
الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا يثير قلق مصر والعطش يهدد المحروسة وموازين القوى بالبحر الأحمر في قلب المواجهة.. السبت 12 سبتمبر 2026.. المصريون يواجهون معضلة توفير موازنة للغذاء بعد إلغاء الدعم والكثير يعيش تحت خط الفقر
شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري
*معتقلون مصريون يطالبون الحكومة بتطبيق الحدود الجديدة للحبس الاحتياطي
طالَب معتقلون مصريون على ذمة قضايا حبس احتياطي الحكومةَ بتطبيق الحدود القانونية الجديدة على قضاياهم، مع قرب دخول تعديلات قانون الإجراءات الجنائية حيز التنفيذ في أكتوبر المقبل. ويعد القانون الجديد، الذي أقره البرلمان في نوفمبر الماضي، بوضع سقف زمني لفترات الحبس الاحتياطي.
وأفادت ميدل إيست آي، في تقرير أعدته كاثرين هيرست ونشر في 11 سبتمبر 2026، بأن مجموعة من المعتقلين، طلبت عدم الكشف عن هويتها، وجهت رسالة إلى الحكومة المصرية قالت فيها إنها قضت «سنوات طويلة» رهن الحبس الاحتياطي، ورحبت بالتشريع الجديد، آملة أن يتيح لها استعادة حريتها وحقوقها كمواطنين.
وجاء في الرسالة أن المعتقلين يأملون أن يتيح القانون لهم «العودة مجددًا إلى الحرية وإلى ممارسة حقوق المواطنة»، والمساهمة بصورة إيجابية وبإخلاص في تقدم البلاد والمجتمع في مختلف مجالات الحياة، في حدود ما يسمح به القانون.
وأيّد مدافعون عن حقوق الإنسان مطالب المعتقلين، إذ قالت سمر الحسيني، المديرة التنفيذية للمنتدى المصري لحقوق الإنسان، لـ«ميدل إيست آي» إن المعتقلين يحاولون استباق دخول القانون حيز التنفيذ، مضيفة أنهم يعلنون استعدادهم للالتزام بما تطلبه السلطات، لكنهم يريدون ألا يُستبعدوا من الحد الأقصى لفترة الحبس الاحتياطي.
وأشارت الرسالة إلى أن المعتلقين «طووا صفحة الماضي بكل ظروفه الغامضة وغير المواتية».
وكشف مصدر طلب عدم ذكر اسمه خشية التعرض لإجراءات انتقامية أن أحد الموقعين على الرسالة طبيب يبلغ من العمر 70 عامًا، ويقبع رهن الحبس الاحتياطي منذ أكثر من ست سنوات. وتدهورت حالته الصحية بصورة حادة خلال تلك الفترة، بعدما خضع لجراحة قلب مفتوح.
وقال المصدر إن الطبيب لا يغادر زنزانته ويعاني الضعف والهزال وصعوبة الحركة، دون أن يحصل على الرعاية الطبية اللازمة.
وبعد وقت قصير، أصدر معتقلون آخرون من سجون مختلفة بيانًا حمل عنوان «كفى»، احتجاجًا على ظروف احتجازهم.
وطالب البيان بـ«الإفراج عن جميع المعتقلين»، مندّدًا باحتجاز النساء، وإطالة أمد الحبس الاحتياطي، وإعادة تدوير الاتهامات بعد صدور قرارات الإفراج أو انتهاء مدد الأحكام، واحتجاز الأطفال، والاعتقالات خارج إطار القانون، وحالات الاختفاء القسري.
وقال الباحث السياسي والمعتقل السابق سيف الإسلام عيد، الذي يتواصل مع المجموعة، إن المعتقلين يعتزمون الدخول في إضراب داخل السجون إذا لم تستجب السلطات لمطالبهم.
وأضاف أن أحد الموقعين على الرسائل يبلغ منتصف الثلاثينيات من عمره، ويقضي عامه الحادي عشر في السجن.
آمال كبيرة وشكوك بشأن الإفراج عن المعتقلين
أعربت الحسيني عن تشككها في أن تؤدي التعديلات الجديدة إلى الإفراج عن نحو 60 ألف معتقل سياسي يُقدَّر أنهم يقبعون خلف القضبان في مصر.
وقالت، إن القانون يفترض أن يفرض، عند دخوله حيز التنفيذ، مراجعة أوضاع كل من تجاوز الحد الأقصى المسموح به للحبس الاحتياطي، ثم الإفراج عنهم، مشيرة إلى أن هذه العملية كان يفترض أن تبدأ بالفعل قبل تطبيق القانون.
وتعرض التشريع الجديد لانتقادات حادة من منظمات حقوقية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، التي وجهت رسائل أعربت فيها عن مخاوفها بشأن مشروع القانون.
وفي سبتمبر من العام الماضي، أعاد رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي مشروعًا أوليًا للقانون إلى البرلمان لإجراء تعديلات عليه، بعد انتقادات من منظمات حقوقية ونقابتي المحامين والصحفيين وخبراء أمميين.
وحذر منتقدون من أن المشروع سيوسع بصورة كبيرة صلاحيات الشرطة والنيابة، وقد يرسخ انتهاكات قائمة، من بينها الاحتجاز التعسفي، وتقييد الوصول إلى المحامين، ومنع السفر، وتسريع إجراءات المحاكمات.
وقالت الحسيني، إن النسخة المعدلة التي أقرتها الحكومة في نوفمبر الماضي لا تزال تعاني العيوب نفسها، معتبرة أن وضع سقف زمني للحبس الاحتياطي يمثل التعديل الإيجابي الوحيد.
وأضافت: «عندما أعاد السيسي مشروع القانون كنا نتوقع نسخة أفضل، لكن ذلك لم يحدث»، معتبرة أن الخطوة بدت أشبه بإشارة من الرئيس إلى أنه يستمع إلى المخاوف، دون أن تعالج جوهر المشكلة.
وقالت إن القانون كان يفترض أن يعالج المشكلات القائمة في التشريع الحالي، لكنه أصبح «أكثر إشكالية».
إعادة تدوير الاتهامات تترك المعتقلين خلف القضبان
لا يعالج النص النهائي للقانون ممارسة «تدوير» الاتهامات ضد المعتقلين، وهي ممارسة تتيح للسلطات توجيه اتهامات متطابقة أو جديدة إلى المعتقلين بعد انتهاء مدة أحكامهم، بما قد يبقيهم خلف القضبان بصورة لا نهائية.
وأوضحت الحسيني أن القانون الجديد يسمح للشرطة بإجراء الاستجوابات دون حضور محامٍ، رغم أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يكفل الحق في الوصول في الوقت المناسب إلى المساعدة القانونية خلال جميع مراحل الإجراءات الجنائية.
وقبل إقرار القانون، أحالت الحكومة المصرية آلاف الأشخاص إلى المحاكمة بين أكتوبر 2024 ويناير 2025، ما يعني أنهم لم يعودوا يُصنفون رسميًا باعتبارهم معتقلين على ذمة الحبس الاحتياطي.
وقالت الحسيني إن رسالة المعتقلين تعكس «اليأس» من استبعادهم من الإصلاحات المرتقبة، مضيفة أن الحكومة المصرية «تتلاعب منذ سنوات بفكرة الإفراج عن المعتقلين احتياطيًا».
ولم تؤدِ تعهدات سابقة للسلطات المصرية بمعالجة أزمة الحبس الاحتياطي، من بينها إنشاء لجنة للعفو الرئاسي تُفرج بصورة دورية عن دفعات من المعتقلين، إلى تأثير كبير على أعداد المعتقلين.
وأشارت الحسيني إلى أن اللجنة ساعدت في الإفراج عن «عشرات» المعتقلين، في حين لا يزال نحو 60 ألف معتقل على ذمة قضايا الحبس الاحتياطي خلف القضبان.
ولا تنشر الحكومة المصرية بيانات عن أعداد المعتقلين احتياطيًا، فيما قدّر تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية في عام 2022 عدد نزلاء السجون في مصر بنحو 120 ألف شخص، مع تقديرات تشير إلى أن المعتقلين احتياطيًا يشكلون 33.3% منهم.
وأشارت منظمات حقوقية إلى غياب الشفافية بشأن عمل لجنة العفو الرئاسي، واتهمت أعضاء فيها بإصدار «قوائم عفو وهمية» تعلن الإفراج عن معتقلين سياسيين، بينما تكون النيابة قد جددت حبسهم في الواقع.
وقالت الحسيني إن مصر قدمت التشريع الجديد للاتحاد الأوروبي باعتباره خطوة لتهدئة المخاوف التي أثارها الاتحاد والأمم المتحدة بشأن تزايد أعداد المعتقلين على ذمة الحبس الاحتياطي.
وأضافت أن هناك توقعات كبيرة بالإفراج عن آلاف الأشخاص بمجرد دخول القانون حيز التنفيذ، لكنها أكدت أنها لا تزال متشككة في حدوث ذلك.
ومن المقرر أن تصرف المفوضية الأوروبية الدفعة الأخيرة من حزمة مالية غير مسبوقة لدعم الاقتصاد المصري المتعثر في ديسمبر المقبل، أي بعد دخول التشريع الجديد حيز التنفيذ بعدة أشهر.
وانتقد ناشطون حقوقيون هذه الخطوة، قائلين إن الاتحاد الأوروبي قدم سلسلة من التنازلات لمنح القاهرة «شهادة براءة» في ملف حقوق الإنسان وتمرير حزمة المساعدات الهادفة إلى الحد من تدفقات الهجرة إلى أوروبا.
ورجحت الحسيني أن يراجع الاتحاد الأوروبي أعداد المعتقلين على ذمة الحبس الاحتياطي قبل صرف الدفعة الأخيرة من التمويل.
سجون مصر تتحول إلى «صندوق أسود»
تأتي رسائل المعتقلين في ظل تعتيم واسع على المعلومات المتعلقة بأوضاع السجون المصرية.
