أخبار عاجلة

تصعيد أمني ضد معتقلي العاشر والحبس الاحتياطي الممتد يتحول إلى أزمة مفتوحة.. الثلاثاء 6 أكتوبر 2026.. وزير صهيوني: إذا هاجمتنا مصر فلن تكون هناك سيناء ومصريون يردون: لن تكون هناك إسرائيل

تصعيد أمني ضد معتقلي العاشر والحبس الاحتياطي الممتد يتحول إلى أزمة مفتوحة.. الثلاثاء 6 أكتوبر 2026.. وزير صهيوني: إذا هاجمتنا مصر فلن تكون هناك سيناء ومصريون يردون: لن تكون هناك إسرائيل

 

شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري

 

*كواليس صادمة: تعذيب وإكراه واعترافات وهمية.. الرواية الكاملة لصحفيي “متصدقش” أمام النيابة

استهل محامو الصحفيين الستة التابعين لمنصة متصدقش الدفاع عن موكليهم بكشف تفاصيل صادمة حول تعرضهم لشتى صنوف التعذيب وسوء المعاملة داخل مقار احتجاز تابعة لقطاع الأمن الوطني، وذلك خلال أول ظهور لهم أمام النيابة عقب اعتقالهم الأسبوع الماضي.

أكد الدفاع أن الانتهاكات الممنهجة شملت تقييد المحتجزين من الخلف، وتغمية أعينهم طوال فترات التحقيق، فضلاً عن تعرضهم للضرب وخلع الملابس والصعق بالكهرباء، إلى جانب تهديدهم المباشر بالإيذاء الجسدي أو إلحاق الضرر بذويهم.

اعترافات قسرية ومطالبات قانونية بالتحقيق

أفاد الصحفيون أمام جهات التحقيق بتعرضهم لضغوط بالغة من قبل ضباط أجبروا بعضهم على تسجيل اعترافات ملفقة أمام الكاميرات وقراءتها من أوراق أُعدت مسبقاً، وهو ما عدّه فريق الدفاع محاولة مفضوحة لاصطناع أدلة إدانة وهمية تُستخدم ضدهم لاحقاً.

طالب محامو الدفاع رسمياً بإثبات هذه الانتهاكات الخطيرة والتحقيق فيها بشكل جاد، وبطلان كافة الاعترافات المنسوبة للمحتجزين قسراً، فضلاً عن فتح تحقيق فوري مع ضباط الأمن الوطني المسؤولين عن تلك المقار.

الكشف الطبي وتفاصيل التحريات الأمنية

طلب عدد من الصحفيين إحالتهم الفورية إلى مصلحة الطب الشرعي لتثبت الإصابات البالغة التي لحقت بهم جراء التعذيب، بينما استجابت النيابة وقررت إحالة أحدهم على الأقل لتوقيع الكشف الطبي.

استندت الاتهامات الرسمية الموجهة للصحفيين إلى محضر تحريات أجراه ضباط في قطاع الأمن الوطني، زعم تورطهم في تدشين صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي بغرض تثوير الشارع، وخلق مناخ ثوري، واستقطاب عناصر من غير المنتمين لأي تيارات سياسية.

غموض أماكن الاحتجاز وغياب التواصل

تستمر حالة الغموض حول أماكن احتجاز الصحفيين التي لا تزال مجهولة تماماً لأسرهم وهيئة دفاعهم، خاصة بعد منع المحامين من الانفراد بموكليهم، في انتظار عرضهم مجدداً على النيابة لاستكمال التحقيقات.

*”أمن الدولة” تخلي سبيل رشا عزب بكفالة 10 آلاف جنيه

أخلت نيابة أمن الدولة العليا، قبل قليل، سبيل الصحفية رشا عزب، بكفالة عشرة آلاف جنيه، على ذمة التحقيق في القضية رقم 8025 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، بعدما اتهمتها بـ«الترويج لارتكاب أعمال إرهابية، واستخدام موقع على شبكة المعلومات الدولية بغرض الترويج لأفكار داعية لارتكاب أعمال إرهابية»، بحسب المحامية راجية عمران.

عمران أوضحت لـ«مدى مصر» أن اتهام عزب جاء على خلفية تدوينة نشرتها في 23 سبتمبر الماضي، عبر حسابها على موقع «إكس»، كتبت فيها: «ما هي المسافة بين الداخلية بلطجية لحد الشعب يريد إسقاط النظام؟»، والتي سألتها النيابة عن سببها، فأوضحت أنها كانت تعليقًا على القبض على المواطنة دينا عزت.

أوراق القضية تضمنت أنه في اليوم التالي لتدوينة عزب، قدم نحو 12 مواطنًا بلاغات ضدها في أقسام الشرطة بعدة محافظات، حسبما أوضحت عمران، مشيرة إلى أن النيابة لم توجه لعزب أسئلة بخصوص قضية صحفيي «متصدقش»، إلا أنها تطرقت إلى ما اطلعت عليه عبر السوشيال ميديا، من شكواهم من التعرض للتعذيب في مقرات «الأمن الوطني»، ضمن ما ذكرته حين طلبت منها النيابة أمثلة لكون «الداخلية بلطجية»، فضلًا عن إشارتها إلى تعرضها سابقًا للاعتداء أثناء وقفة احتجاجية أمام مكتب الأمم المتحدة للمرأة عام 2024، بخلاف تعرضها للتهديد والملاحقة وسرقة سيارتها، وامتناع قسم الشرطة تحرير محضر بتلك الوقائع التي جرت معها.

خلال التحقيق، أكدت عزب على عدم معرفتها مسبقًا بصحفيي «متصدقش»، الذين علمت عنهم عبر بيانات نقابة الصحفيين.

وبينما استدعتها «أمن الدولة»، السبت الماضي، دون توضيح طبيعة الاتهامات أو الوقائع محل التحقيق، كانت عزب قالت عبر حسابها على «إكس» إنها تجد نفسها «متهمة من جديد» بعد عامين من وقائع، قالت إنها شملت مطاردتها و«تدمير حياتها» وسرقة سيارتها في نوفمبر 2024، مضيفة أن الاستدعاء يأتي في وقت تواصل فيه السعي إلى «صحافة حرة ووطن بلا استبداد»، بعدما دعت إلى دعم زملائها المتواجدين، اليوم، في نقابة الصحفيين.

وشاركت عزب، خلال الأيام الماضية، في تحركات داخل نقابة الصحفيين تضامنًا مع صحفيي «متصدقش» المقبوض عليهم، وإن أشارت، أمس، إلى استعلام محاميها عن القضية بعد وصول الاستدعاء، ليتبين لهم أنها سابقة على القبض على صحفيي «متصدقش»، مرجحة أن تكون مرتبطة بتدوينات أو آراء سابقة، قبل أن يتضح خلال التحقيق أن الاستدعاء مرتبط بتدوينة تساءلت فيها «كم تستغرق الرحلة من الداخلية بلطجية إلى الشعب يريد إسقاط النظام؟».

*تصعيد أمني ضد معتقلي العاشر.. الحبس الاحتياطي الممتد يتحول إلى أزمة مفتوحة

تصاعدت خلال الأيام الماضية حدة الإجراءات الأمنية بحق المعتقلين في سجن العاشر من رمضان، بالتزامن مع حالة الغضب المتزايدة بين المحبوسين احتياطيا على خلفية قضايا سياسية، وسط مخاوف من اتساع نطاق التصعيد داخل السجون، في وقت يظل فيه ملف الحبس الاحتياطي واحدا من أكثر الملفات الحقوقية والقانونية تعقيدا بزمن المنقلب السفاح السيسى.

ويأتي هذا التصعيد بعد قرار تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام، وهو القرار الذي أعاد ملف الحبس الاحتياطي إلى دائرة الجدل، خصوصا أن أعدادا كبيرة من المحبوسين احتياطيا يقضون شهورا طويلة، بل سنوات في بعض الحالات، على ذمة اتهامات متكررة من بينها “نشر أخبار كاذبة” و”الانضمام إلى جماعة محظورة”، في قضايا تقول منظمات حقوقية إن بعضها يرتبط في الأساس بالتعبير عن الرأي أو الموقف السياسي المعارض.

وكانت التعديلات التي أُدخلت على قانون الإجراءات الجنائية قد أثارت آمالا لدى بعض المحبوسين احتياطيا، رغم الانتقادات الحقوقية الواسعة للقانون، بعدما تضمنت خفض الحدود القصوى لمدد الحبس الاحتياطي في بعض الحالات إلى 18 شهرا بدلا من 24 شهرا.

ومع تأجيل نظام الانقلاب ، تطبيق القانون، عاد السؤال بشأن مصير مئات وربما آلاف المحبوسين الذين تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي القصوى، أو اقتربوا من تجاوزها، في ظل ما تصفه منظمات حقوقية بسياسة “التدوير” على ذمة قضايا جديدة، بما يسمح باستمرار الاحتجاز رغم انتهاء المدد القانونية للقضية الأصلية.

تصعيد داخل سجن العاشر

ووفقا لبيان مشترك نشرته مؤسسة “النديم” لمناهضة التعذيب، بمشاركة أربع مؤسسات حقوقية أخرى، فقد شهد سجن العاشر من رمضان تصعيدا أمنيا عقب احتجاج عدد من المحتجزين على استمرار حبسهم، حيث رفضوا استلام وجبات السجن المعروفة باسم “التعيين”، كما رفضوا الخروج للتريض، وبدأوا في الهتاف وطرق أبواب الزنازين للمطالبة بإنهاء ما يعتبرونه ظلما مستمرا بحقهم.

وأشار البيان إلى أن رد إدارة السجن تضمن إجراءات أمنية تصعيدية، من بينها استخدام الغاز المسيل للدموع ضد المحتجزين، إلى جانب استخدام القوة بحقهم، وهو ما اعتبرته المؤسسات الحقوقية مخالفا للوائح المنظمة لأوضاع السجون وحقوق المحتجزين.

