
إثيوبيا تهدد 109 ملايين مصري بالعطش وتصاعد الصراع على النيل .. الاثنين 17 أغسطس 2026.. تولى الجيش في مصر رقمنة تراث “ماسبيرو” أمن قومي أم بيزنس؟
شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري
*القبض على صاحب متجر في مصر بسبب ملابس تحمل شعارات دينية
ألقت السلطات الأمنية المصرية القبض على طه توفيق، صاحب متجر ملابس “جوبا ستور” على الفيسبوك، على خلفية بلاغات تتهمه بالترويج لملابس تحمل شعارات تتضمن دعوات إلى العنف وتمييزًا على أساس ديني.
وكان خمسة محامين تقدموا ببلاغ ضد صاحب “جوبا ستور”، واتهموه بالترويج لشعارات تشكل إساءة إلى الهوية المصرية المدنية وتمييزًا بسبب الديانة ودعوات إلى العنف والأفكار المتطرفة.
وقال المحامون في بلاغهم إن صاحب الصفحة استخدم منصات التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجات تتضمن صورًا وعبارات اعتبروها ذات دلالات قد تحمل دعوات غير مباشرة إلى العنف، وتتضمن رسومات لسيوف وأسلحة بيضاء.
كما تطرق البلاغ إلى استخدام عبارات دينية على الملابس، معتبرًا أن ذلك قد يؤدي، إلى إثارة حساسيات دينية وتمييز بين أبناء المجتمع.
وأكد مقدمو البلاغ أن المجتمع المصري يضم أتباع ديانات مختلفة، وأن أي محتوى قد يؤدي إلى إثارة الفتنة بين أبناء المجتمع يستوجب التحقيق.
وطالب مقدمو البلاغ الجهات المختصة بفحص محتوى الصفحة والمنتجات التي يتم الترويج لها، وبيان مدى مخالفتها للقانون من عدمه.
وتضمنت المنتجات المتداولة عبارات ورسومات، منها “عمرو بن العاص عظيم مصر” و”أنا الذي سمتني أمي حيدرة مصحوبة بسيف”، ولا يهزم جيش فيه القعقاع، وصورة لفارس من العهد الإسلامي مصحوبة بجملة إما أن تسلموا وإما الجزية.
ونشرت صفحة المتجر بيان للرد على الاتهامات، قالت فيه إنها تقدم أعمالًا فنية معاصرة مستوحاة من التاريخ والتراث والهوية المصرية والعربية والإسلامية، وإن تناول الرموز والشخصيات يأتي في سياق فني وثقافي وتاريخي خالص دون أي دلالة سياسية أو تنظيمية أو أيديولوجية.
وأكدت أنها لا تنتمي ولا ترتبط ولا تدعم ولا تمول ولا تروج- بشكل مباشر أو غير مباشر- لأي جماعة أو تنظيم إرهابي أو متطرف، ولا تتبنّى أي فكر قائم على العنف أو الكراهية أو التمييز أو إثارة الفتنة، مع التزامها الكامل بأحكام القوانين المصرية ذات الصلة.
وشددت على احترامها الكامل لجميع أبناء الشعب المصري دون تمييز، ورفضها لأي خطاب قائم على الكراهية أو التفرقة أو إثارة النزاعات الدينية أو الطائفية.
وواصل البيان: اتهامات دعم الإرهاب أو الترويج له أو الانتماء إلى تنظيم إرهابي دون دليل تُعد ادعاءات خطيرة، وتحتفظ بكافة حقوقها القانونية في اتخاذ ما يلزم من إجراءات تجاه أي تجاوز تتوافر فيه أركان المسؤولية القانونية.
*استشهاد الشاب محمد فهمي بشبهة تعذيب بسحن العاشر .. بالتزامن مع زيارات حقوقية لتجميل المأساة
في مفارقة صارخة تكشف الهوة السحيقة بين التقارير الرسمية المصطنعة والواقع المأساوي الدامي داخل سجون السيسي، تزامن إعلان المجلس القومي لحقوق الإنسان عن زيارة ميدانية استعراضية لمركز الإصلاح والتأهيل بالعاشر من رمضان، مع تقارير حقوقية صادمة ومؤلمة توثق وفاة المعتقل محمد فهمي محمد شرف الدين 37 عاما داخل نفس السجن، هذه الواقعة تعيد إلى الواجهة ملف الانتهاكات المنهجية وسياسات الإهمال الطبي المتعمد التي تحصد أرواح المعتقلين، وسط تواطؤ وتجاهل مؤسسي رسمي يفرغ المؤسسات الحقوقية الرسمية من مضمونها الرقابي والإنساني.
الموت إهمالاً وتعذيباً
وكشفت منظمة نجدة لحقوق الإنسان (@Najda_H_R) عن تفاصيل بالغة القسوة والخطورة بشأن وفاة المعتقل محمد فهمي محمد شرف الدين، البالغ من العمر 37 عاماً، والمنحدر من قرية شبرا النخلة التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، كان الفقيد يقضي عقوبة سالبة للحرية لم يتبقَّ من مدتها سوى عام واحد فقط، ليكمل فيها رحلة قاسية من المعاناة داخل محبسه.
وعن ملابسات الجريمة وتفاصيل الاعتداء؛ أفادت إفادات الأسرة وشهادات متداولة من داخل محيط السجن بأن الوفاة لم تكن طبيعية؛ بل سبقتها وقائع اعتداء جسدي واضحة داخل مقر احتجازه، تلتها سياسة ممنهجة من حرمان المريض من العلاج وتعرضه لإهمال طبي جسيم يفوق كل وصف.
وعن الوضع الصحي، تفيد المعلومات المتاحة بأن شرف الدين دخل في نوبة غيبوبة سكر حادة داخل الزنزانة، مما أدى إلى سقوطه على الأرض وإصابته بكسر مضاعف في الأنف، ورغم خطورة حالته الحرجة، تشير شهادات متواترة إلى تعمد إدارة السجن تأخير نقله إلى المستشفى الخارجي لمدة يومين كاملين حتى فوات الأوان.
وحسم حقوقيون أن غموضا في التوقيت وتلاعب بالجثمان حيث تحيط الشبهات الكبيرة بالتوقيت الفعلي للوفاة؛ إذ أفادت شهادات إضافية بأن إدارة السجن قامت بتسليم جثمانه إلى أسرته في الحادي عشر من أغسطس 2026، مع وجود معلومات مؤكدة تشير إلى بقاء الجثمان داخل السجن مدة طويلة بعد وفاته وقبل نقله إلى المستشفى لاستخراج تصاريح الدفن، وهو ما يستدعي بشكل عاجل تحقيقاً مستقلاً ودقيقاً يحدد زمن الوفاة الحقيقي وملابساتها بدقة متناهية.
زيارة استعراضية في “الواجهة”
بينما كان الشارع الحقوقي وأهالي الضحايا يضجون بألم خبر وفاة شرف الدين، أعلن وفد رفيع المستوى من المجلس القومي لحقوق الإنسان عن تنظيم زيارة ميدانية لمركز الإصلاح والتأهيل بالعاشر من رمضان، اتسمت الزيارة بطابع استعراضي واضح يهدف إلى تجميل الواجهة الرسمية للمنظومة العقابية حيث لم تحقق في وفاة الشاب محمد فهمي ولا في ظروف احتجازه.
ووضم الوفد الزائر من أعضاء الأمانة الفنية للمجلس وركزت الزيارة بشكل مبالغ فيه على تفقد “المركز الطبي” وأقسامه المختلفة، إلى جانب عدد من المنشآت الإنتاجية والتدريبية مثل مصنع الملابس الجاهزة، مصنع تعبئة الزيوت، وأقسام الإنتاج الزراعي والحيواني، كما اطلع الوفد على برامج التدريب ومكتبات القراءة والمطبخ وأماكن تقديم الوجبات (بما فيها المخصصة للحالات المرضية)، فضلاً عن الملاعب الرياضية والأقسام المخصصة للتثقيف وتعزيز القيم!
وعقد الوفد لقاءات شكلية مع بعض النزلاء للاستماع إلى ملاحظاتهم، وأعلن المجلس أنه يعمل على إعداد تقرير تفصيلي يتضمن نتائج الزيارة وتوصياته، غير أن توقيت الزيارة وتجاهلها التام للجرائم والانتهاكات الجسيمة التي تحدث في نفس السجن جعلها تبدو وكأنها محاولة لتبرير وتبييض سجل الانتهاكات بدلاً من مساءلة المسؤولين عنها.
صرخات الاستغاثة من الزنازين المظلمة
لا تقتصر المأساة الإنسانية وحصاد الأرواح على سجن العاشر من رمضان، بل تمتد جذور القهر والانتهاكات لتشمل سجن المنيا شديد الحراسة، حيث تصر إدارة السجن على تنفيذ حكم “إعدام بطيء” وممنهج بحق المعتقلين المرضى من خلال المنع المتعمد لدخول الأدوية والمستلزمات الطبية وتجاهل الحالات الصحية الحرجة.
