعلنت سبعة أحزاب تضامنها مع المحتجزين الذين دخلوا في إضرابات عن الطعام، محملة السلطة السياسية ووزارة الداخلية المسؤولية السياسية والجنائية عن سلامتهم وصحتهم.
وضمت قائمة الأحزاب الموقعة على البيان التحالف الشعبي الاشتراكي، والحزب الاشتراكي المصري، والحزب الشيوعي المصري، والاشتراكيين الثوريين، وحزب العيش والحرية، وحزب الكرامة، وحزب الوفاق القومي.
وقالت الأحزاب إن معلومات وشهادات وردت من داخل السجون وأماكن الاحتجاز تفيد بدخول عشرات المحتجزين، بينهم سجناء على خلفية سياسية، في إضراب مفتوح عن الطعام، احتجاجًا على استمرار احتجازهم والأوضاع التي يواجهونها.
واعتبرت أن لجوء المحتجزين إلى الإضراب عن الطعام للتعبير عن مطالبهم يمثل، بحسب وصفها، مؤشرًا على أزمة منظومة الاحتجاز، متهمة السلطات بالتوسع في استخدام الحبس لتقييد المعارضة وترهيب المجتمع والحد من المجال العام.
وربطت الأحزاب بين ملف الحريات والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، معتبرة أن الضغوط المعيشية والتصرف في الأصول العامة يتزامنان مع تقييد الحريات العامة وتقليص مساحة العمل السياسي وإسكات الأصوات المعارضة.
وانتقدت ما وصفته بتحويل الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي مرتبط بسير التحقيقات إلى عقوبة ممتدة تسبق صدور الأحكام النهائية، كما اعترضت على إعادة حبس متهمين على ذمة قضايا جديدة، بما يؤدي إلى استمرار احتجازهم لفترات طويلة دون حسم قضائي.
وطالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن المحبوسين احتياطيًا الذين تجاوزوا المدد القانونية، وإلغاء القوانين التي وصفتها بالمقيدة للحريات، وإصدار عفو عام وشامل عن سجناء الرأي وأعضاء الحركات الاجتماعية.
كما دعت إلى إنهاء التعتيم على أوضاع السجون، والسماح لوفود مستقلة تضم ممثلين عن نقابتي المحامين والأطباء والمنظمات الحقوقية بزيارة أماكن الاحتجاز، للاطلاع على ظروف الاحتجاز والتحقق من الشكاوى المتعلقة بالإهمال الطبي والمعاملة داخل السجون.
وأكدت الأحزاب أن الحديث عن انفراجة سياسية أو حوار وطني أو استراتيجيات لتعزيز حقوق الإنسان يظل محل تساؤل، في ظل استمرار احتجاز عمال وشباب ونشطاء ومفكرين ومدافعين عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
عشر منظمات تطالب بتحقيق مستقل
في سياق متصل، طالبت عشر منظمات حقوقية باتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحتجزين والتحقيق في الانتهاكات المبلغ عنها، والعمل على إنهاء أزمة الحبس الاحتياطي.
وأعربت المنظمات، في بيان نشرته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، عن قلقها إزاء معلومات قالت إنها تلقتها ورصدتها بشأن تحركات احتجاجية داخل عدد من السجون خلال الأسابيع الأخيرة، إلى جانب احتجاجات شهدتها جلسات محاكمات، طالب خلالها محتجزون بالإفراج عنهم وإنهاء فترات احتجازهم المطولة.
وذكرت أن التحركات شملت سجونًا في المنيا والعاشر من رمضان وأبو زعبل وبدر والوادي الجديد، احتجاجًا على استمرار احتجاز أشخاص لفترات طويلة دون حسم أوضاعهم القانونية.
وأضافت أن بعض جلسات المحاكمات شهدت رفض محتجزين مغادرة غرف الحجز الملحقة بالمحاكم، المعروفة باسم «الحبسخانة»، والمثول أمام هيئات المحاكمة، في محاولة للفت الانتباه إلى استمرار احتجازهم ومطالبتهم بتطبيق القواعد القانونية الخاصة بمدد الحبس الاحتياطي.
وأشارت المنظمات إلى أن إحدى هذه الجلسات انتهت بالحكم على أحد المتهمين بالحبس لمدة عام بتهمة الإخلال بنظام الجلسة، معتبرة أن الواقعة تثير مخاوف من مواجهة الاحتجاجات داخل المحاكم بعقوبات إضافية.
وطالبت بالتحقق من ملابسات الحكم وأساسه القانوني، ومدى توافر ضمانات الدفاع، خصوصًا في ظل الظروف التي دفعت المحتجزين إلى الاحتجاج على استمرار حبسهم.
كما تحدثت عن ورود أنباء بشأن احتجاجات داخل مركز التأهيل وسجن العاشر من رمضان، ودخول قوات إلى أماكن الاحتجاز للسيطرة على الأوضاع. وقالت إنها رصدت معلومات عن تجريد محتجزين من متعلقاتهم الشخصية، ونقل بعض المشاركين إلى زنازين أخرى داخل السجون نفسها أو إلى سجون بعيدة، في إجراء يُعرف باسم «التغريب».
وكان الباحث إسماعيل الإسكندراني من بين المحتجزين الذين أشارت المنظمات إلى شمولهم بعمليات النقل، محذرة من احتمال استخدام هذه الإجراءات لمعاقبة المشاركين في الاحتجاجات أو عزلهم عن محيطهم.
ودعت إلى إجراء تحقيق عاجل ومستقل في ملابسات عمليات النقل، والتحقق مما إذا كانت التدخلات الأمنية قد صاحبتها أعمال عنف أو اعتداءات أو إجراءات عقابية، مع ضمان عدم تعرض المحتجزين للانتقام بسبب التعبير عن مطالبهم.
تأجيل قانون الإجراءات الجنائية يثير الانتقادات
ارتبطت الاحتجاجات بتصاعد الجدل بشأن أزمة الحبس الاحتياطي، خصوصًا بعد تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام، رغم الآمال التي عُقدت على القانون لمعالجة جانب من المشكلات المتعلقة بمدد الاحتجاز وضمانات المحاكمة.
وكان مقررًا بدء تطبيق القانون في الأول من أكتوبر، قبل أن يوافق مجلس النواب على تأجيل دخوله حيز التنفيذ لمدة عام، وهو ما أثار انتقادات حقوقية بشأن استمرار الأوضاع القائمة دون اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة حالات المحتجزين الذين تجاوزوا الحدود القانونية للحبس الاحتياطي.
وقالت المنظمات الحقوقية إن السلطات تتحمل مسؤولية التوقعات التي أثارتها بشأن معالجة الأزمة، لا سيما بعدما ارتبط الحديث عن بدء تطبيق القانون الجديد بآمال في خفض مدد الحبس الاحتياطي، قبل إرجاء تنفيذه دون إجراءات ملموسة تضمن الإفراج عمن استنفدوا المدد القانونية أو انتفت مبررات استمرار احتجازهم.
وشددت على أن تأجيل تطبيق القانون الجديد لا يسقط حق أي محتجز في الإفراج عنه إذا تجاوز الحد الأقصى المقرر قانونًا للحبس الاحتياطي، مؤكدة أن القواعد السارية تظل واجبة التطبيق بصرف النظر عن موعد دخول التشريع الجديد حيز التنفيذ.
ووفقًا لما أوردته المنظمات، يحدد القانون الساري، استنادًا إلى تعديلاته بموجب القانون رقم 145 لسنة 2006، الحد الأقصى للحبس الاحتياطي بستة أشهر في الجنح و18 شهرًا في الجنايات، مع استثناءات محددة في الجرائم المعاقب عليها بالسجن المؤبد أو الإعدام.