وقالت الحسيني إن السلطات استهدفت، منذ منتصف عام 2024، مدافعين عن حقوق السجناء وأفرادًا من عائلات المعتقلين، عقب تقارير عن إضرابات عن الطعام نفذها معتقلون احتجاجًا على أوضاعهم في سجن بدر، إلى جانب تزايد أعداد الوفيات بين السجناء.
وأضافت أن السجون المصرية تحولت منذ ذلك الحين إلى «صندوق أسود»، مع ندرة المعلومات التي تصل من داخلها.
وقالت إن المحامين لا يستطيعون الوصول إلى السجون، فيما تُمنع عائلات المعتقلين الذين تعتبرهم السلطات مصدر خطر من زيارتهم.
*اعتقال أحد أقارب “محمد حسب الله” للضغط عليه للعودة إلى مصر
تتجدد المخاوف بشأن استخدام الروابط العائلية وسيلة للضغط على المعارضين المصريين الموجودين خارج البلاد، بعد استغاثة قال مركز الشهاب لحقوق الإنسان إنها وردت من المواطن والناشط السياسي محمد إبراهيم حسب الله، المقيم في هولندا، بشأن القبض على أحد أقاربه داخل مصر، وربط الإفراج عنه بعودة الناشط وتسليم نفسه للسلطات المصرية.
وبحسب الاستغاثة، فإن الواقعة لا تتعلق فقط باحتجاز أحد أفراد أسرة ناشط سياسي، وإنما تتضمن، وفق ما أورده المركز، محاولة للضغط على شخص موجود خارج مصر من خلال أحد أقاربه الموجودين في الداخل، بما يضعه أمام خيار بالغ الصعوبة بين الحفاظ على سلامته الشخصية وبين السعي لإنهاء احتجاز قريبه.
استغاثة بشأن احتجاز قريب الناشط
قال مركز الشهاب لحقوق الإنسان إن الاستغاثة التي تلقاها تتعلق بالقبض على أحد أقارب محمد إبراهيم حسب الله في مصر، مع الإشارة إلى أن احتجازه جرى في سياق ضغوط تستهدف دفع الناشط المقيم في هولندا إلى العودة وتسليم نفسه للسلطات المصرية.
ووفقاً لما جاء في الاستغاثة، فإن الإفراج عن قريب الناشط ارتبط بشرط يتعلق بعودة محمد إبراهيم حسب الله إلى مصر، وهو ما وصفه المركز بأنه مساومة على الحرية واستخدام لصلة القرابة كوسيلة ضغط.
ويرى المركز أن هذا النوع من الممارسات، حال ثبوتها، يمثل تجاوزاً لحدود المسؤولية الفردية، إذ يصبح أحد أفراد الأسرة عرضة لإجراء عقابي أو احتجاز بسبب نشاط شخص آخر أو مواقفه السياسية، وهو ما يثير تساؤلات واسعة بشأن مدى احترام مبدأ المسؤولية الشخصية وضمانات الحماية من الاحتجاز التعسفي.
وتكتسب الواقعة حساسية إضافية بسبب وجود الناشط خارج البلاد، إذ إن ربط مصير قريبه بعودته يضعه أمام ضغوط مباشرة، في وقت يقول فيه إنه يخشى التعرض للاحتجاز والملاحقة إذا عاد إلى مصر.
نشاط معارض منذ الوصول لهولندا
بحسب المعلومات الواردة في الاستغاثة، فإن محمد إبراهيم حسب الله موجود في هولندا منذ يناير 2024، وبدأ خلال وجوده هناك في ممارسة نشاط سياسي معارض بصورة سلمية.
ويشير المركز إلى أن نشاط الناشط شمل المشاركة في احتجاجات وفعاليات أمام السفارة المصرية في مدينة لاهاي، إلى جانب مشاركات أمام محكمة العدل الدولية، في إطار التعبير عن مواقفه السياسية وانتقاد الأوضاع في مصر.
ويؤكد مركز الشهاب أن هذه الأنشطة، وفق وصفه، جاءت في إطار ممارسات سلمية، وأن مخاوف الناشط من العودة إلى مصر ترتبط بما يعتبره احتمالاً حقيقياً للتعرض للاحتجاز أو الملاحقة على خلفية نشاطه المعارض.
وتأتي هذه المخاوف في ظل استمرار الجدل الحقوقي حول أوضاع المعارضين المصريين الموجودين خارج البلاد، ومدى قدرتهم على العودة بأمان من دون التعرض لإجراءات أمنية أو قضائية مرتبطة بمواقفهم ونشاطهم السياسي.
وبالنسبة إلى حسب الله، فإن واقعة احتجاز قريبه تضيف بعداً جديداً إلى المخاوف التي يقول إنه يواجهها، بعدما أصبح أحد أفراد عائلته داخل مصر طرفاً في الأزمة.
ضغط عائلي يضع الناشط أمام خيار صعب
بحسب الاستغاثة، يجد محمد إبراهيم حسب الله نفسه أمام مفاضلة قسرية بين احتمال العودة إلى مصر وما قد يترتب عليها من مخاطر على سلامته، وبين استمرار احتجاز قريبه في الداخل.
وهذه المعادلة تجعل الأسرة جزءاً من الضغوط الواقعة على الناشط، بدلاً من أن تظل الإجراءات، إن وجدت، مرتبطة بالشخص المعني بها وحده. ويرى مركز الشهاب أن استخدام أحد الأقارب لإجبار شخص آخر على اتخاذ قرار سياسي أو أمني يمثل صورة من صور الضغط غير المباشر.
وتزداد خطورة هذا الوضع، بحسب المركز، عندما يكون الشخص المستهدف موجوداً خارج الدولة ويطلب الحماية في بلد آخر، لأن إجباره على العودة من خلال احتجاز أحد أقاربه قد يفرغ الحماية التي يفترض أن توفرها إجراءات اللجوء أو الإقامة من مضمونها.
كما أن ربط الحرية أو الإفراج عن شخص بقرار يتخذه أحد أقاربه يثير، وفق المركز، مخاوف بشأن مدى احترام الحقوق الأساسية، خصوصاً إذا كان المحتجز نفسه لا يواجه اتهاماً واضحاً يبرر استمرار احتجازه.
مطالب بالتحقق من ملابسات الواقعة
دعا مركز الشهاب إلى فتح تحقيق مستقل وعاجل في واقعة القبض على قريب الناشط، والكشف عن أسباب احتجازه والجهة المسؤولة عنه، فضلاً عن التحقق من صحة ما ورد في الاستغاثة بشأن ربط الإفراج عنه بعودة محمد إبراهيم حسب الله وتسليم نفسه.
ويطالب المركز أيضاً بالإفراج الفوري عن قريب الناشط إذا لم يكن هناك سند قانوني لاستمرار احتجازه، مؤكداً أن الإفراج، وفق ما طرحه، يجب ألا يكون مشروطاً بأي موقف سياسي أو بقرار يتخذه أحد أفراد أسرته الموجودين خارج البلاد.
كما شدد على ضرورة وقف استخدام صلات القرابة كأداة للضغط على المعارضين أو النشطاء، مع ضمان أن تكون أي إجراءات قانونية موجهة إلى الأشخاص المعنيين بها بصورة فردية، وبناءً على اتهامات واضحة وإجراءات قضائية تضمن حقوق الدفاع.
وتشمل المطالب كذلك ضرورة الكشف عن مكان احتجاز القريب وتمكينه من حقوقه القانونية، بما في ذلك التواصل مع أسرته ومحاميه، إذا كانت الإجراءات القانونية لا تزال قائمة بحقه.
دعوة لحماية الناشط في هولندا
وفي الجانب المتعلق بالناشط الموجود في هولندا، وجه مركز الشهاب نداءً إلى دائرة الهجرة والتجنيس الهولندية، المعروفة اختصاراً بـ«IND»، للنظر بعناية في ملف محمد إبراهيم حسب الله، خصوصاً ما يتعلق بنشاطه السياسي والمخاوف التي يطرحها بشأن احتمال تعرضه للاحتجاز أو الملاحقة إذا عاد إلى مصر.
وطالب المركز بالنظر في الأدلة التي قال إنها توثق نشاط الناشط المعارض، إلى جانب واقعة احتجاز قريبه، باعتبارها من العوامل التي يمكن أن تساعد في تقييم مستوى الخطر الذي قد يواجهه في حال إعادته إلى مصر.
ويأتي ذلك في إطار مطالبة المركز بتوفير الحماية القانونية اللازمة للناشط، وعدم إعادته قسراً إلى مكان يقول إنه يخشى فيه التعرض لإجراءات أمنية بسبب نشاطه السياسي.
كما دعا المركز المنظمات الحقوقية في هولندا وأوروبا إلى التدخل لتقديم الدعم القانوني للناشط، والعمل على توثيق واقعة احتجاز قريبه والتحقق بشكل مستقل من ملابساتها.
مخاوف من توسيع دائرة العقاب
تثير الواقعة، بحسب مركز الشهاب، قضية أوسع تتعلق بحدود المسؤولية الفردية وحماية أفراد أسر المعارضين من التعرض لإجراءات بسبب نشاط أقاربهم.
فالناشط الموجود خارج مصر هو الشخص الذي يمارس النشاط السياسي، وفق المعلومات الواردة في الاستغاثة، بينما الشخص المحتجز في الداخل هو أحد أقاربه. ولذلك فإن ربط وضع المحتجز بموقف الناشط قد يعني، حال ثبوت الواقعة، انتقال الضغوط من الشخص المستهدف مباشرة إلى محيطه العائلي.
ويرى المركز أن حماية الحق في التعبير السلمي لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الدولة التي يوجد فيها الناشط، كما لا ينبغي أن يتحول أفراد أسرته إلى وسيلة لإجباره على التخلي عن مواقفه أو العودة إلى البلاد رغم مخاوفه.
ومن هذا المنطلق، يطالب المركز بضمان عدم تعرض أي مواطن للخطر أو الملاحقة بسبب ممارسته السلمية لحقوقه، أو لمجرد وجود صلة قرابة بينه وبين شخص معارض أو ناشط سياسي موجود خارج البلاد.