وفي هذا السياق، وجهت منظمات حقوقية ومصادر مطلعة أصابع الاتهام المباشر والمسؤولية الجنائية والأخلاقية الكاملة إلى رئيس مباحث سجن المنيا أحمد صدقي، ومعاونيه أحمد جمال وأحمد الكاشف، عن حياة أي معتقل يتعرض لمكروه جراء هذا الإهمال الطبي المتعمد، إن حرمان المريض من دوائه وحقه الأساسي في العلاج يعد سلاحاً قاتلاً ومجرداً من كل معايير الإنسانية، يستخدمه السجان لتصفية خصومه ومعارضيه بعيداً عن أعين الرقابة والقانون، متناسيًا أن الرعاية الصحية حق أصيل وليست منة من أحد، وأن كل صرخة ألم تصدر من زنزانة مظلمة هي شاهد عيان على وحشية نظام قمعي يستبيح أرواح الأبرياء بدم بارد.
مطالب حقوقية وتحقيق عاجل
أمام تصاعد وتيرة الانتهاكات وتعدد حالات الوفاة نتيجة الإهمال الطبي والتعذيب، أصدرت منظمة نجدة لحقوق الإنسان وغيرها من المنظمات الحقوقية حزمة من المطالب الملحة التي تستوجب تحركاً فورياً من الجهات القضائية:
وتطالب المنظمات النائب العام بفتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل في ملابسات وفاة المعتقل محمد فهمي محمد شرف الدين، وشبهة تسبب الإهمال الطبي المتعمد والاعتداء الجسدي في وفاته.
كما دعت إلى تشريح الجثمان وندب لجنة طبية شرعية محايدة للإجراء وتحديد السبب المباشر للوفاة وتوقيتها بدقة، ومساءلة إدارة السجن والطاقم الطبي المتورط في التقصير.
وطالبت بتمكين أسرة الضحية من الاطلاع على كافة التقارير الطبية ونتائج التحقيقات ذات الصلة، وضمان محاسبة مرتكبي الانتهاكات بما يكفل حق الأسرة في معرفة الحقيقة وتحقيق العدالة الناجزة.
وعن الالتزام بالمعايير الدولية، أكدت على ضرورة وقف التعذيب والإهمال الطبي في كافة السجون ومراكز الاحتجاز، والالتزام الصارم بقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا).
خلف الجدران
وإن التباين الصارخ بين جولات “المجلس القومي لحقوق الإنسان” الاستعراضية التي تحتفي بالمصانع والمطابخ، وبين التقارير الحقوقية الدامغة التي توثق جرائم القتل بالإهمال الطبي والتعذيب داخل الزنازين، يضع المؤسسات الوطنية أمام اختبار أخلاقي وقانوني مصيري.
فإما أن تنتصر للحقيقة والعدالة وتنقذ من تبقى من أرواح المعتقلين المرضى، أو تستمر في لعب دور الواجهة الشكلية لتبييض واقع مرير ومظلم يستبيح كرامة الإنسان المصري خلف الجدران.
*طاهر محمد إسماعيل.. طبيب بيطري حمل همّ المحتاجين وانتهت حياته غدراً برصاص الشرطة
لم يكن الدكتور طاهر محمد إسماعيل مجرد طبيب بيطري يمارس مهنته في هدوء، وإنما كان، واحدًا من الشخصيات التي كرست جانبًا كبيرًا من حياتها للعمل المجتمعي ومساعدة المحتاجين والوقوف إلى جانب الأسر التي واجهت ظروفًا إنسانية صعبة.
وُلد الدكتور طاهر محمد إسماعيل في 27 سبتمبر عام 1964 في قرية سندوة بمحافظة القليوبية، ونشأ في بيئة جعلته قريبًا من أبناء مجتمعه، قبل أن يختار العمل في مجال الطب البيطري، ويواصل حياته المهنية في خدمة الناس. ومع مرور السنوات، ارتبط اسمه، بالعمل الخيري والسعي إلى مساعدة المحتاجين وقضاء حوائجهم، الأمر الذي أكسبه محبة وتقديرًا بين من عرفوه.
لم تتوقف علاقته بالمجتمع عند حدود مهنته، إذ اتجه إلى المشاركة في أنشطة اجتماعية وإغاثية، خصوصًا في ظل الظروف السياسية والإنسانية الصعبة التي مرت بها مصر خلال تلك الفترة.
وأصبح الدكتور طاهر معنيًا بصورة خاصة بأوضاع أسر المعتقلين والشهداء، وسعى إلى توفير الدعم والمساعدة لهم، في محاولة لتخفيف الأعباء التي أثقلت كاهل تلك العائلات.
العمل الإنساني في مواجهة ظروف قاسية
في سنوات شهدت توترًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا، وجد الدكتور طاهر نفسه في قلب أنشطة مجتمعية تهدف إلى مساعدة الأسر الأكثر احتياجًا، وخاصة الأسر التي فقدت عائلها أو أصبح أحد أفرادها معتقلًا.
وتصف الرواية الدكتور طاهر بأنه حمل مسؤولية كبيرة في هذا المجال، ولم يتعامل مع العمل الإغاثي باعتباره نشاطًا عابرًا، بل جعله جزءًا من حياته اليومية، محاولًا الوصول إلى الأسر المحتاجة وتوفير ما يمكن من دعم لها.
وكان من بين الفئات التي حظيت باهتمامه، وفق الرواية، الأيتام والعائلات التي فقدت أبناءها، إلى جانب أسر المعتقلين، في ظل ظروف معيشية وإنسانية صعبة جعلت الحاجة إلى المساعدة أكثر إلحاحًا.
وبمرور الوقت، أصبح العمل المجتمعي جزءًا أساسيًا من صورته لدى المحيطين به؛ طبيبًا يؤدي عمله، وفي الوقت نفسه رجلًا يسعى إلى مساندة الآخرين، وهو ما جعل قصته لاحقًا مرتبطة ليس فقط بمهنته، وإنما أيضًا بالأنشطة الإنسانية التي شارك فيها.
اجتماع في حي البشاير.. بداية النهاية
وفي الأول من يوليو عام 2015، توجه الدكتور طاهر محمد إسماعيل إلى حي البشاير بمدينة السادس من أكتوبر، حيث كان من المقرر عقد اجتماع مع عدد من المشاركين في العمل الخيري والمجتمعي.
وكان اللقاء يستهدف بحث سبل تقديم الدعم للأيتام والأسر التي تعرضت للفقد، والعمل على توفير احتياجات العائلات التي كانت تواجه أوضاعًا إنسانية صعبة.
لكن الاجتماع لم يكتمل وفق ما كان مخططًا له، إذ داهمت قوات الأمن المكان، وألقت القبض على الدكتور طاهر وعدد من الموجودين معه.
وتحولت الواقعة، من اجتماع ذي طابع اجتماعي وإغاثي إلى واحدة من أكثر المحطات مأساوية في حياة الطبيب البيطري، بعدما انتهت عملية القبض عليه وعلى رفاقه بمقتلهم.
رواية عن إعدام ميداني خارج إطار القانون
الدكتور طاهر ورفاقه اعتُقلوا أحياء خلال المداهمة، قبل أن يتعرضوا للقتل بالرصاص غدراً، وتصف الواقعة بأنها عملية إعدام ميداني خارج إطار القانون.
وتُعد هذه النقطة من أكثر جوانب القضية إثارة للجدل، إذ تضع الواقعة في إطار اتهامات خطيرة تتعلق باستخدام القوة المميتة ضد أشخاص كانوا، تحت سيطرة قوات الأمن.
وبحسب ما يورده النص، لم يكن هناك اشتباك مسلح بالمعنى الذي يبرر إطلاق النار، وإنما انتهت عملية القبض على المجموعة بمقتل أفرادها، وهو ما يثير تساؤلات حول ظروف الوفاة، وطبيعة القوة المستخدمة، وما إذا كان قد جرى احترام الضمانات القانونية والإجراءات الواجبة أثناء عملية القبض والاحتجاز.
ومن الناحية الحقوقية، فإن أي ادعاء يتعلق بالقتل خارج نطاق القانون يستلزم تحقيقًا مستقلًا وشفافًا لتحديد ملابسات الواقعة والمسؤوليات عنها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأشخاص أُلقي القبض عليهم ثم لقوا حتفهم.
رصاصات أنهت حياة طبيب كرّس وقته للآخرين
كان الدكتور طاهر محمد إسماعيل، وفق الرواية، في الحادية والخمسين من عمره عندما انتهت حياته في يوليو 2015.
وبموته، فقدت أسرته أحد أفرادها، بينما فقد محيطه الاجتماعي طبيبًا ارتبط اسمه بالعمل العام والمساعدة الإنسانية. أما القصة التي بقيت بعد رحيله، فأصبحت مرتبطة بالجدل حول ملابسات مقتله والاتهامات المتعلقة بطريقة التعامل مع المجموعة التي كان ضمنها.
وتصف الرواية مقتله بأنه نتيجة مباشرة لرصاص قوات الأمن، وتعتبر ما حدث جريمة قتل خارج إطار القانون. وفي المقابل، فإن التحقق الكامل من المسؤولية الجنائية والوقائع التفصيلية يتطلب الرجوع إلى التحقيقات والأدلة الرسمية والمستقلة المتاحة بشأن الواقعة.
