
“فِدا” رابطة دولية لعائلات المعتقلين السياسيين في مصر للضغط لإنهاء ملف الاحتجاز.. الجمعة 14 أغسطس 2026.. هيومن رايتس ووتش في الذكرى الـ 13 لمذبحة رابعة العدوية: جريمة ضد الإنسانية والقتل لا يزال مستمراً
شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري
*هيومن رايتس ووتش في الذكرى الـ 13 لمذبحة رابعة العدوية: جريمة ضد الإنسانية والقتل لا يزال مستمراً
أعادت منظمة “هيومان رايتس وواتش” اليوم 14 أغسطس 2026، تذكير العالم بالذكرى الـ 13 لمذبحة رابعة العدوية، التي قتل فيها نظام عبد الفتاح السيسي قرابة 900 إلى 2000 من المعتصمين المحتجين على الانقلاب ضد الرئيس محمد مرسي، وفق تقديرات مختلفة، مؤكده أنها “جريمة ضد الإنسانية”، فيما أعاد نشطاء نشر صور مجرمي المذبحة الذين وقفوا وراءها من المسئولين المختلفين.
قال: “قبل 13 عاما، ارتكبت السلطات المصرية ما قد يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية، إذ فرّقت اعتصام رابعة بالقوة، ما أسفر عن مقتل مئات المتظاهرين”.
وأكدت: “اليوم، يستمر القتل خارج نطاق القضاء والتعذيب وغير ذلك من الانتهاكات المروعة على يد قوات الأمن في ظل إفلات شبه تام من العقاب”.
وشدد على أنه “ينبغي لشركاء مصر الدوليين استخدام كل الوسائل المتاحة لهم لتتم محاسبة الجناة وإرساء سيادة القانون في مصر”.
وقد أكدت رابطة أسر المعتقلين مصر أن إعادة نشر هذه الأسماء ليست حكمًا قضائيًا بالإدانة، وإنما مطالبة بتحقيق مستقل وفعال في المسؤوليات التي وثقها التقرير، وصولًا إلى الحقيقة والمساءلة.
وترى رابطة أسر المعتقلين مصر أن إغلاق صفحات الماضي لا يكون بالصمت أو النسيان، وإنما بكشف الحقيقة كاملة، وتمكين أسر الضحايا من العدالة، والتحقيق مع كل من توجد أدلة جدية على مسؤوليته.
جريمة مُدبرة
وعقب المذبحة أصدرت هيومان رايتس بيانا بعنوان “رابعة وغيرها من وقائع القتل هي على الأرجح جرائم ضد الإنسانية”، وقال حقوقيون أن رابعة جريمة لا تسقط بالتقادم.
وبحسب تقرير هيومن رايتس ووتش فإن ما حدث لم يكن مجرد تحرك أمني خرج عن السيطرة، بل عملية سبقتها اجتماعات وتخطيط وقرارات على مستويات سياسية وأمنية وعسكرية متعددة.
وقالت هيومن رايتس ووتش إن وقائع القتل الممنهج وواسع النطاق لما لا يقل عن 1150 متظاهراً بأيدي قوات الأمن المصرية في يوليو وأغسطس من عام 2013 ترقى على الأرجح إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية.
قالت: في فض اعتصام رابعة العدوية وحده في 14 أغسطس، قامت قوات الأمن، باتباع خطة تتحسب لعدة آلاف من الوفيات، بقتل 817 شخصاً على الأقل، وأكثر من ألف على الأرجح.
ويعمل التقرير المكون من 188 صفحة، تحت عنوان ” حسب الخطة: مذبحة رابعة والقتل الجماعي للمتظاهرين في مصر”، على توثيق كيفية قيام الشرطة والجيش المصريين على نحو ممنهج بإطلاق الذخيرة الحية على حشود من المتظاهرين المعارضين لخلع الجيش في 3 يوليو لمحمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في مصر، في ست مظاهرات بين 5 يوليو و17 أغسطس 2013.
قال كينيث روث، المدير التنفيذي لـ هيومن رايتس ووتش: “في ميدان رابعة قامت قوات الأمن المصرية بتنفيذ واحدة من أكبر وقائع قتل المتظاهرين في يوم واحد في تاريخ العالم الحديث.
ولم تكن تلك مجرد حالة من حالات القوة المفرطة أو ضعف التدريب، بل كانت حملة قمعية عنيفة مدبرة من جانب أعلى مستويات الحكومة المصرية. وما زال العديد من المسؤولين أنفسهم يشغلون مناصبهم في مصر، وهناك الكثير مما يتعين مساءلتهم عليه.
ونشرت هيومن رايتس ووتش مقطع فيديو يوضح الأحداث أثناء تلاحقها بميدان رابعة يوم 14 أغسطس/آب، بما فيه شهادات حية من الشهود والضحايا.
وقالت: أخفقت السلطات في محاسبة ولو فرد واحد من أفراد الشرطة أو الجيش ذوي الرتب المنخفضة على أي من وقائع القتل، ناهيك عن أي مسؤول من الذين أمروا بها، كما تواصل قمع المعارضة بوحشية.
وفي ضوء استمرار الإفلات من العقاب تنشأ حاجة إلى التحقيق والملاحقة الدوليين للمتورطين، بحسب هيومن رايتس ووتش كما يتعين على الدول أيضاً تعليق مساعداتها العسكرية والمتعلقة بإنفاذ القانون المخصصة لمصر حتى تتبنى إجراءات لإنهاء انتهاكاتها الجسيمة للحقوق.
وأجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع أكثر من 200 شاهد، وبينهم متظاهرون وأطباء وسكان من مناطق الأحداث وصحفيون مستقلون، وزارت كل موقع من مواقع التظاهر أثناء الاعتداءات أو مباشرة في أعقاب بدئها، وراجعت أدلة مادية وساعات من مقاطع الفيديو وكذلك تصريحات مسؤولين حكوميين. كما كاتبت هيومن رايتس ووتش الوزارات المصرية المعنية لالتماس وجهة نظر الحكومة في تلك الأحداث، إلا أنها لم تتلق أية ردود.
ويشتمل التقرير على فحص تفصيلي لتخطيط وتنفيذ عملية فض اعتصام رابعة العدوية، حيث كان عشرات الآلاف من مؤيدي مرسي السلميين في غالبيتهم، وبينهم سيدات وأطفال، قد نظموا اعتصاما مفتوحاً من 3 يوليو وحتى 14 أغسطس للمطالبة بإعادة مرسي.
واستخدمت هيومن رايتس ووتش صوراً فوتوغرافية ملتقطة بالأقمار الصناعية لإحدى ليالي الاعتصام، ليلة 2 أغسطس، فقدرت أن ما يقرب من 85 ألف متظاهر كانوا بالميدان في تلك الليلة.
في 14 أغسطس هاجمت قوات الأمن مخيم اعتصام رابعة من كل مدخل من مداخله الرئيسية، باستخدام ناقلات الأفراد المدرعة (المدرعات) والجرافات والقوات البرية والقناصة.
كما لم تقدم قوات الأمن تحذيراً فعالاً يذكر وفتحت النار على حشود كبيرة، ولم تترك مخارجاً آمنة لمدة تقترب من 12 ساعة. وأطلقت قوات الأمن النار على المرافق الطبية الميدانية
كما وضعت القناصة في مواقع تتيح لهم استهداف أي شخص يسعى لدخول مستشفى رابعة أو الخروج منه. وقرب نهاية اليوم تم إشعال النيران في المنصة المركزية والمستشفى الميداني والطابق الأول من مستشفى رابعة، بأيدي قوات الأمن في الأغلب.
حاول المسؤولون المصريون تبرير فضهم لاعتصام رابعة بادعاء أنه كان يعطل حياة سكان المنطقة، ويوفر ساحة للتحريض والإرهاب، وموقعاً لقيام المتظاهرين باحتجاز معارضين والإساءة إليهم، إلا أن قتل 817 متظاهراً لا يتناسب مع أي تهديد كان يقع على السكان المحليين أو على أفراد الأمن أو غيرهم وفق المنظمة الدولية.
قال كينيث روث: “إن الأدلة التي تبين قيام قوات الأمن بفتح النار على حشود من المتظاهرين من الدقائق الأولى لعملية الفض تكذب أية مزاعم بسعي الحكومة لتقليل الخسائر.
وقد أدت الطريقة الوحشية التي اتبعتها قوات الأمن في فض هذه المظاهرة إلى حصيلة وفيات صادمة كان يمكن لأي شخص التنبؤ بها، بل إن الحكومة توقعتها”
الداخلية توقعت قتل 3500
وفي اجتماع مع منظمات حقوقية محلية بتاريخ 5 أغسطس، قال أحد مسؤولي وزارة الداخلية إن الوزارة تتوقع حصيلة وفيات تصل إلى 3500 شخص.
وفي مقابلة متلفزة بتاريخ 31 أغسطس/آب 2013، قال وزير الداخلية محمد إبراهيم إن الوزارة توقعت خسائر تبلغ “10 بالمئة من الأشخاص” في رابعة، معترفاً بوجود “أكثر من 20 ألف شخص” في الاعتصام.
في سبتمبر قال رئيس الوزراء حازم الببلاوي لصحيفة “المصري اليوم” المصرية إن عدد المتظاهرين المقتولين في رابعة وفي الاعتصام الأصغر حجماً بميدان النهضة بالجيزة يوم 14 أغسطس “يقترب من الألف”.
وأضاف أن “المتوقع كان أكثر بكثير مما حدث والنتيجة النهائية كانت أقل من توقعاتنا” وفي اليوم التالي للفض قال إبراهيم لـ”المصري اليوم” إن “خطة الفض نجحت بنسبة مئة بالمئة”.
المسئولون عن الجريمة
وقد حددت هيومن رايتس ووتش أكثر من عشرة من كبار القادة ضمن تسلسل القيادة الذين ينبغي التحقيق معهم لدورهم في أعمال القتل تلك، وبينهم وزير الداخلية إبراهيم، ووزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، ومدحت المنشاوي قائد القوات الخاصة وقائد عملية رابعة.
وقالت: حيثما توافرت أدلة على المسؤولية، تنبغي محاسبة هؤلاء الأشخاص فردياً على التخطيط والتنفيذ أو الإخفاق في منع القتل الممنهج وواسع النطاق المتوقع للمتظاهرين.