وبالتزامن مع ذلك، تحدثت المعلومات الواردة في البيان عن أنباء بشأن تصعيد أمني آخر ضد المعتقلين في سجن أبو زعبل، بما يثير مخاوف من اتساع دائرة الإجراءات العقابية بحق المحتجزين على خلفية احتجاجاتهم على استمرار حبسهم.

وطالبت المؤسسات الحقوقية بوقف استخدام القوة ضد المحتجزين، ووقف أي إجراءات عقابية أو تأديبية بحقهم، بما في ذلك التغريب والحبس الانفرادي، فضلا عن فتح تحقيق مستقل في وقائع التصعيد، ومراجعة أوضاع جميع المحبوسين احتياطيا، والإفراج عن كل من تجاوز مدد الحبس المعقولة، دون انتظار بدء سريان القانون الجديد.

الحبس الاحتياطي.. من إجراء استثنائي إلى عقوبة مفتوحة

ويعيد ما يحدث في سجن العاشر من رمضان إلى الواجهة أزمة الحبس الاحتياطي في مصر، التي تحولت على مدار السنوات الماضية، بحسب منظمات حقوقية، من إجراء يفترض أن يكون استثنائيا ومؤقتا إلى وسيلة طويلة الأمد لسلب الحرية.

وتتفاقم الأزمة مع استمرار توجيه اتهامات متشابهة ومتكررة إلى المحبوسين، ثم إعادة تدوير بعضهم على ذمة قضايا جديدة قبل إخلاء سبيلهم، الأمر الذي يفرغ الحدود الزمنية للحبس الاحتياطي من مضمونها ويجعل الإفراج عن المحتجز مرتبطا بإرادة الأجهزة الأمنية أكثر من ارتباطه بانتهاء المدة القانونية.

ويقول منتقدو هذه السياسة إن استمرار حبس أشخاص لمدد طويلة دون محاكمة نهائية، وفي ظل غياب أدلة كافية في بعض الحالات، لا يمثل فقط انتهاكا لحقوق المحتجزين، وإنما يفتح الباب أمام تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة فعلية تسبق صدور الحكم القضائي.

رسالة سياسية تتجاوز أسوار السجون

ولا تبدو أزمة سجن العاشر من رمضان منفصلة عن المشهد السياسي والحقوقي الأوسع في مصر، إذ إن استمرار التعامل الأمني مع ملف المعتقلين السياسيين باعتباره ملفا أمنيا فقط يضاعف من تعقيد الأزمة بدلا من الوصول إلى حلول قانونية وسياسية لها.

فبدلا من أن يُمثل تأجيل قانون الإجراءات الجنائية فرصة لإعادة النظر في أوضاع آلاف المحبوسين، يخشى حقوقيون من أن يتحول القرار إلى غطاء لاستمرار الأوضاع القائمة، بما فيها الاحتجاز المطول والتدوير على ذمة قضايا جديدة، وإبقاء ملف سجناء الرأي مفتوحا دون أفق واضح للحل.

كما أن استمرار هذه السياسة لا يترك أثره على المعتقلين وأسرهم وحدهم، وإنما يعمق حالة الاحتقان داخل المجتمع، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة تحتاج إلى توسيع مساحة الحوار، لا إلى تضييقها.

الحل يبدأ من القانون

معالجة ملف المعتقلين والمحبوسين احتياطيا لا تحتاج إلى مزيد من الإجراءات الأمنية، بقدر ما تحتاج إلى إعادة الاعتبار للقانون والقضاء والنيابة العامة، وفتح مراجعة شاملة لأوضاع جميع المحتجزين، خصوصا من تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي المقررة أو أمضوا فترات طويلة دون إحالة فعلية إلى محاكمة عادلة.

كما أن فتح تحقيق مستقل وشفاف في وقائع التصعيد داخل السجون، ومحاسبة المسئولين عن أي تجاوزات، يمثل خطوة ضرورية لوقف تكرار تلك الوقائع ومنع تحول السجون إلى بؤر جديدة للاحتقان.

فالخروج من الأزمة لا يكون بإغلاق المجال العام أو حبس الأصوات المختلفة، وإنما بالاعتراف بأن استمرار هذه السياسات يمثل جزءا من المشكلة، وأن الإفراج عن غير المتورطين في جرائم حقيقية، وإنهاء الحبس الاحتياطي المفتوح، وفتح المجال أمام العمل السياسي والتعبير السلمي، يمكن أن يشكل بداية لمعالجة أعمق للأزمة.

وفي النهاية، يبقى معتقلو سجن العاشر من رمضان، إلى جانب آلاف سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيا في مصر، أمام اختبار جديد لمدى استعداد السلطات لفتح ملف طال إغلاقه.

ويبقى الأمل أن تأتي الانفراجة بأهدأ الطرق وأقلها كلفة، عبر الاحتكام إلى القانون وإعلاء صوت العقل السياسي، قبل أن تتحول الأزمات المتراكمة داخل السجون وخارجها إلى انفجار يصعب احتواؤه.

*شقيقة المحكوم عليه بالإعدام إبراهيم عزب تكشف معاناة 12 عامًا من السجن والتعذيب

منذ مارس 2014، يعيش الصيدلي إبراهيم يحيى عبد الفتاح عزب سنوات طويلة خلف القضبان، بعدما صدر بحقه حكم نهائي بالإعدام في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «مقتل الحارس»، وهي القضية التي أيدت فيها محكمة النقض حكم الإعدام بحق إبراهيم وخمسة آخرين في 7 يونيو 2017. 

وبعد أكثر من 12 عامًا من الاحتجاز، لا تتوقف معاناة إبراهيم عند سنوات السجن أو الحكم الصادر بحقه، إذ تتحدث أسرته عن آثار جسدية ونفسية مستمرة تقول إنها تعود إلى ما تعرض له خلال فترة التحقيق، بينما تشير منظمات حقوقية إلى وجود ادعاءات موثقة بشأن التعذيب وانتزاع اعترافات تحت الإكراه.

وتكشف شهادة شقيقته عن جانب إنساني قاسٍ من القضية، بعدما تحولت السنوات التي قضاها إبراهيم خلف القضبان إلى عمر مفقود، تخللته ذكريات مؤلمة عن التحقيق والتعذيب، إلى جانب فقدان والده الذي رحل دون أن يتمكن نجله من توديعه.

سنوات طويلة خلف القضبان

تقول المنظمات الحقوقية إن إبراهيم عزب مستمر في الاحتجاز منذ مارس 2014، أي لأكثر من 12 عامًا، بينما لا يزال يواجه حكمًا نهائيًا بالإعدام في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«مقتل الحارس».

وكانت محكمة النقض قد أيدت في 7 يونيو 2017 حكم الإعدام الصادر بحق إبراهيم وخمسة آخرين، لتصبح القضية مرتبطة بحكم نهائي بالإعدام، رغم استمرار المخاوف الحقوقية المتعلقة بظروف التحقيق والأدلة التي استندت إليها القضية.

وتشير التقارير الحقوقية التي تناولت حالة إبراهيم إلى أن آثار إصابات ظهرت عليه خلال التحقيق، كما تحدث عن تعرضه للاعتداء من جانب أفراد في الأمن الوطني أثناء فترة التحقيق، في الوقت الذي كان فيه معصوب العينين.

وبحسب ما نُقل عنه، فإن الاعترافات التي أدلى بها جاءت تحت وطأة التعذيب، وهو ما يفتح تساؤلات حقوقية وقانونية حول مدى سلامة الإجراءات التي سبقت صدور الحكم، وحول مدى إمكانية الاعتماد على اعترافات يقول صاحبها إنها انتزعت منه بالإكراه.

تعذيب ترك آثاره حتى اليوم

لا تتوقف رواية الأسرة عند ما حدث خلال فترة التحقيق، وإنما تمتد إلى الآثار التي تقول شقيقته إنها لا تزال تلاحق إبراهيم بعد مرور أكثر من عقد على تلك الوقائع.

وتروي شقيقته أنه تعرض للصعق بالكهرباء خلال التحقيق، إلى جانب تسليط إضاءة قوية مباشرة على عينيه، وهو ما تقول إنه تسبب في تدهور شديد في قدرته على الرؤية.

كما تتحدث عن إبقائه معصوب العينين باستخدام قماش أسود لفترات طويلة، الأمر الذي جعل الرؤية بالنسبة إليه شديدة الصعوبة، ووصلت حالته في إحدى الفترات، بحسب روايتها، إلى احتياجه لمن يسنده أثناء الحركة بسبب عدم قدرته على الرؤية بصورة طبيعية.

وتقول الأسرة إن آثار ما جرى لم تختفِ بانتهاء التحقيقات، بل ظلت مرتبطة بحياته اليومية، سواء على المستوى الجسدي أو النفسي، لتتحول فترة التحقيق إلى تجربة تركت آثارًا ممتدة لسنوات.

وتختصر شقيقته جانبًا من هذه المعاناة في سؤال مؤلم: «مين هيعوضه عن كوابيس لسه بيشوفها من وقت التعذيب؟».

صراخ لا يزال عالقًا بالذاكرة

بحسب شهادة شقيقته، لم تقتصر الضغوط التي تعرض لها إبراهيم، وفق روايتها، على الاعتداءات الجسدية، وإنما شملت أيضًا أساليب ضغط نفسي قاسية.

وتقول إن المحققين استخدموا أصوات صراخ امرأة للضغط عليه ودفعه إلى الاعتراف، كما أوهموه بأن شقيقته موجودة في غرفة مجاورة وأنها تتعرض للأذى.