من القليوبية إلى السادس من أكتوبر.. سيرة لم تكتمل
بدأت رحلة الدكتور طاهر في محافظة القليوبية، حيث وُلد عام 1964، واستمرت حياته المهنية والاجتماعية لسنوات طويلة قبل أن تنتهي بصورة مأساوية في مدينة السادس من أكتوبر.
وبين المكانين، تشكلت ملامح رجل اختار مهنة الطب البيطري، لكنه لم يحصر دوره في نطاق المهنة، بل اتجه إلى العمل المجتمعي ومساعدة من حوله، بحسب الرواية المتداولة عنه.
وتكشف سيرته، عن نموذج لشخص رأى أن المسؤولية تجاه المجتمع لا تتوقف عند أداء الوظيفة، وإنما تمتد إلى الوقوف بجوار الفئات الأكثر احتياجًا، خصوصًا في أوقات الأزمات.
أسر المعتقلين والشهداء في دائرة اهتمامه
كان ملف أسر المعتقلين والشهداء أحد أبرز الملفات التي ارتبط بها نشاط الدكتور طاهر، وفق الرواية. فقد كانت هذه الأسر تواجه أعباء متعددة، من بينها الأعباء المعيشية والاجتماعية والنفسية، خصوصًا عندما يفقد أفرادها مصادر الدخل أو يتعرض أحد أفراد الأسرة للاعتقال أو الوفاة.
وفي ظل هذه الظروف، شارك طاهر في جهود تستهدف توفير الدعم لهذه العائلات، وهو الدور الذي جعل اسمه حاضرًا في أوساط العمل الخيري، بحسب ما يورده النص.
ولم يكن الدعم مقتصرًا على فئة واحدة، إذ شملت الأنشطة التي ارتبط بها، وفق الرواية، مساعدة الأيتام والعائلات التي تعرضت للفقد، ومحاولة توفير احتياجاتها الأساسية.
1 يوليو 2015.. تاريخ حاضر في ذاكرة أسرته ورفاقه
ظل الأول من يوليو عام 2015 تاريخًا فارقًا في حياة أسرة الدكتور طاهر محمد إسماعيل ورفاقه، إذ تحول اليوم الذي بدأ باعتباره اجتماعًا لمناقشة سبل مساعدة المحتاجين إلى نهاية مأساوية لحياته.
وبالنسبة إلى أسرته، لم تعد ذكراه مرتبطة فقط بمهنته كطبيب بيطري، وإنما أيضًا بالسنوات التي قضاها في خدمة الآخرين، وبالواقعة التي أنهت حياته في وقت كان لا يزال قادرًا على مواصلة دوره المهني والمجتمعي.
أما الذين عرفوه، فتظل صورته، وفق الرواية، مرتبطة بالإنسان الذي كان يسعى إلى مساعدة غيره، ويضع احتياجات الأسر المنكوبة ضمن أولوياته.
طبيب ترك وراءه سيرة إنسانية
بعيدًا عن تفاصيل الواقعة وتداعياتها القانونية والحقوقية، فإن الجانب الأبرز في سيرة الدكتور طاهر محمد إسماعيل، يتمثل في طبيعة الدور الذي اختار القيام به خلال سنوات حياته.
فقد جمع بين مهنة الطب البيطري والعمل المجتمعي، وحاول توظيف وقته وجهده في مساعدة المحتاجين، قبل أن تنتهي حياته في واقعة لا تزال محاطة بالأسئلة والاتهامات المتعلقة بظروف مقتله.
وبينما تبقى مسؤولية إثبات الوقائع وتحديد المسؤولين عنها مهمة التحقيقات والأدلة القضائية المستقلة، فإن قصة طاهر تظل بالنسبة إلى أسرته ورفاقه قصة إنسان فقد حياته بعدما اختار، أن يمد يد العون إلى عائلات وأطفال وأيتام كانوا يعيشون ظروفًا بالغة القسوة.
ذكرى لا تختصرها واقعة الموت
لم تختصر حياة الدكتور طاهر محمد إسماعيل في اليوم الذي قُتل فيه؛ فقد سبقت ذلك اليوم سنوات من العمل والدراسة والمهنة والعلاقات الاجتماعية والأنشطة الإنسانية.
ولد في القليوبية، وعمل طبيبًا بيطريًا، وشارك في العمل المجتمعي، وارتبط اسمه بمساعدة المحتاجين وأسر المعتقلين والشهداء، ثم انتهت حياته في الأول من يوليو 2015 داخل مدينة السادس من أكتوبر.
وبعد أكثر من عقد على الواقعة، تبقى سيرته حاضرة لدى من عرفوه، بينما تظل ملابسات مقتله، وفق الرواية المطروحة، بحاجة إلى التوثيق والتحقيق وكشف جميع تفاصيلها، حتى يمكن الوصول إلى رواية دقيقة تستند إلى الأدلة لا إلى الروايات المتضاربة.
* وفاة المعتقل محمد فهمي شرف الدين بعد تأخير علاجه يومين بسجن العاشر وأسرته: تعرض لتعذيب وإهمال طبي جسيم
أعلن مركز الشهاب لحقوق الإنسان وفاة المعتقل محمد فهمي محمد شرف الدين البالغ 37 عامًا داخل سجن العاشر من رمضان بعد غيبوبة سكر وإصابة بالأنف وسط مطالب بتحقيق مستقل وتشريح جثمانه ومحاسبة المسؤولين عن إهماله.
وتكشف الواقعة مجددًا الوجه القاتم لمنظومة احتجاز تحاصر السجين بالمرض ثم تتباطأ في إنقاذه وتتعامل مع حياته كأنها تفصيل هامشي بينما تظل المؤسسات الرقابية غائبة وتبقى روايات الأسر وحدها شاهدة على أبواب مغلقة.
غيبوبة انتهت بالموت
وبحسب إفادة الأسرة تعرض شرف الدين لغيبوبة سكر حادة داخل محبسه فسقط أرضًا وأصيب بكسر في الأنف غير أن إدارة السجن لم تنقله إلى مستشفى مجهز طوال يومين رغم خطورة حالته وحاجته إلى تدخل عاجل.
ووفقًا للمعلومات المتاحة كان الضحية من قرية شبرا النخلة التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية وكان يقضي عقوبة سالبة للحرية لم يتبق منها سوى عام واحد قبل أن تنتهي حياته خلف أسوار السجن.
وفي المقابل تتهم الأسرة مسؤولين داخل محبسه بالاعتداء عليه وحرمانه من العلاج مع إهمال حالته الصحية بصورة جسيمة وهي اتهامات تستوجب تحقيقًا جنائيًا لا بيانًا إداريًا يبرئ المؤسسة قبل فحص الأدلة وسماع الشهود.
كما أن التأخر المزعوم يومين في نقل مريض دخل غيبوبة سكر لا يمثل مجرد خطأ عابر لأن هذه الحالة قد تقود سريعًا إلى تلف الدماغ أو الوفاة ما يجعل كل ساعة تأخير عنصرًا حاسمًا في المسؤولية.
إلى جانب ذلك أثار تسليم الجثمان يوم 11 أغسطس 2026 تساؤلات بشأن توقيت الوفاة الفعلي بعد ورود شهادات عن بقائه داخل السجن فترة قبل إيداعه المستشفى بما قد يشير إلى محاولة طمس التسلسل الزمني للواقعة.
وبالتوازي يفرض هذا التضارب ضرورة مراجعة سجلات العيادة وكاميرات الممرات ودفاتر النوبتجيات وأوامر النقل وبيانات دخول المستشفى لأنها وحدها تستطيع تحديد متى تدهورت حالته ومن شاهدها ومن امتنع عن طلب الإسعاف.
في هذا السياق يرى الحقوقي أحمد مفرح المدير التنفيذي لمنظمة لجنة العدالة أن تكرار الوفيات المرتبطة بالحرمان من الرعاية يكشف نمطًا يتجاوز الأخطاء الفردية ويستدعي مساءلة سلسلة القيادة الإدارية والطبية داخل أماكن الاحتجاز.
ومن زاوية أخرى لا يجوز قانونًا الاكتفاء بوصف الوفاة بأنها طبيعية قبل إجراء صفة تشريحية مستقلة لأن وجود إصابة في الأنف وادعاءات اعتداء وتأخير علاجي يجعل تحديد سبب الوفاة وتوقيتها مسألة قضائية لا إدارية.
رعاية تحولت إلى عقوبة
وعلاوة على ذلك تلزم القواعد المنظمة للاحتجاز إدارة السجن بحماية صحة كل سجين وتوفير طبيب ومتابعة الحالات المزمنة والإحالة إلى المستشفى عند الضرورة ولا تسقط هذه الالتزامات بسبب نوع القضية أو مدة العقوبة.
