أخبار عاجلة

السيسي والجامعات الأهلية حين تتحول أزمة التعليم إلى فرصة لتحصيل المزيد من الأموال.. الاثنين 10 أغسطس 2026.. مجلس النواب يقر 162 قانونًا وسط انتقادات بتمرير حكومي شبه كامل ودون تعديلات

السيسي والجامعات الأهلية حين تتحول أزمة التعليم إلى فرصة لتحصيل المزيد من الأموال.. الاثنين 10 أغسطس 2026.. مجلس النواب يقر 162 قانونًا وسط انتقادات بتمرير حكومي شبه كامل ودون تعديلات

شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري

* معتصم العجيزي.. اعتقلوا والده واغتالوا شبابه

معتصم أحمد العجيزي ناشط سياسي وقيادي شبابي سابق، وُلد في 14 نوفمبر 1989 بقرية محلة أبو علي في محافظة الغربية، وكان شابًّا طموحًا يحظى بمحبة واحترام كل من عرفه.

تخرج في كلية العلوم بجامعة المنصورة، حيث كان أول رئيس منتخب لاتحاد طلاب جامعة المنصورة بعد ثورة يناير.
عمل مندوبًا للمبيعات الطبية يعيش حياة مدنية طبيعية وشفافة بعيدة عن أي عنف ولم يكن يومًا مطلوبًا لأي جهة أمنية، لكن حياة هذا الشاب النبيل تغيرت بعدما اعتقل النظام والده وحكم عليه بالسجن لـ 15 عامًا ليجد نفسه مسؤولًا عن أسرته ومهمومًا بقضايا المظلومين.

انضم معتصم إلى لجنة رعاية أسر الشهداء والمعتقلين ليقدم الدعم المالي والنفسي والقانوني للأيتام والعائلات المكلومة التي تركها النظام فريسة للجوع والضياع.

تصفية العجيزي 

في نهار الأول من يوليو عام ،2015 توجه معتصم إلى مدينة السادس من أكتوبر لحضور اجتماع تنسيقي لتوزيع المساعدات على أيتام المعتقلين حيث داهمت قوات الأمن المكان واعتقلته حيًّا مع رفاقه.

وبحسب مؤسسة “جوار” الحقوية، فقد تكشفت تفاصيل الجريمة البشعة لاحقًا حين تبين أن هذا الشاب الذي لم يتجاوز الـ 25 من عمره تعرض لتعذيب وحشي وتكسير لعظامه قبل أن يتم إعدامه ميدانيًّا بخمس رصاصات غادرة في بطنه.

مضت السلطة في بطشها وسرقت سيارته ومتعلقاته الشخصية وهددت أسرته المكلومة حين طالبت بحقها، لتبقى دماء معتصم شاهدة على أبشع عمليات القتل خارج إطار القانون ونموذجًا حيًّا لغدر النظام بالشباب الأنقياء.

وزعمت وزارة الداخلية حينها أنه قُتل في تبادل لإطلاق النار، على غير الحقيقة وما أفادت به أسرته ومنظمات حقوقية من أنه تمت تصفيتهم جسديًا بعد اعتقالهم.

*”المحاضر المجمعة” تدوير 24 معتقلا بلا نهاية.. واعتقال القاص والمخرج طلال سيف

أمام بوابات السجون وأروقة النيابات، تتجدد الفصول تلو الفصول في مأساةٍ باتت تُعرف في القاموس المصري الحديث بـ “التدوير”. وتتجسد هذه المأساة بوضوح فج في كشوف ما يُعرف بـ “المحاضر المجمعة”، حيث تتحول أروقة نيابة الزقازيق الكلية ومركزي شرطة “بلبيس” و”أبو حماد” إلى مسارح لإعادة إنتاج الاعتقال وإطالة أمد الحبس بلا سقف زمني.

وتعتبر سلطات الانقلاب المعتقلين أكبر من كونهم مجرد شخص قضى عقوبته أو نال قرارًا بإخلاء سبيله، بل هو أسيرٌ مُعاقب لمجرد أنه ولد في وطنٍ يخشى العقل والفكر. فبينما تستمر أجهزة الدولة بماكينة القمع في حصد الأحرار، ليجد المعتقل نفسه -بعد سنوات العذاب- وقد أُعيد تدويره على ذمة محاضر مجمعة جديدة وكأن شيئًا لم يكن، في إهدار صارخ لكل معاني القانون والعدالة.

وفي المحضر المجمع رقم 212 (مركز شرطة بلبيس) جرى التحقيق مع معتقلين وإيداعهما مركز الشرطة بحبس احتياطي مدته 15 يوماً، وهما حسام خالد عبد الرءوف أحمد الجلودي (بلبيس – تدوير من المحضر المجمع 145). وعمار عزت (منيا القمح).

أما في المحضر المجمع رقم 211 (مركز شرطة أبو حماد) فالمأساة تتسع دائرتها لتضم 12 معتقلاً جرى تجديد حبسهم 15 يوماً، وهم:

محمود عبدالنبي عبدالعظيم المصري / محمود المصري (أبو حماد – تدوير 125).

لطفي محمود عبداللطيف (فاقوس – تدوير 155).

أنس محمود أبو ستة (منيا القمح).

عبد الله محمد الشامي (منيا القمح).

حسن جمال سيد أيوب (بلبيس – تدوير 145).

محمد أحمد محمد علي العزاوي (ههيا – تدوير 125).

عبد الوهاب محمود محمد (ههيا – تدوير 145).

عمر محمد عبدالواحد عبدالمجيد (ههيا – تدوير 145).

عمر سمير بدوي (ديرب نجم – تدوير 125).

عبد المنعم هلال (منيا القمح – تدوير 125).

محمد شاهين الديداموني (أبو كبير – تدوير 125).

وفي المحضر المجمع رقم 210 (مركز شرطة بلبيس) حلقة أخرى من مسلسل التنكيل، ضمت 10 معتقلين قررت النيابة حبسهم 15 يوماً، وهم:

محمد سعيد محمد وهبة (بلبيس – تدوير 152).

محمد جابر فؤاد (تدوير 152).

أحمد سعد السيد صديق (فاقوس – تدوير 152).

مدحت علي عبدالفتاح (أبو حماد – تدوير 152).

محمد عبدالحميد (الزقازيق – تدوير 152).

السيد حسونة (أبو حماد – تدوير بعد انقضاء حكم 10 سنوات كاملة!).

عبدالسلام عبدالعال عبدالحميد (فاقوس – تدوير 152).

محمد عبده عبدالفتاح الجندي (الزقازيق – تدوير 152).

السيد يسري (منيا القمح).

أحمد إدريس.

اعتقال طلال سيف

ولأن القمع لا يقتصر على السياسيين، بل يمتد ليطال الفكر والكلمة، جاء نبأ اعتقال الكاتب والإعلامي البارز الأستاذ طلال سيف وإيداعه الحبس في “سجن العاشر من رمضان” (حسبما نقل صديقه الدكتور ممدوح حمزة)، ليفضح هلع السلطة من أي صوت ناقد.

وجاء الاعتقال على خلفية فيديو مصور انتقد فيه بجرأة القيود البيروقراطية السخيفة المفروضة على إرسال الكتب عبر البريد إلى الخارج، لا سيما إن كانت موجهة لشخصيات رفيعة المستوى. ولم يكن طلال سيف مجرد عابر سبيل في مشهد الثقافة المصرية؛ فهو القامة التي صاغت وعي أجيال من خلال إسهاماته الكبيرة، فهو مؤلف كتب “فن الإعداد التلفزيوني”، و”صانع الأفلام.. قراءة في إخراج الفيلم الوثائقي”، و”إعلام العار عورة العقل”، “عن خطاب جماعات الإسلام”، و”الفضائيات العربية.. الطريق إلى الجهل السياسي”، كما انه صاحب المجموعة القصصية “كارتيلا”، ورواية “صالح للجنون”..