وتوضح أن هذه اللحظات تركت أثرًا نفسيًا عميقًا لديه، مشيرة إلى أنه لا يزال حتى الآن غير قادر على معرفة هوية صاحبة الصوت الذي سمعه خلال فترة التحقيق.

وتنقل عنه قولًا يلخص أثر تلك الواقعة: «هو للآن مش عارف صراخ مين.. بس بيكفي إنه صراخ بنت».

وبحسب شقيقته، فإن الأصوات المرتبطة بتلك الفترة لا تزال حاضرة في ذاكرته، رغم مرور سنوات طويلة، بما يعكس، من وجهة نظر الأسرة، حجم التأثير النفسي الذي خلفته فترة التحقيق وما رافقها من ضغوط. 

ولا ترى الأسرة أن انتهاء التحقيقات أو مرور السنوات يعني انتهاء آثار ما حدث، إذ تقول إن ذكريات تلك المرحلة لا تزال تظهر في حياته حتى الآن، سواء من خلال الكوابيس أو استعادة تفاصيل مرتبطة بما تعرض له. 

السجن حرمه من وداع والده

لم تقتصر الخسائر التي تتحدث عنها أسرة إبراهيم عزب على السنوات التي قضاها خلف القضبان أو الآثار الصحية والنفسية التي تقول إنها لحقت به، وإنما امتدت إلى علاقاته الأسرية وأهم اللحظات التي لا يمكن استعادتها.

فخلال وجوده في السجن، توفي والده، ولم يتمكن إبراهيم من توديعه أو إلقاء النظرة الأخيرة عليه.

وتقول شقيقته إن هذه اللحظة تمثل واحدة من أقسى الخسائر التي تعرضت لها الأسرة، خاصة أن غياب إبراهيم عن جنازة والده ووداعه لم يكن قرارًا اختاره، وإنما جاء في ظل استمرار احتجازه.

وتقول: «مين هيعوضه عن لحظة وداع وإلقاء النظرة الأخيرة على بابا لما اتوفى؟.. ومين هيعوضني أنا عن اللحظة دي؟». 

عمر ضائع وأسرة تنتظر العوض

بعد أكثر من 12 عامًا، تتساءل شقيقة إبراهيم عن مصير السنوات التي مرت من عمره، وعن إمكانية تعويضه عن فترة طويلة عاشها بعيدًا عن أسرته وحياته الطبيعية.

وتقول إن سنوات الاحتجاز لم تسلبه حريته فقط، وإنما حرمته أيضًا من تفاصيل الحياة اليومية، ومن الوجود إلى جانب أسرته، ومن المشاركة في مناسباتها وأزماتها، ومن وداع والده.

وتلخص شقيقته سنوات المعاناة في كلمات شديدة القسوة: «مين هيعوضه عن سنين عمره اللي ضاعت؟.. مين هيعوضه ومين هيعوضنا؟ الله كريم والعوض من الله».

مخاوف حقوقية بشأن حكم الإعدام

وترى المنظمات الحقوقية أن استمرار تنفيذ حكم الإعدام في قضية تتضمن ادعاءات جدية بشأن التعذيب وانتزاع الاعترافات يثير مخاوف كبيرة تتعلق بالحق في الحياة وضمانات المحاكمة العادلة.

وتستند هذه المخاوف، بحسب ما ورد في التقارير الحقوقية، إلى ادعاءات ظهرت منذ المراحل الأولى للتحقيق، تتعلق بالتعذيب والاعتداء وانتزاع الاعترافات بالإكراه.

وتطالب المنظمات الحقوقية بوقف تنفيذ حكم الإعدام بحق إبراهيم عزب، وإعادة النظر في القضية بما يضمن استبعاد أي اعتراف أو دليل يثبت أنه جرى الحصول عليه تحت الإكراه.

كما تدعو إلى فتح تحقيق مستقل وجاد في ادعاءات التعذيب، وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم إذا ثبتت صحتها، باعتبار أن التحقيق في هذه الوقائع يمثل جانبًا أساسيًا من ضمانات العدالة.

ولا تتوقف المطالب عند الجانب القضائي، إذ تشمل أيضًا إنهاء أي عزل مطول قد يتعرض له إبراهيم، وضمان حصوله على الرعاية الطبية والنفسية اللازمة، خصوصًا فيما يتعلق بالمشكلات التي تقول أسرته إنها أصابت عينيه.

*وزير صهيوني: إذا هاجمتنا مصر فلن تكون هناك سيناء ومصريون يردون: لن تكون هناك إسرائيل

قال وزير المالية الإسرائيلي المتطرّف بتسلئيل سموتريتش إنه «لن تكون هناك سيناء» إذا تعرّضت إسرائيل لهجوم من مصر، في تصريحات أثارت ردود فعل غاضبة من إعلاميين ونواب ومؤثرين مصريين، توعد بعضهم بأنه «لن تكون هناك إسرائيل» إذا هاجمت مصر.

وجاءت تصريحات سموتريتش خلال مقابلة مصورة من منزله أجراها مع الموقع الإلكتروني الحريدي «هاشتيبلاخ»، الإثنين، عشية احتفال مصر بالذكرى الـ53 لانتصار أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 على إسرائيل، والذي أدى إلى تحرير شبه جزيرة سيناء من الاحتلال الإسرائيلي.

وقال سموتريتش: «ما الذي سيجعل مصر لا تهاجمنا؟ إنهم إذا هاجمونا فلن تكون هناك سيناء، على الأقل، لكن لا، لن يحدث ذلك مرة أخرىط.

ولم يصدر تعقيب رسمي فوري من السلطات المصرية على تهديد سموتريتش، إلا أن إعلاميين ونواباً ومؤثرين مصريين مقربين من السلطات شنّوا هجوماً حاداً على الوزير الإسرائيلي، وحذروا من المساس بسيناء، واستغرب أخرون عدم رد مصر رسميا وترك الأمر لإعلاميين.

وتأتي تصريحات سموتريتش في وقت تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي ظل تصريحات إسرائيلية متكررة بشأن ترتيبات ما بعد الحرب.

وكان سموتريتش قد تحدث في المقابلة نفسها عمّا وصفه بـ«إنجازات» إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية، في إشارة إلى الحرب على غزة، وقال: «لن نعود إلى الوضع السابق مرة أخرى بأي حال من الأحوال»

وأضاف: “نسيطر على معظم قطاع غزة، وهناك التزام دولي بتفكيك حماس وتفكيك غزة”

وفي المقابل رأى اللواء نصر سالم رئيس جهاز الاستطلاع المصري الأسبق أن تكرار الحديث الإسرائيلي عن سيناء يعكس توظيفا سياسيا للملف، متسائلا عن أسباب إصرار مسؤولين إسرائيليين على إدخال سيناء في تصريحاتهم المتعلقة بالصراعات الإقليمية.

وقال سالم في حديثه لـ RT إن تصريحات سموتريتش تنتمي إلى خطاب “اليمين المتطرف” في إسرائيل، معتبرا أن أصحاب هذا الخطاب قد يدفعون إسرائيل إلى خيارات تضر بمصالحها، مضيفا أن القادة الإسرائيليين الذين أبرموا السلام مع مصر “لم يكونوا أقل ذكاء” من أصحاب التصريحات الحالية.

وحذر الخبير العسكري المصري من أن استمرار هذا النوع من الخطاب قد يقود إلى نتائج خطيرة، قائلا إن المسؤول الإسرائيلي “لا ينبغي أن يسرح خياله أكثر من ذلك”، وإلا فإنه “سوف يحصد ما لا يحمد عقباه” على حد وصفه.

وردا على سؤال حول ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية الحالية حريصة على استمرار السلام مع مصر، قال سالم إن إسرائيل، في تقديره، تتعامل وفق رؤية توسعية، مستشهدا بما وصفه بالتحركات الإسرائيلية الأخيرة في المنطقة، ومشيرا إلى أن ما حدث في سوريا يمثل مثالا على استغلال حالات الضعف، بحسب تعبيره.

وتحدث رئيس جهاز الاستطلاع المصري الأسبق عن موازين القوة بين مصر وإسرائيل بعيدا عن الدعم الأمريكي، حيث أشار سالم إلى امتلاك إسرائيل قدرات عسكرية متقدمة بما في ذلك قدرات نووية يعتقد على نطاق واسع أنها تمتلكها، لكنه شدد على أن امتلاك السلاح لا يحسم وحده نتيجة أي مواجهة.

وقال إن مصر حتى مع اختلاف طبيعة ونوعية بعض الأسلحة مقارنة بما تمتلكه إسرائيل، تعتمد بصورة أساسية على العنصر البشري وقدرة المقاتل على استخدام السلاح، مضيفا: “السلاح بالمقاتل وليس العكس” مشيرا في الوقت ذاته إلى امتلاك مصر أحدث الأسلحة.

وربط سالم بين تجربتي حرب أكتوبر 1973 وحرب غزة، قائلا إن إسرائيل اعتمدت بدرجات كبيرة على الدعم الأمريكي في مواجهاتها العسكرية، ومشيرا إلى أن استمرار الدعم الأمريكي كان عاملا مهما في قدرة إسرائيل على خوض حروب وصراعات طويلة بحسب تقييمه.

وفي حديثه عن مفهوم الردع أكد الخبير العسكري المصري أن الدفاع عن الأرض يختلف عن خوض حرب هجومية، قائلا إن مصر “لا تدخل في اعتداء” لكنها إذا تعرضت أراضيها لهجوم ستدافع عنها بكل ما تملك، مؤكدا أن الدفاع عن الأراضي المصرية يمثل قضية تتجاوز حسابات التفوق في نوعية السلاح.

وتعيد تصريحات سموتريتش ملف سيناء إلى الواجهة في وقت تحظى فيه شبه الجزيرة بمكانة مركزية في الذاكرة العسكرية والسياسية المصرية، باعتبارها مسرحا رئيسيا للحروب المصرية-الإسرائيلية، وصولا إلى حرب أكتوبر 1973.