*سنوات السجن تغير ملامح المعتقلين.. عبدالرحمن القرضاوي نموذجًا
تفتح حالة الدكتور عبد الرحمن القرضاوي، بعد أكثر من 20 شهرًا من الإعتقال داخل الإمارات، بابًا واسعًا أمام الأسئلة المتعلقة بالآثار الإنسانية والصحية للاحتجاز طويل الأمد، بعدما أظهرت صور حديثة تغيرًا لافتًا في ملامحه مقارنة بصوره قبل دخوله السجن.
وتقول منظمات حقوقة إن التغير الظاهر في ملامح القرضاوي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد اختلاف في الشكل، وإنما باعتباره انعكاسًا لما يمكن أن تتركه فترات الاحتجاز الطويلة من آثار على الإنسان، خصوصًا عندما تمتد لشهور أو سنوات.
وتعيد هذه الحالة إلى الواجهة معاناة آلاف الأسر التي تعيش منذ سنوات على وقع غياب أحد أفرادها خلف القضبان، وسط مخاوف متواصلة بشأن أوضاعهم الصحية والنفسية، وما إذا كانت ظروف الاحتجاز تتيح لهم الحصول على الرعاية الطبية والتواصل الكافي مع ذويهم ومحاميهم.
ملامح تغيّرت خلال عامين
ترى المنظمات الحقوقة أن حالة عبد الرحمن القرضاوي تختصر جانبًا من التداعيات التي قد تفرضها سنوات الاحتجاز على المعتقل، مشيرة إلى أن التغير الواضح في ملامحه بعد ما يقارب عامين يطرح تساؤلات أكثر قسوة بشأن مصير من أمضوا مددًا أطول بكثير داخل السجون.
وبحسب المنظمات فإن القضية لا تتعلق بشخص واحد، بل بما تمثله هذه الصورة من تذكير بأوضاع معتقلين قضوا سنوات طويلة بعيدًا عن أسرهم وحياتهم الطبيعية، في ظروف تجعل مرور الوقت نفسه جزءًا من المعاناة.
فالأمر بالنسبة إلى الأسر لا يتوقف عند فقدان الحرية، وإنما يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من غياب الأب أو الابن عن المنزل، إلى القلق بشأن الحالة الصحية، وصولًا إلى عدم القدرة على متابعة ما يمر به المحتجز بصورة منتظمة.
ومن هذا المنطلق، تعتبر المنظمات أن آثار الاحتجاز المطول تتجاوز جدران السجن، لتصل إلى الزوجات والأبناء والآباء والأمهات الذين يعيشون هم أيضًا سنوات من الانتظار والترقب.
سؤال أسر المعتقلين
أثار التغير في ملامح عبد الرحمن القرضاوي مشاعر مؤلمة لدى أسر المعتقلين، ومن بينهم سناء البلتاجي، زوجة المعتقل الدكتور محمد البلتاجي، التي عبّرت عن صدمتها من المشهد، وربطت بين ما ظهر على القرضاوي بعد قرابة عامين وبين أوضاع من قضوا أكثر من عقد داخل السجون.
وتساءلت البلتاجي عن مصير المعتقلين الذين أمضوا 13 عامًا خلف القضبان، مشيرة إلى أن هذه السنوات الطويلة لا تمر دون أن تترك آثارًا عميقة على أجسادهم وحياتهم وعلاقاتهم بأسرهم.
وقالت إن مشاهدة حالة عبد الرحمن القرضاوي كانت مؤلمة بشكل خاص بالنسبة إلى أهالي المعتقلين، لأنهم يدركون معنى أن يمر عام بعد آخر بينما يظل أحباؤهم بعيدين عنهم، دون حياة طبيعية أو فرصة للعيش وسط أسرهم.
محمد البلتاجي بين السجن والمرض
وتحدثت سناء البلتاجي عن زوجها الدكتور محمد البلتاجي، موضحة أنه دخل السجن وهو في حالة صحية جيدة، بينما يعاني بعد سنوات الاحتجاز من عدة أمراض، بحسب ما ذكرته.
وأشارت إلى أن الأسرة تعيش في ظل انقطاع تام عن أخباره، وهو ما يزيد من وطأة القلق، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخص يعاني من مشكلات صحية ويقضي سنوات طويلة بعيدًا عن أسرته.
أنس فقد سنوات شبابه
لم تتوقف معاناة سناء البلتاجي عند الحديث عن زوجها، إذ تحدثت كذلك عن نجلها أنس، الذي أمضى، وفق روايتها، 13 عامًا خلف القضبان.
وتقول إن ابنها قضى سنوات شبابه داخل السجون، وهي سنوات كان يفترض أن يعيش خلالها مراحل مهمة من حياته إلى جانب أسرته، قبل أن تتحول هذه المدة الطويلة إلى سنوات من الغياب والانتظار.
وتكشف كلماتها عن جانب آخر من آثار الاحتجاز الممتد، يتعلق بتغير الأشخاص خلال السنوات. فالأب أو الابن الذي يغيب لفترة طويلة لا يعود بالضرورة بالشكل نفسه الذي دخل به السجن، كما أن أفراد أسرته يتغيرون هم أيضًا، وتكبر أجيال جديدة بينما يظل اللقاء مؤجلًا.
وتزداد قسوة هذه التجربة بالنسبة إلى الأمهات والآباء، الذين قد يجدون أنفسهم عاجزين عن تصور الشكل الذي أصبح عليه أبناؤهم بعد سنوات من الغياب، أو عن استعادة تفاصيل حياتهم اليومية التي حُرموا منها.
سنوات السجن تستنزف الأسر
وتؤكد المنظمات الحقوقة أن احتساب سنوات الاحتجاز بالأرقام وحدها لا يعكس حجم الخسائر الإنسانية التي يمكن أن تترتب عليها. فكل سنة تمر تعني مزيدًا من العمر الذي يبتعد فيه المحتجز عن أسرته، ومزيدًا من الوقت الذي تتراكم خلاله الأعباء الصحية والنفسية والاجتماعية.
وبالنسبة إلى الأبناء، قد يعني غياب أحد الوالدين فقدان سنوات كاملة من الطفولة أو المراهقة، بينما قد تمر مناسبات عائلية وأحداث مهمة دون مشاركة الشخص المحتجز فيها.
أما الزوجات والأمهات، فتتحول الحياة في كثير من الأحيان إلى انتظار طويل، يتخلله القلق بشأن صحة الغائب وظروفه، إلى جانب محاولة الحفاظ على تماسك الأسرة رغم غيابه.
وتشير المنظمات إلى أن هذه التداعيات تجعل قضية الاحتجاز المطول قضية إنسانية واجتماعية أيضًا، وليست مجرد أرقام مرتبطة بسنوات قضاها أشخاص داخل السجون.
نداء لإنهاء الاحتجاز المطول
فيما طالبت المنظمات الحقوقية بالإفراج عن جميع المحتجزين على خلفيات سياسية، إلى جانب الكشف عن أوضاع الأشخاص الذين انقطعت أخبارهم عن أسرهم.
كما تدعو إلى ضمان حصول المحتجزين على الرعاية الصحية اللازمة، وتمكينهم من التواصل المنتظم مع أسرهم ومحاميهم، باعتبار أن استمرار الغياب وانقطاع الأخبار يزيدان من معاناة المحتجز وعائلته على حد سواء.
وتشدد المنظمات على ضرورة وضع حد للاحتجاز المطول، محذرة من آثاره الممتدة على المحتجزين وذويهم، في وقت تتزايد فيه سنوات الانتظار بالنسبة إلى أسر تقول إنها لا تعرف متى تنتهي معاناة أبنائها.
*أهالي جزيرة الوراق يطالبون بحصتهم في مشروع التطوير
انتهى اجتماع لأهالي جزيرة الوراق دعت إليه حركة «باقون في جزيرة الوراق» أمس، برفض الطرح الأخير الذي قدمته الحكومة بالحصول على شقق سكنية في مشروع «تطوير» الجزيرة الذي تنفذه الدولة، حسبما أوضح لـ«مدى مصر» أحد أعضاء لجنة من الحركة، شُكلت قبل حوالي أسبوع لتمثيل الأهالي والتفاوض مع الدولة.
وقال عضو اللجنة إن الاجتماع شهد توافقًا على التمسك بمساكن بديلة تعادل قيمة بيوتهم الحالية، وفق مبدأ «بيت مكان بيت»، بما يتيح إدماج الكتلة السكنية القائمة في مخطط التطوير، مؤكدًا أن الأهالي لا يشترطون أن يكون البديل في موقع منازلهم الحالية، لكنهم يرفضون بقاء الكتلة السكنية خارج مخطط التطوير، أو اقتصار تعويضهم على شقق سكنية في مشروع تحدده الدولة.
وعُقد اجتماع الأمس، للوقوف على موقف السكان من طرح قدمته القيادات الأمنية خلال لقاء قبلها بيوم مع ممثلي الحركة، ويتضمن تسليم ما بين 700 وألف شقة سكنية هذا الشهر.
كانت وزارة الإسكان حددت 30 سبتمبر الجاري موعدًا لبدء تسليم أكثر من 700 وحدة سكنية كأولوية قصوى لأهالي الجزيرة، وهو ما قال عنه عضو الحركة: «الشقق دي بيقولونا هناخدها بالخدمات الأساسية، ده مش كافي في خدمات ومرافق أساسية تانية كتير»، مشيرًا إلى تدهور بنية التحتية وغياب الخدمات التي يعاني منها الأهالي.
وتصاعد الاستياء بين سكان الجزيرة، الذين وجدوا أنفسهم قبل عقد أمام مخطط لتغيير طبيعتها بدعوى التطوير، والذي قد يهددهم بالتهجير منها. وعلى الرغم من عدم التوصل لاتفاق نهائي، بدأت الحكومة الأعمال الإنشائية، واجتاحت جرافاتها الجزيرة لتنفيذها، فيما فرضت قيودًا على دخول مواد البناء، وأحكمت سيطرتها على المعديات، وأقامت نقاطًا أمنية ثابتة عند مداخل الجزيرة، استمرارًا للتضييق اليومي، والاشتباكات مع قوات الأمن، في ظل تدهور البنية التحتية وغياب الخدمات الأساسية.