وعمل سيف مقدماً للبرامج بالتلفزيون الحكومي، وصانع أفلام وثائقية، وخبيراً للتدريب الإعلامي، وعضو اتحاد كتاب مصر وجماعة أتيليه القاهرة للكتاب والفنانين.

وقال مراقبون إن حبس طلال سيف وتدوير الآلاف، يؤكدان أن النظام لا يكتفي بسلب الحرية، بل يريد تدجين العقل المصري وسحقه بالكامل.

* إدارة «العامرية للغزل» تُغلق المصنع في وجه العمال المُضربين

حرر عدد من عمال شركة مصر العامرية للغزل والنسيج بالإسكندرية، شكاوى في مديرية العمل، ضد قرار الإدارة إيقاف تشغيل المصنع، لأجل غير مسمى، بدعوى إجراء أعمال الصيانة للمعدات، وجرد المخازن، واستكمال متطلبات إنشاء سور خارجي، بالإضافة إلى مراجعة متطلبات الحماية المدنية بالمصنع، ما اعتبره العمال عقابًا لهم على إضرابهم عن العمل، المستمر منذ 13 يومًا، حسبما قال أربعة عمال لـ«مدى مصر». 

كان المئات من عمال الشركة، المملوكة لبنك مصر، أعلنوا الإضراب نهاية الشهر الماضي، احتجاجًا على احتساب العلاوة الخاصة بنسبة 12% من الأجر الأساسي بدلًا من الأجر التأميني.

وأصدرت الإدارة، الجمعة الماضي، منشورًا بإيقاف العمل «على أن يقتصر الحضور على العاملين الذين يتم طلبهم فقط، وذلك للسيطرة على أعمال الجرد الواسعة»، مع «استمرار صرف الرواتب والأجور التي يقرها القانون في مواعيدها المقررة». 

من جانبهم، حاول العمال الذهاب إلى العمل، صباح السبت، عن طريق المواصلات بعد امتناع الشركة عن إرسال الأتوبيسات التي تنقلهم من مناطقهم، لكنهم لم يستطيعوا الوصول إلى المصنع، بعدما منعتهم قوات الشرطة التي تواجدت بكثافة عند المزلقان المؤدي إلى البوابة، ما دفع بعضهم إلى تحرير محاضر إثبات حالة في قسم الشرطة، وتقديم شكاوى في مكتب العمل بشأن المطالب وقرار إغلاق المصنع، فيما قدم عدد آخر من العمال، اليوم، شكاوى بذات المضمون، تخوفًا من أي استقطاعات تطال أجورهم نتيجة الإغلاق، بحسب العمال. 

وعلى مدار أيام الإضراب، حاولت الإدارة واللجنة النقابية إقناع المُضربين بالعودة إلى العمل، لحين النظر في مطالبهم، وهو ما رفضوه، بحسب العمال، مشيرين إلى أن بعضهم تلقى تهديدات ضمنية حال استمرار الإضراب، «اللي جاي مش حلو»، حسبما قال أحدهم لـ«مدى مصر»، نقلًا عن مديره.

وقبل يوم من قرار الإغلاق، كانت الإدارة أصدرت منشورًا آخر قالت فيه إنها «في حالة بحث ودراسة مستمرة عن الحقوق المشروعة للعاملين» لعرضها على الجهات المعنية، مشيرةً إلى أن هذه الحقوق «تُصان بوحدة الصف»، وهو المنشور الذي رفضه المضربون، كونه لم يحدد إجراءً واضحًا أو توقيتًا لتنفيذ مطلبهم، بحسب المصادر. 

وسبق أن أغلقت «العامرية للغزل» المصنع لمدة شهر، في عام 2015، بعد تنفيذ العمال إضرابًا عن العمل، للمطالبة بصرف الحوافز والعلاوات، أسوة بباقي شركات قطاع الغزل والنسيج.

وكان عمال المصنع نظموا إضرابًا عن العمل، في فبراير الماضي، احتجاجًا على استقطاعات من رواتبهم، تمثلت في رفع الضرائب وزيادة المستقطع لصالح التأمينات الاجتماعية. وفي أبريل الماضي، عاد العمال إلى الإضراب، للمطالبة بزيادة الرواتب، ورفع قيمة حافز الإنتاج، وزيادة بدل المخاطر.

*المعارضة الإسرائيلية تتهم نتنياهو بتعريض السلام مع مصر للخطر

تصاعدت تداعيات قضية “قطر غيت” في إسرائيل بعد كشف معلومات عن اشتباه في تسريب ثلاثة من مستشاري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بيانات سرية للدوحة.

وكانت الاسرار تتعلق بانتشار القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء إلى قطر، مقابل تلقيهم أموالا من الدوحة. وأثارت هذه التطورات موجة اتهامات حادة من أحزاب المعارضة التي حذرت من تعريض معاهدة السلام مع مصر للخطر، مطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية لكشف ملابسات القضية.
وقالت قناة “i24news” الإسرائيلية إن تداعيات قضية “قطر غيت” تتواصل في إسرائيل مع ظهور معلومات جديدة حول طبيعة الاتهامات الموجهة إلى عدد من المقربين من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وبحسب صحيفة “يسرائيل هيوم” الإسرائيلية، يُشتبه في أن ثلاثة من مستشاري نتنياهو المقربين نقلوا إلى قطر معلومات حساسة تتعلق بمصر، في وقت كانوا يتلقون، وفقا للشبهات، أموالا من الدوحة.
وأضافت الصحيفة العبرية أن المعلومات التي يُشتبه في تسريبها تضمنت بيانات سرية بشأن انتشار القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء، وهو ملف حساس يرتبط بالتزامات القاهرة بموجب معاهدة السلام مع إسرائيل.
وأشارت إلى أن القضية أثارت مخاوف داخل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من أن يؤدي تسريب هذه المعلومات إلى الإضرار بالعلاقات الاستراتيجية مع مصر، إضافة إلى التأثير في استعداد القاهرة للمشاركة في المفاوضات المتعلقة بالإفراج عن الرهائن المحتجزين لدى حركة حماس.
وقالت قناة “i24news” الإسرائيلية إن هذه التطورات تأتي في ظل استمرار التحقيق في “قطر غيت”، الذي يتركز على شبهات تتعلق بقيام أشخاص من محيط نتنياهو بأنشطة لصالح قطر بالتزامن مع عملهم في الدائرة المقربة من رئيس الحكومة.
وأضافت الصحيفة العبرية أن شخصيات من المعارضة الإسرائيلية سارعت إلى مهاجمة نتنياهو والمقربين منه على خلفية المعلومات الجديدة، إذ اتهم رئيس حزب “الديمقراطيين” يائير غولان مستشاري نتنياهو بـ”خيانة مصالح دولة إسرائيل”، معتبرا أن نقل معلومات حساسة يمكن أن يعرض اتفاق السلام مع مصر للخطر، وهو الاتفاق الذي جاء بعد عقود من الصراع بين البلدين.
وأشارت إلى أن غادي آيزنكوت، رئيس حزب “يَشر”، دعا إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية، معتبرا أن رئيس الوزراء كان يجب أن يأمر بإجراء تحقيق مستقل وفوري لتوضيح ملابسات القضية وإزالة الشبهات المحيطة بها.
وقالت قناة “i24news” الإسرائيلية إن زعيم المعارضة يائير لابيد أشار إلى أن حزب الليكود سبق أن رفض مقترحه لتصنيف قطر رسميا كدولة عدو، فيما انتقد نفتالي بينيت الدور القطري، متعهدا بالعمل على الحد من نفوذ الدوحة في حال عودته إلى رئاسة الحكومة.
وأضافت الصحيفة العبرية أن يوناتان أوريخ، ويسرائيل أينهورن، وإيلي فيلدشتاين يُعدّون من أبرز الأسماء التي وردت في التحقيقات المتعلقة بقضية “قطر غيت”، حيث تتمحور الشبهات حول قيامهم بأعمال ضغط وترويج لمصالح قطر بالتزامن مع عملهم في محيط رئيس الوزراء الإسرائيلي، فيما لا تزال القضية قيد التحقيق ولم تثبت الاتهامات بشكل نهائي بحق المشتبه فيهم.
وأشارت إلى أن المعلومات الجديدة تعيد القضية إلى الواجهة السياسية والأمنية في إسرائيل، خصوصا بسبب حساسيتها بالنسبة للعلاقات مع مصر ودور القاهرة في ملفات إقليمية، وعلى رأسها مفاوضات غزة والمختطفين.