وبناءً على ذلك فإن إصابة مريض السكري بغيبوبة داخل محبسه كانت تقتضي قياس مستوى السكر فورًا وتقديم الإسعاف ونقله دون إبطاء لأن تركه فاقدًا للوعي يعرض حياته لخطر معروف ويمكن تفاديه طبيًا.
وفضلًا عن ذلك تحظر قواعد نيلسون مانديلا التمييز في تقديم الرعاية وتؤكد أن السجين يجب أن يحصل على المستوى الصحي المتاح للمجتمع وأن تكون القرارات الطبية مستقلة عن الاعتبارات الأمنية والعقابية داخل المؤسسة.
ومن ثم يصبح حرمان شرف الدين من العلاج العاجل إذا ثبت التحقيق اعتداء على حقه في الحياة والسلامة الجسدية ومخالفة للمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي تلتزم مصر بأحكامه.
غير أن الخطاب الرسمي المتكرر بشأن تطوير مراكز الإصلاح يفقد معناه أمام وفاة رجل في السابعة والثلاثين لم يتبق من عقوبته سوى عام واحد بينما تعجز المنظومة عن توفير استجابة طبية أولية لغيبوبة معروفة المخاطر.
وعلى صعيد أوسع تؤكد الدكتورة عايدة سيف الدولة المؤسسة المشاركة لمركز النديم أن الإهمال الطبي داخل أماكن الاحتجاز لا ينفصل عن سوء المعاملة حين يصبح العلاج أداة ضغط ويترك المرضى بلا استجابة فعالة.
وبالمثل لا يمكن فصل الواقعة عن شكاوى ممتدة بشأن تأخر عرض المحتجزين على أطباء متخصصين ونقص الأدوية وصعوبة نقل الحالات الخطرة إلى مستشفيات خارجية وهي ممارسات تجعل المرض عقوبة إضافية لم يصدر بها أي حكم.
وعوضًا عن الشفافية تظل المعلومات المتعلقة بوفيات السجون محتجزة خلف روايات رسمية مقتضبة بينما تتحمل الأسر عبء إثبات الإهمال والبحث عن التقارير الطبية وتحديد توقيت الوفاة في مواجهة مؤسسة تمتلك السجلات والأطباء وأدوات التوثيق.
تحقيق يواجه جدار الصمت
لذلك طالب مركز الشهاب النائب العام بفتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل في شبهة القتل الامتناعي الناتج عن الإهمال الطبي مع استدعاء مسؤولي السجن والطاقم الطبي وكل من كان حاضرًا وقت تدهور حالة الضحية.
واستكمالًا لذلك دعا المركز إلى ندب لجنة طب شرعي محايدة لمعاينة الجثمان وتوثيق الإصابات وتحديد السبب المباشر للوفاة وموعد حدوثها بدقة ومقارنة النتائج مع روايات إدارة السجن والمستشفى وشهادات المحتجزين والأسرة.
كذلك تشمل المطالب تمكين أسرة شرف الدين من الاطلاع على التقارير الطبية ومحاضر التحقيق ونتائج التشريح بدل إبقائها خارج دائرة المعلومات لأن معرفة الحقيقة حق أصيل وليست منحة تمنحها السلطات وفق تقديرها.
وفي تقدير الحقوقي نجاد البرعي المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان فإن التحقيق الفعال في ادعاءات التعذيب يتطلب استقلال الجهة المحققة وحماية الشهود وحفظ الأدلة سريعًا لأن بقاء التحقيق داخل المؤسسة المتهمة يهدر الثقة في نتائجه.
أما المساءلة المطلوبة فلا ينبغي أن تتوقف عند موظف صغير أو طبيب مناوب بل يجب أن تمتد إلى كل مسؤول علم بخطورة الحالة وامتنع عن التدخل أو أعاق النقل أو أخفى معلومات تتعلق بتوقيت الوفاة
وبدوره يظل غياب رد رسمي مفصل على الاتهامات عاملًا يضاعف الشكوك ولا ينفيها إذ يتعين على السلطات نشر تسلسل زمني موثق للحالة والإجراءات الطبية وموعد النقل والوفاة مع إتاحة الأدلة للنيابة والأسرة.
وعلى نحو مماثل يجب أن يشمل التحقيق ادعاء الاعتداء داخل المحبس وتحديد مصدر كسر الأنف وما إذا كان ناتجًا عن السقوط خلال الغيبوبة أو عن عنف سابق مع فحص آثار أخرى محتملة على الجثمان.
وأخيرًا لا تختصر وفاة محمد فهمي شرف الدين في رقم جديد داخل سجل طويل لأن القضية تختبر قدرة الدولة على حماية شخص سلبته حريته وأصبح تحت مسؤوليتها الكاملة ثم خرج من محبسه جثمانًا تحيطه الأسئلة.
*إعدام بطيء.. منع الأدوية عن معتقلي المنيا
تصر إدارة سجن المنيا شديد الحراسة على تنفيذ حكم إعدام بطيء بحق المعتقلين المرضى عبر المنع المتعمد لدخول الأدوية وتجاهل الحالات الصحية الحرجة.
وحملت مؤسسة جوار الحقوقية، رئيس المباحث أحمد صدقي ومعاونيه أحمد جمال وأحمد الكاشف المسؤولية الجنائية والأخلاقية الكاملة عن حياة أي معتقل يتعرض لمكروه بسبب هذا الإهمال الطبي المتعمد الذي يتنافى مع كل الشرائع ويمثل جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد.
وقالت إن حرمان المريض من دوائه وحقه في العلاج يعتبر سلاحًا قاتلًا ومجردًا من الإنسانية يستخدمه السجان بهدف تصفية خصومه بعيدًا عن أعين أي رقابة متناسيًا أن توفير الرعاية الصحية هو حق أصيل وليس منة من أحد.
وأشارت إلى أن كل أنة ألم تصدر من زنزانة مظلمة هي شاهد عيان على وحشية هذا النظام القمعي الذي يستبيح أرواح الأبرياء.
إصابات بالغة بين المحكومين بالإعدام
وشهد سجن المنيا شديد الحراسة مؤخرًا، إصابات بالغة بين عدد من المحكومين بالإعدام ونقل عدد منهم إلى مستشفى المنيا الجامعي.
وبحسب مؤسسة “جوار”، أُصيب خالد عسكر بكسور في الذراعين، ومحمود وهبة بكسور في الضلوع، فيما أُصيب محمود عبادة بكسور في الفك السفلي والأسنان، إلى جانب كسور في اليدين والساق، بينما تعرض آخرون لنزيف داخلي وفقدان للوعي وإصابات متفاوتة.
وجاءت هذه الإصابات إثر اعتداءات عنيفة على يد رئيس المباحث أحمد صدقي ومعاونيه أحمد جمال وأحمد الكاشف.
تجاوزات بحق الزائرات
وأفاد المصدر ذاته نقلاً عن شهادات لأسر معتقلين بأن إدارة سجن المنيا شديد الحراسة شهدت خلال الفترة الأخيرة تجاوزات بحق الزائرات، شملت إجراءات تفتيش مهينة وخلط زيارات العائلات مع زيارات الجنائيين، ما تسبب في زيادة معاناة الأسر.
وتتعمد إدارة السجن بتعليمات من رئيس المباحث أحمد صدقي ومعاونيه خلط زيارات العائلات مع أهالي الجنائيين بهدف التضييق عليهم وإهانتهم ومضاعفة معاناتهم في رحلة الشقاء التي يقطعونها من أجل الاطمئنان على ذويهم.
وتتكبد هذه الأسر المكلومة مشقة السفر لساعات طويلة من مختلف المحافظات وتتحمل نفقات باهظة من أجل لحظات قليلة لرؤية أبنائها فتصطدم بواقع مرير ومعاملة قاسية تفتقر لأدنى معاني المروءة والشهامة في محاولة يائسة من النظام تهدف إلى عقاب العائلات وتحطيم صمودها.
*إثيوبيا تهدد 109 ملايين مصري بالعطش… تصاعد الصراع على النيل
تزامنت تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، التي قال فيها إن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده، مع الاحتفال السنوي في مصر بـ”وفاء النيل” في الخامس عشر من أغسطس/ آب من كل العام، ما يمثل رأس السنة المصرية القديمة.
وبينما التزمت الحكومة المصرية الصمت، أمام تصريحات الوزير الإثيوبي التي أعلن فيها أن بلاده تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، إلا من تصريح نقلته وكالة الشرق الأوسط “الرسمية” عن مصدر لم تعرفه اكتفى فيه بالتأكيد على أن القاهرة لديها أدوات متعددة ومتشعبة للدفاع عن مصالح الشعب المصري، وأنها لن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصبّ، اعتبر سياسيون وخبراء أن الأزمة بين القاهرة وأديس أبابا، باتت وجودية.
يمثل نهر النيل نحو 97% من موارد المياه المتجددة في مصر، حيث يوفر الحصة الأكبر من الاحتياجات اللازمة لـ109 ملايين مواطن هم تعداد المصريين في الداخل
ويمثل نهر النيل نحو 97% من موارد المياه المتجددة في مصر، حيث يوفر الحصة الأكبر من الاحتياجات اللازمة لـ109 ملايين مواطن هم تعداد المصريين في الداخل، من حيث مياه الشرب والمياه اللازمة لقطاعي الزراعة والصناعة.