وتشير هذه الحدود إلى أن الخلاف لا يتعلق فقط بتوقيت تطبيق التشريع الجديد، وإنما أيضًا بمدى الالتزام بالقواعد القانونية القائمة وآليات مراجعة قرارات استمرار الحبس.
واعتبرت المنظمات أن الأزمة لا ترجع إلى النصوص القانونية وحدها، بل ترتبط كذلك بطريقة تطبيقها، مشيرة إلى ممارسات قالت إنها أفرغت الحبس الاحتياطي من غايته القانونية، من بينها احتجاز أشخاص بسبب ممارسة حقوقهم السلمية، وإعادة حبس متهمين على ذمة قضايا جديدة استنادًا إلى الوقائع نفسها.
وطالبت بمراجعة ملفات المحتجزين الذين تجاوزوا المدد القانونية، وضمان تنفيذ قرارات إخلاء السبيل، وفتح تحقيقات مستقلة في أي انتهاكات أو استخدام للقوة بحق المشاركين في الاحتجاجات داخل السجون.
كما دعت إلى وقف عمليات النقل التعسفي وتقييد الزيارات والتواصل، وضمان توفير الرعاية الطبية، مطالبة النيابة العامة والمجلس القومي لحقوق الإنسان بالاضطلاع بمسؤولياتهما في الإشراف على أماكن الاحتجاز وتفقدها.
وشملت المطالب أيضًا وقف إعادة احتجاز المتهمين على ذمة قضايا جديدة استنادًا إلى الوقائع ذاتها، بما يؤدي إلى تجاوز الحدود القانونية للحبس الاحتياطي، وإنهاء استخدامه في القضايا ذات الطابع السياسي أو في مواجهة أشخاص بسبب ممارسة حقوقهم في التعبير والتنظيم والتجمع السلمي.
*تأجيل نظر القضية رقم 2801 لسنة 2024 لجلسة 27 ديسمبر 2026
قررت الدائرة الثانية إرهاب بمحكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بمجمع محاكم بدر، الثلاثاء 13 أكتوبر 2026، تأجيل نظر القضية رقم 2801 لسنة 2024 حصر أمن الدولة العليا، إلى جلسة 27 ديسمبر 2026، لاستكمال سماع شهود الإثبات.
وكانت القضية مؤجلة لجلسة اليوم لسماع الشهود، إلا أنهم لم يحضروا، كما تعذر حضور بعض المتهمين إلى الجلسة، ما دفع المحكمة إلى إصدار قرارها بالتأجيل إلى الموعد المذكور، مع الإبقاء على القرار السابق بسماع الشهود.
* استهداف النظام المصري منجم داخل الأراضي السودانية بالطائرات جريمة حرب
وصفت دوريات غربية الغارات التي شنها الطيران الحربي المصري، على عاملين بمجال التعدين عن الذهب في الأراضي السودانية بأنها “جريمة حرب” وأنه يظل احتمالاً قانونياً جدياً يستحق التحقيق، ويتطلب حسمه تحديد الموقع الدقيق للغارة، وهوية الطائرات والذخائر، وطبيعة الهدف، والمعلومات المتاحة للجهة المهاجمة وقت الضربة، والخسائر المدنية المتوقعة، وأي ميزة عسكرية كانت تسعى إلى تحقيقها وهو ما حدث فعليا.
ومن المفترض أن يتناول التحقيق عناصر منها الاستقلال وحفظ الأدلة الرقمية وشهادات الناجين، وأن يتيح للجهات المتهمة فرصة الرد على الاتهامات، فذلك هو الطريق إلى تحديد المسؤولية على أساس الأدلة، لا على أساس الافتراضات وحدها.
منجم في السودان!
وفي تقرير بعنوان “تحقيقات المصادر المفتوحة: اتهامات للقوات المصرية بقصف منجم ذهب في السودان ومقتل عشرات العمال”، كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الامريكية؛ عن مقتل عشرات العاملين في منجم ذهب غير رسمي بولاية البحر الأحمر شمال شرقي السودان، إثر غارات جوية وقعت خلال عطلة نهاية الأسبوع، بالقرب من الحدود المصرية. واستند التقرير إلى مقاطع فيديو من موقع الهجوم، وشهادات ناجين، وتقارير منظمات حقوقية سودانية، إلى جانب تحليل بصري لذخائر يُشتبه في أنها مصرية.
ويكتسب الهجوم أهمية خاصة بسبب وقوعه في منطقة خاضعة لسيطرة الجيش السوداني، وبعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة الرئيسية في الحرب، فضلاً عن الاتهامات التي طالت القوات المصرية، رغم التحالف الوثيق بين القاهرة والجيش السوداني منذ اندلاع النزاع.
بحسب التقرير، استهدفت الغارات منجماً مكشوفاً للذهب في منطقة جبلية نائية بولاية البحر الأحمر، على مسافة تقارب 40 كيلومتراً من الحدود السودانية المصرية، وأظهرت مقاطع مصورة جثثاً ومصابين بين أكياس الصخور المحتوية على المعادن، فضلاً عن مشاهد لطائرات تحلق فوق المنطقة وذخائر تسقط على الأرض.
وقدّرت منظمة «محامو الطوارئ» عدد القتلى بنحو 72 شخصاً، بينما تحدث شاهدان عن سقوط ما لا يقل عن 65 قتيلاً، إلى جانب 120 جريحاً أو أكثر، وأفاد أحد الناجين بأن الطائرات الحربية نفذت ثلاث ضربات على الأقل خلال ساعة واحدة، ابتداءً من نحو التاسعة صباح السبت.
وتعكس شهادات الناجين حجم المأساة الإنسانية التي طالت عمالاً، معظمهم من الشباب الفقراء الذين يعملون في ظروف شديدة القسوة، بحثاً عن مصدر رزق في قطاع التعدين الأهلي.
استخدام ذخائر مصرية
وكشف تحقيق صحيفة «نيويورك تايمز» عن أدلة تشير إلى استخدام ذخائر مصرية في غارات جوية استهدفت منجم ذهب بولاية البحر الأحمر داخل الأراضي السودانية، وأسفرت، وفق تقديرات نقلها التحقيق، عن مقتل عشرات المعدّنين وإصابة أكثر من 120 آخرين.
واعتمدت نيويورك تايمز على تحليل مقاطع فيديو نُشرت عقب الهجوم، ومقارنتها بمقاطع أخرى توثق المنطقة وآثار القصف. وأكدت الصحيفة أن المقاطع لم تكن منشورة على الإنترنت قبل يوم السبت، وأن المعالم الجغرافية الظاهرة فيها تتطابق مع مشاهد أخرى مرتبطة بالغارات، مع الإشارة إلى أنها لم تتمكن من التحقق فوراً من الموقع الدقيق للهجوم.
وبحسب التحقيق، وقع القصف على بُعد نحو 40 كيلومتراً من الحدود السودانية المصرية، وشمل ثلاث غارات على الأقل. ونقلت الصحيفة عن منظمة «محامو الطوارئ» تقديرها عدد القتلى بنحو 72 شخصاً، فيما أفاد شاهدان بمقتل 65 شخصاً على الأقل.
وأشار التحقيق إلى أن صوراً من موقع الهجوم أظهرت قنبلة غير منفجرة تشبه القنبلة المصرية «نصر 400»، وفق تقييم تريفور بول، الخبير السابق في تفكيك الذخائر بالجيش الأمريكي. لكنه أوضح أن تحديد نوع الذخيرة لا يكفي وحده لإثبات الجهة التي نفذت الغارات.
ونقل التحقيق عن متحدث عسكري مصري قوله إن القوات المصرية تنفذ حملة لمكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية، مؤكداً أن العمليات تجري داخل الأراضي المصرية، دون الإقرار بتنفيذ غارات داخل السودان.