 

*غياب مصر عن اتفاق مكة يثير التساؤلات.. هل تنضم لاحقاً إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان؟

أثار توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان تساؤلات واسعة حول غياب مصر عن الاتفاق، خصوصاً أن القاهرة تجمعها علاقات وثيقة بالدول الثلاث، كما أنها تشارك معها في إطار رباعي للتشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية.

وفي 7 أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك في مكة المكرمة، ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الدول الأخرى، في خطوة تعكس اتجاهاً نحو تعزيز التعاون الأمني والدفاعي بين القوى الإقليمية.

لكن اللافت أن مصر لم تكن طرفاً في الاتفاق عند توقيعه، رغم أنها كانت حاضرة بقوة في مسار التشاور السياسي الذي جمع الدول الأربع خلال الأشهر الماضية.

مصر حاضرة في التنسيق السياسي وغائبة عن الاتفاق العسكري

قد يبدو غياب القاهرة مفاجئاً للوهلة الأولى، لكن مسار العلاقات بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان يكشف أن القاهرة ليست بعيدة عن هذا الترتيب الإقليمي.

ففي 21 يونيو 2026، استضافت القاهرة الاجتماع الرابع لوزراء خارجية الدول الأربع ضمن إطار R4، بمشاركة مصر وتركيا والسعودية وباكستان. وأكد الوزراء خلال الاجتماع أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الأربع لدعم السلام والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

وهذا يعني أن مصر ليست خارج دائرة التنسيق الإقليمي، وإنما يبدو أنها اختارت حتى الآن صيغة مختلفة عن الاتفاق الدفاعي الثلاثي.

فالفرق كبير بين التنسيق السياسي والأمني وبين الالتزام بمعاهدة دفاع مشترك تجعل أي هجوم على دولة عضواً قضية مشتركة لبقية الأطراف.

لماذا لم تنضم مصر إلى اتفاق مكة؟

يمكن تفسير الموقف المصري بمجموعة من الحسابات السياسية والأمنية، خصوصاً أن القاهرة تتحرك تقليدياً بحذر في ما يتعلق بالتحالفات العسكرية متعددة الأطراف.

وتسعى مصر إلى الحفاظ على مساحة واسعة من الحركة في سياستها الخارجية، خصوصاً في منطقة تعيش أزمات متزامنة في غزة وإيران والبحر الأحمر والسودان وليبيا وشرق المتوسط.

ومن هذا المنطلق، قد ترى القاهرة أن الانضمام إلى اتفاق دفاعي ملزم في هذه المرحلة يمكن أن يفرض عليها التزامات عسكرية وسياسية لا تتوافق بالضرورة مع أولوياتها الحالية.

وبعبارة أخرى، فإن غياب مصر عن اتفاق مكة لا يعني بالضرورة رفضها للتعاون الدفاعي مع السعودية أو تركيا أو باكستان، وإنما قد يعكس تفضيلاً مصرياً للإبقاء على التعاون في إطار أكثر مرونة.

حسابات مصر لا تتطابق بالكامل مع حسابات السعودية وتركيا

هناك اختلاف في طبيعة الأولويات الاستراتيجية بين الدول الأربع. فالسعودية تواجه بيئة أمنية شديدة الحساسية في الخليج والبحر الأحمر، بينما تمتلك تركيا رؤية أوسع لأمنها الإقليمي تمتد إلى سوريا والعراق والبحر الأسود وشرق المتوسط.

أما باكستان، فتملك حساباتها الخاصة المرتبطة بأمن جنوب آسيا وعلاقاتها مع الهند وأفغانستان، إلى جانب علاقتها الاستراتيجية المتنامية مع السعودية.

مصر، في المقابل، لديها مجموعة مختلفة من الأولويات، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر، وأمن قناة السويس، والملف الليبي، والسودان، وأمن الحدود، وقضية مياه النيل.

لذلك، فإن أي تحالف عسكري إقليمي واسع قد يتطلب من القاهرة موازنة مصالح مختلفة قبل اتخاذ قرار الانضمام.

هل الاتفاق يستهدف إيران؟

من أكثر الأسئلة إثارة للجدل منذ الإعلان عن اتفاق مكة: هل يمثل الاتفاق نواة لتحالف إقليمي في مواجهة إيران؟

الاتفاق نفسه لا يذكر إيران كخصم أو طرف مستهدف. كما أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الاتفاق لا يستهدف إيران أو أي دولة بعينها، وأن الهدف المعلن هو تعزيز الردع والتعاون الدفاعي بين الدول الموقعة.

لكن التوقيت السياسي للاتفاق يجعل من الصعب فصل الخطوة عن التوترات الأمنية المتصاعدة في المنطقة. ولهذا يرى محللون أن الاتفاق يمكن أن يؤدي عملياً إلى تعزيز قدرات الردع في مواجهة أي تهديدات إقليمية، حتى إذا لم تتم تسمية دولة محددة كخصم.

وماذا عن إسرائيل ونتنياهو؟

ارتبط توقيت اتفاق مكة أيضاً بتساؤلات حول مستقبل التوازنات الإقليمية وعلاقة الدول العربية والإسلامية بإسرائيل.

لكن من المهم التمييز بين التحليل السياسي وبين ما ينص عليه الاتفاق فعلياً. فلا توجد في الإعلان الرسمي للاتفاق إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باعتباره طرفاً مستهدفاً، كما أن تركيا أكدت أن الاتفاق لا يستهدف دولة محددة.

مع ذلك، فإن الحرب والتوترات الإقليمية أعادت ترتيب الحسابات الأمنية للعديد من دول المنطقة، وأصبحت قضايا الدفاع الجماعي والردع والتعاون العسكري أكثر حضوراً في النقاشات الإقليمية.

ومن هنا يأتي الربط السياسي الذي ظهر في بعض التحليلات بين الاتفاق وبين مستقبل العلاقات مع إسرائيل، لكنه يبقى قراءة سياسية وليست بنداً معلناً في الاتفاق.