وتتضمن المخططات الإثيوبية المعلنة إنشاء ثلاثة سدود إضافة للنهضة، هي سد مندايا بسعة 27.7 مليار متر مكعب، وسد بيكوابو بسعة 32 مليار متر مكعب، وسد كاردوبي بسعة 40.4 مليار متر مكعب، ليبلغ إجمالي التخزين المحتمل في السدود الأربعة نحو 200 مليار متر مكعب. وتتمثل الخطورة في أن فاقد التبخر من بحيرات هذه السدود يتراوح بين 2 و3 مليارات متر مكعب سنويًا لكل سد، مما يقلص الحصة السنوية المحددة بـ 55.5 مليار متر مكعب بموجب اتفاق عام 1959.
جريمة
وقال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، إن سعي إثيوبيا للهيمنة على مورد مائي دولي مشترك جريمة يُجرّمها القانون الدولي بنصوص صريحة لا تقبل التأويل.
وأكد، في بيان، أن ما صرّح به الوزير الإثيوبي يُشكّل انتهاكاً موثقاً لثلاثة نصوص دولية ملزمة في آنٍ واحد، الأول المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 للمجاري المائية الدولية التي تحظر على دول المنبع اتخاذ إجراءات تُلحق ضرراً جسيماً بدول المصب، والسيطرة على تدفقات النيل تلحق ضرراً أكثر من جسيم لدولة تعتمد على 97% من مياهها على هذا النهر.
وتابع: “الانتهاك الثاني يأتي تأسيساً على المواد الحادية عشرة إلى التاسعة عشرة من الاتفاقية ذاتها التي تُلزم بالإخطار المسبق والتشاور الإلزامي قبل تنفيذ أي مشروعات مائية جديدة، والمادة الثالثة من إعلان المبادئ الثلاثي الموقّع بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015 التي التزمت فيه إثيوبيا بعدم إحداث ضرر جسيم لدولتَي المصب”.
وشدد على أن ما قاله الوزير الإثيوبي يعني بلغة إنسانية بسيطة أن إثيوبيا تدّعي حق تحديد كمية الماء الذي يشربه 100 مليون مصري، مشدداً على أن هذا تحدٍّ وجودي لدولة ذات سيادة.
وحدد مهران خارطة طريق قانونية عاجلة بثلاثة محاور لا تحتمل التأجيل، وهي توجيه إخطار رسمي فوري لمجلس الأمن الدولي بموجب المادة الثالثة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة باعتبار هذه التصريحات تهديداً للأمن المائي لدولة عضو، وثانياً العمل في كافة المحافل الدولية لفضح الانتهاكات الإثيوبية وجذب دعم المجتمع الدولي للضغط على أديس أبابا لوقف هذه الانتهاكات والوصول إلى اتفاق يلجمها، وثالثاً تحشيد تحالف إفريقي من دول حوض النيل المتضررة لمواجهة منطق السيطرة الأحادية قبل أن يتحول من تصريح إلى سياسة مطبقة.
تهديد مباشر
كذلك، وصف الدكتور محمد نصر الدين، وزير الموارد المائية والري الأسبق، تصريحات الوزير الإثيوبي، بالتخاريف التي تحمل تهديدًا مباشرًا لدولتي المصب وتصعيدًا خطيرًا في ملف مياه النيل.
وقال، في منشور عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك”، إن تصريحات المسؤول الإثيوبي عدائية، وتتضمن تهديدًا مباشرًا لمصر والسودان بشأن التحكم في حصتيهما المائية، إلى جانب ما تحمله من تصعيد عبر الإعلان عن إنشاء سدود جديدة على مجرى النهر، بخلاف سد النهضة، بما يستهدف إحكام السيطرة على التصرفات المائية بالنهر.
وبين أن بناء مثل هذه السدود على مجرى النهر من شأنه حجز كميات أكبر من المياه وخصمها من حصتي مصر والسودان، فضلًا عن وجود فواقد التخزين الناتجة عن البخر والرشح، والتي ستمثل خصمًا من الإيراد الطبيعي لروافد الأنهار الإثيوبية.
إلى ذلك، قال المستشار أحمد صابر، المنسق العام لاتحاد المواطن المصري بالخارج ومسؤول الجالية المصرية في قطر، إن التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن إنشاء سدود جديدة على نهر النيل تكشف عن نهج مقلق يتجاوز حدود الخلافات السياسية، ويفتح الباب أمام تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي وحقوق دولتي المصب.
وأكد أن مصر لا تتعامل مع نهر النيل باعتباره ملفًا تفاوضيًا عابرًا، وإنما باعتباره شريان حياة يرتبط بأمن الدولة ومستقبل شعبها، مشددًا على أن أي محاولات للتحكم المنفرد في تدفقات المياه أو تغيير قواعد التعامل مع النهر تمثل مساسًا مباشرًا بالأمن القومي المصري.
تكريس واقع جديد
وأضاف أن أخطر ما في التصريحات الإثيوبية هو أنها تأتي في سياق متكرر من الخطوات الأحادية، بما يعكس رغبة في تكريس واقع جديد على الأرض ثم مطالبة الآخرين بالتعامل معه كأمر واقع، وهو نهج لا يخدم السلام ولا الاستقرار في القارة الإفريقية.
وأشار صابر إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف التحرك المصري على المستوى الدولي، وشرح حقيقة الموقف المصري للرأي العام العالمي، خاصة في ظل محاولات تقديم قضية النيل باعتبارها مجرد مشروع تنموي إثيوبي، بينما الحقيقة أن أي إجراءات أحادية متعلقة بمجرى النهر تنعكس بشكل مباشر على حياة الملايين في مصر والسودان.
وشدد على أهمية دور المصريين في الخارج في دعم الدولة المصرية والتعريف بموقفها في مختلف المحافل، مؤكدًا أن الجاليات المصرية بالخارج تقف إلى جانب مؤسسات الدولة في كل ما يتعلق بحماية الأمن القومي والمائي، وأن الدفاع عن حقوق مصر ليس مسؤولية الداخل وحده، بل مسؤولية كل مصري في أي مكان.
في حين، أكد النائب عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل في مجلس الشيوخ، وعضو لجنة القيم، أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة شديدة الخطورة، وتعكس إصرارًا على التعامل مع نهر النيل باعتباره شأنًا إثيوبيًا خالصًا، رغم ارتباطه المباشر بحياة وأمن شعوب دول المصب.
وقال إن مصر تعاملت طوال السنوات الماضية مع ملف سد النهضة بمنتهى المسؤولية، وأعطت للمفاوضات والمسارات الدبلوماسية فرصة كاملة، إلا أن استمرار التصعيد الإثيوبي وطرح مشروعات جديدة دون توافق يؤكد أن هناك محاولات متكررة لتثبيت سياسة الأمر الواقع، وهو ما لا يمكن أن تقبله الدولة المصرية.
وأضاف أن الحديث عن بناء سدود إضافية والتحكم في موارد النيل لا يمثل مجرد تصريحات سياسية، وإنما يمس صميم الأمن القومي المصري، موضحًا أن مياه النيل بالنسبة لمصر قضية حياة ووجود، ولا يمكن إخضاعها لحسابات النفوذ أو المناورات الإقليمية.
وشدد على ضرورة أن تتحول الرسالة المصرية خلال المرحلة المقبلة إلى موقف أكثر حسمًا، يقوم على منع أي خطوات أحادية جديدة قبل وقوعها، وعدم السماح بأن يتحول الأمر إلى سلسلة متتالية من المشروعات التي تفرض واقعًا جديدًا ثم تبدأ بعدها المفاوضات حوله.
ولفت إلى أن مصر تمتلك أوراقًا سياسية ودبلوماسية واقتصادية واستراتيجية متعددة، وأن التعامل مع التهديدات التي تطال الأمن المائي يجب أن يكون وفق رؤية شاملة تضع حماية المصالح المصرية في مقدمة الأولويات، مؤكدًا أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تقوله، وإنما بقدرتها على تحويل مواقفها إلى سياسات مؤثرة.
وأكد رشاد أن مصر لا تبحث عن مواجهة مع أي دولة، لكنها في الوقت ذاته لا يمكن أن تقبل تهديد أمنها المائي أو المساس بحقوق شعبها، موضحًا أن ضبط النفس المصري لا يجب أن يُفسر بأي حال من الأحوال باعتباره ضعفًا أو تراجعًا عن الحقوق.
واختتم رشاد بالتأكيد على أن قضية النيل ستظل في مقدمة دوائر الأمن القومي المصري، وأن أي طرف يعتقد أن بإمكانه تغيير قواعد اللعبة من خلال خطوات أحادية أو مشروعات جديدة عليه أن يدرك أن مصر تملك من أدوات القوة والقدرة على حماية مصالحها ما يكفل عدم فرض أي أمر واقع يمس حقوقها المائية أو مستقبل أجيالها.