وقالت إنه على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إنشاء لجنة لتقصي الحقائق للتحقيق في وقائع القتل الجماعي للمتظاهرين منذ 30 يونيو/حزيران 2013. كما ينبغي توجيه التهم الجنائية إلى المتورطين في تلك الأفعال، بما في ذلك أمام محاكم تطبق مبدأ الاختصاص الشامل.
وعلى الدول أيضاً تعليق مساعداتها العسكرية والمتعلقة بإنفاذ القانون المخصصة لمصر حتى تتبنى إجراءات لإنهاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
وتناول التقرير مسؤولين محددين، مع التمييز بين من نسب إليهم أدوارًا مباشرة وبين من قال إن أدوارهم تستوجب مزيدًا من التحقيق.
محمد إبراهيم.. وزير الداخلية وخطة الفض
يضع التقرير وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم في موقع محوري، إذ ينسب إليه صياغة خطة فض اعتصامي رابعة والنهضة والإشراف على تنفيذها. وهنا يبرز السؤال: من وضع قواعد استخدام القوة؟ ومن أجازها؟ وما التدابير التي اتُخذت لحماية الأرواح؟
عبد الفتاح السيسي.. على رأس القيادة العسكرية
كان عبد الفتاح السيسي وقت الأحداث وزيرًا للدفاع والقائد العام للقوات المسلحة ونائبًا لرئيس الوزراء للشؤون الأمنية، ويضعه التقرير ضمن أبرز المسؤولين الذين يستوجب دورهم التدقيق في سياق التخطيط للأحداث، بالنظر إلى موقعه في قمة تسلسل القيادة العسكرية.
مدحت المنشاوي.. قيادة العملية ميدانيًا
ينسب التقرير إلى مدحت المنشاوي، قائد القوات الخاصة آنذاك، دورًا ميدانيًا رئيسيًا في عملية فض رابعة، ويتناول الاتصالات التي جرت بينه وبين وزير الداخلية أثناء التنفيذ.
ولذلك يجب أن يشمل التحقيق مستويات القيادة الميدانية والأوامر وكيفية تنفيذها.
قيادات الداخلية والأمن
يمتد نطاق المسؤوليات التي طالب التقرير بالتحقيق فيها إلى عدد من كبار قيادات وزارة الداخلية آنذاك، ومن بينهم أشرف عبد الله، وأحمد حلمي، وخالد ثروت، وأسامة الصغير، وحسين القاضي، ومصطفى رجائي.
ولا يعني إدراج هؤلاء ثبوت مسؤولية جنائية بحق أي منهم، وإنما يعني أن مواقعهم القيادية تثير أسئلة تستوجب تحقيقًا مستقلًا في حدود العلم والمشاركة وإصدار الأوامر والإشراف على التنفيذ.
المخابرات والقيادة العسكرية
تناول التقرير أدوار عدد من القيادات العسكرية والاستخباراتية، ومنهم محمد فريد التهامي، ومحمد زكي، وصدقي صبحي، ومحمد حجازي، في سياق تقييم المسؤولية القيادية وحضور الاجتماعات المرتبطة بالتخطيط لعملية الفض.
حازم الببلاوي وعدلي منصور.. المسؤولية السياسية
امتد التقرير إلى المستوى السياسي والمدني؛ فبحسبه راجعت الحكومة برئاسة حازم الببلاوي خطة وزارة الداخلية لفض الاعتصامين ووافقت عليها، كما تناول دور عدلي منصور، الرئيس المؤقت آنذاك ورئيس مجلس الدفاع الوطني، في المؤسسات التي ناقشت إجراءات الفض.
وهذا البعد مهم، لأن المساءلة لا ينبغي اختزالها فيمن نفذ الأمر ميدانيًا، بل يجب أن تبحث في كيفية اتخاذ القرار ومن وافق عليه ومن كان يعلم بالمخاطر المتوقعة.
أبو بكر عبد الكريم.. تقديرات الخسائر قبل الفض
يتناول التقرير كذلك أبو بكر عبد الكريم، مساعد وزير الداخلية لحقوق الإنسان آنذاك، مشيرًا إلى اجتماع سابق للفض نوقشت خلاله العملية والتقديرات المحتملة للخسائر البشرية.
وقالت المنظمة: إذا كانت السلطات قد امتلكت تقديرات مسبقة بشأن أعداد الضحايا المحتملين، فإن ذلك يضاعف أهمية التحقيق في التدابير التي اتُخذت لتجنب هذه الخسائر.
ثلاثة عشر عامًا.. أين التحقيق المستقل؟
وتقول هيومان رايتس إن أخطر ما في ملف رابعة ليس فقط حجم ما وقع في 14 أغسطس 2013، وإنما استمرار غياب مسار مساءلة مستقل وشفاف يفحص المسؤولية الفردية لكل من شارك في اتخاذ القرار أو التخطيط أو إصدار الأوامر أو التنفيذ، مع ضمانات المحاكمة العادلة.
خمسة مذابح أخرى
وقد وثقت هيومن رايتس ووتش أيضاً خمس وقائع أخرى للقتل غير المشروع في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2013:
- في 5 يوليو/تموز قام جنود بإطلاق النيران المميتة على 5 متظاهرين أمام مقر الحرس الجمهوري بشرق القاهرة، وبينهم واحد كان يحاول وضع ملصق لمرسي على سور أمام المقر. تم تصوير واقعة القتل بالفيديو.
- في 8 يوليو/تموز فتحت قوات الشرطة والجيش النار على حشود من مؤيدي مرسي في اعتصام سلمي أمام مقر الحرس الجمهوري فقتلت ما لا يقل عن 61 منهم. وقتل اثنان من رجال الشرطة.
- في 27 يوليو/تموز فتحت الشرطة النار على مسيرة لمؤيدي مرسي قرب النصب التذكاري في شرق القاهرة، فقتلت ما لا يقل عن 95 متظاهراً. وقتل رجل شرطة واحد في الاشتباكات.
- في 14 أغسطس/آب قامت قوات الأمن بفض الاعتصام بميدان النهضة، فقتلت ما لا يقل عن 87 متظاهراً وأدت الاشتباكات إلى حالتي وفاة بصفوف الشرطة.
- في 16 أغسطس/آب فتحت الشرطة النار على مئات المتظاهرين في منطقة ميدان رمسيس بوسط القاهرة فقتلت ما لا يقل عن 120 متظاهراً. وقتل اثنان من رجال الشرطة.
منذ أحداث يوليو/تموز وأغسطس/آب 2013، وبالإضافة إلى مواصلة فتح النار على المتظاهرين، انخرطت السلطات المصرية في حملة قمعية على نطاق لم يسبق له مثيل في السنوات الأخيرة، بما في ذلك فرض قيود مشددة على حريات التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات
فقامت بتنفيذ حملات جماعية للاعتقال التعسفي والتعذيب، وحرمان المحتجزين وبينهم ما لا يقل عن 22 ألفاً من مؤيدي الإخوان المسلمين من الحقوق الأساسية في سلامة الإجراءات، وإصدار أحكام جماعية بالسجن لفترات طويلة والإعدام على المعارضين.
وأنشأت الحكومة لجنة رسمية لتقصي الحقائق للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان منذ 30 يونيو/حزيران 2013، كما قام المجلس القومي لحقوق الإنسان، ذي الصفة شبه الرسمية، بإصدار تقرير منفصل في مارس/آذار 2014 يؤكد فيه أن قوات الأمن استخدمت القوة المفرطة في رابعة.
ومع ذلك فلم تكن هناك محاسبة رسمية على ما حدث، ولا أية تحقيقات أو ملاحقات قضائية ذات مصداقية.
وقد رفضت الحكومة الإقرار بأي خطأ من جانب قوات الأمن وبدلاً من هذا أعادت رصف الشوارع وبناء المباني المتضررة، ووزعت المكافآت على أفراد القوات المشاركة في عمليات الفض، وأقامت نصباً تذكارياً لتكريم الشرطة والجيش في قلب ميدان رابعة.
قال كينيث روث: “إن جهود الحكومة المستمرة لسحق المعارضة، وكنس انتهاكاتها تحت البساط، وإعادة كتابة التاريخ، لا يمكنها أن تمحو ما حدث في رابعة في العام الماضي. وبالنظر إلى إخفاق مصر المدوي في التحقيق في تلك الجرائم فقد آن للمجتمع الدولي أن يتدخل”
*”فِدا” رابطة دولية لعائلات المعتقلين السياسيين في مصر للضغط لإنهاء ملف الاحتجاز
أعلنت عائلات معتقلين سياسيين في مصر، الخميس، تأسيس كيان قانوني جديد باسم «رابطة أهالي المعتقلين المصريين – فِدا»، بهدف تمثيل أسر المحتجزين أمام الجهات والمؤسسات المعنية داخل مصر وخارجها، والمطالبة بإغلاق ملف الاحتجاز السياسي والإفراج عن المعتقلين.
وقالت الرابطة، في بيانها التأسيسي، إن هدفها الأساسي يتمثل في البحث عن حلول عملية لإنهاء معاناة المعتقلين المستمرة منذ سنوات، مؤكدة استعدادها للتعاون مع كل الجهات والشخصيات القادرة على المساهمة في معالجة الملف.
وتسعى «فِدا» إلى توسيع نشاطها ليشمل أسر المعتقلين المصريين في مختلف أنحاء العالم، وإبقاء قضيتهم حاضرة على المستويين المحلي والدولي، إلى جانب المطالبة بمحاكمات عادلة وضمان ظروف احتجاز لائقة، واستخدام الوسائل القانونية والسياسية المتاحة للمطالبة بالإفراج عنهم.
وتتضمن خطة الرابطة التواصل مع المؤسسات المصرية والدولية، وشخصيات سياسية ودينية وحقوقية وإعلامية، فضلاً عن التحرك أمام الأمم المتحدة والهيئات التابعة لها والمعنية بالاحتجاز والاختفاء القسري، ورفع دعاوى أمام الجهات القضائية المختصة بشأن الانتهاكات التي تقول إن المعتقلين يتعرضون لها، وتنظيم فعاليات تضامنية مع السجناء.