هل يمكن أن تنضم مصر لاحقاً؟

ربما تكون هذه النقطة هي الأهم في تفسير غياب القاهرة. فالغياب عن النسخة الأولى من الاتفاق لا يعني أن الباب أُغلق أمام مصر. وبحسب تصريحات وزير الخارجية التركي، هناك توقع بأن تنضم مصر مستقبلاً إلى اتفاق الدفاع المشترك، كما أشار إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرغب في توسيع إطار التحالف ليشمل دولاً أخرى.

وهذا يفتح الباب أمام سيناريو مختلف: أن تبدأ الشراكة بثلاث دول، ثم تتوسع تدريجياً إذا توافقت الدول المرشحة مع طبيعة الالتزامات الدفاعية التي يفرضها الاتفاق.

اتفاق مكة لا يلغي إطار R4

من الخطأ أيضاً اعتبار الاتفاق الثلاثي بديلاً عن التنسيق الرباعي بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان.

فإطار R4 كان قائماً قبل اتفاق مكة، وعقدت الدول الأربع عدة اجتماعات لمناقشة الأوضاع الإقليمية، كان أحدثها اجتماع القاهرة في يونيو 2026. كما سبق أن اجتمع وزراء الخارجية في مارس لمناقشة التطورات الإقليمية وسبل الحد من التصعيد العسكري.

وبالتالي، يمكن أن تستمر مصر في المشاركة في المسار السياسي والتشاور الإقليمي، بينما تبقى مسألة الانضمام إلى الاتفاق العسكري منفصلة وتخضع لحسابات أخرى.

لماذا قد تفضل القاهرة التنسيق مع الجميع؟

السياسة المصرية في المنطقة تقوم في كثير من الأحيان على الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعددة، وعدم تحويل الخلافات الإقليمية إلى التزامات عسكرية مباشرة.

وتحتاج القاهرة إلى الحفاظ على قنوات اتصال واسعة مع القوى الإقليمية والدولية، خصوصاً في ظل الأزمات المتزامنة التي تضرب المنطقة.

لذلك قد يكون الخيار المصري الحالي هو التنسيق مع السعودية وتركيا وباكستان، من دون الالتزام بتحالف عسكري مغلق.

وهذا يمنح القاهرة قدرة أكبر على التعامل مع التطورات المستقبلية دون أن تجد نفسها مضطرة تلقائياً إلى اتخاذ موقف عسكري في كل أزمة قد تطال أحد أعضاء التحالف.

السعودية وتركيا وباكستان.. ماذا يريد الثلاثي؟

بالنسبة إلى السعودية، يوفر الاتفاق إطاراً إضافياً لتعزيز الردع والأمن في ظل التوترات الإقليمية. أما تركيا، فتسعى إلى تعزيز حضورها كقوة أمنية وعسكرية رئيسية في الشرق الأوسط، مع توسيع شراكاتها الدفاعية خارج إطار علاقاتها التقليدية.

وبالنسبة إلى باكستان، يمثل الاتفاق فرصة لتعميق شراكتها الأمنية مع السعودية وتركيا، وهما دولتان تتمتعان بثقل سياسي وعسكري كبير.

كما أن الاتفاق يضع أساساً لإنشاء آليات مؤسسية للتعاون، بما في ذلك لجنة وزارية وأمانة مقرها السعودية، على أن تُناقش التفاصيل التنفيذية خلال الاجتماعات المقبلة.

مصر أمام خيارين.. البقاء على مسافة أم الانضمام لاحقاً؟

في الوقت الحالي، يبدو أن القاهرة تفضل مراقبة تطور الاتفاق قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن الانضمام. فالاتفاق لا يزال في بدايته، وطبيعة الالتزامات العسكرية وآليات تنفيذ بند الدفاع المشترك تحتاج إلى مزيد من الوضوح.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار مصر في إطار R4 يعني أنها لا تريد الابتعاد عن الترتيبات الإقليمية الجديدة، بل تسعى إلى الاحتفاظ بدور مؤثر فيها من خلال الدبلوماسية والتنسيق السياسي.

وهذا قد يفسر المفارقة الحالية: مصر قريبة من الدول الثلاث سياسياً، لكنها لم تنضم بعد إلى التحالف العسكري الذي جمعها.

غياب مصر ليس نهاية القصة

في النهاية، لا يبدو أن غياب مصر عن اتفاق مكة يعني قطيعة مع المسار الجديد الذي تقوده السعودية وتركيا وباكستان.

على العكس، فإن وجود القاهرة داخل إطار R4، واستمرار الاجتماعات والتنسيق بين الدول الأربع، يشيران إلى أن مصر لا تزال جزءاً من المشهد الإقليمي الجديد. لكن القاهرة تبدو حريصة على اختيار توقيت وشكل مشاركتها بنفسها.

وقد يكون اتفاق مكة مجرد بداية لترتيب أمني أوسع في الشرق الأوسط، خصوصاً أن الباب مفتوح أمام دول أخرى للانضمام إليه، وأن تركيا نفسها تحدثت عن إمكانية توسع الاتفاق مستقبلاً.

وبينما اختارت السعودية وتركيا وباكستان الانتقال إلى التعاون الدفاعي المشترك، يبدو أن مصر اختارت في المرحلة الحالية الاحتفاظ بدور سياسي أكثر مرونة.

والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة هو: هل تتحول مصر لاحقاً من شريك في التنسيق السياسي إلى عضو في منظومة الدفاع المشترك، أم تواصل سياسة التوازن والابتعاد عن الأحلاف العسكرية؟

*مجلس النواب يقر 162 قانونًا وسط انتقادات بتمرير حكومي شبه كامل ودون تعديلات

أقر مجلس النواب خلال دور الانعقاد الأول في مقره بالعاصمة الإدارية الجديدة 162 قانونًا تضم نحو 1580 مادة، لتنتهي الدورة بحصيلة تشريعية ضخمة كشفت، وفق منتقدين، تمريرًا شبه كامل للمشروعات الحكومية.

وعكست الحصيلة اتساع الفجوة بين سرعة إصدار التشريعات وبطء الاستجابة لمعاناة المواطنين، إذ بقيت أزمات المعاشات والتموين والتعليم والإنترنت قائمة، بينما تحولت القاعة إلى ممر سريع لرؤية الحكومة لا منبرًا لمحاسبتها.

وبحسب بيانات المجلس، عقد النواب 30 جلسة عامة بإجمالي 102 ساعة، شارك فيها 395 متحدثًا عبر 1525 مداخلة، وهي أرقام تبدو كثيفة ظاهريًا لكنها لا تكشف وحدها عمق المناقشة أو أثر الاعتراضات.

وفي المقابل، قال صلاح حسب الله، المتحدث السابق باسم المجلس، إن جميع المشروعات جاءت من الحكومة، وإن تعديلات النواب لم تتجاوز 3% إلى 5%، بما يعكس اعتمادًا شبه كامل للنصوص التنفيذية دون تغيير جوهري.

كما شملت القوانين التأمين الصحي الشامل، وإعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر، وتعديلات التأمينات والمعاشات، والإجراءات الضريبية، وضريبة القيمة المضافة، إلى جانب تشريعات عسكرية واستيرادية ونووية تمس مجالات واسعة من حياة المصريين.

ومن جهة أخرى، لا تقاس كفاءة البرلمان بعدد المواد التي عبرت التصويت، بل بقدرته على فحص آثارها وتعديل اختلالاتها وحماية الفئات الأضعف، وهي وظائف تراجعت عندما أصبح الإنجاز العددي بديلًا عن التشريع المستقل.

ووفقًا للباحث عمرو هاشم ربيع، المتخصص في الرقابة البرلمانية، فإن استمرار برلمان مصمم وفق ما يلائم السلطة يغلق المجال العام ويضعف التمثيل، وهو توصيف يفسر محدودية المبادرات المستقلة داخل المجلس الحالي.