الموقف المصري والسوداني
في مواجهة الاتهامات، أعلن المتحدث العسكري المصري أن القوات المصرية تنفذ المرحلة الثالثة من حملة واسعة لمكافحة التنقيب غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية، وأوضح أن الحملة جاءت بعد إسقاط منشورات تحذيرية تستهدف ما وصفهم بـ«العناصر الإجرامية»، لكنه شدد على أن العمليات جرت داخل الأراضي المصرية، وليس داخل السودان.
في المقابل، تجنب الجيش السوداني توجيه اتهام مباشر إلى أي طرف، وأعلن قائده الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يوم الاثنين، فتح تحقيق في الحادث، واصفاً إياه بأنه «حادث مؤلم».
ويكشف التباين بين الاتهامات الواردة في التقارير والشهادات من جهة، والموقفين الرسميين المصري والسوداني من جهة أخرى، عن حساسية القضية سياسياً وعسكرياً، خصوصاً في ظل العلاقات الوثيقة بين القاهرة والقيادة العسكرية السودانية.
خلفية الهجمات السابقة ودلالاتها
أشار التقرير إلى حادثة سابقة في يونيو الماضي، عندما اتهم عمال مناجم وتقارير إعلامية سودانية القوات المصرية بشن هجوم بطائرة مسيّرة على منجم ذهب في المنطقة نفسها. وسبق ذلك إعلان الجيش المصري حملة أمنية ضد أنشطة التعدين غير القانونية قرب الحدود السودانية، تضمنت نشر تحذيرات تدعو العاملين إلى مغادرة المنطقة.
كما ذكّرت الصحيفة بتحقيق سابق نشرته في فبراير الماضي حول قاعدة مصرية سرية للطائرات المسيّرة تدعم العمليات العسكرية للجيش السوداني، ويضيف هذا السياق أهمية إلى التحقيق الجديد، لكنه لا يشكل، بحد ذاته، دليلاً مباشراً على مسؤولية مصر عن الغارات الأخيرة.
وتبرز هذه الوقائع احتمال تحول المناطق الحدودية إلى مسرح لعمليات أمنية تتجاوز مكافحة التعدين غير القانوني، بما يثير تساؤلات بشأن قواعد الاشتباك، وحماية المدنيين، واحترام السيادة الإقليمية.
سابعاً: الذهب وتمويل الحرب في السودان
يمثل الذهب أحد أهم الموارد الاقتصادية في السودان خلال الحرب، إذ يدرّ عائدات بمليارات الدولارات سنوياً، ويعتمد طرفا الصراع بدرجات مختلفة على موارده في تمويل عملياتهما العسكرية.
وقد سبق للجيش السوداني أن استهدف مناجم تسيطر عليها قوات الدعم السريع في جنوب البلاد، في إطار محاولاته لحرمان خصمه من مصادر التمويل، غير أن الهجوم الأخير يختلف عن تلك العمليات، وفقاً للتقرير، لأنه وقع في منطقة يسيطر عليها الجيش السوداني ولا تشهد مواجهات واسعة النطاق.
ويكشف ذلك عن تعقيدات اقتصاد الحرب، حيث تتداخل أنشطة التعدين غير الرسمي مع سبل عيش السكان المحليين، ومصالح الجماعات المسلحة، والاعتبارات الأمنية للدول المجاورة، وفي هذه البيئة، قد يجد العمال الفقراء أنفسهم في قلب عمليات عسكرية لا يملكون القدرة على تجنبها.
الأبعاد الإنسانية للهجوم
تُظهر الشهادات الواردة في التقرير أن الضحايا كانوا زملاء وأصدقاء يعملون ويأكلون معاً في ظروف صعبة، وروى أحد الناجين، سيف الدين آدم، أنه احتمى داخل حفرة للتعدين برفقة طفل صغير أثناء الغارات، قبل أن يخرج ليواجه مشاهد وصفها بالمروعة.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على هشاشة أوضاع العاملين في التعدين الأهلي، الذين يفتقر كثير منهم إلى الحماية الأمنية والخدمات الطبية وشروط العمل الآمن، كما تشير إلى أن استمرار النشاط الاقتصادي رغم المخاطر يرتبط بالحاجة إلى إعالة الأسر، لا بمجرد تجاهل التحذيرات.
ويؤكد الحادث ضرورة التحقيق في ظروف استهداف الموقع، وتحديد طبيعة الأهداف العسكرية المحتملة، والتحقق من التدابير المتخذة لحماية المدنيين، خصوصاً إذا ثبت أن الضربات طالت عمالاً لا يشاركون في الأعمال القتالية.
دوريات غربية
وعن المسؤولية عن مقتل العمال قالت وكالة رويترز: “إن الاتهام لم يُتحقق منه بصورة مستقلة حتى الآن، وإن كانت الواقعة وُصفت بأنها جريمة حرب يظل احتمالاً قانونياً جدياً يستحق التحقيق، وليس حكماً قضائياً نهائياً، ويتطلب حسمه تحديد الموقع الدقيق للغارة، وهوية الطائرات والذخائر، وطبيعة الهدف، والمعلومات المتاحة للجهة المهاجمة وقت الضربة، والخسائر المدنية المتوقعة، وأي ميزة عسكرية كانت تسعى إلى تحقيقها”.
ومن المهم أن يتناول أي تحقيق مستقل هذه العناصر، وأن يحفظ الأدلة الرقمية وشهادات الناجين، وأن يتيح للجهات المتهمة فرصة الرد على الاتهامات. فذلك هو الطريق إلى تحديد المسؤولية على أساس الأدلة، لا على أساس الافتراضات وحدها.
وحمّلت منظمة «محامو الطوارئ» القوات الجوية المصرية مسؤولية الغارة التي قالت “إنها قتلت ما لا يقل عن 72 عاملاً”، وشددت الوكالة على أنها لم تتمكن من التحقق فوراً من هذا الاتهام، وأن الجيش المصري لم يعلّق على الغارة في حينه، بينما لم ترد وزارة الخارجية المصرية فوراً على طلب التعليق.
وهو موقف صحفي لا يعني تبرئة مصر، ولا يعني إثبات مسؤوليتها؛ بل يعني أن رويترز فرّقت بين اتهام صادر عن جهة حقوقية وبين واقعة ثبتت بصورة مستقلة، ومن الناحية القانونية، يتطلب إسناد المسؤولية تحديد الجهة التي نفذت الهجوم، والأشخاص الذين أصدروا الأوامر أو شاركوا في التنفيذ، والأدلة التي تربطهم بالواقعة.
هوية منفذ الغارة غير معروفة
وزعمت “أسوشيتد برس” أن الهجوم وقع في منطقة حدودية متنازع عليها بين السودان ومصر وليبيا، وأن شبكة أطباء السودان أعلنت مقتل 13 عاملاً وإصابة 28 آخرين في حصيلتها الأولية، ونقلت الوكالة شهادات عن استهداف موقع للتعدين الأهلي، مع الإشارة إلى أن مصدر الغارة لم يكن محدداً وقت نشر التقرير.
وتكمن أهمية هذه التغطية في أنها تفصل بين وقوع الهجوم وسقوط الضحايا، وهما أمران تدعمهما التقارير الأولية، وبين تحديد المسؤولية، وهو أمر ظل غير محسوم، كما أن وقوع المنجم في منطقة متنازع عليها يجعل تحديد موقع الضربة بدقة أمراً مهماً عند تقييم السيادة الإقليمية والقانون الواجب التطبيق، لكنه لا يلغي التزامات حماية المدنيين.
التحفظ على هوية الطائرات
وذكرت قناة “سكاي نيوز” أن منظمة «محامو الطوارئ» أعلنت مقتل 72 شخصاً، وأن شبكة أطباء السودان قدمت حصيلة أولية أقل. وأكدت أن هوية الجهة المسؤولة عن الغارة والطائرات المستخدمة لم تكن قد تأكدت، كما أشارت إلى تحذيرات مصرية سابقة دعت عمال المناجم إلى إخلاء المنطقة.