60 ألف مسجون سياسي
ويأتي تأسيس الرابطة في ظل غياب رقم رسمي معلن من السلطات المصرية بشأن أعداد المحتجزين على خلفية سياسية. وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد قدرت عام 2017 عدد من سُجنوا لأسباب سياسية منذ 2013 بنحو 60 ألف شخص، إلا أن هذا الرقم لا يمثل إحصاءً حديثاً أو دقيقاً لعدد المعتقلين الموجودين حالياً في السجون المصرية.
وتقول منظمات حقوقية إن الاحتجاز السياسي في مصر يشمل، إلى جانب المعارضين السياسيين، صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان وأكاديميين ومتظاهرين وأشخاصاً أوقفوا على خلفية التعبير عن آرائهم أو نشاطهم السياسي.
وفي تقريرها العالمي لعام 2026، أشارت «هيومن رايتس ووتش» إلى استمرار الحبس الاحتياطي المطول وأحكام قضائية اعتبرتها صادرة بعد محاكمات غير عادلة، إضافة إلى اتهامات بالاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وسوء المعاملة.
كما يركز ملف «فِدا» على أوضاع السجون والرعاية الصحية، إذ تقول الرابطة إن المعتقلين يواجهون مشكلات متفاوتة تتعلق بالرعاية الطبية والتغذية والتهوية والاكتظاظ، إلى جانب القيود المفروضة على الزيارات والأنشطة ووسائل الاطلاع على الأخبار، مطالبة بتطبيق القواعد القانونية المصرية والمعايير الدولية الخاصة بمعاملة المحتجزين.
وتستند الرابطة في جانب من مطالبها إلى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أطلقتها الحكومة المصرية عام 2021، والتي تضمنت تعهدات بتحسين ظروف الاحتجاز، وتعزيز الرقابة على أماكن الاحتجاز، والتوسع في الإفراج الشرطي والعفو الرئاسي والإفراج عن بعض المحكوم عليهم وفق الضوابط القانونية.
وترى عائلات المعتقلين أن تأسيس «فِدا» يمثل محاولة للانتقال من المناشدات الفردية والمتفرقة إلى إطار جماعي منظم، خصوصاً مع امتداد فترات الاحتجاز لسنوات وما يترتب عليها من آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية على أسر المحتجزين.
وأكدت الرابطة أن تحركها لا يستهدف الانحياز إلى تيار سياسي محدد، وإنما يركز على تمثيل أهالي المعتقلين والمطالبة بحقوقهم القانونية والإنسانية، وفتح قنوات تواصل مع المؤسسات المصرية والدولية بهدف الوصول إلى حلول تنهي ملف الاحتجاز السياسي.
*اعتداء على المعتقل “محمد حسين ذكي” بعد عودته من «القصر العيني» وسط مخاوف من فقدانه البصر
رصد مركز الشهاب لحقوق الإنسان واقعة اعتداء على المعتقل الشاب محمد حسين ذكي، البالغ من العمر 27 عامًا، من مدينة طوخ بمحافظة القليوبية، والمحبوس احتياطيًا في سجن بدر 1، وذلك أثناء عودته من مستشفى القصر العيني، حيث كان قد توجه إلى المستشفى لإجراء فحوصات طبية على عينيه، في ظل تدهور شديد في قدرته على الإبصار ومخاوف متزايدة من تعرضه لفقدان البصر.
وبحسب المعلومات التي تلقاها المركز الحقوقي، فإن الواقعة جاءت خلال رحلة عودة محمد حسين ذكي من المستشفى برفقة اثنين من المعتقلين المرضى، حيث نشبت مشادة كلامية عقب مطالبة المعتقلين بالحصول على الرعاية الطبية التي يحتاجون إليها، وعدم تأخيرهم أثناء عمليات الترحيل والتنقل بين أماكن الاحتجاز والمستشفيات، خشية أن يؤدي التأخير أو الإهمال إلى تفاقم أوضاعهم الصحية.
مشادة بسبب العلاج تتحول إلى اعتداء
وأفادت المعلومات التي نشرها مركز الشهاب بأن المشادة الكلامية تصاعدت، قبل أن يتعرض المعتقلون الثلاثة، وفقًا لرواية المركز، للاعتداء بالضرب من جانب عدد من ضباط الشرطة المسؤولين عن عمليات الترحيل، بقيادة ضابط برتبة عميد يُدعى أشرف، وبمشاركة عدد من ضباط المباحث.
ووفقًا للمعلومات الواردة إلى المركز، أسفر الاعتداء عن إصابة المعتقلين الثلاثة، من بينها إصابات في منطقة الرأس، قبل إعادتهم إلى مقر احتجازهم.
وتثير الواقعة، بحسب المركز الحقوقي، مخاوف إضافية بشأن أوضاع المعتقلين الصحية، خاصة أن الاعتداء جاء في أعقاب مطالبتهم بالحصول على الرعاية الطبية، وليس بعيدًا عن سياق صحي يستدعي المتابعة والعلاج، وعلى رأسهم محمد حسين ذكي الذي يعاني من تدهور حاد في مستوى الإبصار.
مخاوف من تدهور حالة محمد حسين ذكي
وتكتسب حالة محمد حسين ذكي أهمية خاصة، وفق ما أورده مركز الشهاب، بسبب معاناته من مشكلات شديدة في النظر دفعته إلى التوجه إلى مستشفى القصر العيني لإجراء الكشف والفحوصات اللازمة.
وبحسب المعلومات المتداولة حول حالته، فإن استمرار تدهور قدرته على الإبصار، إلى جانب ما يثار بشأن تعرضه للاعتداء عقب عودته من المستشفى، يثير مخاوف من عدم حصوله على الرعاية الطبية الكافية في الوقت المناسب، خصوصًا إذا كان يحتاج إلى فحوصات متخصصة أو علاج عاجل للحفاظ على قدرته على الإبصار.
ويحذر المركز من أن أي تأخير في تقديم الرعاية الطبية للمحتجزين المرضى قد يؤدي إلى مضاعفات صحية، لا سيما في الحالات التي تتطلب متابعة مستمرة أو تدخلًا طبيًا متخصصًا.
تهديدات بحرمان المعتقلين من العلاج
ولا تتوقف المخاوف التي أثارتها الواقعة عند حدود الاعتداء البدني، إذ أفاد مركز الشهاب أيضًا بتعرض المعتقلين، بحسب المعلومات التي تلقاها، للتعدي اللفظي والتهديد بحرمانهم من العلاج والرعاية الطبية، وهو ما يزيد من خطورة الواقعة، في حال ثبوت هذه الادعاءات.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق مطالبة المعتقلين بالحصول على حقوقهم الصحية الأساسية وعدم تعطيل وصولهم إلى الرعاية الطبية، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول الإجراءات المتبعة أثناء نقل المرضى من أماكن الاحتجاز إلى المستشفيات، ومدى وجود ضمانات تحول دون تعرضهم للإساءة أو الانتقام بسبب المطالبة بالعلاج.
كما تثير الواقعة تساؤلات حول آليات متابعة الحالة الصحية للمحتجزين بعد عودتهم من المستشفيات، وما إذا كانت الإصابات التي لحقت بالمعتقلين الثلاثة قد خضعت لفحص طبي مستقل، وما إذا كانت نتائج تلك الفحوصات قد جرى توثيقها رسميًا.
مطالب بالتحقيق في ملابسات الواقعة
وأكد مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن حرمان المحتجزين من الرعاية الطبية أو الاعتداء عليهم بسبب مطالبتهم بحقهم في العلاج، حال ثبوت الواقعة، يمثل انتهاكًا لحقوقهم الأساسية، داعيًا إلى فتح تحقيق عاجل ومستقل للكشف عن ملابسات ما حدث.
وطالب المركز بالتحقق من تفاصيل الاعتداء، والاستماع إلى أقوال المعتقلين الثلاثة، وفحص الإصابات التي تعرضوا لها، إلى جانب تحديد المسؤولين عن الواقعة ومحاسبة كل من يثبت تورطه فيها.
كما شدد المركز على ضرورة ألا يقتصر التحقيق على واقعة الاعتداء البدني، وإنما أن يشمل كذلك ما أثير بشأن التهديد بحرمان المعتقلين من العلاج والرعاية الطبية، باعتبار أن الرعاية الصحية للمحتجزين تمثل جزءًا أساسيًا من واجب السلطات المسؤولة عن أماكن الاحتجاز.
دعوات لضمان العلاج دون تأخير
وفي السياق ذاته، طالب مركز الشهاب إدارة سجن بدر والجهات المختصة بضمان حصول محمد حسين ذكي وزميليه على الرعاية الطبية اللازمة، وإجراء جميع الفحوصات والعلاجات المطلوبة دون تأخير.
وطالب المركز كذلك بتوفير الحماية للمعتقلين من أي صورة من صور الانتقام أو إساءة المعاملة بسبب مطالبتهم بحقوقهم الصحية والإنسانية، مع ضرورة ضمان وصولهم إلى الأطباء والمتخصصين متى دعت حالتهم الصحية إلى ذلك.
*طالب روسي بالأزهر يشكو حملات تفتيش واحتجاز بحق طلاب أجانب.. وقلق من تكرار ملاحقة الدارسين
أثار مقطع مصور لطالب أزهري يحمل الجنسية الروسية شكوى بشأن ما وصفه بحملات تفتيش واحتجاز تطال طلابًا أجانب في القاهرة، موجة من التساؤلات حول أوضاع الطلاب القادمين من الخارج لدراسة اللغة العربية والعلوم الشرعية في المؤسسات التعليمية المصرية، خاصة المنتمين إلى جمهوريات شمال القوقاز.
وقال الطالب، في مقطع متداول، إن عددًا من الطلاب الأجانب يعيشون حالة من القلق بسبب حملات التفتيش التي تستهدف أماكن إقامتهم، مشيرًا إلى مخاوف من توقيف بعض الطلاب والتحقيق معهم في قسم مدينة نصر، في ظل تكرار شكاوى مشابهة خلال السنوات الماضية من طلاب روس وغيرهم من الدارسين في مصر.