وفوق ذلك، تكشف نسبة التعديل الضئيلة أن الخلافات المعلنة داخل اللجان لم تتحول إلى نتائج ملزمة، فالحكومة قدمت النصوص وحددت اتجاهها، بينما اكتفى معظم النواب بتنقيحات محدودة لا تعيد توزيع السلطة أو تحمي الحقوق.

تشريع تحت الهيمنة

أولًا، يطرح هذا النمط سؤالًا جوهريًا بشأن وظيفة النائب، فإذا كان المشروع الحكومي يعبر القاعة دون تعديل معتبر، يصبح التصويت إجراءً شكليًا يمنح القرارات غطاءً نيابيًا، بدل إخضاعها لاختبار المصالح العامة والعدالة الاجتماعية.

وعلى صعيد متصل، حذر الفقيه الدستوري الراحل محمد نور فرحات سابقًا من مناقشة القوانين دون دراسة حقيقية لمضامينها وتصويت واع عليها، معتبرًا أن اختزال الفحص يهدر جوهر الدور التشريعي الذي منحه الدستور للنواب. 

إلى جانب ذلك، يضاعف غياب المبادرة النيابية الخلل بين السلطتين، لأن البرلمان لا يفترض أن يكون مكتب تصديق موسعًا، وإنما مؤسسة تنتج البدائل وتستمع للمتضررين وتستدعي المسؤولين وتعدل النصوص قبل تحميل المجتمع كلفتها.

وبالمثل، لم تمنع كثرة طلبات الإحاطة استمرار أزمة النظام الرقمي للتأمينات، بعدما تعطلت منافذ وصرفت فئات مسنة وقتًا وجهدًا بحثًا عن مستحقات تمثل مصدر معيشتها وعلاجها، من دون حلول نهائية توازي خطورة الضرر.

وعندما غاب رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عن الاجتماع الأول للجنة المختصة، ظهرت حدود الأدوات الرقابية الرخوة، ثم حضر لاحقًا وتعهد بحل الأزمة خلال أسابيع، لكن الشكاوى استمرت بلا ترجمة ملموسة لهذا الالتزام.

لهذا، رأى حسب الله أن الظروف كانت تستوجب أدوات أشد، وصولًا إلى طرح الثقة، بدل الاكتفاء بطلبات إحاطة لا تلزم المسؤول بالتنفيذ، ولا تمنح أصحاب المعاشات ضمانة لاستعادة حقوقهم في موعد واضح.

وفي السياق نفسه، ناقش المجلس بطاقات التموين وصرف الألبان المدعمة وأسعار المحاصيل والأسمدة، غير أن إدراج الأزمات على جدول اللجان لا يساوي حلها، ما لم يرتبط بمواعيد معلنة ومساءلة للمقصرين ونشر نتائج التنفيذ.

ورغم ذلك، بقيت شكاوى المواطنين من ارتفاع أسعار الإنترنت وضعف تغطية المحمول وكثافات الفصول وأوضاع معلمي الحصة حاضرة، لتكشف أن وفرة القوانين لم تنعكس تلقائيًا على الخدمات الأساسية أو تخفيف الأعباء اليومية.

رقابة بلا أنياب

ثانيًا، تعيد هذه الوقائع تعريف الحصاد البرلماني من منظور المتضررين، فالمسن الذي تأخر معاشه، والأسرة التي فقدت دعمها، والطالب داخل فصل مكتظ، لا تعنيهم كثرة المواد ما دامت أزماتهم تتحرك أبطأ من التصويت.

ومن زاوية دستورية، أكد صلاح فوزي، أستاذ القانون الدستوري وعضو اللجنة التشريعية، أهمية الرقابة الدورية والشفافية والمساءلة في متابعة الجهات العامة، وهو معيار يجعل إعلان الأرقام غير كاف دون تقارير نتائج قابلة للفحص.

وبناءً على ذلك، فإن إخضاع جهاز مستقبل مصر لتقارير دورية ورقابة الجهاز المركزي للمحاسبات يظل اختبارًا عمليًا، لأن النصوص الرقابية تفقد قيمتها إذا لم تنشر البيانات، وتحدد المسؤوليات، وتكشف الإنفاق والعائد بوضوح للرأي العام.

أما ملف الإدارة المحلية، فقد أظهر بوضوح أزمة التشريع المؤجل، بعدما أعادت الحكومة مشروعًا أعد عام 2016 عقب انتظار دام 10 سنوات، من دون تطوير كاف يواكب التحولات السكانية والخدمية التي شهدتها البلاد.

كذلك انتقد النائب أحمد عبد المعبود النص المعاد، معتبرًا أنه جامد ولا يراعي بصورة سليمة متطلبات المادة 180 من الدستور بشأن تمثيل الشباب والمرأة، ما يفتح الباب أمام مراجعة دستورية ومجتمعية أوسع.

ومع أن الحكومة قدمت التأخير بوصفه عودة إلى ملف معطل، فإن إعادة تدوير مشروع قديم لا تمثل إصلاحًا، بل تكشف عجزًا عن إنتاج تصور حديث للامركزية يمنح المجالس المنتخبة صلاحيات وموارد حقيقية.

محليات مؤجلة الحقوق

ثالثًا، يؤكد أستاذ الإدارة المحلية حمدي عرفة أن تطوير المحليات يحتاج رؤية وآليات تنفيذ، وهو ما يبرز خطورة تعطيل المجالس المنتخبة التي تراقب المياه والنظافة والطرق والتراخيص والأسواق وتحاسب الأجهزة التنفيذية محليًا.

وفي هذا الإطار، لا يكفي تثبيت نسب للمرأة والشباب على الورق إذا صيغ النظام بطريقة تقيد المنافسة أو تقلص استقلال المجالس، لأن التمثيل الحقيقي يتطلب صلاحيات مؤثرة وقدرة على مساءلة المحافظين ومراجعة الموازنات.

علاوة على ذلك، يكشف تمرير مشروعات رفضها عدد من النواب أن الأغلبية العددية قادرة على إخماد الاعتراض من دون الرد على مضمونه، وهو ما يحول الجلسة العامة من ساحة تفاوض إلى محطة تصويت محسومة.

ومن ثم، تبدو الفجوة واضحة بين رواية المجلس عن حصاد تاريخي ورواية المعترضين عن تشريع حكومي مغلف بموافقة نيابية، فالأولى تحتفي بالكم، بينما تسأل الثانية عمن كتب القوانين ولمن تعمل ومن يتحمل آثارها.

أخيرًا، يظل تقييم دور الانعقاد مرهونًا بما تغير في حياة الناس، لا بما تراكم في الجريدة الرسمية، إذ تكشف الأزمات المؤجلة أن البرلمان أقر 162 قانونًا لكنه لم ينتزع استقلالًا تشريعيًا أو رقابة تردع التقصير.

*السيسي والجامعات الأهلية.. حين تتحول أزمة التعليم إلى فرصة لتحصيل المزيد من الأموال

يري السيسي ونظامه في كل أزمة تمر بمصر والمصريين فرصة لتحصيل المزيد من الأموال وتحقيق المكاسب المالية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التوسع في إنشاء الجامعات الأهلية التي هي اختراع جديد لخصخصة التعليم العالي وتحصيل المزيد من الرسوم الإضافية. وهذه الجامعات ليست كيانات جديدة بل هي ادارت جديدة داخل الجامعات المصرية العريقة.