وأيضًا، حذر الإعلامي نشأت الديهى من أن التصعيد الإثيوبى بشأن مياه النيل يدفع ملف الأمن المائي المصري إلى مرحلة جديدة، مؤكدًا أن التعامل مع القضية لم يعد مرتبطًا بأزمة سد النهضة وحدها أو بقواعد الملء والتشغيل، وإنما أصبح متعلقًا بأمن نهر النيل بالكامل.
وقال خلال تقديم برنامجه “بالورقة والقلم” على فضائية “تن”، إن هناك تصعيدًا إثيوبيًا واضحًا ومنهجيًا ومخططًا، مشددًا على أن مصر تتعامل مع مياه النيل باعتبارها قضية أمن قومي وحياة ملايين المصريين.
وبين أن القانون الدولي يجب أن تكون المرجعية الحاكمة للخلاف بين مصر وإثيوبيا، مشيرًا إلى أن القاهرة تمتلك خيارات متعددة للتعامل مع تطورات ملف سد النهضة، وإن كانت “قد تكون مؤلمة”.
وأكد أن ما حدث خلال ملف سد النهضة لن يتكرر في أي تحركات مستقبلية لإقامة سدود جديدة على النيل الأزرق، قائلًا إن مصر “لن تسمح بتكرار السيناريو نفسه مع إقامة سدود جديدة”.
ولفت إلى أن القاهرة منحت إثيوبيا فرصًا عديدة للتوصل إلى تفاهمات بشأن قضية المياه، إلا أن الجانب الإثيوبي، حسب قوله، لم يقرأ الرسائل المصرية على حقيقتها.
وأضاف أن الفترة التي مرت فيها مصر بحالة من الفوضى شهدت تطورات في ملف سد النهضة، معتبرًا أن الظروف المحيطة بتلك المرحلة سمحت بحدوث ما حدث، قبل أن تستعيد الدولة المصرية قدرتها على التعامل مع الملف.
أُطلق مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير في 2011 بميزانية بلغت 4 مليارات دولار، ويعد أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا، إذ يبلغ عرضه 1.8 كيلومتر، وارتفاعه 145 مترًا
وكان هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري المصري، سبق وقال إن الموقف الوطني بشأن ملف السدود الإثيوبية يتسم بالثبات التام والوضوح المطلق في مواجهة أي تحركات تستهدف المساس بالحقوق المائية التاريخية.
وشدد الوزير خلال تصريحاته الأخيرة على أن المخططات التي تروج لها أديس أبابا لإنشاء سدود جديدة على مجرى النيل ليست غائبة عن الرصد الرسمي، مؤكدًا أن الجانب الوطني لن يسمح بأي تهاون أو تجاوز يؤثر على تدفقات المياه، واضعًا بذلك حدًا للجدل المثار حول إمكانية استمرار تلك المشروعات.
وتأتي تصريحات وزير المياه اإأثيوبي بشأن سيطرة بلاده على تدفق المياه لدولتي المصب، في وقت عادت أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى الواجهة مرة أخرى، وسط توقعات خبراء أن تبدأ سنوات الجفاف هذا العام، مع انخفاض فيضان النيل، ما يهدد حصة مصر والسودان من مياه النهر.
وأُطلق مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير في 2011 بميزانية بلغت 4 مليارات دولار، ويعد أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا، إذ يبلغ عرضه 1.8 كيلومتر، وارتفاعه 145 مترًا.
وتعتبر أديس أبابا أن السد ضروري لبرنامج إمدادها بالكهرباء لكنه لطالما شكّل مصدر توتر مع مصر والسودان المجاورتين، إذ يشعر البلدان بالقلق من تأثيره المحتمل على إمدادات المياه، خاصة في سنوات الجفاف.
وفشلت جولات المفاوضات على مدار سنوات بين الدول الثلاث، وتمسكت مصر والسودان بالتوصل لاتفاق قانوني ملزم يتعلق بتشغيل السد.
*مصر: تصريحات إثيوبية بشأن السيطرة على مياه النيل: أوهام لن نسمح بها
نددت مصر بتصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا حول بناء سدود إضافية على نهر النيل الأزرق والسيطرة على تدفقات المياه إلى مصر والسودان، معتبرة ذلك انتهاكاً للقانون الدولي.
وأكدت مصر أنها ستتخذ كافة التدابير لحماية حقوقها، وأن نهر النيل ليس ملكاً لدولة واحدة. إثيوبيا تخطط لإنشاء 3 سدود ضمن مشروع شلال النيل الأزرق باستثمار 10.5 مليار دولار.
ونقلت وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية الرسمية، الأحد، عن مصدر مسؤول، أن تلك التصريحات “تعكس استمرار أوهام أديس أبابا بإمكانية فرض الهيمنة على نهر دولي مشترك وإخضاعه لإرادة دولة واحدة“.
وقال المصدر، وفق الوكالة، إن “هذه التصريحات تسقط مجدداً الادعاءات الإثيوبية المتكررة بأن تحركاتها تستهدف التنمية دون الإضرار بالآخرين”، إذ أن “الإعلان صراحة عن السعي إلى (السيطرة) على تدفقات نهر دولي إلى دولتي المصب يكشف عن توجه بالغ الخطورة لا يستهدف تحقيق التنمية المشروعة بقدر ما يعكس محاولة لفرض الأمر الواقع، واحتكار مورد مائي دولي مشترك، واستخدام الموقع الجغرافي لتهديد الحقوق والمصالح المائية لدولتي المصب، وهو ما لا يقره القانون الدولي، ولن تسمح مصر بفرضه كأمر واقع“.
وأكد المصدر، حسبما نقلت الوكالة، أن “نهر النيل ليس ملكاً لدولة بعينها”، وأن “أوهام السيطرة عليه أو التحكم المنفرد في تدفقاته تتعارض بصورة صارخة مع القواعد المستقرة للقانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية المشتركة، وفي مقدمتها عدم الإضرار، والتشاور والتوافق والتعاون بحسن نية، واحترام حقوق ومصالح باقي دول الحوض“..
*تولى الجيش في مصر رقمنة تراث “ماسبيرو” .. أمن قومي أم بيزنس؟
مع إعلان “الهيئة الوطنية للإعلام” في مصر، إطلاق المشروع القومي لرقمنة تراث “ماسبيرو”، في 28 يوليو/ تموز 2026، بطلب من رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، وبالشراكة مع شركات عالمية منها هاواوي وأورنج، برز تساؤل لافت، عن أسباب إسناد الإشراف على هذا المشروع للمؤسسة العسكرية.
وهل تنظر الدولة إلى أرشيف ماسبيرو بصفته مجرد محتوى إعلامي يحتاج إلى الحفظ ويمكن الاستفادة منه ماديا، وضمنه تعويض خسائر ماسبيرو، أم أصلا إستراتيجيا يستوجب إدارة سيادية لحمايته واستثماره؟، حسبما يشير تقرير لموقع “الاستقلال”.
أم أن الأمر أوسع من ذلك ويؤشر إلى ملامح مرحلة إعلامية قادمة ربما يكون جانبا منها التوجهُ لعودة التلفزيون الرسمي بعدما فشلت القنوات الخاصة، والتي باتت ضمن ملكية الأجهزة الأمنية عبر “الشركة المتحدة للإعلام”، في جذب الجمهور المصري؟
وأُنشئ “اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري” (ماسبيرو)، عام 1971، بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات، وتحول لاحقا إلى “الهيئة الوطنية للإعلام” منذ عام 2016.
أسباب الرقمنة
تاريخيا، تعود فكرة الرقمنة إلى مطلع الألفية الجديدة، حين طرحها فنيو وأخصائيو الأرشيف داخل اتحاد الإذاعة والتلفزيون، الذين حذروا من تدهور الأشرطة المغناطيسية، وطالبوا ببدء مشروع قومي للتحويل الرقمي قبل تلفها.
لكن هذه المطالب كانت داخلية، ولم تتحول إلى مشروع حكومي، بسبب ارتفاع التكلفة وضعف البنية التكنولوجية وعدم توافر التمويل.
وكانت أول محاولة حكومية قد بدأت قبل عام 2011، في عهد وزير الإعلام أنس الفقي بتطوير مكتبة ماسبيرو، وشملت، فهرسة أجزاء من الأرشيف، وشراء بعض أجهزة التحويل الرقمي، وتحديث مراكز الحفظ، ولكنها لم تكتمل، بسبب ثورة يناير/كانون الثاني 2011 والأزمة المالية اللاحقة.
وبعد توقف طويل بين 2011 و2023 وتكرار تصريحات مسؤولي ماسبيرو عن ضرورة رقمنة الأرشيف قبل ضياعه، بدون تنفيذ أيضا، بسبب مديونية اتحاد الإذاعة والتلفزيون، ونقص التمويل وتهالك المعدات، وغياب مشروع قومي متكامل، أعاد رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، أحمد المسلماني، طرح تنفيذ الفكرة كمشروع قومي.
وانتهى الأمر بقرار من السيسي، في 28 يوليو 2026، بعدّ رقمنة تراث ماسبيرو مشروعا قوميا تتولاه الدولة، ويتكلف قرابة مليار جنيه.