وتأتي هذه الشكاوى في سياق تقارير حقوقية وإعلامية تحدثت عن توقيفات طالت طلابًا أجانب، بينهم طلاب يحملون الجنسية الروسية من مناطق مثل داغستان والشيشان وبيشكورتوستان، ممن يدرسون اللغة العربية أو العلوم الإسلامية في الأزهر أو بعض المعاهد الدينية واللغوية.
وتقول تقارير حقوقية إن بعض الحالات تضمنت مداهمات لمساكن طلاب، وفحص أوراق الإقامة، والتحفظ على بعض الأشخاص لفترات متفاوتة، بينما تشير الجهات الرسمية عادة إلى أن الإجراءات تأتي ضمن حملات متابعة أوضاع الأجانب والتأكد من سلامة الإقامات والالتزام بالقوانين المنظمة للإقامة والدراسة.
عمليات تفتيش تثير قلق الطلاب
شهدت السنوات الماضية تكرار شكاوى من طلاب أجانب بشأن حملات أمنية استهدفت أماكن إقامتهم في القاهرة، حيث أكد بعضهم أنهم تعرضوا للاستيقاف أو طلب مراجعة أوراقهم الرسمية، خاصة الطلاب الذين يواجهون مشكلات تتعلق بالإقامة أو الدراسة في جهات غير معترف بها.
وتتركز غالبية هذه الحالات بين الطلاب القادمين من مناطق ذات غالبية مسلمة في روسيا، والذين يقصدون مصر بهدف دراسة العلوم الشرعية واللغة العربية، سواء عبر جامعة الأزهر أو مؤسسات تعليمية أخرى.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن بعض التوقيفات السابقة ارتبطت بشبهات أمنية تتعلق بالاتصال بجماعات متطرفة أو الدراسة في مراكز غير خاضعة لإشراف رسمي، بينما يؤكد الطلاب وأسرهم أن بعض الإجراءات طالت دارسين لا علاقة لهم بأي أنشطة مخالفة.
ويرى الباحث في شؤون الهجرة والحقوق الدولية أحمد أبو الوفا أن التعامل مع الطلاب الأجانب يحتاج إلى تحقيق توازن بين متطلبات الأمن وضمان عدم تحويل الإجراءات الإدارية إلى مصدر خوف دائم للدارسين، مؤكدًا أهمية وضوح القواعد القانونية الخاصة بالإقامة والتعليم.
وقائع سابقة مع الطلاب الروس
لم تكن شكاوى الطلاب الروس بشأن أوضاعهم في مصر جديدة، إذ شهد عام 2009 توقيف عدد من الطلاب الروس الدارسين في الأزهر، ما دفع موسكو آنذاك إلى طلب توضيحات حول ملابسات احتجازهم والإجراءات المتخذة بحقهم.
كما ظهرت تقارير أخرى خلال السنوات التالية حول توقيف طلاب أجانب، بينهم طلاب من جمهوريات شمال القوقاز، في إطار حملات أمنية استهدفت مراجعة أوضاع المقيمين الأجانب في البلاد.
وخلال الفترة الأخيرة، أعادت شهادات متداولة لطلاب وأسرهم فتح الملف مجددًا، بعدما تحدثت عن تفتيش مساكن ومصادرة هواتف واحتجاز بعض الطلاب قبل اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم، من بينها الترحيل في بعض الحالات بسبب مخالفات تتعلق بالإقامة.
ويرى أستاذ القانون الدولي الدكتور أيمن سلامة أن الطلاب الأجانب يتمتعون بحقوق قانونية أثناء وجودهم في أي دولة، مشددًا على أن أي إجراءات أمنية بحقهم يجب أن تتم وفق ضمانات قانونية واضحة، مع احترام حقوقهم في التواصل مع الجهات القنصلية.
مطالب بضمانات قانونية
يثير ملف الطلاب الأجانب في مصر تساؤلات حول الحاجة إلى مزيد من الوضوح في الإجراءات الخاصة بالإقامة والدراسة، خاصة مع اعتماد عدد كبير من الطلاب على المؤسسات الدينية والتعليمية المصرية لاستكمال دراستهم.
ويطالب ناشطون حقوقيون بضرورة توفير قنوات رسمية واضحة أمام الطلاب الأجانب لتسوية أوضاعهم القانونية، وتسهيل إجراءات تجديد الإقامات، ومنع تعرض أي طالب لإجراءات مفاجئة دون معرفة الأسباب أو الحصول على الدعم القانوني اللازم.
كما ينصح خبراء الشؤون القنصلية الطلاب الأجانب بالالتزام بالدراسة في المؤسسات المعترف بها رسميًا، وتجديد الإقامات في المواعيد المحددة، والتواصل مع سفاراتهم عند مواجهة أي مشكلة قانونية أو إدارية.
ويؤكد مراقبون أن سمعة أي دولة تعليمية لا ترتبط فقط بقدرتها على استقبال الطلاب الدوليين، وإنما أيضًا بقدرتها على توفير بيئة آمنة ومستقرة لهم، تضمن احترام حقوقهم مع الالتزام بالقوانين المحلية.
وبينما يستمر تداول شكوى الطالب الروسي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يبقى ملف أوضاع الطلاب الأجانب في القاهرة بحاجة إلى مزيد من الشفافية، خاصة فيما يتعلق بحدود الإجراءات الأمنية وآليات حماية الطلاب خلال فترة دراستهم داخل مصر.
*استغاثة حقوقية تكشف اعتداءات بالضرب على خمسة محتجزين بسجن المنيا وإصابات خطيرة وسط مطالبات بالتحقيق العاجل
كشف مركز الشهاب لحقوق الإنسان عن تلقيه استغاثة بشأن تعرض خمسة محتجزين داخل سجن المنيا، بمنطقة عنبر الإعدام – تأهيل 2، لاعتداءات بالضرب داخل زنازينهم، ما أدى إلى إصابات يُشتبه في خطورتها، وسط مخاوف على حياتهم ومطالبات بتوفير الرعاية الطبية العاجلة وفتح تحقيق مستقل في الواقعة.
وبحسب الاستغاثة، فإن قوات من الأمن اقتحمت زنازين المحتجزين خالد عسكر، ومحمود وهبة، ومحمود عبادة، وكريم رستم، ومحمد دري، واعتدت عليهم باستخدام العصي، ما تسبب في إصابات تركزت في مناطق حساسة من أجسادهم، بينها الرأس والأضلاع والفك، وفق ما ورد إلى المركز الحقوقي.
وتشير المعلومات المتداولة إلى وجود اشتباه في إصابة خالد عسكر بكسور في الفك والأضلاع، إلى جانب إصابات بالأضلاع لدى محمود وهبة ومحمود عبادة، فضلاً عن كدمات وإصابات أخرى، وسط مخاوف من وجود نزيف داخلي أو إصابات بالرأس تحتاج إلى فحوصات متخصصة لا تتوافر داخل ظروف الاحتجاز الحالية.
كما أثارت الاستغاثة مخاوف إضافية بشأن عزل المصابين ومنعهم من التريض والزيارات، الأمر الذي يحجب عن أسرهم المعلومات المتعلقة بحالتهم الصحية، ويزيد من صعوبة الاطمئنان عليهم أو التأكد من حصولهم على العلاج المناسب في الوقت المناسب.
مطالبات بالكشف الطبي العاجل
وأوضح المركز الحقوقي أن خطورة الوضع لا ترتبط فقط بواقعة الاعتداء، وإنما أيضًا بالتعامل اللاحق مع المحتجزين بعد تعرضهم للإصابات، مشيرًا إلى ضرورة نقلهم إلى مستشفيات مجهزة لإجراء الأشعة والفحوصات اللازمة.
وأكد أطباء وخبراء في مجال الرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز أن الإصابات الناتجة عن الضرب على الرأس أو منطقة الصدر قد تحمل مخاطر غير ظاهرة فور وقوعها، مثل النزيف الداخلي أو الكسور غير المكتشفة، ما يجعل التدخل الطبي السريع أمرًا ضروريًا.
وفي هذا السياق، شدد الدكتور علاء الغمري، أستاذ الطب الشرعي، على أن تقييم الإصابات الجسدية الناتجة عن الاعتداءات يحتاج إلى فحص طبي متخصص وتوثيق دقيق، خاصة عندما تكون الإصابات في مناطق قد تهدد حياة المصاب.
وبناءً على ذلك، طالب مركز الشهاب بتمكين المحتجزين من الحصول على الرعاية الطبية، والسماح لأسرهم ومحاميهم بالاطلاع على أوضاعهم، مع ضمان عدم تعرضهم لأي إجراءات انتقامية بسبب الإبلاغ عن الانتهاكات.
تضارب بشأن أماكن الاحتجاز
وأفادت الاستغاثة بأن أسر بعض المحتجزين توجهت إلى سجن المنيا من أجل الزيارة، إلا أنها أُبلغت بأن ذويها جرى ترحيلهم إلى سجن بدر، قبل أن تصل لاحقًا معلومات تفيد ببقائهم داخل سجن المنيا وتعرضهم للاعتداء.
ويثير هذا التضارب حالة من القلق بين الأسر، خاصة مع صعوبة التواصل المباشر مع المحتجزين، وعدم وجود معلومات رسمية واضحة حول أماكن وجودهم أو حالتهم الصحية، في ظل استمرار عزلهم ومنع الزيارات وفق ما ورد في الشكوى.
ويرى المحامي الحقوقي خالد علي أن حق المحتجز في التواصل مع أسرته والحصول على الرعاية الطبية ليس امتيازًا، بل ضمانة قانونية أساسية لا يجوز تعطيلها تحت أي ظرف، مؤكدًا أن أي ادعاءات بالتعذيب أو سوء المعاملة يجب أن تخضع لتحقيق مستقل.
كما طالب المركز بفتح تحقيق عاجل في ملابسات الواقعة، وتحديد المسؤولين عن أي اعتداءات أو تجاوزات، مع محاسبة كل من يثبت تورطه، بما يضمن عدم تكرار مثل هذه الوقائع داخل أماكن الاحتجاز.
*رسالة مؤثرة لوالدة أسماء البلتاجي في الذكرى الـ 13 لاستشهادها برابعة
لا يزال مشهد احتضارها أمام الكاميرات ماثلاً في أذهان الملايين حتى بعد 13 عامًا، لتجسد واحدة من مئات القصص المأساوية في ذلك اليوم.