كان السيسي قد قال للفريق الحكومي المعاون في أكتوبر 2021، إنه يطمح لتنفيذ 15 جامعة أهلية في مصر في أقصى وقت ممكن، لكي يكون طلابها وخرِّيجوها مُعدّين جيداً لسوق العمل الداخلي والخارجي، خلافاً للطلاب متواضعي القدرات من طلبة الجامعات الحكومية. 

ما هي الجامعات الأهلية؟

تعد الجامعات الأهلية الاختراع الاحدث في سوق التعليم العالي في مصر، وتعود براءة الاختراع الخاصة به للسيسي، الذي كان أول من أعلن عن تلك الفكرة. وتشبه الجامعات الأهلية أنماط الإسكان الفاخر التي تبنيها الحكومة مستفيدة من حيازتها للأرض وإمكان التفاوض على أسعار البناء والتوريدات؛ ثم تعيد بيعها للزبون القادر على الشراء، الذي يحب التعامل مع الحكومة، بأسعار تنافسية. 

فالجامعات الأهلية، رغم أنها حكومية اسماً وإدارة، إلا أنها تُشبه الجامعات “الخاصة” في كل شيء؛ إذ يمكن للطالب أن يلتحق بأبرز كلياتها من خلال مجموع أقل مقارنة بالتنسيق الخاص بالجامعات الحكومية، كما أنه يدفع مصروفات باهظة، ويحظى بخدمة فندقية في الإقامة الداخلية، وقد صُممت تلك الجامعات على النمط الفاره المعروف بالجيل الرابع، وقامت بعمل توأمة مع الكثير من الجامعات الأجنبية. ولكنها تظل حكومية اسماً.  

الهدف من الجامعات الأهلية

تطمح الكثير من الاسر المصرية لتعليم أبنائها تعليما جيدا في الوقت التي لا تزال مصر تعمل لقبول الطلاب وفق نظام تنسيق الدرجات الذي يضمن حدصا ما لتكافؤ الفرص، ويسعى الطلاب المصريون إلى الدراسة في الجامعات في الخارج بأعداد متزايدة تصل لنحو 35 ألف طالب سنويا، ما يساهم حسب الحكومة في تدفق العملة الصعبة إلى خارج البلاد بمعدل يوازي 20 مليار جنيه بالتزامن مع هجرة العقول، وبالتالي تفتق ذهن حكومة الانقلاب عن بناء جامعات أهلية بمواصفات خاصة لجذب الطلاب الراغبين في السفر للتعلم بالخارج. 

استجابة سريعة

وقبل إعلان نتيجة الثانوية العامة لهذا العام بعدة ساعات، أعلنت وزارة التعليم العالي تحقيق رغبة السيسي في سرعة الانتهاء من تنفيذ الجامعات الأهلية المطلوبة لكي تصبح جاهزة للعام للدراسيِّ الجديد. ومن أبرز هذه الجامعات التي تستعد لاستقبال الطلبة هذا العام: شرق بورسعيد، والإسماعيلية، والإسكندرية، والزقازيق، والمنوفية، والمنصورة، وحلوان، وبنها، والمنيا، وأسيوط، وبني سويف، وقنا.

إحدى الجامعات التي احتفت بها وزارة التعليم العالي خصيصاً بسبب إنجاز 11 كلية منها تزامناً مع العام الدراسي الجديد، هي جامعة بني سويف الأهلية الجديدة، التي تكلفت المرحلة الأولى منها 3 مليارات جنيه، على مساحة 42 فداناً، وتضمُّ كلية الهندسة في تلك الجامعة “برامج” دراسية معدة خصيصاً لهذا النمط من الجامعات، على غرار برامج: الطاقة الجديدة والمستدامة، والعمارة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وعلوم البيانات، وهندسة الأمن السيبرانيّ.. وفي المجمل تكلفت “المرحلة الأولى” لتلك الجامعات 39 مليار جنيه، بمعدل نحو 3 مليارات جنيه للمرحلة الأولى من كل جامعة. 

مجاميع أقل وأسعار أكبر 

وفقاً لتنسيق العام الدراسي الماضي 2021 – 2022، فإنه كان يمكن لطالب الثانوية العامة الحائز على مجموع 55% فقط، أن يلتحق بأرقى الجامعات الأهلية، مثلًا جامعة الملك سلمان في جنوب سيناء، في كليات مثل التربية والحقوق، كما يمكنه أن يلتحق بكلية الإعلام من 60%، والهندسة من 70%.

في نفس الوقت، فإنّ المصروفات السنوية لتلك الجامعات بدأت من 31 ألف جنيه، وحتى 140 ألف جنيه، حسب الكلية، فيما بلغت تكلفة السكن الداخلي في جامعة الملك سلمان، شاملة الوجبات، 10 آلاف جنيه شهرياً. ومع ذلك، تقول الحكومة إن تلك الجامعات غير هادفة للربح، وإنها بالكاد تنفق على مصروفاتها.

وقبل نتيجة الثانوية العامة هذا العام مباشرة، أوصى السيسي بمزيد من الإجراءات الجاذبة لتلك الجامعات، مثل توفير منح للطلبة المتفوقين في الثانوية العامة للدراسة بها وتخفيض المصروفات دون بيان نسبة التخفيض، فيما يرى خبراء أكاديميون مثل نور فرحات وكمال مغيث أنّ ذلك النمط الجديد من الجامعات هو إمعان في استنزاف جيوب المصريين الطامحين لتعليم أبنائهم تعليماً جيدا على أساس أن التعليم هو السبيل الأكثر إتاحة لتحسين الوضع الطبقي للأسر. 

*إيقاف الأعمال مؤقتاً بمنجم السكري بعد مقتل عامل وإصابة 5 ..وتساؤلات عن قصور السلامة

أوقفت شركة أنغلو غولد أشانتي أعمال التعدين تحت الأرض في منجم السكري بالصحراء الشرقية، بعد سقوط صخرة داخل نفق أدى إلى وفاة العامل عبد الرحمن نبيل محمود وإصابة 5 آخرين، وسط اتهامات بقصور إجراءات السلامة.

ويكشف الحادث فجوة فادحة بين احتفاء السلطة بعوائد الذهب والاستثمارات الأجنبية وبين حماية من ينتزعونه من باطن الأرض، إذ تحضر أرقام الإنتاج في الخطاب الرسمي، بينما لا تظهر حقوق العمال إلا بعد سقوط ضحية. 

وفي التفاصيل، تلقت وزارة البترول بلاغا من شركة السكري لمناجم الذهب عن سقوط الصخرة داخل منطقة عمل تحت سطح الأرض، ثم نقل المصابون إلى مستشفى جراحات اليوم الواحد بمرسى علم، وأعلنت استقرار حالاتهم مبدئيا.

وبحسب بيان الشركة المشغلة، عُلقت العمليات الجوفية مؤقتا إلى حين انتهاء تحقيق شامل، لكن البيان لم يوضح وقت الحادث بدقة، ولا طبيعة تدعيم النفق، ولا نتائج آخر فحص جيولوجي، ولا مستوى تعرض العمال للخطر قبل السقوط.

وفي المقابل، وجه وزير البترول كريم بدوي بتشكيل لجنة لفحص الملابسات ومراجعة اشتراطات السلامة والصحة المهنية، غير أن قيمة اللجنة ستقاس باستقلالها ونشر تقريرها ومحاسبة المقصر، لا بمجرد إعلان إداري ينتهي مع انحسار الاهتمام.