وتأتي التطورات في الوقت الذي نظمت فيه الحركة مسيرات احتجاجية الشهر الماضي مطالبة بأن تكون قطعة الأرض التي يُنتظر تخصيصها لإنشاء منازل بديلة لهم، والتي يُقترح أن تصل مساحتها إلى 300 فدان، داخل مخطط التطوير القائم وليس في مناطق نائية لا يشملها المخطط، والتي تواجه أزمات مستمرة في بنيتها التحتية.
ومع توسع الدولة في تنفيذ مشروعها لتطوير الجزيرة، بدأت أعمال الإنشاءات تقترب من مناطق مأهولة، بحسب فيديوهات وشهادات نشرها الأهالي أو أرسلوها إلى «مدى مصر»، توثق وجود اللوادر وأعمال التنفيذ في مواقع مختلفة من الجزيرة، إلى جانب وقائع إبلاغ بعضهم بأن منازلهم تتعارض مع مسار المشروع، فيما اعتبروه محاولات ضغط جديدة لإخلائهم.
خلال اجتماع الأمس، طرح أحد السكان مقترحًا بإنشاء شركة مساهمة تتولى التفاوض مع الدولة على القيمة السوقية للأرض، على أن تصبح الشركة شريكًا استثماريًا للدولة في تطوير الجزيرة، مقابل حصة ربح سنوية يتم الاتفاق عليها، بحسب فيديو من الاجتماع نُشر عبر فيسبوك. وقال صاحب المقترح إن الدولة استحوذت على نحو 80% من أراضي الجزيرة، وهو ما يتوافق مع الأرقام الرسمية المعلنة، فيما يمثل الجزء المتبقي نحو 400 فدان، على حسب قوله. «القيمة السوقية للـ400 فدان دول تتجاوز 350 مليار جنيه. إحنا قاعدين على ثروة، ولكن الدولة بتستفرد بينا واحد واحد»، أضاف صاحب الاقتراح.
وأوضح أمام الحضور: «أبقى أنا شريك مع الدولة وليا نسبة في المباني السكنية والتجارية والأسواق والفنادق، مش آخد شقة وأمشي، وبعد كده ماعرفش أعيش وسط الناس اللي موجودة، أو أخدت فلوس مش هتكفيني»، مؤكدَا أن الشراكة بدل مواجهة الدولة حل أفضل.
وأضاف: «الدولة عايزة تطردني وبقالنا سنين بنتفاوض والنتيجة صفر. هم دلوقتي بيقولوا هينفذوا نازلة وطالعة، بمجرد ما هينفذ قيمة الأرض، المتر هيتجاوز الـ100 ألف جنيه ثم سيصل لـ200 ألف جنيه»، وهي أسعار تقارب، على حد قوله، أسعار الأراضي في الزمالك.
الاجتماع جاء استمرارًا لجهود استمرت طوال الشهر الأخير لتفاوض الأهالي مع الحكومة، بعدما تقدم عدد منهم بطلب لتخصيص أرض لهم داخل الجزيرة في أغسطس الماضي، والذي جاء بعد أسابيع من الاحتكاكات والمضايقات الأمنية.
بعدها، بدأت جولة مفاوضات مع مسؤولين أمنيين، سبقتها، بحسب بيان من الحركة، اتصالات من أحد المسؤولين عن ملف الجزيرة بعدد من الأهالي، أبلغهم خلالها بنية الدولة تقديم طرح جديد لأهالي الجزيرة، ورغبتها في مناقشته مع ممثلين عنهم للوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، غير أن الطرح، بحسب عضو اللجنة، لم يختلف عن المقترحات السابقة، مع وعود بنقل مطالب الأهالي إلى الجهات المعنية ودراستها.
وقال عدد من الأهالي إن القيادات السياسية المعنية تجاهلت، على مدار الأسابيع الماضية، مطالبهم التي جددوها، ولم تفتح معهم حوارًا مباشرًا بشأنها، فيما استمر قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية في التفاوض معهم، وهو ما اعتبره بعضهم محاولة متكررة لامتصاص غضبهم، حسبما أوضحوا لـ«مدى مصر» خلال الفترة الماضية.
*العطش يهدد المحروسة: هل يقضي سد النهضة على نيل مصر؟
تتولى وزارة الموارد المائية والري إدارة ملف الأمن المائي في ظل تراجع حاد بنصيب الفرد إلى أقل من خمسمئة متر مكعب سنويًا، مما يضع البلاد تحت خط الفقر المائي العالمي. وتشهد البلاد احتفالات عيد الفلاح وسط مساع حكومية لتوفير الاحتياجات اللازمة للقطاع الزراعي، رغم اتساع الفجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات الفعلية لمختلف القطاعات الحيوية.
تحديات عجز الموارد المائية وتحركات قطاع الري الزراعي
تبلغ الموارد المائية المتاحة نحو ستين مليار متر مكعب مقابل احتياجات سنوية تصل إلى مئة وأربعة عشر مليار متر مكعب، مما ينتج عنه عجز يناهز أربعة وخمسين مليار متر مكعب يتم التعامل معه عبر إعادة تدوير واحد وعشرين مليار متر مكعب واستيراد المياه الافتراضية. ويشير وزير الموارد المائية والري هاني سويلم إلى انخفاض حصص الفرد مقارنة بستينيات القرن الماضي عندما تجاوزت ألفي متر مكعب. وتتزايد التعقيدات مع التشغيل الأحادي لإثيوبيا لسد النهضة الذي تبلغ سعته التخزينية أربعة وسبعين مليار متر مكعب دون وجود اتفاق قانوني ملزم لعمليات الملء والتشغيل. ويؤكد الخبراء أن العجز المائي كان موجودًا قبل إنشاء السد، غير أن المنشأة الضخمة تفرض تحديات إضافية تتعلق بحماية الأمن القومي المائي وتحقيق إدارة فعالة للموارد في ظل تفتت الحيازات الزراعية وارتفاع تكاليف التحول إلى نظم الري الحديثة لصغار المزارعين.
تأمين الاحتياجات الزراعية يتطلب التزام المزارعين بالمناوبات وتطهير المساقي للحفاظ على المجاري المائية، بينما تواصل الجهات الرسمية مشروعات معالجة مياه الصرف الزراعي لتقليل الفاقد ورفع كفاءة الاستخدام رغم المعوقات الاقتصادية والتشريعية التي تعرقل الانتقال الشامل خارج نطاق الري بالغمر.
*الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا يثير قلق مصر: سد النهضة وموازين القوى بالبحر الأحمر في قلب المواجهة
تراقب مصر بقلق متزايد تنامي الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا، خصوصاً بعدما أعلن السفير الإسرائيلي لدى أديس أبابا، أبراهام نغوسي، أن إسرائيل ستواصل دعم بلاده بهدف مساعدتها على أن تصبح “قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية“.
تقول مصادر مصرية مطلعة لـ”عربي بوست” إن القاهرة تتابع عن كثب طبيعة الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا ومسارات التعاون بين الطرفين، خصوصاً في ظل الخلافات المتصاعدة مع إثيوبيا حول سد النهضة والحقوق المائية، إلى جانب تحركات أديس أبابا للحصول على منفذ بحري على ساحل البحر الأحمر.
تعتبر المصادر أن القلق المصري لا يرتبط بالتعاون الاقتصادي بين إثيوبيا وإسرائيل في حد ذاته، وإنما بتوقيته واتساع مجالاته، في وقت تتقاطع فيه التحركات الإثيوبية مع ملفات تعتبرها القاهرة جزءاً مباشراً من أمنها القومي، وعلى رأسها مياه النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فإسرائيل لم تبدأ دعم إثيوبيا حديثاً، إذ شهدت العلاقات بين الطرفين تنامياً خلال السنوات الماضية، وعكسته زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في فبراير/ شباط 2026.
لكن ما يثير القلق في القاهرة هو أن إسرائيل أصبحت أكثر انخراطاً في دعم إثيوبيا في توقيت تشهد فيه العلاقات المصرية-الإثيوبية خلافات متصاعدة بسبب ملف المياه.
طبيعة الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا
يرى مصدر مصري مطلع أن استمرار التعنت الإثيوبي في رفض الوصول إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل سد النهضة، إلى جانب سعي أديس أبابا إلى إعادة توزيع المياه بين دول حوض النيل بصورة أحادية وبالمخالفة للقوانين الدولية، قد تكون وراءه “دوافع إسرائيلية خفية” بدأت بصماتها تظهر إلى العلن.
يضيف المصدر أن حروب المياه تعد من أبرز الأدوات التي يمكن توظيفها كسلاح من دون الوصول إلى صراع عسكري بالمعنى الصريح، معتبراً أن التصعيد الإثيوبي بشأن المياه، وصولاً إلى حد اقتراح بيع المياه لدولتي المصب، يجب قراءته إلى جانب مجموعة الضغوط التي تتعرض لها القاهرة.
يشير في هذا السياق إلى الضغط عليها للقبول بالتهجير، والمطالب الإسرائيلية المستمرة بتعديل اتفاقية كامب ديفيد، ومساعي إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، قائلاً إن التحرك الإسرائيلي الداعم لإثيوبيا لا يمكن فصله، وفق تقديره، عن بقية هذه التحركات.
تدرك القاهرة، وفق المصدر، طبيعة ما يجري حولها، ولذلك تتعامل مع الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا “بقدر من الهدوء”، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح بتغيير موازين القوى في القرن الأفريقي.
ويحدد المصدر مجموعة من الثوابت التي يقول إن القاهرة لن تسمح بتجاوزها، في مقدمتها عدم أحقية الدول غير المتشاطئة على البحر الأحمر في انتزاع موطئ قدم لها بالقوة، والالتزام بالقانون الدولي فيما يتعلق بالحقوق التاريخية في المياه.