قتلت أسماء البلتاجي ابنة القيادي البارز الدكتور محمد البلتاجي في ميدان رابعة العدوية، بعد أن أُصيبت عن عمد بطلق ناري حي في الصدر والمعدة والظهر أثناء تواجدها بالقرب من المستشفى الميداني خلف المنصة الرئيسة للاعتصام.
نُقلت على إثر ذلك إلى المستشفى الميداني داخل الميدان، لكن بسبب ضعف الإمكانيات الطبية وحصار الميدان، عانت من نزيف داخلي حاد لعدة ساعات فارقت على إثره الحياة.
وأثبت التقرير الطبي الصادر عقب وفاتها أن الوفاة نتجت عن طلق ناري نفذ إلى الصدر وأحدث تهتكاً في الأوعية الدموية الرئيسة والرئة.
وشُيعت جنازتها في اليوم التالي 15 أغسطس من مسجد السلام بمدينة نصر، ودُفنت في مقابر الأسرة بالقاهرة غيابيًا عن والدها الذي كان ملاحقًا أمنيًا حينها قبل اعتقاله لاحقًا.
تساؤلات بلا إجابات
وفي ذكرى هذه الأحداث التي وصفت بأنها الأسوأ في تاريخ مصر الحديث، قالت والدتها الدكتورة سناء عبدالجواد عبر حسابها في موقع “فيسبوك”: “وبعد ثلاثة عشر سنة من مجزرة رابعة، ما زلنا نتساءل: كيف أقدموا على القتل؟ وكيف استطاع إنسان أن يتجرد من إنسانيته إلى هذا الحد، فيطلق النار على ابنتي أسماء، رمز الطهر والجمال، وعلى كل هؤلاء الأطهار الذين ارتقوا شهداء؟“.
وأضافت متسائلة: “كيف استطاع أن يرى دماءهم تراق أمام عينيه، ثم يمضي في حياته وكأن شيئا لم يكن؟، كيف استطاع أن يعيش بعد تلك الجريمة، وأن يحمل في قلبه ذكرى تلك اللحظة دون أن يهتز له ضمير؟“.
وتابعت: “ثلاثة عشر سنة مضت، وزهرتنا أسماء وكل الشهداء حاضرة في القلب والذاكرة، وما زال وجع الفراق يسكن قلوبنا، أما الظلم فلا يضيع عند الله، وسيأتي يوم ترد فيه المظالم، ويقتص للمظلوم من الظالم “وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ”.
*من داخل زنزانة الإعدام.. محمود عبادة يضرب عن الطعام بسجن المنيا شديد الحراسة
يخوض المعتقل محمود عبادة معركة الأمعاء الخاوية لليوم الرابع على التوالي داخل زنازين الإعدام بسجن المنيا شديد الحراسة، احتجاجًا على الانتهاكات المتصاعدة وحفلات التعذيب التي تطال الشباب.
وأعلن عبادة إضرابه الكامل عن الطعام رفضًا للمهانة والتجريد من المتعلقات وتضامنًا مع زملائه الذين يتعرضون لأبشع أنواع التنكيل في ظل غياب تام لأي رقابة أو محاسبة.
وقالت مؤسسة “جوار” الحقوقية، إن الإضراب يمثل صرخة غضب مدوية تخرج من قلب أقبية الموت وتؤكد أن إرادة الأحرار لا يمكن كسرها حتى تحت مقصلة الإعدام، وأن هؤلاء الشباب يفضلون الجوع والموت بكرامة على الخضوع لسياسات الإذلال التي تمارسها إدارة السجن بقيادة أحمد صدقي وأحمد جمال وأحمد الكاشف بقصد الانتقام منهم بشتى الطرق ومصادرة حقهم في الحياة الآدمية.
تعذيب وحشي
ويتعرض المعتقلون داخل سجن المنيا شديد الحراسة لتعذيب وحشي، تحت إشراف رئيس المباحث أحمد صدقي
وبحسب التفاصيل، فقد تعرض المعتقلان محمود وهبة وخالد عسكر وثلاثة آخرون لحفلة تعذيب وحشي، عندما اقتحمت قوات الزنزانة واعتدى رئيس المباحث على الشباب بالضرب المبرح بيده بمعاونة أحمد جمال وأحمد الكاشف.
وجردوا المعتقلين من كل متعلقاتهم الشخصية، ومنعت الزيارة عنهم بغرض كسر إرادتهم وتدميرهم نفسيًا وبدنيًا وسط صمت تام وتجاهل لكل القوانين والأعراف الإنسانية.
وقالت المؤسسة الحقوثية إن هذه الاعتداءات الممنهجة تترك آثارًا جسدية ونفسية عميقة في أجساد الشباب الذين يواجهون الموت البطيء خلف الأبواب المغلقة دون أن تتمكن عائلاتهم من الاطمئنان عليهم أو معرفة مصيرهم الحقيقي مما يضاعف من حجم المأساة.
*مصر تندد باستهداف السفن الإماراتية في هرمز
أدانت الخارجية المصرية بأشد العبارات الهجوم الذي استهدف سفينتين تابعتين لشركة “أدنوك” الإماراتية في مضيق هرمز مساء الخميس 13 أغسطس.
ووصفت الخارجية المصرية الحادث بأنه اعتداء يمثل تهديداً مباشراً لأمن وسلامة الملاحة البحرية وحرية حركة السفن في أحد أهم الممرات المائية الدولية.
وأكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، في بيان رسمي، تضامن مصر الكامل مع دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، مشددة على الضرورة القصوى لوقف كافة الأعمال التي من شأنها تهديد أمن الملاحة الدولية أو تعريض السفن والمنشآت المدنية للخطر.
كما دعت القاهرة إلى التزام الجميع بقواعد القانون الدولي، بما يسهم في خفض التصعيد والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.
وأعلنت شركة بترول أبو ظبي الوطنية “أدنوك” تعرض سفينتين تابعتين لها لهجوم أثناء عبورهما مضيق هرمز، مؤكدة عدم وقوع أي إصابات، والسيطرة على الوضع.
يأتي هذا الهجوم الجديد في سياق تصاعد التوتر في مضيق هرمز، حيث تتعرض السفن التجارية التي تعبر المضيق دون موافقة الحرس الثوري الإيراني لاستهداف متكرر على خلفية الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وأعلنت “أدنوك” في بيان سابق أن 15 من سفنها تعرضت لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة منذ بدء النزاع، مما أسفر عن مقتل أحد أفراد الطاقم وإصابة 20 آخرين. كما تعرضت سفينة أخرى تابعة للشركة لهجوم صاروخي في 8 أغسطس، دون وقوع إصابات.
*الخديوي عبد الفتاح.. هل تبيع مصر ضرائب المستقبل لسداد ديون الحاضر؟
في وقت تبحث فيه الحكومة المصرية عن أدوات جديدة لتمويل احتياجات الدولة وخفض كلفة الاقتراض، تعود إلى الواجهة فكرة الصكوك الضريبية، وهي أداة تسمح للممولين بالاكتتاب في صكوك يمكن استخدامها لاحقاً في تسوية الضرائب المستحقة، وهو ما يفتح نقاشاً واسعاً حول حدود الاعتماد على الإيرادات المستقبلية في مواجهة الضغوط المالية الحالية.
وتكتسب الخطوة حساسية سياسية واقتصادية بسبب تشابهها، من زاوية تقديم موارد مستقبلية للحصول على سيولة حالية، مع أدوات مالية عرفتها مصر في مراحل تاريخية سابقة، خصوصاً خلال أزمات الخزانة في عصر المماليك وفي عهد الخديوي إسماعيل.
لكن المقارنة التاريخية تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالأداة الحالية لها إطار قانوني حديث، وليست ببساطة إعادة إنتاج لنظام الالتزام أو لقانون المقابلة الذي عرفته مصر في القرن التاسع عشر.
الصكوك الضريبية.. ماذا تعني؟
المادة 115 من قانون الضريبة على الدخل المصري رقم 91 لسنة 2005 تنص بالفعل على إمكانية إصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولون، وتحمل عائداً معفياً من الضرائب يحدده وزير المالية، على أن تكون للصكوك والعوائد المستحقة عليها قوة الإبراء عند سداد الضرائب المستحقة.
وهذا يعني أن الحديث عن الصكوك الضريبية لا يتعلق، من الناحية القانونية، باختراع أداة جديدة تماماً في عام 2026؛ فالأساس التشريعي موجود منذ سنوات.
وفي الوقت نفسه، تشهد مصر توسعاً فعلياً في استخدام الصكوك السيادية كأداة لتمويل الدولة. فقد أعلنت وزارة المالية برنامجاً عاماً للإصدارات المحلية بقيمة تصل إلى 200 مليار جنيه، وطرحت في يونيو 2026 صكوكاً سيادية لأجل ثلاث سنوات.
كما وقعت مصلحة الضرائب المصرية في مارس 2026 مذكرة تفاهم لتنظيم المعاملة الضريبية لعوائد الصكوك السيادية للمستثمرين غير المقيمين، مؤكدة أن الحكومة تتوسع في استخدام هذه الأدوات لجذب شرائح جديدة من المستثمرين.
هل تبيع الدولة ضرائب المستقبل؟
جوهر الجدل هنا هو تقديم سيولة للدولة في الوقت الحالي مقابل حقوق مالية مرتبطة بالتزامات ضريبية مستقبلية. ومن هذه الزاوية، تبدو الأداة جذابة للحكومة إذا كانت بحاجة إلى موارد عاجلة، لأنها تتيح تحويل جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية إلى قيمة مالية يمكن استخدامها في الحاضر.
لكن هذه الآلية تطرح سؤالاً اقتصادياً مهماً: هل تؤدي إلى حل المشكلة المالية، أم أنها تؤجل جزءاً من المشكلة إلى المستقبل؟
فإذا استخدمت الدولة هذه الأداة بصورة محدودة ومدروسة، يمكن أن تكون وسيلة لإدارة السيولة. أما إذا تحولت إلى اعتماد متكرر على إيرادات لم تتحقق بعد، فقد يصبح أثرها مختلفاً، خصوصاً في ظل ارتفاع أعباء خدمة الدين.