وخلف الأبواب المغلقة، يبقى السؤال الأهم عما إذا كانت مؤشرات عدم استقرار الصخور قد رصدت مسبقا، وهل أوقفت المنطقة فور ظهورها، ومن أجاز دخول العمال، وما سجلات التفتيش والصيانة والتدعيم التي سبقت الحادث.

الخطر يبدأ قبل السقوط

بداية، يصف مركز الميكانيكا الجيولوجية الأسترالي سقوط الصخور بأنه من أخطر تهديدات المناجم الجوفية، ويؤكد أن الوقاية تبدأ بفهم التحكم الأرضي، وتحديد مواضع الخطر، وتأمين الصخور بالدعامات والشبكات والخرسانة المرشوشة قبل السماح بالعمل.

ويؤكد الخبير إيف بوتفان، ضمن أبحاث شارك فيها عن وفيات سقوط الصخور، أن الخطر لا يقتصر على واجهات الحفر، بل يمتد إلى الممرات والتقاطعات، ما يجعل التفتيش المستمر ضرورة تشمل حركة العمال اليومية بأكملها.

ومن ناحية أخرى، استندت أبحاث بوتفان إلى قاعدة تجاوزت 750 واقعة سقوط صخري في 26 منجما معدنياً جوفياً، وميزت بين شظايا صغيرة تنفصل بين المسامير وانهيارات أكبر تهدد طرق الحركة والمداخل.

إلى جانب ذلك، يفرض هذا التصنيف على تحقيق السكري ألا يكتفي بتحديد الصخرة التي سقطت، بل أن يعيد بناء مسار التعرض كاملا، من آخر تفجير وحفر إلى الفحص والتدعيم وإذن الدخول وتوزيع العمال داخل النفق.

كذلك، ينبغي فحص ملاءمة المسامير والشبكات والخرسانة المرشوشة لطبيعة الكتلة الصخرية، ومراجعة أي تغيرات في الشقوق أو المياه أو الاهتزازات، لأن انهيار منظومة الحماية قد يبدأ من حلقة واحدة ضعيفة لا تظهر في التقارير العامة.

وعلى صعيد المسؤولية، لا يجوز اعتبار استقرار حالات المصابين نهاية ناجحة للاستجابة، فهناك عامل فقد حياته و5 نجوا بإصابات، بينما تظل الشركة مطالبة بإعلان الرعاية الطبية والتعويضات والدعم النفسي وضمان عدم تحميل العمال كلفة التوقف.

وبالعودة إلى موقع المنجم، يقع السكري قرب مرسى علم ويعد أكبر منتج للذهب في مصر، وتديره شركة مشتركة مع الدولة، ما يجعل الرقابة الحكومية التزاما مباشرا لا دورا بروتوكوليا يقتصر على استقبال البلاغات.

ومن زاوية الحجم، تعرض الشركة قوة عمل تقارب 4893 شخصا بينهم متعاقدون، وهو رقم يضاعف واجبها في توحيد معايير الحماية والتدريب والإبلاغ بين العمال الدائمين والمقاولين، ومنع قيام طبقتين مختلفتين من السلامة داخل الموقع.

رقابة بلا حصانة

أما الجيولوجي المصري حسن بخيت، المدير الأسبق للمناجم والمحاجر، فسبق أن طالب بإنشاء معهد مستقل لتدريب العاملين في التعدين وفقا للأكواد العالمية، وهو طرح يعيد الحادث إلى سؤال الكفاءة والتأهيل قبل دخول الأنفاق.

وفوق ذلك، دعا بخيت إلى دعم التفتيش الفني على التشغيل وتأمين الآلات والمعدات، وهما مطلبان يقتضيان نشر سجل واضح يبين دورية التفتيش في السكري، والجهة المنفذة، والملاحظات المسجلة، وكيف أغلقت قبل استئناف النشاط.

وعمليا، لا يكفي أن تراجع اللجنة أوراق الشركة، بل يجب أن تستمع منفردة إلى المصابين وزملاء الوردية وممثلي العمال والمقاولين، مع ضمان عدم تعرض أي شاهد للضغط أو الفصل أو الانتقام بسبب كشف خلل سابق.

في السياق نفسه، تمنح اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن السلامة والصحة في المناجم العمال حق الإبلاغ عن الأخطار ورفض العمل عند وجود خطر جسيم، وتلزم صاحب العمل بإزالة المخاطر وتوفير التدريب والمعلومات ومعدات الحماية.

وبالتوازي، ينبغي أن يجيب التحقيق عما إذا كانت لجنة السلامة تضم تمثيلا فعليا للعمال، وهل كانت خرائط المخاطر محدثة، وهل أجريت تدريبات إخلاء وإنقاذ قريبة، وهل امتلك كل عامل سلطة إيقاف المهمة دون عقوبة.

رغم ذلك، تكرر الجهات الرسمية عقب الحوادث صيغة تشكيل اللجان من دون جدول زمني ملزم لنشر النتائج، وهو نمط يحول التحقيق من أداة للمحاسبة إلى وسيلة لامتصاص الغضب، ثم يعيد تشغيل الموقع بلا معرفة عامة.

وفي ضوء صفقة استحواذ أنغلو غولد أشانتي على سنتامين بنحو 2 مليار و500 مليون دولار، تصبح حجة نقص الإمكانات غير مقبولة، فشركة بهذا الحجم مطالبة بتطبيق أعلى نظم الرصد والتدعيم والإنقاذ، لا الحد الأدنى لاستمرار الإنتاج.

حياة العامل أولا

إنسانيا، يقول خبير السلامة التعدينية هيلموت إينس إن لكل عامل منجم الحق في العودة إلى منزله آمنا كل يوم، وإن الوفاة والإصابة والعجز المهني نتائج غير مقبولة، وهي قاعدة تضع حياة العامل قبل مؤشرات الإنتاج.

اقتصاديا، لا يمكن فصل مئات الملايين التي يضخها السكري عن شروط توليدها، لأن الذهب الذي يرفع الإيرادات يفقد شرعيته الأخلاقية حين تدفع أسرة عامل ثمنه، بينما تظل العقود والعوائد أكثر شفافية من سجلات الأمان.

قانونيا، يتطلب الإنصاف حفظ موقع الحادث وأدلته، وتوثيق حالة النفق والدعامات وأجهزة القياس وسجلات الورديات، ثم إتاحة النتائج للنيابة ولأسرة المتوفى والمصابين، حتى لا تنفرد الشركة أو الجهة الشريكة بصياغة الرواية النهائية.

ومهنيا، يجب ربط استئناف التعدين الجوفي بشهادة مستقلة تؤكد إزالة الخطر، لا بمجرد انتهاء اللجنة من المعاينة، مع إخضاع الأنفاق المشابهة للفحص، ومراجعة تصميم الدعم الأرضي، وإعلان الإجراءات التصحيحية ومواعيد تنفيذها والمسؤولين عنها 

وأخيرا، لا تُقاس سلامة السكري بندرة الحوادث المعلنة، بل بقدرة العمال على كشف الخطر ووقف العمل، وبشفافية التحقيق عند وقوعه، وبمحاسبة من قصر، وبضمان ألا يتحول عبد الرحمن نبيل محمود إلى رقم منسي.

*من السيسي إلى مصطفى بكري.. لماذا يخاف النظام المصري من عودة الشارع؟ “الفوضى” في مواجهة الاحتجاج

في مصر، لا يبدو التحذير من الفوضى جديداً كلما تصاعد الحديث عن الاحتجاجات أو الأوضاع المعيشية. وخلال السنوات الماضية، تكرر خطاب يحذر المواطنين من تداعيات النزول إلى الشارع، مستحضراً سيناريوهات الفوضى والنهب وانهيار الأمن، في مقابل التأكيد على أن استقرار الدولة يجب أن يبقى أولوية.