تشمل هذه الثوابت، بحسب المصدر، عدم السماح ببناء سدود جديدة، والتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل سد النهضة، فضلاً عن عدم التهاون في التعامل مع أي حركات انفصالية في أفريقيا تهدف إلى تفتيت الدول وجعلها لقمة سائغة بيد قوى معادية. وتتمسك القاهرة كذلك بإطار التعاون وعدم الانخراط في صراعات، ما دامت هناك أبواب سياسية ودبلوماسية يمكن اللجوء إليها أولاً.
البحر الأحمر مصدر القلق الأكبر
وفق مصدر “عربي بوست”، فإن القاهرة تنظر إلى الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا في هذا التوقيت باعتباره عاملاً لا يمكنه تغيير هذه الثوابت، لأنها ترتبط أساساً بحماية الأمن القومي المصري، وفي مقدمتها قضية مياه النيل وسد النهضة.
وتعكس التحركات الإثيوبية الأخيرة على المستويين الإقليمي والدولي، في جانب منها، رغبة أديس أبابا في تعزيز حضورها وإظهار نفسها باعتبارها قوة مؤثرة في القارة الأفريقية، في ظل تحديات وأزمات داخلية تواجهها، وهو ما تجد فيه إسرائيل فرصة لتقديم الدعم الذي تحتاجه.
يشدد المصدر على أن القاهرة تراقب هذه التحركات ضمن متابعة أوسع للتحولات المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وما يمكن أن تفرزه من ترتيبات أو تحالفات جديدة تؤثر في توازنات المنطقة.
تتحرك مصر وفق حسابات واضحة وثابتة في التعامل مع بيئة إقليمية تشهد تغيرات وتحالفات متسارعة، وتمتلك من الأدوات السياسية والدبلوماسية ما يمكنها من حماية مصالحها والتعامل مع أي تطورات جديدة.
ويشدد المصدر على أن القاهرة لن تتردد في استخدام مختلف المسارات المتاحة لها إذا امتدت التحركات أو الشراكات الإقليمية إلى ما يمس مصالحها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويؤكد أن الموقف المصري من قضية سد النهضة يستند إلى قواعد القانون الدولي والحقوق المصرية، وليس إلى طبيعة التحالفات التي تتشكل في المنطقة.
ويرجح مصدر دبلوماسي مصري أن يكون التوتر الأكبر مرتبطاً بمحددات القاهرة بشأن البحر الأحمر، موضحاً أن ذلك “ليس معاداةً لأديس أبابا”، وإنما يرتبط برفض ما يعتبره تمدداً إثيوبياً خارج أطر المنظومة الدولية.
يقول المصدر إن دول القرن الأفريقي ترفض الاستجابة لمطالب إثيوبيا بالحصول على منفذ بحري، بينما تسعى أديس أبابا لتحقيق هذا الهدف بالقوة، وهو أمر يعتبره المصدر غير مقبول.
الأمر نفسه ينطبق على سد النهضة، إذ يقول إن إثيوبيا تتعنت من دون مبرر رغم انتهائها من تشييد السد، ووجود فرصة للوصول إلى اتفاق بشأن تشغيله ما لا يضر دولتي المصب. ويضيف أن هذه التطورات تجعل القاهرة تتوجس من وجود “أيادٍ خفية” تعبث بعلاقاتها مع أديس أبابا.
إثيوبيا بوابة إلى النفوذ الأفريقي
يقول المصدر الدبلوماسي إن الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا يمكن قراءته باعتباره جزءاً من ضغط جيوسياسي أوسع على القاهرة، خصوصاً أن إثيوبيا تمثل نقطة تقاطع لعدة ملفات تمس المصالح المصرية، من المياه والبحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى السودان والصومال والنفوذ داخل أفريقيا.
يضيف أن إسرائيل، في سعيها للحصول على مواقف مصرية أكثر انفتاحاً على رؤيتها لمستقبل قطاع غزة، خصوصاً مع رغبتها في احتلال القطاع وتهجير الغزيين، قد تستخدم أدوات ضغط غير مباشرة، من بينها مساعدة إثيوبيا على أن تصبح أقوى إقليمياً، ما يؤدي، وفق تقديره، إلى توسيع الضغوط على القاهرة.
كما أن دعم إسرائيل لإثيوبيا يمنح أديس أبابا، بصورة غير مباشرة، مزيداً من الموارد والعلاقات والشبكات التي تستطيع استخدامها داخل القارة الأفريقية، بحسب المصدر.
لم يكن هذا التدخل الإسرائيلي، وفق المعطيات التي يستند إليها التقرير، مقتصراً على التصريحات الأخيرة، إذ سبق للسفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا أن أشاد في يوليو/ تموز 2026 بسد النهضة. وقال أبراهام نغوسي حينها إن إثيوبيا “تتقدم على الطريق الصحيح“.
كما أشاد بجهود أديس أبابا لتعزيز نظامها الاقتصادي وتوسيع قدراتها الرقمية التي تجذب اهتمام المستثمرين الإسرائيليين، وأكد أن الشركات الإسرائيلية تستكشف فرص الاستثمار في مجالات تشمل الري بالتنقيط، وإنتاج المحاصيل، ومصائد الأسماك.
وفق الوكالة، سلط نغوسي الضوء كذلك على أولويات إثيوبيا في مجالي الطاقة والمياه، ولا سيما سد النهضة، واصفاً إياه بأنه “بالغ الأهمية لتوسيع قطاع الطاقة والتنمية الصناعية في البلاد على المدى الطويل“.
إسرائيل تعلن توسيع دعمها لإثيوبيا
في 5 سبتمبر/ أيلول 2026، أكد السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا أبراهام نغوسي أن إسرائيل ستواصل تعزيز دعمها لإثيوبيا بهدف مساعدتها لكي تصبح قوة اقتصادية رائدة في القارة الأفريقية. وفي تصريحات نقلتها هيئة البث الإثيوبية “EBC”، قال نغوسي إن العلاقات بين إثيوبيا وإسرائيل تستند إلى روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة.
نغوسي أكد أن التعاون بين البلدين من شأنه مساعدة أديس أبابا على الاعتماد على قدراتها الذاتية والحفاظ على سيادتها وتعزيز اقتصادها، معرباً عن اعتقاده بأن هذا التعاون سيزداد قوة واستمراراً عبر الأجيال الجديدة. وقال إن إسرائيل تعمل على تعزيز القدرات الاقتصادية لإثيوبيا، ولا سيما في مجال التكنولوجيا، وتشجيع الابتكار ما يسهم في زيادة إنتاجية البلاد.
كما أضاف أن الاحتفال هذا العام بالذكرى 70 لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين تل أبيب وأديس أبابا، إلى جانب اتباع البلدين تقاويم خاصة واحتفالهما برأس السنة في اليوم نفسه، يعكس الروابط القديمة والمميزة التي تجمع بينهما.
وذكر أن العلاقات بين الطرفين تقوم على 4 محاور رئيسية، من بينها التعاون والدعم المتبادل في المحافل الدولية على أساس المصالح المشتركة، وتعزيز التعاون الحكومي بين البلدين، إضافة إلى توسيع نطاق الاستثمارات الخاصة.
وأشار إلى أن أكثر من 100 مستثمر إسرائيلي ينشطون حالياً في إثيوبيا في قطاعات الزراعة والتكنولوجيا والرعاية الصحية، لافتاً بصورة خاصة إلى مساهمة مؤسسات تعمل في المجال الصحي من خلال تقديم خدمات مجانية.
وأضاف أن الرحلات التي تسيرها الخطوط الجوية الإثيوبية إلى تل أبيب تسهم في تنشيط التبادل التجاري والسياحي بين البلدين، فضلاً عن تعزيز العلاقات والتبادل الثقافي.
القاهرة ترى أبعد من الاقتصاد
أكد المصدر الدبلوماسي المصري أن القاهرة لا تنظر إلى الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا باعتباره تعاوناً اقتصادياً فقط، خصوصاً أن إثيوبيا طرف رئيسي في أزمة سد النهضة.
ويقول إن أي دعم إسرائيلي طويل الأمد لأديس أبابا، خصوصاً في التكنولوجيا والاستثمار والتعاون الحكومي، قد يُقرأ في القاهرة باعتباره تعزيزاً لقدرات دولة توجد معها خلافات جوهرية حول الأمن المائي.
ويلفت إلى عبارة لافتة أكد عليها السفير الإسرائيلي، وهي دعم إثيوبيا لكي “تصبح قوة اقتصادية رائدة في أفريقيا”، معتبراً أن ذلك يعني، وفق تقديره، أن إسرائيل لا تتعامل مع إثيوبيا باعتبارها سوقاً أو شريكاً اقتصادياً فقط، وإنما تنظر إليها باعتبارها بوابة إلى النفوذ الأفريقي.
يضيف أن هذا الأمر يشكل تهديداً أيضاً في نطاق دوائر الأمن القومي المصري الرئيسية التي تتوغل فيها إسرائيل، ولذلك فإن التصريحات الإسرائيلية تقود، بحسب المصدر، إلى مزيد من التوترات.
سد النهضة.. اختبار العلاقة المصرية الإثيوبية
تأتي التصريحات الإسرائيلية الداعمة لإثيوبيا والمؤيدة لسد النهضة في وقت تستخدم فيه القاهرة لهجة حادة تجاه أديس أبابا بشأن أزمة السد وقضية المياه.
وفي أغسطس/ آب 2026، أكدت مصر أكثر من مرة أن قضية المياه “أمن قومي وخط أحمر”، وأن القاهرة قادرة على الدفاع عنه، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته وكالة الأنباء المصرية.
كما لوّح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي باستخدام حق الدفاع الشرعي تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة سد النهضة.
وتعود أزمة المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا إلى سنوات طويلة، إذ جرى تجميدها لمدة 3 أعوام قبل استئنافها في 2023، ثم جرى تجميدها مجدداً في 2024. وتتمسك إثيوبيا، التي تُعدّ دولة منبع، برفض إبرام اتفاق بشأن السد، مؤكدة في المقابل أنها لا تضر مصر ولا السودان، وهما دولتا المصب.