من المماليك إلى الخديوي إسماعيل
يقدم التاريخ المصري نماذج مختلفة لاستخدام موارد مستقبلية للحصول على سيولة عاجلة. ففي عهد المماليك، عُرف نظام الالتزام، الذي ارتبط بجباية الضرائب مقابل التزامات مالية تجاه الخزانة، في سياق كان يعكس حاجة الدولة إلى موارد سريعة.
ثم جاءت أزمة مالية أكثر تعقيداً في عهد الخديوي إسماعيل خلال القرن التاسع عشر، مع تصاعد الإنفاق والاقتراض وتراكم الديون.
وفي عام 1871 صدر قانون المقابلة، الذي ألزم أصحاب الأراضي بدفع ضريبة مقدماً لسنوات، مقابل إعفائهم لاحقاً من جزء من الضريبة.
وهنا تظهر نقطة التشابه التي تستحق التوقف عندها: الحصول على موارد مالية في الحاضر مقابل تخفيف أو تسوية التزامات ضريبية في المستقبل. لكن الفارق بين التجارب التاريخية والأداة القانونية الحديثة مهم، ولا يصح التعامل معها باعتبارها الأداة نفسها.
أزمة الخديوي إسماعيل كانت أعمق من الضرائب
لم تكن أزمة عهد الخديوي إسماعيل مجرد مشكلة نقص في الإيرادات، بل ارتبطت بتوسع كبير في الإنفاق والاقتراض، وبشروط الدائنين والتدخل الأوروبي المتزايد في الشأن المالي المصري.
ومع تراكم الديون، تحولت الأزمة المالية تدريجياً إلى مدخل لتوسيع الرقابة الأجنبية على المالية المصرية، وصولاً إلى ترتيبات أكثر مباشرة للسيطرة على الموارد والإدارة المالية.
لذلك، فإن استحضار تلك المرحلة اليوم لا يعني أن التاريخ يتكرر حرفياً، وإنما يطرح سؤالاً حول مخاطر معالجة أزمة الدين بأدوات قصيرة الأجل دون معالجة جذور المشكلة المالية.
مصر تبحث عن أدوات تمويل جديدة
في مصر اليوم، لا تقتصر سياسة التمويل على الضرائب أو الاقتراض التقليدي. فالحكومة تعمل على تنويع أدوات الدين، ومن بينها الصكوك السيادية، التي أصبحت بالفعل جزءاً من برنامج التمويل الحكومي. وفي يونيو 2026 طرحت وزارة المالية إصداراً جديداً من الصكوك السيادية، كما أشارت البيانات الرسمية إلى التوسع في هذا النوع من التمويل.
كما تؤكد الحكومة أنها تعمل على زيادة الإيرادات الضريبية وتحسين إدارة المالية العامة، مع الحديث عن تحقيق فوائض أولية وخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي.
وبالتالي، فإن الصورة المالية المصرية لا يمكن اختزالها في أداة واحدة، سواء كانت صكوكاً ضريبية أو صكوكاً سيادية أو سندات وأذون خزانة.
أين تكمن المشكلة؟
المشكلة الحقيقية ليست بالضرورة في استخدام أداة مالية جديدة، وإنما في كيفية استخدامها وحجم الاعتماد عليها. فأي حكومة يمكنها الحصول على سيولة من خلال أدوات تمويل مختلفة، لكن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات ونمو كافيين لخدمة الالتزامات الناتجة عن هذه الأدوات. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل تستطيع الدولة الحصول على المال اليوم؟ بل: هل ستتمكن من تحمل كلفته غداً؟
وهنا تحديداً تصبح المقارنة مع التاريخ مفيدة؛ ليس لأنها تثبت أن مصر تعيد تجربة الخديوي إسماعيل، وإنما لأنها تذكر بأن الأزمات المالية لا تُحل بمجرد نقل العبء من الحاضر إلى المستقبل.
بين الحاجة إلى السيولة وخطر تأجيل الأزمة
تحتاج الدولة إلى السيولة لتمويل الإنفاق العام وسداد الالتزامات والحفاظ على استقرار المالية العامة، ولذلك فإن استخدام أدوات تمويل متنوعة ليس أمراً استثنائياً في حد ذاته. لكن نجاح أي أداة يعتمد على وجود إدارة منضبطة للدين، وزيادة حقيقية في الإنتاج والإيرادات، وتحسين كفاءة الإنفاق.
أما إذا أصبح التمويل المستقبلي هو الحل المتكرر لعجز الحاضر، فقد تتحول الأداة من وسيلة لإدارة الأزمة إلى وسيلة لتأجيلها.
ومن هنا يأتي السؤال الذي يفرض نفسه على السياسة المالية المصرية: هل تمثل الصكوك الضريبية أداة مؤقتة لإدارة السيولة، أم بداية لاعتماد أكبر على إيرادات لم تدخل الخزانة بعد؟ في الحقيقة، الإجابة لن تحددها الصكوك وحدها، وإنما ما ستفعله الدولة بالأموال التي تحصل عليها اليوم، ومدى قدرتها على بناء اقتصاد يولد موارد حقيقية تكفي لسداد التزامات الغد.
*تحركات مصرية تستبق خططاً إثيوبية لبناء سدود جديدة
عاد الحديث عن بناء سدود إثيوبية جديدة على نهر النيل في محاولة لاستنساخ تجربة سد النهضة، يتصدر مشهد العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، وذلك بعد أن خرج وزير الري المصري هاني سويلم، الأسبوع الماضي بتصريحات أكد فيها أن بلاده لن تسمح لإثيوبيا ببناء سدود جديدة، وهو ما قابلته أديس أبابا بمزيد من التصعيد بعد أن وجهت انتقادات للقاهرة عبر تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، وهو ما يطرح تساؤلات حول الأدوات التي تمتلكها القيادة السياسية في مصر للتعامل مع مخططات يمكن أن تصبح واقعاً.
وقال مصدر مصري مطلع، أن ما نشرته صحف إثيوبية وأفريقية وإسرائيلية بشأن تخطيط إثيوبيا لبناء ثلاث سدود جديدة أمر ليس بالجديد، بل أن الحكومات الإثيوبية المتعاقبة على مدار ما يقرب من 5 عقود تشير إلى أنها تنوي بناء 4 سدود على نهر النيل بينهم سد النهضة الذي انتهت أديس أبابا من تشييده وتشغيله بالفعل، مشيراً إلي أن إقدام إثيوبيا في الوقت الحالي على تنفيذ مخططاتها أمر غير متوقع ومن الصعب حدوثه في ظل توترات سياسية وأمنية داخلية تُصعب من المهمة في وقت تتبنى فيه القاهرة سياسة ضاغطة على الحكومة الإثيوبية لدفعها نحو تقديم تنازلات بشأن التنسيق معها بشأن تشغيل سد النهضة.
وأوضح المصدر ذاته أن تجربة سد النهضة قابلة للتكرار وأن أديس أبابا يمكن أن تنتظر لكي تسنح الفرصة لذلك ويمكن أن تنتظر حدوث أي قلاقل أو اضطرابات مصرية لتدفع نحو تدشين سدود جديدة مثلما كان الوضع بالنسبة لسد النهضة في عام 2011 بالتزامن مع ثورة يناير التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، مشيراً إلى أن التعامل بفاعلية إيجابية مع هذه المخططات يتطلب تعاملاً أسوة بما كان يُقدم عليه نظام مبارك أيضاً والذي كان يضع الملف في جعبة أجهزة الأمن القومي التي نجحت في عرقلة بناء السد قبل سقوط النظام.
شكل التعامل
وشدد المصدر ذاته إلى أن التعامل مع أي سدود إثيوبية جديدة لن يكون في إطار الصراع أو النزاع الثنائي بين مصر وإثيوبيا ولكن أزمة سد النهضة برهنت على أن نزاع المياه يمتد إلى خارج إطار حوض النيل وتأخذ شكل صراعات إقليمية ودولية مع دخول أطراف أخرى على الخط لديها مصلحة في بناء السد من جانب وتضييق الخناق على القاهرة من ناحية أخرى وفي مقدمتها إسرائيل وكذلك الدول التي تساهم في بناء السدود ويمكن أن تحقق فوائد اقتصادية ورائها، مقللاً من إمكانية التعويل على أية حلول تفاوضية باعتبار أن الأمر لا يرتبط بخلاف فني ولكنه يأخذ طابع أمني وسياسي وإقليمي.
ولفت المصدر ذاته إلى أن القاهرة مع ذلك لا تضع الحلول الخشنة في المقدمة وسوف تسير إلى اتجاهات عديدة استباقاً لاي تحرك إثيوبي في هذا الاتجاه، والتي بدأت بتوجيه رسائل حاسمة من جانب وزير الري قال فيها إن مصر لن تسمح ببناء سدود إثيوبية جديدة وهو ما يبرهن على جدية التعامل مع أي خطوة في هذا الاتجاه، لافتاً إلى أنه من المتوقع أن تتجه القاهرة إلى تدويل الملف وتحويل قضية السدود الجديدة إلى قضية إقليمية ودولية، وليس مجرد خلاف مصري–إثيوبي باعتبار أن أي دولة على نهر عابر للحدود لا تستطيع إقامة مشروعات ضخمة تؤثر في دول المصب من دون تنسيق مسبق، وسيكون هذا التحرك عبر الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والدول المؤثرة، إضافة إلى تكثيف التنسيق مع السودان.
وذكر أن تحول قضايا المياه إلى صراعات إقليمية يجعل مصر لن تنظر إلى ما يحدث على نهر النيل بمعزل عن بقية ملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وهذا يتضح من اتساع التحرك المصري في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، بالتوازي مع الأزمة الإثيوبية، هذا إلى جانب المتابعة الفنية والمعلوماتية الدقيقة في حال حدوث أي تحركات إثيوبية لبناء سد جديد والتعرف على موقعه وحجم التخزين به وطريقة تشغيله وتأثيره التراكمي مع سد النهضة.