وكشفت عن وجود تحذيرات مسبقة قد يكون عنصراً مهماً في التحقيق، لكنه لا يحسم مشروعية الهجوم. فحتى إذا ثبت أن السلطات حذرت العاملين، فإن ذلك لا يمنحها تلقائياً الحق في استهدافهم، ولا يحوّل المدنيين إلى أهداف عسكرية لمجرد استمرارهم في العمل في منطقة حُذّروا من البقاء فيها.
دويتشه فيله
ونقلت دويتشه فيله، الالمانية، تقدير منظمة حقوقية بمقتل 72 عاملاً في الغارات على منطقة تعدين نائية، ووضعت الواقعة في سياق الهجمات السابقة على مواقع التعدين الأهلي، مع الإشارة إلى حساسية المنطقة الحدودية وانتشار أنشطة التعدين غير النظامي.
لكن وضع الهجوم في سياق مكافحة التعدين غير القانوني لا يجيب وحده عن سؤال مشروعيته، فمخالفة قوانين التعدين أو الاشتباه في التهريب لا تسقط الحماية المدنية عن العاملين، كما أن استخدام القوة العسكرية ضد موقع مدني يتطلب تبريراً قانونياً قائماً على طبيعة الهدف والظروف الفعلية للهجوم.
ويمكن أن ترقى الغارات المصرية على السودان لقتل العشرات، إلى جريمة حرب إذا ثبتت وقائع محددة، لكن لا يمكن الجزم قانونياً بذلك من عدد القتلى وحده أو من الاتهامات الصحفية فقط.
تنص قواعد القانون الدولي الإنساني على وجوب التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وتحظر توجيه الهجمات إلى المدنيين بصفتهم هذه. كما تحظر الهجمات التي يُتوقع أن تسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة بحسب الموقع.
وتوجد ثلاثة احتمالات قانونية رئيسية في هذه القضية:
استهداف المدنيين عمداً؛ وإذا ثبت أن المنجم استُهدف مع العلم بأن الموجودين فيه مدنيون لا يشاركون مباشرة في القتال، وأنهم كانوا هم الهدف، فقد يشكل ذلك جريمة حرب.
وأنه إذا كان هناك هدف عسكري مشروع، لكن الضرر المتوقع على المدنيين كان مفرطاً قياساً بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة، فقد تنشأ مسؤولية عن جريمة حرب.
إذا لم يكن المنجم أو الموجودون فيه يشكلون هدفاً عسكرياً مشروعاً، فإن تعمد مهاجمتهم قد يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جريمة حرب بحسب الوقائع والعناصر القانونية المتوافرة.
إذا أثبت التحقيق أن القوات المصرية نفذت الغارة، وأنها استهدفت عمداً عمالاً مدنيين أو نفذت هجوماً مخالفاً للقواعد القانونية ذات الصلة، فقد تنشأ مسؤولية الدولة، كما قد تنشأ مسؤولية جنائية فردية للقادة أو المنفذين الذين توافرت بحقهم عناصر الجريمة، أما إذا ثبت أن الجهة المنفذة مختلفة، فيجب تحديد مسؤوليتها بناءً على الأدلة نفسها.
ولا يكفي القول “إن العمال كانوا ينقبون عن الذهب بصورة غير قانونية لتبرير قصفهم”. كذلك، فإن وجود تحذيرات مسبقة لا يعفي القوة المهاجمة من واجب التحقق من الهدف، واتخاذ الاحتياطات الممكنة، واحترام مبدأ التناسب.
يقدم تقرير نيويورك تايمز صورة عن هجوم جوي دموي استهدف منجم ذهب غير رسمي في ولاية البحر الأحمر السودانية، وأسفر، وفق تقديرات حقوقية وشهادات شهود، عن مقتل عشرات العمال وإصابة أكثر من مئة شخص، وتستند الشبهات بشأن الدور المصري إلى شهادات محلية، ومقاطع مصورة، وتحليل لذخيرة يُعتقد أنها مصرية، في حين تؤكد القاهرة أن عملياتها لم تتجاوز حدودها، وأعلن الجيش السوداني فتح تحقيق في الحادث.
وتتجاوز أهمية القضية تحديد الجهة المسؤولة عن الغارات؛ فهي تكشف عن تداخل الأمن الحدودي مع اقتصاد الذهب وتمويل الحرب، وعن المخاطر التي يواجهها المدنيون في مناطق التعدين النائية.
*12 عامًا من إهدار أموال المصريين.. هل عززت “فناكيش السيسى” السيادة الوطنية أم ضيّقت مساحة القرار الاقتصادي؟
تستعد حكومة الانقلاب، بتوجيهات من المنقلب السفيه ،عبد الفتاح السيسي، لإقامة “منتدى مصر 2026” خلال أيام، في محاولة لاستعراض ما تصفه بإنجازات السنوات الاثنتي عشرة الماضية، وتسليط الضوء على المشروعات والسياسات التي شهدتها البلاد منذ عام 2014.
لكن بعيدًا عن الخطاب الرسمي الذي يركز على حجم المشروعات المنفذة والاستثمارات المعلنة، تفرض حصيلة هذه السنوات سؤالًا أكثر جوهرية: إلى أي مدى انعكست هذه المشروعات والسياسات على حياة المصريين، وهل أسهمت في بناء اقتصاد أكثر إنتاجًا واستقلالًا، أم أن أعباء الديون والضغوط المعيشية والاحتياجات التمويلية المتزايدة لا تزال تحد من قدرة الدولة على تحديد أولوياتها؟
فإذا كانت الإنجازات المعلنة قد حققت أهدافها بالقدر الذي تقدمه الحكومة، فمن المفترض أن تظهر آثارها في تحسن مستويات المعيشة، وارتفاع القدرة الشرائية، وتراجع أعباء الديون، وتطور الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص العمل اللائق، وتعزيز قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير.
غير أن استمرار الضغوط المعيشية، وتصاعد أعباء خدمة الدين، واتساع الفجوة التجارية، واستمرار أوجه القصور في الخدمات العامة، تطرح تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام، ومدى كفاءة إدارة الموارد، وطبيعة العائد الاجتماعي والاقتصادي للمشروعات والسياسات التي نُفذت على مدار أكثر من عقد.
ولا تتعلق هذه التساؤلات بالأرقام الاقتصادية وحدها، بل تمتد إلى آليات اتخاذ القرار، ومدى إتاحة الرقابة والمساءلة والمشاركة الشعبية، وطبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية التي تؤثر في شروط التمويل والاستثمار والتجارة.
ومن هنا تنطلق سلسلة «إنجازات ومنجزات أم إخفاقات وتفريط؟»، التي تسعى إلى مراجعة حصيلة اثني عشر عامًا من سياسات السلطة الحاكمة، عبر مقارنة ما أعلنته الحكومات بما تكشفه البيانات عن الدين والإنتاج والتجارة والأجور والفقر والتعليم والصحة والنقل والخدمات العامة والاستثمار والملكية العامة وتوزيع الثروة.
فالمعيار الحقيقي للإنجاز لا يتوقف عند عدد المشروعات أو حجم الأموال التي أُنفقت، وإنما يمتد إلى العائد الفعلي على المجتمع، ومدى قدرة هذه المشروعات والسياسات على تحسين حياة المواطنين، وبناء اقتصاد أكثر إنتاجًا وعدالة، ودولة أوسع قدرة على حماية مصالحها وحقوق مواطنيها.