وبينما يستمر الخلاف حول القواعد القانونية لتشغيل سد النهضة والحقوق المائية، تتابع القاهرة في الوقت نفسه التحولات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، خصوصاً ما يتعلق بتنامي العلاقات الإثيوبية-الإسرائيلية.
في الحسابات المصرية، وفق المصادر، لا ينفصل ملف المياه عن التحولات الأوسع في المنطقة، لكن القاهرة تقول إنها ستتعامل مع هذه التطورات وفق ثوابت مرتبطة بأمنها القومي، مع إبقاء المسارات السياسية والدبلوماسية مفتوحة ما دامت قادرة على حماية مصالحها.
*من الإمارات إلى مصر.. كيف تتحول منصات التواصل إلى أداة للسيطرة على الرأي العام في العالم العربي؟
لم تعد الرقابة على مواقع التواصل الاجتماعي تعني بالضرورة إغلاق الحسابات أو حذف المنشورات. ففي السنوات الأخيرة، برز شكل أكثر تعقيدًا من التحكم في المحتوى، لا يختفي فيه الصوت تمامًا، وإنما يفقد قدرته على الوصول إلى الجمهور. يبقى الحساب مفتوحًا، وتظل المنشورات موجودة، لكن انتشارها يتراجع، وتختفي تدريجيًا من مساحات التوصيات والظهور، وكأن المنصة تسمح لك بالكلام، لكنها تتحكم في عدد الأشخاص الذين يمكنهم سماعك.
وتثير هذه الممارسات نقاشًا متزايدًا في عدد من الدول العربية، خصوصًا مع تكرار شكاوى ناشطين وصناع محتوى من حذف مواد أو تراجع مفاجئ في انتشارها أو فرض قيود على حساباتهم. وبينما يمكن أن تكون بعض هذه الإجراءات مرتبطة بسياسات المنصات أو حقوق الملكية الفكرية أو البلاغات المقدمة من المستخدمين، فإن غياب الشفافية في كثير من الحالات يجعل من الصعب معرفة الحدود الفاصلة بين تطبيق القواعد وبين استخدام الأدوات الرقمية لتقييد أصوات بعينها.
الرقابة لم تعد تحتاج إلى زر الحذف
في النموذج التقليدي للرقابة، كان الأمر واضحًا: منشور يُحذف، حساب يُغلق، أو موقع يُحجب. أما اليوم، فقد لا يحتاج الأمر إلى أي من هذه الإجراءات حتى يتراجع تأثير صوت معين.
فالخوارزميات التي تتحكم في ترتيب المحتوى تستطيع أن تحدد ما الذي يظهر للمستخدم أولًا، وما الذي يقترحه النظام عليه، وما الذي يبقى بعيدًا عن الواجهة. ونتيجة لذلك، يمكن أن يكون المحتوى متاحًا من الناحية التقنية، لكنه لا يصل إلا إلى عدد محدود من المتابعين.
وهنا تكمن إحدى أكثر مشكلات الرقابة الرقمية تعقيدًا: المستخدم قد لا يعرف أصلًا أن وصوله أصبح مقيدًا، وقد لا يمتلك وسيلة واضحة لمعرفة السبب. فبدلًا من أن تقول المنصة لصاحب الحساب إن صوته ممنوع، يمكن أن تتركه ينشر ويتحدث، ثم تجعل الوصول إلى الجمهور أكثر صعوبة.
من الحذف إلى خنق الانتشار
هذا النوع من التحكم يغير طبيعة العلاقة بين المستخدم والمنصة. فالمشكلة لم تعد فقط في حق الشخص في نشر رأيه، وإنما في قدرته على إيصال هذا الرأي إلى الآخرين. وقد يبدو الحساب للوهلة الأولى طبيعيًا؛ عدد المتابعين لم يتغير، والمنشورات ما زالت موجودة، ولا توجد رسالة واضحة تقول إن الحساب محظور. لكن صاحب الحساب يلاحظ في المقابل انخفاضًا حادًا في المشاهدات والتفاعل والانتشار.
ولا يعني هذا بالضرورة أن كل انخفاض في الوصول سببه تدخل سياسي أو رقابي، إذ يمكن أن تتغير خوارزميات المنصات باستمرار، كما يمكن أن يتراجع التفاعل لأسباب مرتبطة بطبيعة المحتوى أو توقيت النشر أو سلوك الجمهور. لكن المشكلة تبدأ عندما تتكرر هذه الظاهرة مع أصوات تنتقد السلطات أو تتناول قضايا سياسية حساسة، من دون وجود تفسير واضح أو آلية شفافة للاعتراض.
شكاوى من المنطقة العربية
في الإمارات والسعودية والكويت ومصر، ظهرت خلال السنوات الماضية نقاشات وشكاوى مرتبطة بحرية التعبير على الإنترنت، وبقدرة السلطات أو المنصات على التأثير في المحتوى المتداول.
وتأخذ هذه المسألة أشكالًا مختلفة من دولة إلى أخرى. ففي بعض الحالات يكون الجدل مرتبطًا بحجب مواقع أو ملاحقة أصحاب حسابات، وفي حالات أخرى يرتبط بإزالة محتوى أو تقديم بلاغات ضده، بينما تظهر في حالات أخرى شكوى أكثر غموضًا تتعلق بتراجع الوصول والانتشار.
لكن جمع هذه الحالات في نموذج واحد يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأن وجود ممارسات متشابهة لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مباشر بينها، كما أن مسؤولية المنصة نفسها تختلف عن مسؤولية الدولة التي تعمل داخلها.
عبدالله الشريف.. مثال على الجدل
ومن الحالات التي أثارت نقاشًا واسعًا قضية المحتوى الذي يقدمه الناشط المصري عبدالله الشريف، خصوصًا المواد التي تتناول الشأن السياسي المصري أو دولًا عربية أخرى.
وقد أثارت تقارير وشكاوى متداولة بشأن اختفاء بعض المواد أو تراجع وصولها تساؤلات حول طبيعة الإجراءات التي تتخذها المنصات. غير أن اختفاء محتوى من منصة رقمية لا يكفي وحده لإثبات أن جهة حكومية أمرت بحذفه، إذ يمكن أن تكون هناك أسباب أخرى، من بينها حقوق الملكية الفكرية أو مخالفات لسياسات المنصة أو بلاغات من أطراف مختلفة.
ولهذا فإن السؤال الصحفي لا ينبغي أن يبدأ بالافتراض، بل بمحاولة تحديد الجهة التي اتخذت القرار، والأساس الذي استندت إليه، وما إذا كان صاحب المحتوى قد تلقى تفسيرًا واضحًا أو تمكن من الاعتراض على القرار.
حقوق الملكية الفكرية.. أداة أم آلية قانونية؟
في مصر وغيرها من الدول، يمكن أن تشكل بلاغات حقوق الملكية الفكرية مسارًا آخر لإزالة المحتوى أو تقييده.
وفي الحالات التي تعتمد فيها المنصات على أنظمة آلية لاكتشاف المواد المحمية، قد تتعامل الخوارزمية مع مقطع أو صورة باعتبارها مادة مستخدمة من دون إذن، حتى لو كان صاحب المحتوى يرى أنه استخدمها في سياق إخباري أو نقدي أو تحليلي.
وهنا تظهر مشكلة إضافية: النظام الآلي يستطيع اكتشاف التشابه، لكنه لا يفهم دائمًا السياق السياسي أو الصحفي الذي وردت فيه المادة.
وبالتالي، يمكن أن يؤدي تطبيق قاعدة تبدو محايدة في ظاهرها إلى نتيجة تؤثر بصورة أكبر في بعض أنواع المحتوى، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمواضيع سياسية أو أحداث ساخنة تنتشر فيها المقاطع والصور والتسجيلات بسرعة.
الخوارزمية.. الحارس غير المرئي
أصبحت الخوارزميات اليوم لاعبًا أساسيًا في تشكيل النقاش العام. فهي لا تحدد فقط ما إذا كان المحتوى مخالفًا للقواعد، وإنما تشارك أيضًا في تحديد المحتوى الذي سيحصل على مساحة أكبر أمام المستخدمين.
وهذه السلطة غير المرئية تجعل النقاش حول حرية التعبير أكثر تعقيدًا من السابق. ففي الماضي، كان من السهل نسبيًا تحديد الجهة التي منعت مقالًا أو أغلقت صحيفة. أما في البيئة الرقمية، فقد يكون القرار نتيجة سلسلة من العمليات الآلية، والبلاغات، وسياسات الإشراف، وأنظمة التوصية، وإجراءات حقوق النشر. وفي النهاية، قد لا يعرف المستخدم من الذي اتخذ القرار فعليًا.
هل هناك نموذج إقليمي موحد؟
يربط بعض الخطاب السياسي والإعلامي بين تطور أدوات المراقبة الرقمية في إسرائيل وبين ممارسات الرقابة في دول أخرى، خصوصًا مع انتشار تقنيات التجسس والمراقبة المتقدمة.
لكن وجود تقنيات متشابهة أو ظهور ممارسات متقاربة لا يمثل وحده دليلًا على انتقال نموذج موحد من دولة إلى أخرى، ولا يثبت وجود تنسيق مباشر بين الحكومات والمنصات.
ما يمكن قوله بصورة أكثر دقة هو أن التكنولوجيا منحت الحكومات والمنصات على حد سواء أدوات جديدة للتأثير في المجال العام، وأن هذه الأدوات أصبحت جزءًا من الصراع على المعلومات، إلى جانب القوانين والبلاغات والإجراءات الأمنية والسياسات التجارية للمنصات.
عندما يصبح الوصول أهم من النشر
المشكلة الأساسية اليوم ليست دائمًا في قدرة الإنسان على كتابة رأيه، وإنما في قدرته على جعله يصل إلى الآخرين.
فإذا كان بإمكان شخص ما نشر منشور، لكن المنشور لا يظهر إلا أمام عدد محدود جدًا من المستخدمين، فإن حرية النشر وحدها لا تضمن بالضرورة حضور هذا الرأي في المجال العام.