وبموجب معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية الموقعة عام 1979 انسحبت القوات الإسرائيلية من سيناء، واستعادت مصر سيادتها على كامل شبه الجزيرة عام 1982، بينما حسمت قضية طابا لاحقا عبر التحكيم الدولي وعادت إلى السيادة المصرية عام 1989.

وتحدد معاهدة السلام وترتيباتها الأمنية طبيعة الانتشار العسكري في مناطق مختلفة من سيناء، فيما ظلت مصر وإسرائيل تحافظان على المعاهدة رغم التوترات التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.

وتأتي تصريحات سموتريتش في سياق إقليمي شديد الحساسية إلا أنها لا تمثل بحد ذاتها إعلانا عن قرار إسرائيلي بشن عمل عسكري ضد مصر، إذ جاءت في إطار حديث الوزير عن سيناريو افتراضي يتعلق باحتمال اندلاع مواجهة بين البلدين.

وفي المقابل تؤكد القاهرة رسميا تمسكها بمعاهدة السلام، مع التشديد في الوقت نفسه على حماية السيادة المصرية والأراضي والحدود، وهي ثوابت تكتسب أهمية خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة.

 

*ممدوح حمزة: بيع 7 مواني خيانة عظمى وخراب متعمد للبلاد

انتقد المهندس ممدوح حمزة، السياسي البارز، التوجهات المتعلقة ببيع المواني البحرية، مشيراً إلى أن شركة مواني دبي العالمية تتواجد بأرصفة داخل موانٍ في عدد من الدول يبلغ ستين دولة، ولكنها غالباً ما تكون أرصفة محدودة أو مبنية جاهزة وتتولى إدارتها، أو قامت ببنائها داخل موانٍ قائمة بالفعل وليست موانياً كاملة مملوكة لها ملكية مطلقة، ضارباً المثل بما حدث في جيبوتي التي دخلت في تعاقد دولي لم تكن قده وخسرت القضية في النهاية وتم طردها.

خطورة تفريط البلدان في أصولها الاستراتيجية ومواردها السيادية

حذر حمزة من أن تسليم أو بيع المواني لا تقدم عليه سوى البلدان الضعيفة للغاية، موضحاً أن نسبة تسعين بالمئة أو تسعة وتسعين بالمئة من المواني التي تمتلكها الشركة داخل بلدها تتكون من أرصفة داخل موانٍ تمتلكها دول أخرى، ولا يوجد سوى ستة مواني فقط من المواني الكبيرة على مستوى العالم مسجلة في البورصات، مستنكراً التوجه نحو إشراك سبع مواني بلاش أمن قومي، ومؤكداً أن من يبيعون أو يحكمون لا يدركون أبعاد الأمن قومي.

وأوضح حمزة بأن التحليل الاقتصادي للموقف أن المواني والمجاري الملاحية والمشروعات القومية الكبرى في أي بلد تعتبر مصدراً أساسياً لجلب العملة الصعبة، تماماً مثل قناة السويس، حيث تدفع السفن عابرتاً البوغاز رسوم الإرساء على الأرصفة وتكلفة إنزاج وتخزين البضائع بالعملة الأجنبية، وهو ما يشكل دخلاً متكرراً ومتصاعداً سنوياً، متسائلاً عن جدوى التنازل عن هذه العوائد بغرض الحصول على سيولة نقدية مؤقتة، ومشيراً إلى بدائل استثمارية أخرى مثل تأجير الأرصفة لمدة عشر سنوات أو منح تراخيص لبناء أرصفة جديدة على أراضٍ فضاء بدلاً من بيع المواني القائمة، واختتم بالتأكيد على أن هذا التصرف يمثل خراباً متعمداً ووصفه بأنه لا يصدر إلا عن عدو، مستنكراً الإقدام على بيع سبع مواني بحرية دفعة واحدة.

*من الهجوم على قنوات الخارج إلى اتهام صحفيي “متصدقش”عبد الرحيم علي أراجوز النظام يخرج من “التلاجة”

يبدو أن الانقلاب بدأ يفتش في صندوق “الرابش” فعاد الكاتب والسياسي عبد الرحيم علي إلى واجهة المشهد الإعلامي المصري بعد فترة من الغياب النسبي، مستأنفًا الدور الذي ارتبط به لسنوات في مهاجمة خصوم السلطة والتيارات الإسلامية والمعارضة، لكن هذه المرة عبر بوابة منصة “متصدقش”، التي أوقفتها وزارة الداخلية بحكومة السيسي واعتقلت عددًا من العاملين بها واتهمتهم بـ”الإخوان” واتهمت المنصة أنها غير مرخصة وتُدار من الخارج وتنشر أخبارًا مغلوطة وتحرف الحقائق.

وأثارت العودة موجة انتقادات واسعة على مواقع التواصل، خصوصًا أن عبد الرحيم علي ظهر في مداخلة مع الإعلامي عمرو أديب متحدثًا عن المنصة ومؤسسها عبد الرحمن منصور، وقدم ما قال إنها تسجيلات ومعلومات قال إنها “تثبت” صلات الأخير بجماعة الإخوان المسلمين. وفي المقابل، اعتبر منتقدوه أن القضية تتعلق في جوهرها بمواجهة صحفيين يستخدمون أدوات التحقق الرقمي ومصادر المعلومات المفتوحة لمراجعة الروايات الرسمية.

وجاء ظهور علي بعد إعلان وزارة الداخلية، في الأول من أكتوبر، ضبط 6 أشخاص قالت إنهم أعضاء في لجنة إعلامية، مرتبطة بجماعة الإخوان وتعمل لصالح صفحة متصدقش، بينهم شخص مقيد بنقابة الصحفيين. وزعمت “داخلية” السيسي، وإعلام السلطة ولجانه؛ أن العاملين بها يعدون أخبارًا وصفتها بالمغلوطة والمفبركة ويرسلونها إلى المسئول عن الصفحة في الخارج. 

“متصدقش” قضية رأي عام

وسريعا مارس “عبد الرحيم” دوره في إعادة تجويد بيان “الداخلية”، من أن متصدقش جزء من لجان إعلامية تابعة لجماعة الإخوان، وأنها تُدار من الخارج بواسطة عبد الرحمن شكري علي عبد الجليل منصور، مع وجود عناصر داخل مصر تشارك في إعداد المحتوى وإرساله إلى القائمين على الصفحة.

وتضمن كلامه نفس الاتهامات للعاملين من جانب التمويل من الخارج جازما بصحة الإجراءات “القانونية” بحق المقبوض عليهم وأن القانون “ما يعرفش زينب” على  حد  قوله وهو المعروف في هذا الجانب بتحايله على القانون، وانتهاكه الصحفيين؛ “البوابة نيوز” نموذج لذلك، والخصومات تشهدها المحاكم ونقابة الصحفيين ولجنة  الحريات واعتصام الزملاء بها. 

 على خط عمود الخيمة

في اليوم التالي تقريبًا، ظهر عبد الرحيم علي في مداخلة مع عمرو أديب، عمود خيمة الأبواق متحدثًا عن خلفية منصة متصدقش ومؤسسها، وقال إن المنصة تتبع شركة أمريكية غير ربحية تحمل اسم «Open Transformation Lab»، وإن مقر الشركة في نيويورك، وإنها معفاة من الضرائب الأمريكية.

وأضاف علي أن الشركة الأم قدمت للعاملين في المنصة تدريبات ودعمًا معلوماتيًا وبحثيًا، وأن التدريب شمل صور الأقمار الصناعية ومعلومات عن تتبع الطائرات وأبراج المراقبة، معتبرًا أن هذه الأنشطة تتجاوز، من وجهة نظره، طبيعة العمل الصحفي التقليدي.

كما عرض علي تسجيلًا صوتيًا قال إنه يتعلق بعبد الرحمن منصور، ثم عرض تسجيلًا ثانيًا قال إنه يكشف اتصالات له بقيادات في جماعة الإخوان، من بينها المهندس خيرت الشاطر، نائب المرشد العام للجماعة (كان الرجل متاحا عبر الهاتف ومباشرة لكل الصحفيين وحتى قبل القبض عليه في يوليو  2013!).

لكن جوهر الخلاف الذي تفجر عقب هذه التصريحات لم يكن فقط حول هوية مؤسس متصدقش، وإنما حول سؤال أوسع: هل استخدام أدوات المصادر المفتوحة والتحقق من الصور والفيديوهات وبيانات الأقمار الصناعية والطائرات يدخل في صميم الصحافة الحديثة، أم يمكن اعتباره نشاطًا أمنيًا لمجرد أن بعض هذه الأدوات تستخدم أيضًا في أعمال الاستخبارات؟

صحافة أم تخابر؟

الكاتب الصحفي والحقوقي د.أسامة رشدي (@OsamaRushdi) هاجم من  جديد بوق الانقلاب “عبدالرحيم”، واعتبر  تصريحاته محاولة لتجريم أدوات التحقق الصحفي، وقال إن ما يسمى OSINT، أي «استخبارات المصادر المفتوحة»، يعتمد على معلومات متاحة للجمهور، مثل البيانات الرسمية والصور والفيديوهات والخرائط وصور الأقمار الصناعية وبيانات الطيران والملاحة.

ورأى رشدي أن هذه الأدوات أصبحت جزءًا من الصحافة الاستقصائية الحديثة، مشيرًا إلى أن مؤسسات دولية كبرى لديها وحدات متخصصة في التحقق الرقمي والبصري، وأن جامعات وكليات صحافة تدرّس هذه الأساليب للطلاب.