خطط إثيوبيا
وتتضمن المخططات الإثيوبية المعلنة إنشاء ثلاثة سدود إضافية هي سد مندايا بسعة 27.7 مليار متر مكعب، وسد بيكوابو بسعة 32 مليار متر مكعب، وسد كاردوبي بسعة 40.4 مليار متر مكعب، ليبلغ إجمالي التخزين المحتمل في السدود الأربعة نحو 200 مليار متر مكعب. وتتمثل الخطورة في أن فاقد التبخر من بحيرات هذه السدود يتراوح بين 2 و3 مليارات متر مكعب سنويًا لكل سد، مما يقلص الحصة السنوية المحددة بـ 55.5 مليار متر مكعب بموجب اتفاق 1959.
وأكدت “وكالة الأنباء الإثيوبية” الرسمية أن أديس أبابا وضعت أخيراً خططاً لبناء مزيد من سدود الطاقة الكهرومائية والري، وتهدف هذه الخطط إلى تسريع التنمية الاقتصادية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع إنتاج الكهرباء، وتقوية الدور الريادي للبلاد في مجال التكامل الإقليمي من خلال الربط الكهربائي العابر للحدود.
وقال موقع “أفريكا إنتليجنس” في نهاية يوليو الماضي، إن إثيوبيا تخطط لرفع طاقتها التخزينية إلى 224 مليار متر مكعب، من خلال إنشاء ثلاثة سدود جديدة، سعتها المستهدفة نحو 140 مليار متر مكعب؛ أي ما يقارب ضعف سعة سد النهضة التي تبلغ نحو 74 مليار متر مكعب.
ونقل الموقع ذاته عن مسؤول إثيوبي كبير لم يوضح هويته، القول إن أحد أهم أهداف بناء السدود الثلاثة هو تخفيف الضغط الهيدرولوجي على سد النهضة، وإطالة عمره التشغيلي من خلال تقليل سرعة تدفق المياه، إضافة إلى رفع الطاقة التخزينية وإنتاج الكهرباء.
كما أشارت منصة “ناتسيف” الإسرائيلية إلى أن المشاريع الجديدة التي ستقام في المجرى الأعلى لنهر النيل الأزرق، ستضم سدود “ماندويا” و”كرادوبي” و”بيكو آبو”، وجميعها تقع في مناطق أعلى من موقع سد النهضة، وتوقعت “ناتسيف” في تقرير لها نهاية يوليو الماضي أن يمنح إنشاء السدود الجديدة أديس أبابا “سيطرة غير مسبوقة على تدفق مياه النيل الأزرق، الذي يُساهم بنحو 59 إلى 68% من مياه نهر النيل، الذي تعتمد عليه مصر لتغطية نحو 97% من احتياجاتها المائية.
وفي المقابل شدد وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، رداً على سؤال خلال مؤتمر صحافي بالقاهرة، مساء الثلاثاء الماضي، أن المعلومات المتعلقة باعتزام إثيوبيا إنشاء أربعة سدود، من بينها السد الحالي، ليست جديدة، وقال إن “هذا شيء معروف، لكن هل الدولة المصرية ستسمح بأي أمر آخر يحدث؟ لا“.
فيما اعتبرت وكالة الأنباء الرسمية الاثيوبية على لسان خبراء هذا التصريح بمثابة “تصعيد كبير في الخطاب المصري”، مؤكدين أن مثل هذه المواقف تهدف إلى تقييد حق الدولة الواقعة على المنبع في تنفيذ مشروعات التنمية داخل أراضيها.
ونقلت الوكالة عن المدير التنفيذي لمركز أبحاث ابتكار السياسات، سولومون زينا، قوله: “علينا أن نمضي قدماً ونفعل ما فعلناه مع سد النهضة الإثيوبي الكبير… يتعين على البلاد المضي قدماً وبناء مزيد من السدود“.
العرض الإثيوبي والرد المصري
وقال مسؤول مصري سابق إن إثيوبيا سبق وأن عرضت دراسات جدوى على القاهرة بشأن إقامة 4 سدود بينهم سد النهضة في عام 2010 لكن القاهرة أبدت اعتراضات عليها في ذلك الحين نتيجة لتضررها سلبياً منها، لكن أديس أبابا استغلت سقوط النظام في بناء سد النهضة والآن تسعى للتعامل مع موقف مصري يستند إلى الدبلوماسية ومنح فرص عديدة للتفاوض بدلاً من الحلول الخشنة للاتجاه نحو تمرير خططها، لكنه أشار إلى أن القاهرة هذه المرة لن تسمح ببناء سدود كثيرة لأن ذلك سيحكم على مصر بالفناء، ففي تلك الحالة ستكون إثيوبيا متحكمة بشكل كامل في مياه النيل الأزرق الذي يمثل شريان الحياة الرئيسي لمصر والسودان.
لكن المصدر ذاته شدد على أن القاهرة تضع الأمور في نصابها وترفض أن تنجر إلى محاولات إثيوبية لشغلها بقضايا جانبية على حساب القضية الأم المتمثلة في التوصل لاتفاق بشأن تشغيل سد النهضة، لافتاً إلى أن أديس أبابا لن تتمكن من فرض أمر واقع جديد على مصر طالما أن الظروف الداخلية في مصر مستقرة ويمكن أن يتحقق الدعم الشعبي لأي تحرك خشن في مواجهة الخطط الجديدة.
ولفت المصدر ذاته إلى أن مصر سوف تتجه إلى الأمم المتحدة للنظر في هذه المخططات حال لاحظت القاهرة أن هناك توجهاً رسمياً نحوها وذلك لوقف أي تحرك قبل حدوثه، وسيكون ذلك بمثابة إعلام مصر المجتمع الدولي بأنها سوف تدافع عن مصالحها المائية الوجودية بجميع السبل، بخاصة وأن السدود المقترحة ستكون لها آثار سلبية جسيمة على دولتي المصب، بل أن تداعياتها ستكون أكبر بكثير من تأثيرات سد النهضة كونها سوف تحجز كميات ضخمة جداً من المياه لملء بحيراتها، مما سيؤثر بشكل مباشر على كمية المياه المندفعة نحو السودان ومصر.
وسبق أن أكد دبلوماسي مصري بوزارة الخارجية في تصريحات خاصة أن هناك عوامل عديدة تقود إثيوبيا للتفكير في بناء سد جديد في مقدمتها ضمان بقاء سد النهضة أطول فترة ممكنة عبر زيادة عمره الافتراضي، والتعامل مع بعض المشكلات الهندسية التي تترتب على تخزين كميات كبيرة من المياه خلفه.
وأوضح المصدر ذاته، أن الدراسات الهندسية الإثيوبية تشير لضرورة إنشاء ثلاث سدود أخرى بما يساهم في تخفيف الحمل عن سد النهضة الذي يستوعب ما يقرب من 70 مليار متر مكعب من المياه، والتي تتضمن كميات كبيرة من الطمي الذي يؤثر على البنية الهندسية للسد.
وأوضح أن الدولة المصرية تتوقع الإعلان عن تشييد السدود الجديدة في أي لحظة، وهي ترتبط باتخاذ قرار سياسي إثيوبي في ظل خلافات متصاعدة بين الدولتين تجعل من مسألة حبس المياه وعدم السماح لها بالتدفق في سنوات الجفاف أحد الأسلحة المتطورة في مواجهة الدولة المصرية.
وفي شهر يونيو الماضي قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن أديس أبابا تواصل الإجراءات الأحادية دون تنسيق مع مصر والسودان، محذرا من انعكاسات سلبية على دولتي المصب، واتهم إثيوبيا بإدارة سد النهضة المطل على نهر النيل “بشكل مسيس” عبر إجراءات أحادية ضد مصر والسودان.
وقال عبد العاطي إن قضية المياه “وجودية”، وتمثل أولوية بالنسبة لمصر، مؤكدا أنه “لا يمكن التهاون بشأنها“.
وتستمر الخلافات بين مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى، بشأن ملء وتشغيل سد النهضة، الذي بدأت أديس أبابا إنشائه عام 2011، وافتتحته في سبتمبر 2025، وتطالب القاهرة والخرطوم بالتوصل إلى اتفاق ثلاثي قانوني وملزم ينظم عمليتي الملء والتشغيل قبل استكمالهما.
في المقابل، ترى إثيوبيا أن المشروع لا يتطلب توقيع اتفاق ملزم، وتؤكد أنها لا تعتزم الإضرار بمصالح أي دولة أخرى، ما أدى إلى تجميد المفاوضات لثلاثة أعوام، قبل استئنافها عام 2023، ثم توقفها مجددا في 2024.
وأظهرت دراسات مصرية أنّه في حال إنشاء إثيوبيا السدود وملئها خلال العقود الأربعة المقبلة، فإنّ ذلك قد يؤدي لعجز مائي سنوي على مصر خلال فترات الملء والتشغيل بنحو 8 مليارات متر مكعب، فضلاً عن تخفيض كمية الكهرباء المولدة من السدّ العالي وخزان أسوان بحوالي 600 ميغاوات.
أما في حالة استخدام مياه السدود الأربعة في الزراعة، فسيزيد العجز المائي لمصر ليصل إلى 19 مليار متر مكعب سنوياً من حصتها في مياه النيل، البالغة نحو 55.5 مليار متر مكعب، ويقلل إنتاج الكهرباء المتولدة من السد العالي وخزان أسوان بمقدار 1000 ميغاوات سنوياً، بحسب الدراسات.
*رابعة العدوية: صرخات أبرياء لا تمحيها الذاكرة.. والحقيقة عصية على تزييف السيسي
على مدار ثلاثة عشر عاماً، لا تزال دماء الشهداء في ميادين مصر تُلاحق الجلادين السيسي وعصابته، وما زالت صرخات الأبرياء الذين احترقوا بدم بارد تتردد في أروقة التاريخ، لتُشكل عائقاً أمام أي محاولة لتزييف الذاكرة أو طمس معالم الجريمة. والحديث عن رابعة العدوية ليس مجرد حديث عن “فض اعتصام”، بل هو محاكمة أخلاقية لنظامٍ استباح دماء شعبه في سبيل تثبيت أركان حكمه.
يرى المتابعون لهذا الملف، والفاعلون فيه، أن ما جرى في 14 أغسطس 2013 كان مذبحة مقصودة، خُطط لها بدم بارد، لغرض وحيد وهو التخلص من الفوضى المزعومة وتحويل “الإرهاب المحتمل” إلى واقعٍ دموي يصنعه عسكر الانقلاب لكسر إرادة الشعب وإعادته إلى “بيت الطاعة” بالقوة المسلحة والتضليل الإعلامي الذي انكشف تماما.