وهذا هو التحول الأهم في مفهوم الرقابة الرقمية: لم يعد المطلوب بالضرورة إسكات الصوت، بل يمكن الاكتفاء بإضعاف قدرته على الوصول.
ومن هنا، يصبح السؤال حول حرية التعبير مرتبطًا أيضًا بشفافية الخوارزميات، ووضوح سياسات المنصات، وحق المستخدم في معرفة أسباب تقييد محتواه، وإمكانية الاعتراض على القرارات التي تتخذها الأنظمة الآلية.
ففي عصر المنصات الرقمية، قد لا تكون المشكلة في أن صوتك اختفى، بل في أن الطريق بين صوتك والجمهور أصبح أطول وأضيق وأقل وضوحًا. وهنا تحديدًا تكمن الرقابة الجديدة: أن تظل قادرًا على الكلام، لكن من دون أن تملك بالضرورة القدرة نفسها على أن يسمعك الناس.
*المصريون يواجهون معضلة توفير موازنة للغذاء بعد إلغاء الدعم و35 مليونا تحت خط الفقر
ارتفعت تكلفة الخبز البلدي، وهو عنصر أساسي في جميع الوجبات تقريبا في مصر، عشرة أضعاف ما كانت عليه قبل إخراج 850 ألف شخص من منظومة الدعم في حزيران/يونيو الماضي، بحسب بيانات وزارة التموين.
ومن المتوقع أن تشهد البلاد تحوّلا جذريا جديدا في يناير، حين تبدأ الحكومة في الانتقال من نظام البطاقات التموينية إلى نظام المساعدات النقدية المباشرة.
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن مصريون غضبهم بعدما استُبعدوا من منظومة دعم الغذاء الحكومية لمئات آلاف المصريين
وقالت أم مصرية لأربعة أطفال، لوكالة فرانس برس، “في السابق كنا نخشى ألا تكفي أموالنا لشراء اللحم، الآن أصبحنا نخشى ألا تكفي لشراء الخبز.
وقالت نساء التقتهن وكالة فرانس برس إنهن بتن يتناولن كميات أقل من الطعام حتى يكفي ما في المنزل لأطفالهن وتوقفت بعضهن، عن شراء الفواكه والبروتين الحيواني والحلويات.
وبعد أن كان اللحم جزءا من محتوى ثلاجتها ولو بشكل متقطّع، لم يعد فيها اليوم إلا القليل من الخضروات وقوالب الثلج. ولا يظهر الدجاج على المائدة سوى مرتين في الشهر، فيما تُقاس كمية الأرز المطبوخة يوميا بحرص شديد.
والعام الماضي، كان نحو تسعة ملايين شخص في مصر يعانون من سوء التغذية، بينما واجه أكثر من 30 بالمئة من السكان انعدام الأمن الغذائي، وفقا لبيانات الأمم المتحدة.
وتهدف هذه الإجراءات التي من المتوقع أن تستبعد الملايين بحلول العام المقبل، إلى خفض تكلفة أحد أكبر برامج دعم الغذاء في العالم، في إطار التزام مصر بتنفيذ إصلاحات مدعومة من صندوق النقد الدولي.
ويؤكد المسؤولون أن الاستبعاد سيقتصر فقط على “غير المستحقين”، في وقت أدى الخفض الرسمي لقيمة العملة المحلية مرّة تلو الأخرى إلى تآكل المدّخرات، فيما يشكو كثيرون من عدم كفاية الرواتب في ظل معدلات تضخم تبلغ نحو 15%
35 مليون تحت خط الفقر
وقبيل تفاقم الأزمة الاقتصادية الخانقة عام 2022، كان ثلث المصريين – أي نحو 35 مليون شخص – يعيشون تحت خط الفقر، فيما كان ثلث آخر يعيش بالكاد فوقه بقليل
ولم تنشر مصر بيانات عن معدلات الفقر مذاك، ولكن الحكومة تشير إلى أن نحو 66 مليون شخص يعتمدون على الخبز المدعوم.
وبلغت تكلفة دعم الغذاء في مصر 3,2 مليار دولار في 2025، في حين تتجاوز تكلفة فوائد الديون الخارجية 29 مليار دولار لعام 2026.
وأُخرجت الحكومة مصريون من منظومة الدعم بعد أن سجّلوا أبناءها في مدارس خاصة متواضعة بحثا عن بديل للمدارس الحكومية المشهورة بالاكتظاظ الشديد ونقص التمويل.
وقالت نساء أنهن يضطرون إلى تجميع المدخرات والاقتراض من الأقارب لتدبير الرسوم الدراسية التي تبلغ، في حالة عبد الفتاح، 8000 جنيه سنويا (160 دولارا).
وتشكّل الأقساط المدرسية أحد معايير الأهلية للحصول على الدعم، إلى جانب ملكية الأصول وفواتير الكهرباء ومستوى الدخل.
ويوضح مسؤول سابق في وزارة التموين هشام كامل لوكالة فرانس برس أن أمورا مثل رسوم المدارس الخاصة “قد تعكس تضحيات تقدمها الأسر وليست بالضرورة دليلا على القدرة المالية”.
وتؤكد الحكومة أن الاستبعاد يقتصر فقط على الأسر التي يدرس أبناؤها في المدارس الدولية الباهظة التكاليف، غير أن الأسر الخمس التي تحدثت إليها فرانس برس أكدت أنها سجّلت أبناءها في مدارس لم تتعد مصاريفها عشرة آلاف جنيه.
وترى عالمة الاجتماع السياسي بجامعة كاسل الألمانية كريسن ثيين المتخصصة في دراسة أنظمة الدعم في الشرق الأوسط أن أنظمة الرعاية الاجتماعية الموجّهة نادرا ما “تعمل بشكل مثالي”
وتقول لفرانس برس “يتم استبعاد العديد من الأسر الهشّة بسبب أخطاء إدارية وثغرات في النظام”
وتقدّم آلاف الأشخاص بتظلمات ضد قرارات استبعادهم من منظومة الدعم، وفقا لمتحدث باسم وزارة التموين.
وتأتي حملة الاستبعاد من منظومة الدعم في وقت يواجه المصريون أزمة في مواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة وينزلق كثر منهم إلى الفقر.
وارتفع متوسط الإيجار الشهري في القاهرة ليصل إلى 10500 جنيه، بحسب مجموعة الأبحاث الحضرية “10 طوبة”، وهو ما يفوق بكثير الحدّ الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه، والذي يقول كثيرون إنه نادرا ما يطبّق، لا سيما في المنشآت غير الحكومية التي لا يجبرها القانون عليه.
الخبز رمزية تاريخية وسياسية
ويحمل الخبز رمزية تاريخية وسياسية في مصر لا تحظى بها السلع الأخرى ففي عام 1977، أجبرت الاحتجاجات الشعبية الحكومة على التراجع عن خطط لخفض الدعم.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، أصبح شعار “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” عنوانا لثورة الخامس والعشرين من يناير التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك.
ورغم موجات تحرير الاقتصاد المتعاقبة والمرتبطة بقروض صندوق النقد الدولي، كانت الحكومات تتجنّب المساس بالخبز المدعوم، حتى عام 2024 الذي شهد ارتفاع سعر رغيف الخبز من خمسة قروش إلى 20 قرشا.
*العجز التجاري يقفز 45% في 6 أشهر.. الواردات تتسع والصادرات تعجز عن اللحاق بهدف الـ100 مليار دولار
في الوقت الذي تواصل فيه حكومة الانقلاب الترويج لهدف زيادة الصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار خلال ثلاث سنوات، تكشف أحدث بيانات التجارة الخارجية عن استمرار اتساع الفجوة بين الصادرات والواردات، مع قفزة كبيرة في العجز التجاري خلال النصف الأول من عام 2026.
وأظهرت النشرة الشهرية للتجارة الخارجية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في 7 سبتمبر 2026، ارتفاع العجز التجاري بصورة حادة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مدفوعًا بشكل أساسي بالنمو الكبير في الواردات، مقابل زيادة محدودة في الصادرات.
وتشير البيانات إلى أن إجمالي العجز التجاري بلغ نحو 33 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، مقابل 22.8 مليار دولار في الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت 10.24 مليار دولار، وبنسبة ارتفاع تقارب 44.7%.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات إلى نحو 61 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من 2026، مقارنة بنحو 48.9 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بينما لم تتجاوز الصادرات نحو 28 مليار دولار، مقابل 26 مليار دولار خلال الفترة المقارنة.
وبذلك، جاء نمو الواردات أكبر بكثير من نمو الصادرات، بما أدى إلى اتساع فجوة الميزان التجاري بدلًا من تضييقها.
العجز غير البترولي يقفز 51.9%
كانت الصورة أكثر حدة عند استبعاد قطاع البترول، إذ ارتفع العجز التجاري غير البترولي خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 51.9% على أساس سنوي.
وبلغ العجز غير البترولي نحو 23.8 مليار دولار، مقابل 15.7 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت نحو 8.16 مليار دولار.
ويعود الجزء الأكبر من هذه الزيادة إلى ارتفاع فاتورة الواردات غير البترولية إلى نحو 47.9 مليار دولار، مقابل 39.5 مليار دولار خلال النصف الأول من العام السابق، بزيادة نسبتها 21.4%.
وفي المقابل، لم تحقق الصادرات غير البترولية سوى نمو محدود، إذ ارتفعت من 23.8 مليار دولار إلى 24.1 مليار دولار، بنسبة لا تتجاوز 1.2%.
وتكشف هذه الأرقام عن مشكلة جوهرية في هيكل التجارة الخارجية، تتمثل في أن زيادة الصادرات لا تزال أبطأ بكثير من نمو الطلب على الواردات، بما يجعل هدف رفع الصادرات دون معالجة أسباب تضخم فاتورة الاستيراد غير كافٍ لتقليص العجز.