ومع عودة هذه الرسائل إلى الواجهة، يبرز سؤال سياسي وإعلامي لافت: هل الهدف من هذا الخطاب تحذير المصريين من مخاطر الفوضى فعلاً، أم أنه يعكس أيضاً مخاوف السلطة من عودة الاحتجاجات الشعبية؟

السيسي وتحذير المصريين من تكرار سيناريو 2011

سبق لعبد الفتاح السيسي أن حذر، في تصريحات ولقاءات سابقة، من تكرار ما وصفه بتجربة الفوضى التي أعقبت أحداث عام 2011، داعياً المصريين إلى عدم الانجرار إلى ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الدولة أو الإضرار بمؤسساتها.”

ويقوم هذا الخطاب على فكرة أساسية مفادها أن الاحتجاجات الواسعة قد لا تتوقف عند حدود المطالب السياسية أو الاقتصادية، وإنما يمكن أن تتحول إلى حالة من عدم الاستقرار يصعب التحكم في تداعياتها.

وفي هذا السياق، كثيراً ما جرى استدعاء تجربة السنوات التي أعقبت ثورة يناير لتأكيد المخاطر المحتملة لأي اضطرابات واسعة النطاق.

مصطفى بكري يعيد طرح سيناريو الفوضى

في المقابل، أعاد الإعلامي والنائب المصري السابق مصطفى بكري طرح خطاب مشابه، محذراً من تداعيات خروج المواطنين إلى الشارع.

وفي حديثه، لم يكتفِ بكري بالتحذير من الاحتجاجات، بل قدم سيناريو يتضمن احتمال انتشار الفوضى وخروج مجرمين من السجون وأقسام الشرطة، إلى جانب عمليات نهب وقتل واقتحام للمنازل.

وهنا تتحول الرسالة من مجرد تحذير سياسي إلى تصوير سيناريو أمني شامل لما يمكن أن يحدث في حال حدوث اضطرابات واسعة.

وتطرح هذه التصريحات سؤالاً حول مصدر هذه التصورات، وما إذا كانت مجرد قراءة سياسية لأسوأ الاحتمالات، أم أنها تستند إلى مخاوف أمنية فعلية بشأن ما يمكن أن يحدث في حال اتساع الاحتجاجات.

من «لماذا يغضب الناس؟» إلى «ماذا سيحدث إذا خرجوا؟»

أحد أبرز جوانب هذا الخطاب يتمثل في تغيير زاوية النقاش. فبدلاً من التركيز على أسباب الغضب الشعبي، مثل ارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية أو الأوضاع المعيشية، يصبح النقاش منصباً على سؤال آخر: ماذا سيحدث إذا خرج الناس إلى الشارع؟

وهذا التحول مهم سياسياً وإعلامياً، لأنه ينقل النقاش من معالجة أسباب الاحتقان إلى التحذير من نتائجه المحتملة. وبذلك يصبح المواطن أمام معادلة تبدو مبسطة: إما الحفاظ على الاستقرار، أو المخاطرة بالفوضى.

لماذا تحضر «الفوضى» بقوة في الخطاب السياسي؟

يستند خطاب التحذير من الفوضى إلى تجربة تاريخية لا تزال حاضرة في الوعي المصري. فقد شهدت البلاد بعد عام 2011 اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة، وأصبحت تلك المرحلة مرجعاً متكرراً في الخطاب الرسمي والإعلامي عند الحديث عن الاحتجاجات.

ومن وجهة نظر مؤيدي هذا الخطاب، فإن استدعاء هذه التجربة يمثل تحذيراً واقعياً من نتائج انهيار مؤسسات الدولة.

لكن منتقدين يرون أن التركيز المستمر على سيناريو الفوضى يمكن أن يتحول إلى وسيلة لردع الاحتجاج، خصوصاً عندما يتم تقديم الخيارات أمام المواطن باعتبارها محصورة بين دعم النظام أو مواجهة انهيار أمني شامل.

السؤال الأكثر حساسية: من يحمي الشارع إذا حدثت الفوضى؟

يثير السيناريو الذي يطرحه بكري سؤالاً آخر يتعلق بدور مؤسسات الدولة. فإذا كان الحديث عن خروج أعداد كبيرة من المواطنين إلى الشوارع يقترن باحتمال انتشار البلطجية والمجرمين ووقوع عمليات نهب واقتحام، فإن السؤال يصبح: كيف ستتعامل مؤسسات الأمن والدولة مع مثل هذا السيناريو؟

وهنا تتقاطع المسألة مع سؤال أوسع حول قدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على الأمن في حالات الاضطراب، وحول مدى استعدادها للتعامل مع احتجاجات واسعة من دون أن تتحول إلى أزمة أمنية شاملة.

ولا يمكن الجزم، استناداً إلى التصريحات وحدها، بأن هناك سيناريو أمنياً محدداً يجري الإعداد له، لكن طرح هذه التفاصيل في الخطاب الإعلامي يفتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة المخاوف التي تقف خلفها.

بين التحذير المشروع وتخويف الشارع

من الطبيعي أن تحذر أي دولة مواطنيها من أعمال العنف أو التخريب أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. كما أن حماية الأمن ومنع الفوضى مسؤولية أساسية لأي مؤسسة دولة.

لكن الإشكالية تبدأ عندما يصبح التحذير من الفوضى هو الرسالة الرئيسية في كل نقاش يتعلق بالاحتجاجات، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بأسباب الاحتقان ومطالب المواطنين إلى الخلفية.

فالمعادلة الأكثر تعقيداً ليست بالضرورة: النظام أو الفوضى، وإنما كيفية تحقيق الاستقرار مع معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي قد تدفع المواطنين إلى الاحتجاج.

هل يكشف الخطاب خوفاً من الشارع؟

لا يمكن من تصريحات فردية وحدها إثبات أن النظام المصري يخشى اندلاع ثورة جديدة، كما لا يمكن الجزم بأن الحديث عن الفوضى يعني وجود معلومات مسبقة عن احتجاجات قادمة.

لكن تكرار الخطاب نفسه، من التحذير من النزول إلى الشارع إلى استدعاء سيناريوهات الفوضى، يجعل المسألة جديرة بالتحليل.

فإذا كانت الرسالة موجهة أساساً لحماية المواطنين من مخاطر الانفلات، فهي تعكس هاجساً أمنياً وسياسياً مفهوماً. أما إذا تحولت هذه الرسائل إلى أداة لمنع أي نقاش حول أسباب الغضب الشعبي، فإنها تصبح جزءاً من معركة سياسية وإعلامية حول حدود الاحتجاج وحق المواطنين في التعبير.

بين تحذيرات عبد الفتاح السيسي السابقة من تكرار الفوضى التي أعقبت عام 2011، وتصريحات مصطفى بكري التي تستحضر سيناريوهات السجون والنهب والقتل واقتحام المنازل، تبدو الرسالة العامة متشابهة: الخروج إلى الشارع قد تكون له تكلفة تتجاوز الاحتجاج نفسه.

لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو الأهم: هل تكفي التحذيرات من الفوضى لتهدئة الشارع، أم أن معالجة أسباب الغضب الاقتصادي والاجتماعي هي الطريق الأكثر فعالية للحفاظ على الاستقرار؟

وفي النهاية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بما قد يحدث إذا خرج المصريون إلى الشارع، بل أيضاً بما يدفعهم إلى التفكير في الخروج من الأساس.

عن Admin