السيادة الوطنية.. استقلال القرار أم اتساع دوائر التبعية؟
في الحلقة الأولى من السلسلة، يبدأ النقاش من سؤال يسبق كثيرًا من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى: هل أصبح القرار الوطني المصري أكثر استقلالًا خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، أم أن تصاعد الاحتياجات التمويلية وأعباء الدين والاعتماد على مصادر خارجية للعملة الأجنبية ضيّق مساحة الاختيار أمام الدولة؟
فالسيادة الوطنية لا تعني فقط امتلاك القرار السياسي رسميًا أو حماية الحدود، وإنما تشمل أيضًا القدرة الاقتصادية على تحديد الأولويات الوطنية وتنفيذها، من دون أن تتحول الحاجة المستمرة إلى القروض وإعادة تمويل الديون وتدبير النقد الأجنبي إلى عوامل تقيد خيارات الدولة.
وبهذا المعنى، لا يمكن فصل استقلال القرار السياسي عن طبيعة الاقتصاد، ولا عن حجم الديون وشروط التمويل الخارجي، ولا عن قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الاحتياجات الأساسية وتوفير العملات الأجنبية.
من «الإصلاح الاقتصادي» إلى سؤال القدرة على الاختيار
منذ عام 2014، دخل الاقتصاد المصري في مسار واسع من إعادة هيكلة السياسات المالية والنقدية، بالتزامن مع اتفاقات تمويل وبرامج إصلاح ارتبطت بمؤسسات دولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.
وقدمت الحكومات المتعاقبة هذه السياسات باعتبارها ضرورية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتحسين القدرة التنافسية، وتجاوز الاختلالات المالية والنقدية.
لكن بعد مرور أكثر من عقد، يبقى السؤال المطروح: هل أسهمت هذه السياسات في تعزيز قدرة الدولة على الاعتماد على مواردها وتحديد أولوياتها، أم أن تزايد الاحتياجات التمويلية وأعباء خدمة الدين جعل الاقتصاد أكثر احتياجًا إلى القروض والتمويل الخارجي؟
ولا يتعلق الأمر برفض الاقتراض في حد ذاته؛ فالدول تلجأ إلى الاستدانة لتمويل مشروعاتها ومواجهة الأزمات، وقد يكون الاقتراض أداة ضرورية للتنمية. لكن الفارق الحاسم يكمن في أسباب الاقتراض، وأوجه إنفاقه، والعائد الذي يحققه، ومدى مساهمته في خلق طاقات إنتاجية جديدة تستطيع توفير موارد مستدامة لسداد الالتزامات.
أما إذا استُخدمت قروض جديدة لتغطية التزامات سابقة، أو ظلت الموارد تتجه إلى خدمة الدين على حساب الاحتياجات التنموية، فإن الاقتراض يتحول من أداة محتملة لدعم النمو إلى عبء يحد من قدرة الدولة على توجيه مواردها نحو المستقبل.
5.23 تريليون جنيه للفوائد وأقساط القروض… ماذا يتبقى للتنمية؟
تقدم موازنة العام المالي 2026/2027 مؤشرًا مهمًا على حجم الضغوط التي تفرضها المديونية على المالية العامة. فبحسب الأرقام الواردة في المادة، تبلغ فوائد الدين نحو 2.420 تريليون جنيه، فيما يصل سداد القروض إلى نحو 2.808 تريليون جنيه، بإجمالي يقارب 5.23 تريليون جنيه.
وبالمقارنة مع إجمالي استخدامات الموازنة البالغ نحو 8.176 تريليون جنيه، تمثل الفوائد وأقساط القروض معًا قرابة 64% من إجمالي الاستخدامات.
وتكشف هذه الأرقام عن حجم الالتزامات التي يتعين على الدولة الوفاء بها، وعن أهمية التمييز بين الأموال التي تُخصص لسداد التزامات سابقة وتلك التي يمكن توجيهها إلى الاستثمار والخدمات العامة والحماية الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن قراءة هذه النسبة تستلزم الانتباه إلى طبيعة بنود الموازنة؛ فسداد أصل القروض يُدرج ضمن استخدامات الموازنة، لكنه لا يُصنف بالطريقة نفسها التي تُصنف بها المصروفات العامة، كما أن الفوائد تختلف محاسبيًا عن أقساط أصل الدين. لذلك، لا تعني النسبة أن هذه الأموال تمثل كلها إنفاقًا استهلاكيًا أو أنها تُخصم بالطريقة نفسها من المصروفات الخدمية، لكنها توضح حجم الموارد التي تتطلبها إدارة الدين وإعادة تمويله.
وهنا يبرز السؤال الأهم: ما المساحة المتبقية أمام الدولة لتلبية الاحتياجات الاجتماعية وتمويل الاستثمارات المنتجة، في ظل هذه الالتزامات الضخمة؟
فكلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، ازدادت أهمية كفاءة الإنفاق العام، وضرورة توجيه الاقتراض نحو أنشطة قادرة على توليد قيمة مضافة وفرص عمل وعائد اقتصادي مستدام، بدلًا من الاكتفاء بزيادة حجم التمويل المطلوب لتغطية الالتزامات القائمة.
استقلال القرار السياسي يبدأ من الاستقلال الاقتصادي
قد تحتفظ الدولة بسلطتها الرسمية في اتخاذ القرار، لكن قدرتها الفعلية على تنفيذه تتأثر بحجم الموارد المتاحة لها، ومدى اعتمادها على التمويل الخارجي، واحتياجاتها من العملات الأجنبية، وشروط إعادة تمويل ديونها.
فحين تصبح الدولة مضطرة بصورة متكررة إلى تدبير موارد جديدة للوفاء بالتزامات سابقة، تتقلص مساحة المناورة أمامها، وتزداد أهمية قرارات المقرضين والأسواق المالية والظروف الدولية في تحديد الخيارات المتاحة.
ولا يعني ذلك أن كل قرض أو اتفاق تمويل ينتقص تلقائيًا من السيادة الوطنية، لكن اتساع الاعتماد على التمويل الخارجي يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة الدولة على ترتيب أولوياتها وفق احتياجات المجتمع، ومدى امتلاكها بدائل اقتصادية تسمح لها بتجنب الضغوط التي قد تصاحب الأزمات التمويلية.
ومن ثم، تصبح السيادة الاقتصادية مسألة عملية تتجاوز الشعارات؛ فهي ترتبط بقدرة الدولة على توفير مواردها، وتمويل احتياجاتها الأساسية، وحماية قطاعاتها الإنتاجية، والتعامل مع الاقتصاد العالمي من موقع أكثر قوة.
عجز تجاري بـ 51 مليار دولار.. أين تقف القدرة الإنتاجية؟
لا يمكن تقييم استقلال الاقتصاد المصري من دون النظر إلى قدرته على الإنتاج والتصدير، وتوفير العملات الأجنبية من النشاط الاقتصادي الحقيقي، وتقليل الاختلالات المزمنة بين الصادرات والواردات.
فالاقتصاد القادر على الإنتاج لا يحتاج إلى إغلاق أبوابه أمام العالم، بل يستطيع الاستيراد لتلبية احتياجاته من الآلات والتكنولوجيا ومدخلات الصناعة، مع امتلاك قاعدة إنتاجية وتصديرية تتيح له تمويل جانب أكبر من وارداته بصورة مستدامة.
تشير بيانات التجارة الخارجية إلى استمرار فجوة كبيرة بين الصادرات والواردات. ففي العام المالي 2024/2025، بلغت الصادرات السلعية نحو 40.2 مليار دولار، مقابل واردات بنحو 91.2 مليار دولار، ليصل العجز التجاري إلى قرابة 51 مليار دولار.
ولا يكفي هذا الرقم وحده للحكم على مجمل السياسة الاقتصادية؛ إذ قد تعكس الواردات المرتفعة احتياجات إنتاجية واستثمارية، كما أن تقييم الأداء يتطلب النظر إلى تركيب الصادرات والواردات، ومعدلات نموهما، ومدى ارتباط الواردات بتوسيع الطاقة الإنتاجية.
لكن استمرار هذا الاختلال يضع قضية الإنتاج المحلي في صدارة الأسئلة المطروحة بعد اثني عشر عامًا من السياسات والمشروعات الحكومية.