ويقول هذا الطرح إن معيار الحكم على «متصدقش» يجب أن يكون في دقة المعلومات المنشورة وأدلتها ومنهجية التحقق منها، لا في مجرد استخدام أدوات متقدمة لجمع المعلومات العامة.

وفي السياق نفسه، كتب الصحفي السابق بجريدة الدستور وحاليا بقناة  العربي عبد المنعم محمود (@moneimpress) أن ظهور عبد الرحيم علي في هذه القضية قد يكون مرتبطًا، بحسب رأيه، بمحاولة مواجهة استخدام أدوات OSINT في التحقق من الروايات الرسمية، مشيرًا تحديدًا إلى أدوات مثل Google Lens.

المشكلة ليست في «متصدقش» بل في غياب الرد بالمعلومة

أما المذيعة  بقناة “العربي” سلمى الدالي (@salmaeldaly)، فذهبت إلى أن الاتهامات العامة من نوع «الإخوان والجماعة الإرهابية» لم تعد كافية لإقناع الجمهور، معتبرة أن ما تقوم به «متصدقش» هو عمل صحفي يقوم على اختبار المعلومات المتداولة ومراجعة مصداقيتها.

وكتبت أن المنصة، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، تؤدي وظيفة مهمة عندما تفحص تصريحات المسئولين والبيانات الرسمية وتقارنها بالوقائع والأرقام.

وتضيف الدالي أن الرد على المعلومة يجب أن يكون بمعلومة مضادة، وعلى الكلمة بكلمة، لا بالحبس، معتبرة أن الأزمة الحقيقية تتمثل في غياب أدوات إعلامية موثوقة تستطيع السلطة من خلالها الرد على الانتقادات بدلًا من اللجوء إلى الإجراءات الأمنية.

أحمد رجب يستحضر واقعة 2023

من جانبه، كتب الصحفي أحمد رجَب (@Ragab) أن واقعة القبض على بعض العاملين في «متصدقش» ليست أول احتكاك بين الأجهزة الأمنية والمنصة.

وأشار إلى واقعة تعود إلى عام 2023، قال خلالها إن الداخلية ألقت القبض على الصحفي كريم أسعد، الذي كان يعمل في المنصة، ثم أفرجت عنه بعد 48 ساعة عقب التحقيق معه والتحقيق في نشاط المنصة.

ويطرح رجَب سؤالًا عن سبب اختلاف توصيف المنصة في الواقعتين، قائلًا إن المنصة كانت تقدم العمل الصحفي نفسه في الحالتين، وإن التغيير الحقيقي، من وجهة نظره، هو أن الأجهزة الأمنية قررت هذه المرة استخدام اتهامات من بينها الانتماء إلى «لجنة إعلامية إخوانية».

غرفة أخبار كاملة

ووصف حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) توقيف فريق «متصدقش» بأنه يمثل تطورًا خطيرًا بالنسبة لحرية الصحافة، وقال إن «غرفة أخبار كاملة» تعرضت للقبض بسبب ممارسة العمل الصحفي.

وطالب الحزب بالنظر إلى القضية باعتبارها جزءًا من النقاش حول مستقبل الصحافة المصرية، لا مجرد ملف أمني يتعلق بمنصة إلكترونية.

وتتقاطع هذه الرؤية مع موقف حقوقي أوسع يعتبر أن مجرد اتهام الصحفيين أو العاملين الإعلاميين بالانتماء إلى جماعة سياسية يجب ألا يحجب السؤال الأساسي المتعلق بما نشره هؤلاء، وما إذا كان المحتوى المنشور كاذبًا بالفعل، وما هي الأدلة على القصد الجنائي أو التمويل أو الارتباط التنظيمي.

تاريخ عبد الرحيم علي مع «إسلام أون لاين»

ويستعيد الجدل أيضًا مرحلة مبكرة من مسيرة عبد الرحيم علي المهنية، إذ تظهر أرشيفات منشورة على موقعه الشخصي أنه عمل في موقع إسلام أون لاين وأجرى خلال تلك الفترة حوارات مع شخصيات إسلامية وقيادات من جماعة الإخوان المسلمين.

ومن بين المواد المؤرشفة على موقعه حوار أجراه مع جمال أسعد ونشر أصلًا في إسلام أون لاين نت عام 2007، كما توجد مادة أخرى توثق حوارين مع مأمون الهضيبي وعبد المنعم أبو الفتوح حول رؤية الحركة الإسلامية لأحداث 11 سبتمبر.

لكن روايات أخرى أكثر حدة تزعم أن خلافه مع «إسلام أون لاين» ارتبط بعلاقته بأجهزة أمن الدولة وأنه نقل معلومات عن زملائه. ومن أبرز من نشر هذه الرواية موقع «رابطة أدباء الشام» في تقرير يعود إلى 2014.

الإشارات كثيرة  ومتعددة من الصحفيين  الإسلاميين وغيرهم  ممن زامل عبدالرحيم أو اقترب منه فوصف أنه مخبر أمن دولة وشى بزملائه.

ومع ذلك، فإن علاقة عبد الرحيم علي بالملف الأمني ليست مجرد رواية حديثة؛ فقد اشتهر خلال سنوات ما بعد ثورة يناير ببرنامج «الصندوق الأسود»، الذي اعتمد على إذاعة تسجيلات صوتية ومكالمات هاتفية (من  نوعية  تسجيلات الأجهزة الأمنية ليثبت على الأقل قربه منها أو كونه جزءًا منها كما هو الحال مع رفاق الدرب أحمد موسى ونشأت والباز افندي وأحمد الخطيب وغيرهم) لشخصيات سياسية ومعارضة.

وفي السنوات التالية تحول علي إلى شخصية سياسية وإعلامية أكثر التصاقًا بخطاب الدولة في مواجهة الإسلام السياسي، وأصبح رئيسًا لمجلس إدارة البوابة نيوز الممولة إماراتيا، حتى توقف التمويل من هذه الجهة أو انخفض.

 كما يرأس “مركز دراسات الشرق الأوسط” الممول إماراتيا أيضا في باريس، وتصف المصادر الرسمية للمركز نشاطه بأنه يركز على دراسة الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية والتواصل مع دوائر محاربة الإسلام في أوروبا.

شطب عضويته من نقابة الصحفيين

وكان مجلس نقابة الصحفيين قد قرر في يناير 2026 شطب عضوية  عبدالرحيم علي من جداول النقابة، على خلفية مخالفات قالت النقابة إنها تتعلق بشروط وضوابط العضوية.

وجاء القرار في ظل نزاع واسع بين إدارة البوابة نيوز وعدد من صحفييها حول أجور متدنية ومستحقات متأخرة وملغاة للعاملين وإجراءات تتعلق بقضايا بينه وبين الصحفيين.

وفي القضية رقم 1084 لسنة 2026 جنح قصر النيل، أحيل تسعة صحفيين من البوابة نيوز إلى جانب عضوي مجلس نقابة الصحفيين إيمان عوف ومحمود كامل للمحاكمة على خلفية بلاغ قدمته إدارة المؤسسة (عبدالرحيم  وابنته داليا) يتضمن اتهامات بالسب والقذف والتظاهر دون ترخيص.

لكن التطور الأهم جاء لاحقًا؛ إذ قضت محكمة جنح قصر النيل في 19 أبريل 2026 ببراءة الصحفيين التسعة وعضوي مجلس النقابة من اتهامات السب والقذف، وفق ما أوردته منصة  “مدى مصر”.

وتظهر في الجدل أيضًا اتهامات قديمة حول علاقة عبد الرحيم علي بالإمارات، وبخاصة نشاط مركز دراسات الشرق الأوسط في باريس.

وكانت صحيفة «الوطن» القطرية قد نشرت عام 2018 تقريرًا اتهم المركز بالعمل ضمن شبكة نفوذ إماراتية، ونقلت عن صحفيين فرنسيين ومصريين اتهامات تتعلق بتمويل إماراتي ونشاط موجه ضد خصوم أبوظبي.

عودة عبد الرحيم علي إلى الواجهة عبر قضية «متصدقش» أعادت إلى الذاكرة مرحلة كاملة من الإعلام المصري الذي اختلطت فيه الصحافة بالأمن والسياسة، وبرز فيه نموذج الصحفي الذي يقدم نفسه باعتباره مخبرا أمنيا لا صحفيا، كاشفًا لبديهيات المعارضة، في مقابل نموذج الصحفي الذي يرى أن مهمته الأساسية هي مساءلة السلطة وتدقيق روايتها.

*31 لجنة رقابة شرعية بالبنوك المصرية في قبضة أسماء محدودة.. مناصب بالجملة ومكافآت بلا إفصاح

تثير خريطة لجان الرقابة الشرعية في البنوك وشركات التمويل والتأمين الإسلامية بمصر أسئلة واسعة حول تركز العضوية في عدد محدود من الأسماء، بعدما جمع بعض المشايخ بين عشرات المناصب الدينية والعامة وعضوية أو رئاسة عدة لجان في الوقت نفسه.

ويتصدر علي جمعة المشهد برئاسة أو نيابة رئاسة 11 لجنة رقابة شرعية، يليه مجدي عاشور بثماني لجان، بينما يشغل نصر فريد واصل وعباس شومان ومحمد البلتاجي عضوية أو رئاسة ست لجان لكل منهم، وفق الحصر الوارد في المادة.

وتكشف الأرقام عن تركز واضح في سوق يفترض أنه يقوم على خبرات متنوعة في الفقه والمعاملات المالية، بينما يظهر نفس عدد محدود من الأسماء في البنوك وشركات التأمين التكافلي وشركات التمويل غير المصرفي والجهات الرقابية. 

ولا تقف القضية عند تعدد العضويات، بل تمتد إلى غياب الإفصاح عن قيمة المكافآت وبدلات الحضور والانتقال التي يحصل عليها أعضاء هذه اللجان، رغم خضوع عدد من البنوك المدرجة في البورصة لمتطلبات الحوكمة والإفصاح.