الانقلاب كهدفٍ نهائي
لم تكن المذبحة وليدة اللحظة، بل كانت تتويجاً لمسارٍ انقلابي بدأ في 3 يوليو 2013. يشير الصحفي الأمريكي ديفيد كيركباتريك في كتابه «في أيدي العسكر» إلى حقيقة يعلمها السيسي وشركاؤه، وهي أن القرار لم يكن فضّ اعتصام، بل سحق وترهيب.
وكان الهدف الحقيقي هو إبادة المجال العام ووأد ثورة 25 يناير في مهدها، وكسر إرادة الشعب المصري. لقد تم إفشال كافة الحلول السياسية، والمصالحات، والحوارات الوطنية، لأن طبيعة النظام القائم لم تكن قائمة على إدارة الدولة بالسياسة، بل بالرصاص، والسجون، والمقابر.
لقد كان المطلوب هو “السحق” لا الحل، وهو ما يُفسر الإصرار على ارتكاب المذبحة رغم معرفة السلطة مسبقاً بحجم الخسائر البشرية المهول. إن التاريخ لن يكتبه الجلاد، مهما حاول إعادة تدوير الروايات على منصات أكاديمية الشرطة أو غيرها؛ فالأرض التي تشربت دماء الآلاف من الشهداء والجرحى هي الشاهد الذي لا يمكن إسكاته.
الفصل الثاني: شهادة من قلب الجحيم
يصف الصحفي أحمد عبد العزيز، المستشار السابق لرئيس الجمهورية آنذاك د. محمد مرسي وأحد شهود العيان الذين عاشوا التجربة في قلب الميدان وفقد ابنته “حبيبة”، لحظات الرعب الأولى.
حيث كان الميدان ساحة حرب من طرف واحد. يقول عبد العزيز: “في السابعة صباحاً أيقظتني أصوات الاستغاثة وطلقات الرصاص”. تحرك الرجل وسط الحصار والغاز المسيل للدموع ليصل إلى قلب الميدان، حيث كان الشهداء يمرون كالأمواج على أعناق الشباب.
ويروي أن قصة “حبيبة” هي نموذج مصغر لمأساة آلاف الأسر المصرية. حين تلقى الأب خبر استشهادها، شق طريقه عبر شارع “أنور المفتي” المفروش بفوارغ الرصاص، غير آبهٍ للقنص الذي كان يستهدف كل متحرك. جثا أمام جثمانها، قبل جبينها، ورفض عزاء ضابط القوات الخاصة الذي كان يُشارك في تنفيذ المجزرة. لم يكن الوصول للمستشفى سهلاً، بل تم تهريب الجثمان على عربة بائع متجول خشبية متهالكة وسط مرمى النيران.
الاعتصام على حد قوله “كان محاطا بكثير من المقار الحيوية للقوات المسلحة، وكانت المسيرات التي يقوم بها المعتصمون تضم الآلاف، وقد شاركت في عدد منها، ولم أشاهد معتصما يلقي “طوبة” على أي من هذه المباني، أو على مجند من الذين يحرسونها.. ولو فكر منظمو الاعتصام بطريقة أخرى، لأمكنهم الاستيلاء على هذه المقار بسهولة، وبأقل الخسائر في الأرواح، لكن فكرة المواجهة لم تكن واردة في أذهان منظمي الاعتصام من الأساس..”.
حتى في اللحظات الأخيرة، واجه الأب تعنتاً رسمياً، إذ اضطر لتدوين أسماء قادة الانقلاب في محضر الشرطة، وهم: عدلي منصور، حازم الببلاوي، عبد الفتاح السيسي، ومحمد إبراهيم، في تحدٍّ أخلاقي وقانوني يُثبت أن الجريمة لا تسقط بالتقادم.
مع تأكيده أنه لا اعتراف بسلطة الانقلاب، ولا حوار مع القتلة، ولا عفو عن أولئك المجرمين الذين ارتكبوا هذه الجريمة الشنعاء، عن سابق قصد وتصميم، بهدف الصدمة والترويع؛ لإظهار سيطرتهم (التامة) على مقاليد الأمور، في البلاد.. فمكان هؤلاء أقفاص الاتهام، لا حول موائد الحوار.
آلة القتل.. التخطيط والوحشية
وتتطابق الروايات الميدانية والتقارير الحقوقية في وصف الفظائع التي ارتكبت من جانب (الاستهداف المباشر) واستخدام الطائرات الهليكوبتر، والقناصة على الأسطح، والرشاشات الثقيلة ضد معتصمين عُزَّل لم يمتلكوا سوى إرادتهم.
ومن خداع “الممر الآمن”: الذي أعلنت عنه القوات (المحاصرة شرطة وجيش) عبر مكبرات الصوت عن خروج آمن، لكنها حوّلته إلى فخ للموت، حيث تمت تصفية الخارجين بدم بارد.
ومن جانب (إبادة المستشفيات الميدانية) بعد اقتحام المساجد والمستشفيات، وحرقها بالجرحى والأحياء، وإعدام الكوادر الطبية التي رفضت ترك مرضاها، وهو سلوك وحشي يهدف إلى محو أي دليل على حجم الجريمة.
يؤكد “عبدالعزيز” ما سبق وأعلن عنه “دعم الشرعية” ود. عصام العريان ود. محمد البلتاجي من جانب (الأرقام الحقيقية) وأنه بينما حاولت الحكومة الترويج لأرقام هزيلة، تؤكد الشهادات أن عدد الشهداء يتراوح بين 5000 إلى 6000 شهيد، تم دفن الكثير منهم في مقابر جماعية أو تجريف جثامينهم بالبلدوزرات، وهو ما جعل الحقيقة محجوبة لأهالي الشهداء الذين ما زالوا يبحثون عن رفات ذويهم.
هل كان المعتصمون مسلحين؟
وتُفنّد الشهادات الميدانية كذبة “تسليح الاعتصام”. فبعد الفض، أعلنت السلطة أنها وجدت 10 إلى 15 قطعة سلاح فقط، وهو رقم سخيف لا يُبرر إبادة آلاف البشر إن وجد ولكنه لم يوجد مطلقا.
تؤكد منظمة “هيومن رايتس ووتش” (مقرها نيويورك) أنها لم تجد أي دليل على استخدام واسع للسلاح من قبل المعتصمين. كان الاعتصام يهدف للصمود السلمي، وكان المعتصمون يُمارسون حياتهم اليومية، يصلون، ويرددون الشعارات، ويحمون أنفسهم بـ”الهراوات” فقط تحسباً لهجمات البلطجية على غرار “موقعة الجمل” في 2011. إن الترويج لفكرة الإرهاب كان “ادعاءً حقيراً” لتبرير عقود من الاضطهاد.
رابعة كعنوانٍ للحق الضائع
إن ما حدث في 14 أغسطس 2013 لم يكن نهاية القصة، بل كان البداية لعهدٍ جديدٍ من القمع. لقد رسخت المذبحة سياسة “الخوف والدم” كوسيلة وحيدة للحكم. لقد أصبح السيسي غارقاً حتى أذنيه في دماء الأبرياء، ويحاول عبر كوابيسه والمهزوزة نفسياً أن يهرب من هذه الحقيقة. لكن كل محاولة للتبرير هي اعتراف جديد بفداحة الجريمة.
إن عشرات الآلاف من المعتقلين في السجون اليوم ليسوا مجرد أرقام؛ إنهم شهود عيان، وأصحاب حق، ومظلومون يُراد لهم أن يموتوا ببطء لأنهم يعرفون ما جرى. إن بقاء هؤلاء أحياء يفضح الكذبة الكبرى التي سوّقها إعلام السلطة لسنوات.
وما زالت دماء الشهداء في الميادين تلاحقه، وما زالت صرخاتهم وهم يحترقون تُقضّ مضجعه. سيطارده التاريخ وتلعنه الذاكرة. في كل مناسبة يعتذر مرّةً أو مرّتين، والمعاذير لا تغسل الدم، وكل عذر اعترافٌ آخر بفداحة الجريمة. غيرَ أنّ دم الأبرياء شاهد لا تَسقط روايتُه. تتبدّل الروايات ويبقى أفصحَ الشهادات.
كلما أسرف فرعون في التبرير، جدّد في الأذهان صورة المذبحة. “رابعة” أقوى من النسيان والبهتان. يومُ القصاص آتٍ لا ريبَ فيه. ذات صباح، ستنجلي الغمّة عن أرض الكنانة، ويتذكرُ الناس الشهداء ، ويتوّجونهم أبطالاً وأيقونات.. الأكاديمي السعودي أحمد بن راشد بن سعيّد @TheLoveLiberty
المذبحة مقصودة، خُطِّط لها بدمٍ بارد، بتحريض مباشر من نظام الإمارات ووزير خارجيتها عبدالله بن زايد، لأن المطلوب لم يكن حلًا سياسيًا، بل السحق والترهيب. وكانت المذابح، والاعتقالات، وإبادة المجال العام، ووأد ثورة 25 يناير، هي الهدف الحقيقي للانقلاب.
لقد كان المطلوب كسر إرادة الشعب، وإعادته إلى بيت الطاعة بالخوف والدم، لتكريس حكم الفرد الفاشي ووأد الديمقراطية في مهدها. ولهذا أُفشل كل حديث عن “مصالحة” أو “حوار” أو “حل سياسي”؛ لأن السيسي لم يأتي ليحكم بالسياسة، بل بالرصاص والسجون والمقابر والسجون.
اليوم، وبعد أكثر من 13 عامًا على الانقلاب، يحوم السيسي حول جريمته مهزوزًا نفسيًا، يبدو أنه يرى في كوابيسه آلاف الضحايا الذين قتلهم، وهو يعلم أنه غارق حتى أذنيه في دماء الأبرياء. يحاول إعادة كتابة التاريخ وتبرئة نفسه من منصة أكاديمية الشرطة… لكن الحقيقة عصيّة على التزييف.
marsadpress.net – شبكة المرصد الإخبارية شبكة المرصد الإخبارية