فإذا كانت البلاد لا تزال تحتاج إلى تدبير موارد دولارية كبيرة لتغطية الفارق بين الصادرات والواردات، فإن المطلوب هو توضيح مدى نجاح السياسات المتبعة في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تقليص هذا العجز تدريجيًا، وزيادة القيمة المضافة المحلية، ورفع القدرة التنافسية للصادرات المصرية.
ويشمل ذلك تطوير الصناعة، وتعزيز الإنتاج الزراعي، وتوطين التكنولوجيا، وتوسيع الصناعات الوسيطة، وتقليل الاعتماد على استيراد السلع التي يمكن إنتاجها محليًا بكفاءة، فضلًا عن معالجة العقبات التي تواجه المنتجين والمصدرين.
السيادة لا تُبنى بالمشروعات وحدها
على مدار السنوات الماضية، احتلت المشروعات القومية والاستثمارات الكبرى مساحة واسعة من الخطاب الرسمي بشأن التنمية. ولا يمكن إنكار أن البلاد شهدت تنفيذ مشروعات وتغييرات في عدد من القطاعات، لكن وجود المشروع أو اكتمال تنفيذه لا يكفي وحده للحكم على جدواه الاقتصادية والاجتماعية.
فالتقييم يتطلب معرفة تكلفته الإجمالية، ومصادر تمويله، والعائد المتوقع والمتحقق منه، وعدد فرص العمل المستدامة التي وفرها، ومدى مساهمته في زيادة الإنتاج أو تحسين الخدمات، فضلًا عن كلفة تشغيله وصيانته على المدى الطويل.
كما أن زيادة الإنفاق العام لا تعني بالضرورة تحسن جودة الخدمات، إذا لم تتناسب الموارد المخصصة مع الاحتياجات الفعلية، أو إذا لم تصل ثمار الإنفاق إلى الفئات الأوسع من المواطنين.
ومن هنا، فإن السؤال ليس فقط كم مشروعًا أُنجز، وإنما ما إذا كانت المشروعات والسياسات مجتمعة قد أسهمت في بناء اقتصاد أكثر قدرة على توليد موارده، وتقليل احتياجاته التمويلية، وتوفير فرص عمل منتجة، وتحسين مستويات المعيشة.
فالسيادة الاقتصادية تبدأ من المصنع والحقل، ومن المدرسة والجامعة، ومن القدرة على إنتاج الغذاء والدواء، وامتلاك التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، وتطوير الخدمات العامة. وهي تتطلب كذلك مؤسسات قادرة على الرقابة والمساءلة، وشفافية في إدارة المال العام، وأولويات إنفاق تستند إلى احتياجات المجتمع والعائد التنموي.
بعد 12 عامًا.. من يملك القدرة الفعلية على اتخاذ القرار؟
مع اقتراب استعراض الحكومة حصيلة السنوات الماضية خلال «منتدى مصر 2026»، تفرض الأرقام ضرورة تجاوز المقارنة بين الوعود والإنجازات المعلنة إلى مراجعة أكثر شمولًا للنتائج الفعلية.
فارتفاع أعباء الدين، واستمرار العجز التجاري، والاحتياج إلى تدبير العملات الأجنبية، كلها ملفات تستدعي بحث مدى قدرة السياسات الاقتصادية على بناء قاعدة إنتاجية أكثر قوة واستدامة، ومدى نجاحها في تقليص مواطن الضعف التي تجعل الاقتصاد عرضة للضغوط الداخلية والخارجية.
وبعد اثني عشر عامًا من حكم السيسي، لا يكفي أن يكون السؤال: كم مشروعًا أُنجز؟ بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر مباشرة: هل أصبح الاقتصاد المصري أكثر اعتمادًا على موارده؟ هل زادت قدرته على الإنتاج والتصدير؟ هل تراجعت حاجته إلى الاقتراض؟ هل انعكست الاستثمارات على حياة المواطنين وخدماتهم وفرص عملهم؟ وهل اتسعت مساحة الاختيار أمام الدولة أم ازدادت القيود المالية التي تحدد أولوياتها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تصنعها الشعارات، ولا تكفي فيها الأرقام المنفردة أو المؤشرات المنتقاة، وإنما تتطلب مراجعة متكاملة للبيانات والنتائج والتكاليف والعوائد.
فاستقلال القرار الوطني لا يُقاس فقط بمن يملك سلطة اتخاذه رسميًا، بل أيضًا بمدى امتلاك الدولة الموارد والقدرات الإنتاجية والبدائل التي تتيح لها تنفيذه. ومن هنا تبدأ مراجعة السيادة الوطنية: من الأرقام، ومن واقع الاقتصاد، ومن أثر السياسات في حياة المصريين.
*السيسي ينفي تعديل الدستور لبقائه بعد 2030 وغموض حول السبب وهل هي مناورة؟
فيما انتشرت حملات لتمديد حكمه سواء عبر تعديل الدستور أو باستفتاء شعبي يبقيه مدى الحياة حتى سن 96 عام حتى عام 2050، نفي عبد الفتاح السيسي نيته تعديل الدستور، بيد أن مصريون تساءلوا عبر مواقع التواصل عن صدق نيته في ذلك؟ ولماذا قال ذلك؟ ومن يحكم مصر بعد 2030 لو ترك الحكم فعليا؟
قال إنه لا مساس بالدستور، وأوضح أن ما تشهده الساحة خلال الأشهر الماضية من شائعات ومحاولات متعمدة لتزييف الوعي واستثارة الرأي العام يندرج في إطار مساعٍ تستهدف زعزعة الاستقرار وتفجير الأوضاع داخل الدولة المصرية.
وخلال كلمته حسم السيسي الجدل حول دعوات تعديل الدستور لتمديد رئاسته، قائلًا “فيه دستور للدولة دية، فيه دستور إحنا وافقنا عليه للدولة دية، محدش هيمسه، محدش هيمسه، وبالتالي خلاص محدش يعبث بقى، محدش يعبث بعقلكم، وبالمناسبة أي حاجة بتتعمل هي الناس اللي ممكن تنجحها ومتنجحهاش”.
جاء ذلك في كلمته خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين بعنوان “وطن الأبطال”، الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بمُناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، بمركز الصفوة للمؤتمرات الدولية بالأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة.
وزعم السيسي إن “الحرب النفسية اللي بتتعمل على الدولة المصرية خلال الفترة اللي فاتت ودلوقتي والأيام اللي جاية هتستمر، لأنها الهدف منها إرادتك يا مصري… لو قدر يحطم إرادتك خلاص الباقي سهل لأن إحنا هنقدر نصمد قدام أي حاجة لو عندنا إرادة”.
وألمح السيسي إلى محاولات للنيل من الدولة لم يوضحها أو يفسرها، لكنه قال إن “كل اللي بيتعمل ده، اللي بقى خلاك مش شايف، أو خلانا مش شايفين أي حاجة غير اللي هم بيقولوه، وبيحاولوا إنتاج الموضوع، ويقولك آه إحنا مش عارف مين هيمسك إيه، ومين يتولى إيه وكلام كده”.
وأطلق تحذيرات من تفجر الأوضاع داخل الدولة، وقال “الكلام اللي بيتعمل دلوقتي بقاله كام آه، وزاد قوي خلال الخمس ست شهور اللي فاتوا أو السنة اللي فاتت، مع السياق العام اللي بيمر في منطقتنا، والضغوط اللي بتم، يمكن يفجروا الموقف في مصر”.
كما وجه السيسي رسالة إلى “كل أب وأم مسؤولين عن أولادهم في بيتهم الصغير والكبير يوعيه ويفهمه إن الخراب، والله أنا مش بخوفكم، المرادي مش هتقوم تاني، والله والله والله كان ربنا سبحانه وتعالى في 2011 و12 و13 جابر لخواطر المصريين ورحمهم من الشر اللي قابل الدول التانية، وادانا فرصة، فخلوا بالكم من بلدكم مش مني”.