الذهب.. فاتورة استيراد تقفز 1588%
كان الذهب الخام غير النقدي من أبرز البنود التي شهدت قفزة استثنائية في الواردات.
وارتفعت قيمة واردات الذهب الخام خلال النصف الأول من 2026 إلى نحو 4.05 مليار دولار، مقابل 240 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة بلغت نحو 3.81 مليار دولار، وبنسبة ارتفاع وصلت إلى 1588%.
وتواصل بذلك فاتورة واردات الذهب ارتفاعها، بعدما بلغت خلال عام 2025 نحو 996.2 مليون دولار، مقارنة بنحو 139.2 مليون دولار في 2023، بزيادة كبيرة خلال عامين.
وجاءت زيادة الطلب على الذهب خلال السنوات الماضية في ظل تراجع قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم وتكرار عمليات التعويم، إذ اتجه قطاع من المصريين إلى شراء الذهب، خصوصًا السبائك، باعتباره وسيلة للحفاظ على قيمة المدخرات.
وكانت مشتريات المصريين من الذهب قد ارتفعت بصورة ملحوظة في 2022، لتصل إلى نحو 51.5 طنًا، مقابل 33.8 طنًا في 2021، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.
لكن ارتفاع واردات الذهب بهذا الحجم يعني في الوقت نفسه استنزاف جزء من العملة الأجنبية المتاحة للاستيراد، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من ضغوط مستمرة على موارد النقد الأجنبي.
الغاز.. الاستيراد يرتفع مع تراجع الإنتاج
لم تتوقف الضغوط على فاتورة الاستيراد عند الذهب، إذ قفزت أيضًا تكلفة استيراد الغاز الطبيعي.
وارتفعت قيمة واردات الغاز الطبيعي خلال أول ستة أشهر من 2026 إلى نحو 6.04 مليار دولار، مقابل 3.49 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة بلغت 73%.
وتزامنت هذه القفزة مع استمرار تراجع إنتاج مصر المحلي من الغاز.
وبحسب بيانات منصة «الطاقة»، بلغ متوسط إنتاج الغاز الطبيعي المصري خلال النصف الأول من العام الجاري نحو 3.69 مليار قدم مكعب يوميًا، مقابل 4.02 مليار قدم مكعب يوميًا في الفترة نفسها من العام الماضي، بتراجع نسبته 8.2%.
وهكذا تواجه مصر معادلة مزدوجة؛ إنتاج محلي يتراجع، وحاجة متزايدة إلى الاستيراد لتوفير احتياجات السوق، بما يرفع فاتورة الطاقة ويضغط على الميزان التجاري.
كما ارتفعت قيمة واردات البترول الخام إلى نحو 2.2 مليار دولار، مقابل نحو 604.7 مليون دولار خلال الفترة المقارنة، بزيادة تقارب 1.6 مليار دولار، وبنسبة وصلت إلى 265%.
وتزامن ارتفاع فاتورة استيراد النفط مع موجة صعود في أسعار الخام خلال النصف الأول من العام، بما زاد من تكلفة توفير احتياجات السوق المحلية.
ارتفاع أسعار النفط.. مكاسب للصادرات وخسائر للواردات
لم يكن ارتفاع أسعار النفط سلبيًا على جانب واحد من الحسابات، إذ استفادت الصادرات البترولية أيضًا من زيادة الأسعار.
فقد ارتفعت قيمة صادرات منتجات البترول خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 90%، لتسجل نحو 3.28 مليار دولار، مقابل 1.73 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.
وبذلك ساهم ارتفاع قيمة النفط في دعم حصيلة الصادرات البترولية، إلى جانب ما أعلنته وزارة البترول من زيادة معدلات الإنتاج خلال الفترة نفسها.
لكن هذا التحسن لم يكن كافيًا لتعويض الارتفاع الكبير في فاتورة الواردات، خصوصًا مع زيادة احتياجات البلاد من الغاز والنفط الخام.
وكانت حكومةالانقلاب قد أعلنت في مارس 2026 رفع أسعار الوقود والسولار بنسب تراوحت بين 14.3% و17.1%، بعد أيام من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في ظل ارتفاع الضغوط على أسعار الطاقة.
الفواكه تتقدم.. والغذاء الصحي يتراجع
على الجانب الآخر، أظهرت البيانات ارتفاع صادرات الفواكه الطازجة بنسبة 41.7% خلال النصف الأول من 2026، لتصل إلى نحو 1.8 مليار دولار، مقابل 1.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ويعكس ذلك استمرار قدرة بعض القطاعات الزراعية على زيادة صادراتها والوصول إلى أسواق خارجية، إلا أن نمو الصادرات الزراعية يأتي بالتزامن مع ضغوط متزايدة على قدرة الأسر المصرية على تحمل تكاليف الغذاءالصحي.
ووفق دراسة للبنك الدولي صدرت في يونيو الماضي، فإن نحو ربع الأسر المصرية يقع بالقرب من عتبة القدرة على تحمل تكلفة الغذاء الصحي، ما يعني أن أي انخفاض في الدخل أو زيادة إضافية في الأسعار يمكن أن تدفع شريحة من الأسر إلى فقدان القدرة على توفير نظام غذائي صحي.
وهنا تظهر مفارقة أخرى في هيكل الاقتصاد؛ فزيادة الصادرات الزراعية قد توفر العملة الأجنبية، لكنها لا تعني بالضرورة تحسن قدرة المواطنين على شراء الغذاء، خصوصًا مع ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
الولايات المتحدة والصين.. العجز يتسع
وعلى مستوى الشركاء التجاريين، سجل العجز التجاري مع الولايات المتحدة أحد أكبر معدلات الزيادة.
فقد ارتفع العجز لصالح الولايات المتحدة خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 65.3%، ليصل إلى نحو 6.74 مليار دولار، مقابل 4.08 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.
وجاء ذلك نتيجة ارتفاع واردات مصر من الولايات المتحدة إلى نحو 8.2 مليار دولار، مقابل 5.5 مليار دولار، في حين ارتفعت الصادرات المصرية إليها بشكل محدود من 1.4 مليار دولار إلى 1.5 مليار دولار.
أما الصين، التي تمثل أحد أكبر مصادر العجز التجاري المصري، فقد ارتفع العجز معها بنسبة أقل بلغت نحو 9.4%، ليسجل 9.6 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 8.8 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.
وتعكس هذه الأرقام استمرار اعتماد السوق المصرية بصورة كبيرة على السلع والمنتجات المستوردة من الخارج، خصوصًا في ظل ضعف قدرة الإنتاج المحلي على إحلال الواردات في عدد من القطاعات.
صادرات مصر إلى إسرائيل تقفز 24.3%
وفي ملف التجارة مع إسرائيل، انخفض العجز التجاري المصري خلال النصف الأول من العام بنسبة 7.3%، ليسجل نحو 1.01 مليار دولار مقابل 1.09 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025.
وجاء الانخفاض نتيجة تراجع الواردات المصرية من إسرائيل إلى نحو 1.19 مليار دولار، مقابل 1.23 مليار دولار في الفترة المقارنة، بالتزامن مع ارتفاع الصادرات المصرية إليها.
وقفزت الصادرات المصرية إلى إسرائيل بنسبة 24.3%، لتصل إلى نحو 174.2 مليون دولار خلال النصف الأول من 2026، مقابل 140.1 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
لكن التطور اللافت ظهر في يونيو 2026 تحديدًا، عندما شهدت حركة التجارة بين الجانبين قفزة كبيرة.
فقد ارتفعت الصادرات المصرية إلى إسرائيل خلال يونيو بنسبة 147.9%، لتصل إلى 38.9 مليون دولار، مقابل 15.7 مليون دولار في يونيو 2025.
وفي المقابل، ارتفعت قيمة الواردات المصرية من إسرائيل خلال الشهر نفسه بنسبة 127%، لتسجل نحو 266.4 مليون دولار، مقابل 117.3 مليون دولار في يونيو من العام السابق.
100 مليار دولارصادرات.. هدف تصطدم به فاتورة الواردات
تكشف بيانات النصف الأول من 2026 عن فجوة واضحة بين الخطاب الحكومي بشأن مضاعفة الصادرات وبين الأداء الفعلي للميزان التجاري.
ففي الوقت الذي تستهدف فيه حكومة الانقلاب الوصول بالصادرات إلى 100 مليار دولار، ارتفع إجمالي العجز التجاري خلال ستة أشهر فقط بنحو 45%، فيما قفز العجز غير البترولي بأكثر من 50%.
والأكثر دلالة أن الزيادة الكبيرة في الواردات جاءت في الوقت الذي لم تنمُ فيه الصادرات غير البترولية سوى بنسبة 1.2%، وهو ما يعني أن زيادة الصادرات، حتى مع استمرارها، لا تزال غير قادرة على ملاحقة النمو السريع في فاتورة الاستيراد.
وتشير الأرقام إلى أن الأزمة لا تتعلق فقط بحجم الصادرات، وإنما بهيكل الاقتصاد نفسه؛ إذ تظل البلاد بحاجة إلى واردات ضخمة من الطاقة والذهب والسلع المختلفة، في وقت لا تزال فيه قاعدة الإنتاج والتصنيع المحلي تواجه تحديات تحد من قدرتها على إحلال الواردات وزيادة القيمة المضافة للصادرات.
وبالتالي، فإن الوصول إلى رقم 100 مليار دولار للصادرات لا يكفي وحده لتحسين وضع الميزان التجاري، ما لم يصاحبه نمو حقيقي في الإنتاج المحلي، وزيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وتقليص الاعتماد على السلع المستوردة، خصوصًا تلك التي تستنزف موارد النقد الأجنبي.
وتضع أرقام النصف الأول من 2026 حكومة الانقلاب أمام معادلة صعبة: صادرات ترتفع ببطء، وواردات تقفز بوتيرة أسرع، وعجز تجاري يتسع، بينما تتزايد الحاجة إلى العملة الأجنبية لتمويل فاتورة الطاقة والذهب والسلع المستوردة.
marsadpress.net – شبكة المرصد الإخبارية شبكة المرصد الإخبارية