وخلال مؤتمر رقمنة ماسبيرو، تم استعراض مراحل تنفيذ المشروع الذي يستهدف تحويل أرشيف مكتبة ماسبيرو إلى أرشيف رقمي متكامل، يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في الفهرسة والبحث وإدارة المحتوى والترجمة إلى أكثر من لغة.
ويقول خبراء إعلام: إن السلطات تنظر إلى هذا الأرشيف بوصفه جزءا من “القوة الناعمة” المصرية، ومصدرا يمكن استثماره تجاريا عبر المنصات الرقمية وحقوق البث والإنتاج الوثائقي.
وأنه بين تقديرات الأمن الرقمي، واستعادة القوة الناعمة المصرية، وتحويل الأرشيف إلى مورد اقتصادي، تبرز دلالات أعمق لهذا المشروع تتجاوز الرقمنة إلى إعادة تعريف قيمة “ذاكرة الدولة” في العصر الرقمي.
إذ يستهدف المشروع، الذي يُعد الأكبر من نوعه في المنطقة، رقمنة نحو مليون شريط صوتي ومرئي بإجمالي 800 ألف ساعة من المحتوى النادر، باستخدام أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، خلال عامين.
وربما يتم الانتهاء من رقمنة 41 بالمئة من المحتوى التلفزيوني بحلول أبريل/ نيسان 2027، حسبما قال وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان.
ويتضمن المشروع إنشاء قواعد بيانات رقمية منظمة ومفهرسة، لحصر وتوثيق نحو مليون شريط تضم 800 ألف ساعة من المحتوى الإعلامي والفني والثقافي والسياسي، توثق تاريخ مصر الحديث على مدى عقود، بحسب المتحدث باسم رئاسة النظام، محمد الشناوي.
لماذا الجيش؟
في سياق إسناد أغلب المشروعات في مصر للمؤسسة العسكرية بفروعها المختلفة، لأسباب تتعلق بالعسكرة والربح والسيطرة، كان غريبا أن يتم إسناد الإشراف على “رقمنة ماسبيرو”، وهو مشروع ثقافي إعلامي، إلى المؤسسة العسكرية.
وكان الأغرب هو إسناد الأمر للشؤون المعنوية للجيش التي استعانت بدورها بشركات عالمية مثل هاواوي وأورانج، بدلا من مهندسي ماسبيرو الأكثر خبرة بهذا التراث.
كان التفسير والتصريحات الرسمية لإسناد رقمنة ماسبيرو للمؤسسة العسكرية، يدور حول الكفاءة وحماية التراث، وتقديرات الأمن القومي، وحماية الذاكرة الوطنية، وتسريع الرقمنة.
بينما أرجعت تفسيرات صحفية وتحليلية الأمر إلى اتساع دور المؤسسة العسكرية في إدارة الأصول المدنية، وضعف المؤسسات المدنية، والرغبة في التحكم في إدارة الأرشيف مستقبلا وربما توجيهه بالاهتمام بأحداث وإغفال أخرى.
ويرى عدد من الإعلاميين والكتاب المصريين أن إسناد مشروع رقمنة تراث ماسبيرو إلى المؤسسة العسكرية لا يقتصر على كونه قرارا تقنيا، بل يحمل أبعادا سياسية وإدارية واقتصادية.
وأرجع مؤيدو القرار السبب إلى أن المؤسسة العسكرية أصبحت الذراع التنفيذية الرئيسة للدولة في المشروعات القومية، وأنها تمتلك بنية تقنية وشركات تابعة قادرة على إنجاز مشروع ضخم يضم نحو مليون شريط وأكثر من 800 ألف ساعة من المواد السمعية والبصرية، بسرعة كبيرة.
فيما ذهب عدد من الإعلاميين إلى أن أرشيف ماسبيرو لا يمثل مجرد محتوى إعلامي، بل يوثق تاريخ الدولة المصرية منذ عشرات السنين، ويحتوي على مواد سياسية وعسكرية وأمنية ووثائق نادرة، ولذلك فضلت الدولة إسناده إلى المؤسسة العسكرية.
بالمقابل، انتقد بعض الصحفيين والباحثين هذه الخطوة بصفتها امتدادا لاتساع دور الجيش في إدارة قطاعات مدنية متعددة، مثل الطرق والإسكان والموانئ والصناعة والخدمات الرقمية.
ورأوا أن المشروع كان يمكن أن تنفذه شركات مدنية متخصصة في الأرشفة الرقمية أو من خلال شراكة تنافسية مع القطاع الخاص، مع الاستعانة بمهندسي ماسبيرو التاريخيين.
وطرح بعض الكتاب تساؤلات حول ما إذا كان وجود المؤسسة العسكرية في المشروع سيقتصر على الجانب الفني (الرقمنة والحفظ)، أم سيمتد إلى إدارة المحتوى وإتاحة الأرشيف مستقبلا، خصوصا أن المشروع يتضمن إنشاء قواعد بيانات رقمية ضخمة وإعادة تنظيم الأرشيف بالكامل، ما يؤشر لملامح مرحلة إعلامية قادمة أكثر قيودا.
ويشير إعلاميون آخرون إلى أن نقل إدارة أصل اقتصادي ضخم (ماسبيرو) إلى جهة (عسكرية) تمتلك قدرة تنفيذية واستثمارية أعلى من المؤسسات الإعلامية التقليدية، ربما يكون دلالة على تراجع الدور التنفيذي للهيئة الوطنية للإعلام.
فرغم أن الهيئة الوطنية للإعلام تظل المالك القانوني للأرشيف، فإن إسناد تنفيذ المشروع إلى جهاز يرتبط بالمؤسسة العسكرية يعكس، عمليا، تراجع قدرة الهيئة على إدارة مشروع بهذا الحجم بمفردها، سواء بسبب أزماتها المالية أو البيروقراطية أو نقص التمويل اللازم للتحول الرقمي.
ويرون أن دخول جهاز تابع للمؤسسة العسكرية في إدارة أحد أهم الأصول الإعلامية والثقافية المصرية يعكس اتجاها لتوسيع دور المؤسسات السيادية في إدارة الأصول الإستراتيجية للدولة، وليس فقط في القطاعات الدفاعية أو الأمنية.
وقد تساءل إعلاميون، منهم حافظ الميرازي، الذي عمل سابقا في التلفزيون المصري: “لماذا يُسند ماسبيرو مشروع الترقيم الإلكتروني لمكتبته إلى إدارة نظم المعلومات بالقوات المسلحة المصرية، التي تعاقدت من ناحيتها مع شركة هاواوي الصينية لإنجاز المشروع المتعلق بماسبيرو؟”
وتساءل الميرازي عن سر عدم الاستعانة بالخبرة الكبيرة لمهندسي الصوت والصورة بقطاع كامل باسم “الهندسة الإذاعية”، رغم أن أجهزة الدولة الأمنية والسيادية كانت تستعين بخبراء ماسبيرو لتقديم الخبرة الفنية، فأين ذهبوا؟
ورأى أن “الاستعانة بإدارة نظم المعلومات في القوات المسلحة لترقيم أرشيف ماسبيرو، دون السماح لخبرائه بالتعامل المباشر مع الشركة الصينية، يتعلق بعسكرة كل قطاعات الدولة المصرية، حتى الإعلام الرسمي في ماسبيرو الضعيف”.
وقال الميرازي: “ألا يكفي استحواذ وتأميم أغلب قنوات القطاع الخاص ونقلها باسم الشركة المتحدة لملكية وإدارة المخابرات العامة؟”
الجيش خط أحمر
ومطلع أغسطس/ آب 2026، وبالتزامن مع حديث مسؤولين عن توسيع نطاق حرية التعبير، مُنعت جريدة “الوفد”، المفترض أنها ليبرالية مستقلة وتُعبر عن حزب الوفد، من نشر مقال لمدير تحريرها السابق مجدي حلمي، تناول فيه تحديات مشروع رقمنة ماسبيرو، بسبب تخوفه من المشروع وحديثه عن دور الجيش.
صحفيون أبلغوا “الاستقلال” أن مطبعة جريدة الأهرام التي يتم طبع الجريدة فيها، رفضت طبع الصحيفة، ذات الثماني ورقات لعدم الإقبال على شراء الصحف الورقية، بدون سبب، حتى تم حذف المقال، وسط تكهنات بوجود رقابة على الطباعة.
وتبين أن سبب حجب المقال هو الانتقاد الضمني لتكليف الجيش وجهات أجنبية بعملية رقمنة ماسبيرو، وعدم الرغبة في توجيه أي انتقادات لإشرافه على المشروع، حسبما أكد صحفيون.
وقال حلمي، في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، إن “منع مقالي الأسبوعي في الوقت الذي تدعي الدولة ووزير إعلامها أنها مع حرية الإعلام وحرية الرأي والتعبير.. لكن يبدو أنها شعارات، وبسبب المقال تم تعطيل طباعة الجريدة ذات الثماني صفحات حتى منتصف الليل”
وقال حلمي إنه تواصل مع إدارة التحرير للاستفسار عن سبب عدم النشر، فأُبلغ بأن قرار المنع جاء من مطبعة جريدة الأهرام، دون تفسير.