وقاطع السيسي أحد الحاضرين للندوة، قائلًا “بنحبك يا ريس”، ليرد عليه “أنا بحبكم وقلقان عليكم، لكن خلال الحرب على الإرهاب أدت إلى سقوط شهداء ومصابون، وخسرت مصر 120 مليار دولار”.
أكد عبد الفتاح السيسي، انه لا توجد نية لتعديل مواد الدستور الحالي ولن يقترب أحد منها.
جاء ذلك خلال كلمته في الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين بعنوان بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات حرب أكتوبر 1973.
وأشار السيسي إلى أن للدولة دستورًا، قائلًا: «دستور وافقنا عليه للدولة»، مؤكدا أن أحدًا لن يمسه، ومطالبا بألا يعبث أحد بعقول المصريين.
وقال عبدالفتاح السيسي إن مصر خاضت، على مدار السنوات الأربع عشرة الماضية، حربًا شرسة ضد الإرهاب، تكبدت خلالها الدولة تكلفة تجاوزت 120 مليار جنيه، فضلًا عما قدمه أبناء الوطن من تضحيات وشهداء
وخلال الفترة الماضية ظهرت بعض الدعوات لتعديل الدستور وتمديد حكم السيسي، منها حملة إلكترونية تحت عنوان السيسي حتى 2050؛ لجمع توقيعات مواطنين على تمديد حكم السيسي وإحالة الأمر لمجلسي النواب والشيوخ لاعتماده، في خطوة شبيهة بحملات التوقيعات السابقة مثل “كمل جميلك” التي انطلقت عام 2014 مطالبة بترشحه للرئاسة، وحملة “عشان تبنيها” في 2017 للترشح لفترة ثانية، وصولًا إلى الحملات التي مهدت لتعديلات دستور 2019 التي رفعت مدة الرئاسة إلى 6 سنوات وأتاحت ولاية ثالثة استثنائية تنتهي في 2030.
وفي حوار صحفي مع مجلة فرنسية قبل ثلاث سنوات من التعديل الأخير للدستور، سُئل السيسي إن كان سيعدل الدستور ليبقى في الحكم أكثر من ثماني سنوات، فقال إن الشعب المصري لن يسمح بذلك لأنه «يتسم بالذكاء وبحضارة عريقة، والشعب يعرف جيدًا كيف يختار، وزعم أنه “عندما رفضوا مرسي نزل ثلاثون مليون مواطن إلى الشارع”.
*الجنيه المصري يتراجع 11% منذ بداية 2026 وصندوق النقد يطلب عدم تدخل الدولة
تجاوز سعر صرف الدولار 53 جنيهاً مصرياً في تعاملات اليوم لأول مرة منذ 5 أشهر، حيث وصل سعر شراء الدولار إلى 53.03 جنيهاً و53.13 جنيهاً للبيع، في البنك الأهلي المصري، أكبر البنوك الحكومية، مقابل 52.70 جنيهاً للشراء و52.8 جنيهاً للبيع أمس الثلاثاء، وبانخفاض بلغت نسبته نحو 0.62%، بعد أن كان عند 47.65 جنيهاً للشراء و47.75 جنيهاً للبيع أول أيام 2026، وبتراجع بأكثر من 11% منذ بداية العام.
ويأتي تراجع الجنيه أمام الدولار، رغم ارتفاع احتياطي مصر من النقد الأجنبي حتى نهاية سبتمبر الماضي، إلى 57.35 مليار دولار، مقارنةً بـ 57.21 مليار دولار في نهاية أغسطس وفقاً لأرقام البنك المركزي المصري، ورغم قراره الشهر الماضي بتثبيت سعر الفائدة عند 19% للإيداع، و20% للإقراض.
وتوقع صندوق النقد الدولي في تقريره لآفاق الاقتصاد العالمي أول أمس، أن يصل سعر صرف الدولار 52.14 جنيهاً في نهاية العام المالي الحالي الذي ينتهي في 30 يونيو المقبل.
بينما توقع ارتفاعه إلى 55.96 جنيهاً في العام المالي 2027/2028 وإلى 57.02 في 2028/2029 و57.76 جنيهاً في 2029/2030.
بينما رفعت عدد من الشركات في مصر سعر صرف الدولار في موازناتها للعام المقبل. ويختتم صندوق النقد الدولي في ديسمبر المقبل برنامجه في مصر؛ عندما تتيح المراجعة الثامنة والأخيرة صرف 1.7 مليار دولار، وسط توقعات بعدم تجديد البرنامج الحالي الذي أتاح لمصر نحو 8 مليارات دولار من اتفاق “تسهيل الصندوق الممدد” و1.3 مليار دولار ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة.
تقليص دور الدولة في الاقتصاد
ودعا صندوق النقد الدولي مصر، يوم الخميس، إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية الرامية إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وذلك قبل أسابيع من المراجعة النهائية لبرنامج القرض البالغة قيمته ثمانية مليارات دولار، الذي ينتهي في ديسمبر/كانون الأول المقبل.
وقالت تالين كورنشيليان، نائبة مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق، إن مصر أحرزت تقدماً جيداً في استعادة استقرار الاقتصاد الكلي رغم الظروف الخارجية بالغة الصعوبة، لكنها شددت على ضرورة الإسراع في الإصلاحات المتعلقة بدور الدولة.
وأوضحت أن الصندوق سيبحث هذا الملف مع السلطات المصرية خلال المراجعة النهائية، إلى جانب الخطوات اللازمة لتعزيز الحوكمة وتحسين الشفافية.
وأضافت أن الصندوق سيناقش هذه المسألة، إلى جانب الخطوات اللازمة لتعزيز الحوكمة وتحسين الشفافية، مع السلطات المصرية، وذلك في إطار مراجعة نهائية لبرنامج القرض المصري الذي تبلغ قيمته ثمانية مليارات دولار من الصندوق خلال الأسابيع المقبلة. وتشير مصر إلى أنها لن تسعى للحصول على تمويل جديد من الصندوق بعد انتهاء البرنامج الحالي في ديسمبر /كانون الأول.
وتؤكد القاهرة أنها لن تسعى إلى الحصول على تمويل جديد من الصندوق بعد انتهاء البرنامج الحالي، ما يجعل المراجعة المقبلة محطة أخيرة في مسار الشراكة الحالية بين الجانبين. وكان المجلس التنفيذي للصندوق قد أقر في نهاية يوليو/تموز المراجعة السابعة للبرنامج، إلى جانب المراجعة الثانية ضمن تسهيل الصلابة والاستدامة، ممهداً لصرف شريحة بقيمة 1.8 مليار دولار.
غير أن ملف بيع الأصول الحكومية لا يزال من أبرز القضايا العالقة، إذ يتعين على مصر إتمام تخارجات إضافية بقيمة 1.5 مليار دولار قبل انتهاء البرنامج، بينما يقيّم الصندوق تداعيات قانون جهاز “مستقبل مصر” الذي أقره البرلمان مؤخراً، والذي يضع الجهاز تحت الإشراف المباشر لمؤسسة الرئاسة.
وتأتي دعوة الصندوق في ظل مؤشرات اقتصادية متباينة حيث تراجع التضخم العام السنوي في المدن إلى 13.9% في سبتمبر/أيلول من 14.5% في أغسطس/آب وانخفض التضخم الأساسي إلى 14.1% من 14.9% وصعد احتياطي النقد الأجنبي إلى 57.2 مليار دولار بنهاية أغسطس/آب.