أسماء محدودة تسيطر على اللجان

شمل الحصر الذي أجراه الخبير الاقتصادي ممدوح الولي 31 لجنة رقابة شرعية، بينها 12 لجنة في البنوك، وثماني لجان داخل شركات التأمين التكافلي، وتسع لجان في شركات التمويل غير المصرفي، إلى جانب لجنة في البورصة وأخرى مركزية بهيئة الرقابة المالية.

وتتكون معظم هذه اللجان من ثلاثة أعضاء، بينما تسمح القواعد بأن يتراوح عدد الأعضاء بين ثلاثة وخمسة، وتصل عضوية اللجنة المركزية إلى سبعة أعضاء، مع مدة عضوية ثلاث سنوات دون حد واضح لمرات التجديد.

وفي مقدمة الأسماء يظهر علي جمعة، الذي يجمع إلى جانب عضويته في مؤسسات دينية ومجتمعية متعددة رئاسة لجان الرقابة الشرعية في المصرف المتحد وبنك الكويت الوطني مصر وبنك نكست وعدد من شركات التأمين والتمويل.

كما يشغل منصب نائب رئيس لجنة الرقابة في بنك فيصل الإسلامي وشركات تأمين تكافلي أخرى، إضافة إلى عضوية اللجنة الشرعية المركزية بهيئة الرقابة المالية، ما يضعه في قلب شبكة واسعة من المؤسسات المالية المختلفة.

أما مجدي عاشور فيجمع بين رئاسة لجنة الرقابة في بنك مصر كنانة وعضوية لجان في المصرف المتحد وبنك الكويت الوطني مصر وعدد من شركات التأمين والتمويل والخدمات المالية.

ويظهر عباس شومان كذلك في رئاسة ثلاث لجان رقابة شرعية ببنوك المصري الخليجي وسايب وقناة السويس، إلى جانب شركتي بكره وتساهيل، وعضوية اللجنة المركزية بهيئة الرقابة المالية.

كما يرأس نصر فريد واصل لجان الرقابة في بنك فيصل الإسلامي وعدد من شركات التأمين التكافلي، بالإضافة إلى رئاسة اللجنة الشرعية المركزية بهيئة الرقابة المالية ونيابة رئاسة لجنة أخرى.

ويمتد المشهد إلى عمرو الورداني وسعد الدين الهلالي ومحمد نجيب عوضين وأسامة العبد وشوقي علام وخالد الجندي وأسامة الأزهري، وجميعهم يجمعون بدرجات مختلفة بين مناصب دينية أو عامة وعضويات بلجان رقابة شرعية.

وتفتح هذه الخريطة بابًا واضحًا للسؤال عن سبب تركز هذا العدد الكبير من اللجان في دائرة محدودة من الأسماء، وما إذا كانت السوق تخلو فعلًا من خبرات أخرى تستطيع القيام بهذه المهام.

مكافآت غائبة عن الإفصاح

ولا تتوقف الأسئلة عند توزيع المناصب، بل تصبح أكثر حساسية عند الانتقال إلى الأموال التي يحصل عليها أعضاء هذه اللجان، إذ يشير الولي إلى غياب بيانات واضحة بشأن المكافآت السنوية وبدلات الحضور والانتقال.

ورغم أن ستة بنوك لديها لجان رقابة شرعية مقيدة في البورصة، ولا يفترض أن تكون معايير الحوكمة والإفصاح غريبة عنها، فإن المعلومات المتعلقة بما يحصل عليه أعضاء اللجان لا تظهر بصورة تفصيلية.

ويقدم ممدوح الولي مقارنة مع مجموعة البركة المصرفية في البحرين، التي أفصحت عن حصول أعضاء لجنة الرقابة الشرعية الخمسة لديها على نحو 268 ألف دولار خلال عام واحد، بما يعادل أكثر من 13 مليون جنيه مصري.

وفي المقابل، لا تظهر في مصر بيانات مماثلة تحدد بصورة واضحة ما يتقاضاه كل عضو في لجان الرقابة الشرعية بالبنوك وشركات التأمين والتمويل.

وتزداد علامات الاستفهام مع الأرقام المعلنة لمكافآت مجالس إدارات بعض البنوك، إذ بلغت مكافآت أعضاء مجلس إدارة بنك فيصل الإسلامي الاثني عشر نحو 60 مليون جنيه، بمتوسط خمسة ملايين جنيه للعضو.

كما بلغت مكافآت تسعة أعضاء بمجلس إدارة بنك البركة نحو 76.5 مليون جنيه، بمتوسط 8.5 مليون جنيه للعضو، إلى جانب بدلات حضور وانتقال، بينما ظلت أرقام لجان الرقابة الشرعية نفسها بعيدة عن الإفصاح التفصيلي.

وحتى هيئة الرقابة المالية كانت قد حددت في 2019 بدل الجلسة الواحدة للجنة المركزية بخمسة آلاف جنيه للعضو، إلى جانب مكافأة سنوية، دون أن تتضح في المادة قيمة تلك المكافأة أو قيمة البدل الحالية.

وهنا يصبح السؤال عن الشفافية مشروعًا بصورة أكبر: إذا كانت لجان الرقابة الشرعية جزءًا من منظومة الحوكمة، فكيف تبقى تكلفة هذه اللجان ومكافآتها وبدلاتها بعيدة عن معرفة العملاء والمساهمين والرأي العام؟ 

رقابة شرعية أم إبداء رأي؟

ويفتح توزيع المناصب والأموال بابًا أكثر أهمية يتعلق بجدوى لجان الرقابة نفسها، خصوصًا مع توسع البنوك الإسلامية في الاستثمار بأدوات مالية ثابتة العائد مثل أذون وسندات الخزانة.

ففي بنك فيصل الإسلامي، بلغت قيمة أذون الخزانة نحو 55.3 مليار جنيه وأدوات الدين الأخرى 81.9 مليارًا، ليصل الاستثمار في أدوات الدخل الثابت إلى نحو 137 مليار جنيه.

ويمثل ذلك، وفق البيانات الواردة بالمادة، نحو 52% من إجمالي أصول البنك البالغة 264 مليار جنيه، مقابل 15.5 مليار جنيه فقط في المشاركات والمرابحات والمضاربات، أي نحو 5.9% من الأصول.

وبذلك أصبح حجم استثمار البنك في أدوات الدخل الثابت يقارب عشرة أضعاف ما ضخه في صيغ التمويل والمشاركة التي ترتبط تقليديًا بنموذج التمويل الإسلامي.

كما بلغت أذون وسندات الخزانة لدى مصرف أبوظبي الإسلامي مصر نحو 92.4 مليار جنيه، تمثل قرابة 27% من إجمالي الأصول، بحسب الأرقام الواردة في المادة.

والأكثر دلالة أن تقرير لجنة الرقابة الشرعية بالمصرف أشار إلى استمرار البحث مع الجهات المسؤولة عن بدائل شرعية متكاملة للأدوات المالية المتعلقة بالخزانة وإدارة السيولة.

وتؤكد تقارير لجان الرقابة نفسها أن مسؤوليتها تنحصر في إبداء الرأي الشرعي حول مدى التزام المصرف بأحكام ومبادئ الشريعة، بينما تقع مسؤولية التنفيذ الفعلي للعمليات على الإدارة التنفيذية للبنك. 

وهنا تظهر المفارقة الأساسية؛ فالمؤسسة تحمل وصفًا إسلاميًا، ولديها لجنة رقابة شرعية تضم أسماء دينية بارزة، لكن المسؤولية التنفيذية عن التطبيق تبقى في النهاية بعيدة عن اللجنة نفسها.

كما تطرح قائمة الخبراء المؤهلين لدى هيئة الرقابة المالية تساؤلًا إضافيًا، إذ تضم 48 خبيرًا، بينما تتركز العضويات الفعلية في مجموعة محدودة من الأسماء بصورة متكررة.

ويشير ممدوح الولي إلى أن بعض الأسماء الموجودة فعليًا في لجان الرقابة لا تنطبق عليها، وفق ما توصل إليه معد التقرير، جميع الشروط الأكاديمية المعلنة للانضمام إلى قائمة الخبراء، خصوصًا شرط الدكتوراه والأبحاث المتخصصة.

وبذلك تصبح القضية أكبر من مجرد أسماء مشايخ تتكرر بين البنوك والشركات، لأنها تمس قواعد الاختيار والشفافية والإفصاح ومدى استقلال هذه اللجان وقدرتها الحقيقية على التأثير في القرارات المالية.

وفي النهاية، تظل لجان الرقابة الشرعية مطالبة بإجابات واضحة عن ثلاثة أسئلة: لماذا تتركز عشرات العضويات في عدد محدود من الأشخاص؟ كم يتقاضى كل عضو؟ وما القيمة الفعلية للرقابة إذا كانت مسؤولية التنفيذ تقع بالكامل على الإدارة؟

فوجود أسماء دينية بارزة على رأس اللجان لا يكفي وحده لإثبات فعالية الرقابة، بينما تصبح الشفافية في الاختيار والمكافآت والقرارات ضرورة أساسية إذا كانت هذه المؤسسات تريد إقناع عملائها بأن الرقابة الشرعية أكثر من مجرد منصب إضافي.

*أين أرقام الفقر؟.. الحكومة تؤخر بحث الدخل والإنفاق 6 أشهر بعد وعدٍ بنشره خلال أسبوع

تواجه الحكومة أزمة جديدة في ملف الشفافية بعد استمرار عدم إعلان نتائج بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك لعام 2023/2024، رغم مرور أشهر على الموعد الذي تعهدت خلاله بإتاحة البيانات التي تكشف الصورة الحقيقية لدخول المصريين وإنفاقهم ومستويات معيشتهم.