وبينما يُظهر الاقتصاد المصري متانة أكبر مما كان يُخشى في البداية في مواجهة حرب في المنطقة، مدعوماً بتحسن الاحتياطيات الأجنبية وتباطؤ التضخم، يبقى التحدي الأبرز أمام القاهرة هو الوفاء بالتزامات الإصلاح الهيكلي قبل إسدال الستار على البرنامج، ولا سيما ما يتعلق بتسريع برنامج الطروحات وتوسيع مساحة القطاع الخاص. والمراجعة النهائية لن تكون مجرد محطة لصرف شريحة أخيرة، بل ستكون اختباراً حاسماً لمدى قدرة مصر على مواصلة مسار الإصلاح بدافع ذاتي ومن دون مظلة الصندوق، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب الإقليمية تلقي بظلالها على أسواق الطاقة وحركة التجارة وتكاليف التمويل الخارجي، وفق وكالة “رويترز”.
*بيع الأصول المربحة لسدّ العجز… لماذا يتمسك السيسي بطرح بنك القاهرة؟
تطرح حكومة الانقلاب 30% من أسهم بنك القاهرة في البورصة، في خطوة تقدمها باعتبارها مدخلاً لتنشيط سوق المال وجذب استثمارات جديدة. لكن وراء الخطاب الرسمي، يبرز سؤال أوسع: لماذا تواصل الدولة بيع حصص في أصول عامة رابحة، فيما تتزايد أعباء الدين وعجز الموازنة؟ وهل تتحول حصيلة البيع إلى استثمار يخفف الضغوط عن الاقتصاد، أم تُستخدم لتغطية التزامات آنية ثم تفقد الدولة مورداً يدرّ أرباحاً مستقبلاً؟
بحسب المعلومات المعلنة، يعتزم بنك مصر، المساهم البائع، طرح 4.575 مليارات سهم من بنك القاهرة، تمثل 30% من رأس المال، على شريحتين للمؤسسات والأفراد. وتُقدّر القيمة المتوقعة للطرح بنحو 24 مليار جنيه، فيما تراوح التقييمات المنشورة للقيمة العادلة للبنك بين 80 و80.5 مليار جنيه. وتقول الحكومة إن العملية ستوسّع قاعدة المستثمرين وتعيد تنشيط برنامج الطروحات الحكومية، بعد تأجيلات متكررة.
لكن خبير البنوك والاستثمار رشاد عبده يرى أن الحاجة إلى تدبير موارد مالية لمواجهة عجز الموازنة وأعباء المديونية من دوافع التوسع في بيع الأصول العامة. ويثير ذلك مخاوف من أن تتحول الطروحات إلى وسيلة سريعة لتوفير السيولة، في ظل صعوبة زيادة الإيرادات من مصادر أخرى. فبيع حصة من أصل قائم قد يحسن مؤشرات مالية على المدى القصير، لكنه لا يعالج وحده أسباب العجز أو كلفة الدين.
بنك رابح في وقت ضاغط
تأتي الصفقة بينما يواصل بنك القاهرة النمو. فقد بلغ إجمالي أصوله 561.2 مليار جنيه بنهاية يونيو/حزيران 2026، وبلغت قروضه 280.3 ملياراً، مقابل ودائع بقيمة 443.9 مليار جنيه، فيما وصلت حقوق الملكية إلى 66.8 ملياراً. وسجل البنك معدل كفاية رأس مال قدره 22.1%، كما يمتلك 233 فرعاً و2205 أجهزة صراف آلي ويقدم خدماته لنحو 3.2 ملايين عميل.
هذه الأرقام تضع سؤال السعر في صلب النقاش: هل تعكس قيمة الطرح ما يملكه البنك من أصول وشبكة فروع وعملاء وقدرة على توليد الأرباح، أم أن حاجة الحكومة إلى السيولة قد تضعف موقفها التفاوضي؟ ويحذر عبده من أن المستثمرين قد يضغطون باتجاه سعر أقل إذا رأوا أن البائع مستعجل على إتمام الصفقة. كما يرى أن تقييم البنك لا ينبغي أن يستند إلى أرباح سنة واحدة، بل إلى قيمته وإمكاناته على المدى الطويل.
وبحسب تحليل مالي لرئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق ونقيب الصحفيين الأسبق ،الخبير الاقتصادى ، ممدوح الولي، جاء بنك القاهرة في المركز الثالث عشر بين 30 بنكاً عاملاً في مصر من حيث العائد على الأصول خلال 2025، بنسبة 3.03%، وفق القوائم المستقلة للبنوك التي أُعلنت بياناتها. ويعني ذلك أن البنك ليس مجرد أصل جامد يُباع مرة واحدة؛ فهو مؤسسة تستطيع مواصلة توليد دخل للدولة ما دامت تحتفظ بحصتها وتديرها بكفاءة.
بين توسيع الملكية وفقدان العائد
في المقابل، يقول الخبير المصرفي محمد بدرة إن الطرح قد يخدم البنك والقطاع العام، عبر دخول مساهمين جدد وتعزيز الإفصاح عن البيانات المالية وتوسيع قاعدة المشاركة في الملكية. كما يرى أن تداول الأسهم قد يتيح للأفراد الاستثمار في البنك، وأن دخول مؤسسات عامة وصناديق تأمين وأوقاف يمكن أن ينوع قاعدة المساهمين.
غير أن الشفافية وتوسيع قاعدة الملكية لا يتطلبان بالضرورة بيع حصة كبيرة إذا أمكن تحقيقهما بإجراءات حوكمة وإفصاح أشمل. كما أن دخول مساهمين جدد لا يضمن تلقائياً تحسن أداء البنك أو استفادة الجمهور؛ إذ يتوقف ذلك على سعر الطرح، وطريقة استخدام الحصيلة، ومدى حماية المصلحة العامة بعد البيع.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة لأن الطرح هو أحدث محاولة ضمن مسار امتد سنوات. ويشير التقرير إلى محاولات سابقة في 2008 و2018، فيما تصف الحكومة العملية الحالية بأنها انطلاقة لبرنامج أوسع. وتكرار المحاولات يثير تساؤلاً مشروعاً عن سبب تعثرها سابقاً، وعن الضمانات التي تجعل الصفقة الحالية أفضل للدولة والمواطنين من المحاولات السابقة.
ماذا تفعل الحكومة بحصيلة البيع؟
ليست حصيلة الطرح وحدها معيار الحكم على الصفقة؛ فالأهم هو ما إذا كانت ستُستخدم لخفض الدين أو تمويل استثمارات منتجة، أم لتغطية إنفاق متكرر ثم ينتهي أثرها سريعاً. إذا باعت الدولة جزءاً من بنك يحقق أرباحاً ولم تستخدم المقابل في بناء أصول أو تقليل أعباء المديونية بصورة ملموسة، فقد تستبدل مورداً مستمراً بسيولة مؤقتة.
ومن هنا، لا يقتصر الجدل على مبدأ طرح الأسهم في البورصة، بل يشمل شفافية التقييم، والسعر النهائي، والجهات التي ستشتري، وما ستفعله الحكومة بالأموال. ويظل نجاح العملية مرتبطاً أيضاً بقدرة السوق على استيعابها، خصوصاً مع تزامنها مع طروحات أخرى، وبمدى تحويل اهتمام المستثمرين إلى اكتتاب فعلي.
تقدم الحكومة الطرح بوصفه خطوة لجذب الاستثمار وتنشيط سوق المال. أما منتقدوه فيرونه اختباراً لسياسة أوسع تعتمد على بيع حصص من أصول الدولة لتوفير موارد مالية. وبين الرؤيتين، يبقى معيار المصلحة العامة واضحاً: ألا يُباع أصل مربح تحت ضغط الحاجة إلى السيولة، وأن تُعلن الدولة بوضوح قيمة ما تتنازل عنه، وكيف ستستخدم الحصيلة، وما الذي سيعود على الاقتصاد والمواطنين بعد إتمام الصفقة.
marsadpress.net – شبكة المرصد الإخبارية شبكة المرصد الإخبارية