ويضع استمرار غياب النتائج الحكومة أمام سؤال مباشر: لماذا تتأخر أهم خريطة إحصائية للفقر ومستويات المعيشة في وقت تحمل فيه المواطن موجات متتالية من ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، بينما يفترض أن تكشف هذه البيانات بدقة من أصبح أفقر ومن تضرر أكثر؟

وتزداد الأزمة وضوحًا بعدما تعهدت الحكومة أمام اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب في أبريل الماضي بإتاحة النتائج خلال أسبوع واحد، قبل أن تمر نحو ستة أشهر من دون تنفيذ التعهد، لتتحول مهلة الأيام السبعة إلى شهور من الانتظار والأسئلة بلا إجابات.

كما لم يعد الأمر خلافًا فنيًا حول موعد إصدار دراسة إحصائية، لأن البحث يمثل أحد أهم الأدوات التي تكشف واقع دخل الأسر وإنفاقها ومعدلات الفقر، وتستخدم نتائجه في تقييم سياسات الدعم والحماية الاجتماعية وقياس الأثر الفعلي للأزمات الاقتصادية على المواطنين.

وعد أسبوع يتحول إلى ستة أشهر

تقدم النائب حسام حسن، المتحدث الرسمي باسم حزب العدل وعضو مجلس النواب، بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، مطالبًا بالكشف عن أسباب استمرار عدم نشر النتائج رغم التعهدات السابقة.

ووصف النائب ما يحدث بالمماطلة الحكومية، مشيرًا إلى أن السلطة التنفيذية كانت قد وعدت بإتاحة المؤشرات خلال العام الماضي، قبل أن يتكرر الوعد بصورة أكثر تحديدًا أمام اللجنة الاقتصادية في أبريل 2026.

ومنحت اللجنة وقتها الوزارة مهلة أسبوع واحد لإتاحة البيانات، إلا أن الأسبوع انتهى وتبعه شهر ثم آخر حتى دخل التأخير شهره السادس، بينما ظلت النتائج بعيدة عن المواطنين والباحثين والبرلمان.

ولم يكن تحرك حسام حسن الأول من نوعه، إذ سبقته أدوات رقابية أخرى قدمتها النائبتان سحر عتمان وأميرة العادلي، في مؤشر على أن أزمة البحث لم تعد ملاحظة عابرة وإنما ملفًا برلمانيًا يتكرر دون حسم.

واستندت التحركات البرلمانية إلى المادة 68 من الدستور التي تعتبر المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملكًا للشعب، وهو ما يجعل السؤال عن استمرار حجب نتائج بحث بهذا الحجم أكبر من مجرد خلاف حول جدول نشر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

فإذا كانت البيانات الرسمية ملكًا للمواطن، يصبح من الصعب تفسير إبقاء المؤشرات التي ترسم خريطة الفقر والدخل والإنفاق بعيدة عن المجال العام طوال هذه المدة، خصوصًا مع تكرار التعهد بإعلانها.

الحكومة بلا أرقام فقر محدثة

وتكمن خطورة بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك في أنه ليس تقريرًا إحصائيًا يمكن تأجيله دون نتائج، بل يمثل أداة أساسية لفهم التحولات التي حدثت في حياة ملايين الأسر المصرية.

ويقيس البحث مستويات الدخل والإنفاق وأنماط الاستهلاك والظروف المعيشية، ومن خلال نتائجه يمكن تحديد معدلات الفقر وتوزيعها جغرافيًا واجتماعيًا ومعرفة الفئات التي فقدت جزءًا أكبر من قدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية.

كما تعتمد برامج الحماية الاجتماعية على بيانات من هذا النوع لتحديد المستحقين وتوجيه الموارد، وهو ما يجعل العمل بخرائط قديمة للفقر مخاطرة حقيقية عندما تتغير الأسعار والدخول والأوضاع الاقتصادية بهذه السرعة.

ويصبح السؤال أكثر إلحاحًا مع برامج مثل «تكافل وكرامة» و«حياة كريمة»، لأن تقييم قدرتها على الوصول إلى الأكثر احتياجًا يحتاج إلى معرفة حديثة بمن أصبح فقيرًا ومن خرج من دائرة الفقر ومن انضمت أسرته إليها بعد موجات الغلاء.

كما تستخدم بيانات البحث في بناء أوزان الرقم القياسي لأسعار المستهلكين، وهو المؤشر الذي يقاس من خلاله التضخم، بما يعني أن قيمة البحث تمتد من سياسات الدعم إلى قراءة حركة الأسعار نفسها.

وبالتالي فإن غياب نشر النتائج يحرم الباحثين والخبراء والرأي العام من أداة أساسية لاختبار الخطاب الحكومي عن تحسن المؤشرات الاقتصادية مقابل ما تشعر به الأسر فعليًا داخل بيوتها وأسواقها. 

الغلاء موجود والأرقام غائبة

وتأتي الأزمة في توقيت تحمل فيه المواطن المصري تغيرات واسعة في الأسعار وتكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات، ما يجعل الحاجة إلى قياس أثر هذه التحولات على مستويات المعيشة أكبر من أي وقت مضى.

ولا تكشف المؤشرات الكلية وحدها هذه الصورة، لأن الحديث عن النمو والاستثمارات والاحتياطيات لا يجيب عن سؤال بسيط يتعلق بما تبقى في جيب الأسرة بعد شراء الطعام ودفع الإيجار وفواتير الكهرباء والمواصلات.

وهنا تكمن أهمية بحث الدخل والإنفاق؛ فهو ينقل النقاش من الأرقام العامة إلى تفاصيل حياة الأسرة، ويكشف ما تنفقه على الطعام والصحة والتعليم والسكن، ومدى قدرة دخلها على تغطية هذه الاحتياجات. 

كما يسمح بمقارنة أوضاع الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل عبر السنوات، وتحديد مدى تأثير موجات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة على تركيب المجتمع ومستوى الرفاه أو الحرمان داخله.

ومن دون هذه البيانات، يصبح النقاش بشأن الفقر معتمدًا بصورة أكبر على تقديرات قديمة أو مؤشرات جزئية، بينما يفترض أن تكون الحكومة نفسها أول جهة حريصة على إعلان أحدث الأرقام إذا كانت تريد تقييم نتائج سياساتها بصورة علمية.

أما استمرار التأخير، فيفتح المجال أمام منتقدين للتساؤل عما إذا كانت النتائج تحمل مؤشرات اجتماعية شديدة الحساسية لا تريد الحكومة نشرها في الوقت الراهن، وهو تساؤل لا يمكن حسمه دون إعلان البيانات نفسها.

هل انتهى البحث وبقي قرار النشر؟

وتزداد علامات الاستفهام مع ما يتردد بشأن انتهاء الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من إعداد نتائج البحث بالفعل، بينما يبقى إصدارها النهائي مرتبطًا بموافقة حكومية على النشر.

ولا توجد في المادة المطروحة وثيقة رسمية تحسم هذه المعلومة، لكن استمرار المطالبات البرلمانية بالكشف عن موقف البحث يجعل الحكومة مطالبة بتوضيح ما إذا كان التأخير فنيًا أم إداريًا أم مرتبطًا بقرار سياسي بشأن توقيت الإعلان.

فإذا لم يكن البحث قد اكتمل، فمن حق الرأي العام معرفة أسباب التأخير وجدول الانتهاء منه، وإذا كان مكتملًا بالفعل، تصبح الحاجة أكبر إلى تفسير سبب عدم نشر أرقامه حتى الآن.

ولا يكفي هنا الحديث عن إجراءات داخلية، لأن البيانات تتعلق بمعدلات الفقر والدخل والإنفاق لمجتمع كامل، وتأخيرها يؤثر في قدرة البرلمان والباحثين والمؤسسات المستقلة على تقييم أداء الحكومة نفسها.

كما أن استمرار الغموض يضرب أحد أهم شروط العمل الإحصائي، وهو استقلال البيانات وصدورها وفق مواعيد معلومة بعيدًا عن الحسابات المتعلقة بما إذا كانت نتائجها مريحة للسلطة التنفيذية أم محرجة لها. 

الموازنة بلا خريطة اجتماعية حديثة

ولا تتوقف آثار غياب البيانات عند البحث الأكاديمي، إذ تحتاج الموازنات والسياسات الاجتماعية إلى معرفة دقيقة بتوزيع الدخل والفقر حتى يمكن تحديد الأولويات وتوجيه الإنفاق إلى الفئات والمناطق الأكثر احتياجًا.

فكل جنيه تخصصه الدولة للدعم أو برامج الحماية الاجتماعية يحتاج إلى قاعدة معلومات تحدد المستفيدين المستهدفين، وإلا تحولت السياسة الاجتماعية إلى قرارات تتحرك ببيانات متأخرة عن واقع المواطنين.

كما أن تغير مستويات الأسعار خلال السنوات الأخيرة يعني أن خط الفقر نفسه يحتاج إلى تحديث يعكس التكلفة الفعلية للمعيشة، وليس واقعًا اقتصاديًا مضى عليه سنوات.

ومن هنا يصبح عدم نشر البحث عائقًا أمام تقييم ما إذا كانت مخصصات الحماية الاجتماعية الحالية تتناسب أصلًا مع حجم الفئات المحتاجة، أو أن موجات الغلاء دفعت أعدادًا جديدة إلى مستويات معيشة لم تعد تغطي احتياجاتها الأساسية.

ويضع ذلك الحكومة أمام مفارقة واضحة؛ فهي تطلب تقييم برامجها الاقتصادية والاجتماعية وفق مؤشرات الأداء، بينما تؤخر المؤشر الأهم الذي يسمح للناس والبرلمان بتقييم الأثر الحقيقي لهذه البرامج على الأسر.

الشفافية لا تعمل بالوعود

وتحذر الانتقادات البرلمانية من أن استمرار تأخير البيانات لا يغير واقع الفقر ولا يخفض الأسعار، وإنما يمنع فقط رؤية الصورة كاملة ويضعف قدرة المجتمع على مناقشة السياسات على أساس معلومات حديثة.

كما أن تكرار الوعود ثم عدم تنفيذها يضيف أزمة ثقة إلى أزمة البيانات، لأن الحكومة لم تعد مطالبة فقط بنشر البحث، وإنما بتفسير لماذا وعدت بإعلانه خلال أسبوع ثم تركت المهلة تتحول إلى ستة أشهر.

وتصبح القضية أكثر حساسية مع اعتماد مصر على مؤسسات تمويل دولية وبرامج إصلاح اقتصادي تحتاج في تقييماتها إلى بيانات يمكن الاعتماد عليها، فيما يمثل انتظام النشر وحرية الوصول إلى المعلومات جزءًا أساسيًا من مصداقية العمل الإحصائي.

ولا تستطيع أي حكومة أن تطلب من المواطن تصديق خطابها عن تحسن الأوضاع المعيشية بينما تظل أحدث البيانات القادرة على قياس هذا التحسن أو نفيه بعيدة عن النشر.

وفي النهاية، فإن بحث الدخل والإنفاق لا يمثل أرقامًا يمكن إخفاؤها في أدراج المؤسسات دون أثر؛ فهو المرآة التي تكشف كم يكسب المصري وكم ينفق وكم تبقى له بعد سنوات من ارتفاع الأسعار.

وبعد ستة أشهر من وعد حكومي بنشر النتائج خلال أسبوع، يصبح السؤال أكثر مباشرة من أي وقت مضى: أين أرقام الفقر؟ ولماذا لا يستطيع المواطن الاطلاع على البيانات التي تحدد حقيقة مستوى معيشته بينما تُبنى باسمه سياسات الدعم والموازنة والإصلاح الاقتصادي؟

*الدولار يقترب من 53 جنيهًا وارتفاع تكلفة الاقتراض تعصف بالجنيه

يواصل الدولار الأميركي صعوده أمام الجنيه للأسبوع الثاني على التوالي، مقتربًا بقوة من حاجز 53 جنيهًا، لتعود أزمة سعر الصرف إلى الواجهة مجددًا، بينما تتحمل الأسواق والمواطنون تبعات كل موجة هبوط جديدة للعملة المحلية في صورة زيادات متتالية بالأسعار وتراجع مستمر للقوة الشرائية.

ويضع هذا الصعود سياسة الاعتماد على تدفقات الأموال الساخنة تحت اختبار قاسٍ، بعدما أصبحت حركة الجنيه شديدة الحساسية لدخول وخروج استثمارات أجنبية تبحث عن العائد المرتفع والسريع، بما يجعل استقرار العملة مرتبطًا بأموال تستطيع مغادرة السوق بالسرعة نفسها التي دخلت بها.

الدولار يواصل الضغط على الجنيه

فقد سجل الدولار أعلى سعر داخل القطاع المصرفي في بنكي «سايب» و«إتش إس بي سي»، عند 52.35 جنيه للشراء و52.45 جنيه للبيع، وهو مستوى يضع العملة الأميركية على مسافة محدودة للغاية من حاجز 53 جنيهًا الذي أصبح أقرب مع استمرار موجة الصعود الحالية.

وفي المقابل، سجل أقل سعر للدولار لدى كريدي أغريكول 52.14 جنيه للشراء و52.24 جنيه للبيع، ما يعكس استمرار التفاوت بين البنوك، لكنه لا يغير الاتجاه العام الذي تتحرك فيه العملة المحلية نحو مزيد من التراجع أمام الدولار.

كما بلغ سعر الدولار 52.34 جنيه للشراء و52.44 جنيه للبيع في بنك الإسكندرية والمصرف العربي وفيصل الإسلامي وبيت التمويل الكويتي وأبوظبي الإسلامي، بينما سجل في البنك الأهلي المصري وقطر الوطني 52.33 جنيه للشراء و52.43 جنيه للبيع.

ووصل السعر في بنك مصر إلى 52.28 جنيه للشراء و52.38 جنيه للبيع، بينما سجل لدى البنك المركزي المصري 52.22 جنيه للشراء و52.36 جنيه للبيع، وهي مستويات تؤكد أن صعود الدولار لم يعد تحركًا محدودًا في عدد من البنوك، بل اتجاهًا واسعًا داخل السوق المصرفية.

ومع كل ارتفاع جديد للدولار، تتزايد المخاوف من انتقال أثر تراجع الجنيه إلى تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والنقل والخدمات، ليجد المواطن نفسه أمام فاتورة جديدة يدفعها من دخله، بينما تظل قدرته الشرائية عاجزة عن ملاحقة موجات الغلاء المتلاحقة. 

الأموال الساخنة تتحكم في المشهد

وفي السوق الثانوية للدين الحكومي، سجلت تعاملات العرب والأجانب صافي بيع بقيمة 361 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، بعدما كان شهر سبتمبر قد شهد صافي شراء إجماليًا بلغ 702 مليون دولار، في تحول سريع يوضح حجم التقلب الذي يمكن أن تشهده هذه التدفقات خلال فترة قصيرة.

وسجل المستثمرون العرب خلال سبتمبر صافي شراء بقيمة 1.528 مليار دولار، بينما سجل الأجانب صافي بيع بلغ 826.5 مليون دولار، لتظهر الأرقام كيف يمكن لمئات الملايين من الدولارات أن تغير اتجاهها سريعًا داخل السوق، بين دخول بحثًا عن العائد وخروج عند تغير الحسابات الاستثمارية.

غير أن الخطورة لا تقف عند حركة الأموال وحدها، بل تمتد إلى ربط جانب من استقرار سوق الصرف بتدفقات بطبيعتها قصيرة الأجل، فلا تمثل استثمارات إنتاجية تبني مصانع أو توسع قدرة الاقتصاد على التصدير، وإنما تتحرك بصورة أساسية داخل أدوات الدين بحثًا عن العائد.

وبالتالي يصبح الجنيه أكثر عرضة للاهتزاز عند خروج تلك الأموال أو تراجع شهية المستثمرين للأدوات المحلية، بينما تبقى فاتورة الفوائد المرتفعة وأعباء الدين قائمة، في نموذج يراهن على جذب السيولة السريعة بدل معالجة جذور أزمة العملة وزيادة موارد النقد الأجنبي المستدامة.

ولا تمنح التدفقات المؤقتة ضمانًا حقيقيًا لاستقرار طويل الأجل، لأن المستثمر الذي يدخل للاستفادة من عائد مرتفع يستطيع إعادة أمواله إلى الخارج عند تغير الظروف، بينما يظل الاقتصاد المحلي هو الطرف الذي يتحمل أثر التذبذب في سعر الصرف وارتفاع تكلفة الاقتراض.

الطريق مفتوح لمزيد من التراجع

وتصبح الصورة أكثر قسوة مع التوقعات المستقبلية لسعر الدولار، بعدما رجحت وكالة «ستاندرد آند بورز» وصول العملة الأميركية إلى 55 جنيهًا بنهاية العام المالي الحالي، ثم ارتفاعها إلى 60 جنيهًا بنهاية العام المالي المقبل.

كما توقعت الوكالة أن يصل الدولار إلى 63 جنيهًا بحلول يونيو 2028، ثم إلى 66 جنيهًا في يونيو 2029، وهي مستويات إذا تحققت ستعني استمرار تآكل قيمة الجنيه خلال السنوات المقبلة بدل الحديث عن استعادة مستدامة لقوته.

ولا تمثل هذه الأرقام مجرد توقعات معزولة عن حياة المصريين، لأن كل انخفاض في قيمة الجنيه يضغط على أسعار الغذاء والدواء والطاقة ومدخلات الصناعة والسلع المستوردة، ويقلص القيمة الحقيقية للرواتب والمدخرات، ويجعل الأسرة تدفع ثمن أزمة لا تملك أدوات التحكم فيها.

وفي الوقت نفسه، تواصل السلطات الالتزام بسياسة سعر الصرف المرن ضمن برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي، بعدما أصبحت حركة سوق الصرف منذ مارس 2024 مرتبطة بدرجة أكبر بآليات العرض والطلب، وهو ما يعني عمليًا أن الجنيه يظل مفتوحًا أمام تحركات السوق وضغوط النقد الأجنبي. 

أما الحديث عن أن مرونة سعر الصرف تدعم القدرة التنافسية وتعافي النشاط الاقتصادي، فيصطدم على الأرض بسؤال أكثر إلحاحًا بالنسبة للمواطن: ما قيمة أي مؤشرات تحسن إذا ظل دخله يفقد جزءًا من قيمته كلما قفز الدولار، وإذا تحولت فاتورة الإصلاح إلى زيادات متواصلة يتحملها المستهلك؟

وبين دولار يقترب من 53 جنيهًا وتوقعات بمزيد من الارتفاع خلال السنوات المقبلة، تبدو أزمة الجنيه أبعد من أن تكون مجرد حركة طبيعية في سوق الصرف، بل نتيجة مسار اقتصادي جعل العملة المحلية تحت ضغط مستمر، وربط استقرارها بتدفقات مالية سريعة لا تملك الدولة ضمان بقائها.

وهكذا يبقى المواطن الحلقة الأضعف في المعادلة؛ فالأموال الساخنة تدخل وتخرج، والمستثمر يبحث عن أعلى عائد، والدولار يواصل الصعود، بينما يدفع المصري ثمن كل موجة جديدة من جيبه، في سوق لا تنتظر ارتفاع راتبه قبل أن تعيد تسعير الغذاء والدواء والخدمات على واقع جنيه يزداد ضعفًا.

 

عن Admin