وأشار إلى أنها المرة الأولى التي يُمنع فيها نشر مقال من المطبعة، إذ كانت المقالات تُمنع سابقا أو تُحجب بقرار من رئيس التحرير، وكان يجري النقاش بشأنها، إما بكتابة مقال بديل أو بتقديم الجريدة اعتذارا.
وقد نشر حلمي المقال كاملا في البوست نفسه بعنوان “أحمد المسلماني ورقمنة أرشيف الإذاعة والتلفزيون”
وتناول المقال 4 تحديات، قال حلمي إنها تواجه المشروع الوطني لرقمنة ماسبيرو، الذي تنفذه الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة المسلماني، وفي مقدمتها استعادة المواد الإعلامية من أفلام وأغانٍ وبرامج أنتجها التلفزيون المصري، وكتب أنها “تم سرقتها أو بيعها بدون تصريح لقنوات عربية في فترات التسيب”
والتحدي الثاني أمام المشروع يتمثل في الجهة التي ستتولى تحويل هذا الكم من الشرائط إلى ملفات رقمية، منتقدا ما وصفه بفشل تجارب حكومية سابقة في الرقمنة، في إشارة ضمنية ربما لانتقاده تولي الجيش هذه المهمة.
أما التحدي الثالث، حسب المقال، فيتعلق بترميم الأجزاء التالفة من الأشرطة القديمة قبل تحويلها إلى ملفات رقمية، وهي مهمة تحتاج إلى عناية ودقة، من خبراء داخل مبنى ماسبيرو ومن المتقاعدين في مجالي المونتاج والترميم.
ورأى حلمي أن التكلفة المالية تمثل التحدي الرابع للمشروع، في ظل ما قال عن ديون بمليارات الجنيهات على الهيئة الوطنية للإعلام، مطالبا الحكومة إما بإسقاط هذه الديون رسميا أو الإعلان عن ميزانية مستقلة للمشروع.
تعويض الخسائر
ويربط خبراء بين رقمنة وتطوير تراث ماسبيرو، وبين خسائر التلفزيون المصري الرسمي، بحيث يتم الاستفادة من بيع عوائد استغلال تراث ماسبيرو التي سيتم رقمنتها والخدمات المختلفة لتعويض بعض خسائر المبني العريق الذي يعاني موظفوه المتقاعدون من عدم صرف مستحقاتهم ومعاشاتهم.
إذ لا يقتصر المشروع على حماية الأشرطة القديمة من التلف، بل يهدف إلى تحويلها إلى أصل اقتصادي قابل للاستثمار.
فالرقمنة تتيح بيع حقوق البث والإنتاج، وإنشاء منصات رقمية مدفوعة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الفهرسة والبحث، وتسويق المحتوى التاريخي للجامعات والمنصات العالمية، وإنتاج وثائقيات وأعمال جديدة تعتمد على الأرشيف.
وبالتالي فإن المشروع يهدف إلى تحويل “التراث الإعلامي” من عبء إداري إلى مورد اقتصادي دائم، بحسب خبراء إعلام، وهو أحد أسباب إسناد الأمر للمؤسسة العسكرية، بجانب البعد الأمني.
وبحسب أرقام رسمية، أوردها رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، خلال اجتماع لجنة الاعلام بمجلس النواب، ونشرتها صحيفة “اليوم السابع” في 21 أبريل 2026، ذكر مديونيات متراكمة تشمل الضرائب، وجهات أجنبية مثل اتحاد الإذاعات العربية، والاتحادات الإذاعية الأوروبية، والوكالات الأجنبية، وهي ديون مقومة بالجنيه والدولار وتصل إلى أرقام ضخمة جدا.
وأشار إلى أن أصل الديون والجزء الأكبر من المديونية (42.6 مليار جنيه لبنك الاستثمار) ناتج عن تمويل أصول وطنية (نايل سات ومدينة الإنتاج الإعلامي) تم تحميلها تاريخيا على موازنة ماسبيرو.
وأشار الى أن الهيئة تعتمد على ما يسمى بـ”الخدمات المؤداة” التي تسددها الدولة، إلا أن الرقم الحالي (نحو 1.1 مليار جنيه) ثابت منذ عام 1992، ولا يمثل سوى 15 بالمئة فقط من القيمة الفعلية المستحقة عما يقدمه ماسبيرو من خدمات للحكومة.
وقال: خاطبنا الجهات المعنية لتصحيح هذا الرقم ليصل إلى ما يتجاوز 7 مليارات جنيه؛ حيث إن تحريك هذا الملف سيسهم بشكل مباشر في دعم الموازنة وحل أزمات المعاشات والمستحقات الأخرى.
وكانت الخسائر السنوية في العام المالي 2024/2025، بلغت نحو 14.68 مليار جنيه، وخسائر المرحلة التراكمية حتى 2024/2025 هي 119.9 مليار جنيه، بما يساوي 44.9 بالمئة من إجمالي الخسائر المرحلة للهيئات الاقتصادية في مصر.
ووفقا للتقييم الرسمي لأصل ديون ماسبيرو، فهي تبلغ نحو 42.6 مليار جنيه، ومعظمها مستحق لبنك الاستثمار القومي، وفق ما قاله المسلماني.
والفوائد المحملة على هذه الديون بين 2016/2017 و2023/2024، بلغت نحو 48.3 مليار جنيه، وتمثل 72.3 بالمئة من إجمالي خسائر الهيئة خلال تلك الفترة.
ويشير تحليل لـ”المرصد المصري للصحافة والإعلام” في 6 فبراير/شباط 2026 إلى ديون بالمليارات وتراكم خسائر، ألقت بظلالها على حياة العاملين داخله، في صورة رواتب تتأخر، وعلاوات مُجمدة، ومكافآت نهاية خدمة لم تُصرف منذ سنوات.
أرجع الأزمة المالية الحالية، إلى ما يقرب من 25 عاما، ولعدة عوامل بدأت مع الألفية الثالثة؛ إذ شهدت إيرادات الإعلانات، تراجعا ملحوظا، نتيجة ظهور القنوات الفضائية الخاصة، وانخفاض نسب مشاهدة هذه القنوات، ما انعكس مباشرة على الإيرادات.
سبب آخر للأزمة هو عدد العاملين في اتحاد الإذاعة والتلفزيون الذي يبلغ نحو 31 ألف موظف، وفقا لتصريحات حسين زين، الرئيس السابق للهيئة الوطنية للإعلام، في أكتوبر/ تشرين الأول 2022، ما أدى إلى ارتفاع المصروفات التشغيلية بشكل كبير، فضلًا عن بند الأجور، الذي شكل عبئا إضافيا على ميزانية الهيئة.
وبحسب وزير الدولة للإعلام السابق، أسامة هيكل، أمام البرلمان في 19 يناير 2021، بلغ المخصص المالي الشهري من وزارة المالية 220 مليون جنيه منذ 2013 لم يزد، ويُستخدم فقط للأجور والبنود الأساسية، دون تغطية زيادات التأمينات أو المعاشات أو العلاوات.
ومع تقليص أعداد العاملين، والشكاوى من عدم الحصول على المستحقات، تراجعت مخصصات أجور العاملين في القوائم المالية، كنسبة من إجمالي التكاليف والمصروفات.
ففي حين بلغت 2.187 مليار جنيه عام 2017/2016، بنسبة 29.6 بالمئة من إجمالي “المصروفات” البالغة في ذلك العام 7.4 مليارات جنيه، تراجعت النسبة إلى 22.6 بالمئة، في العام المالي 2025/2024.
وبلغت مخصصات الأجور 3.8 مليارات جنيه، من إجمالي “مصروفات” قُدرت بـ16.8 مليار جنيه، بحسب الحسابات الختامية لـ”الوطنية للإعلام”، ويُقدر أن تبلغ النسبة 21.2 بالمئة في موازنة العام المالي 2026/2025.
لا أجور ولا معاشات
وقد انسحبت أزمة الديون على ملفات رئيسة داخل ماسبيرو، على رأسها ملف الأجور، والذي يمثل إحدى أكثر القضايا المزمنة في بنية الإعلام العام في مصر.
وبخلاف الرواتب الضعيفة للغاية والتي تتراوح بين 4 و5 آلاف جنية (قرابة 100 دولار) لغالبية العاملين في ماسبيرو، ظهرت أزمة أخطر هي صرف مكافأة نهاية الخدمة، وتزايد شكاوى الموظفين المحالين إلى التقاعد، من تأخر صرف مستحقاتهم المالية لعدة سنوات، أو عدم وضوح آليات احتسابها.
وكانت المذيعة غادة الطويل، من أوائل مذيعات القناة الخامسة، فوجئت بعدما خرجت على المعاش، وهي تراجع موقفها التأميني أنه بعد 36 سنة عمل واستقطاع مبلغ التأمينات من مرتبها، مدفوع عنها 6 شهور فقط، ما يعني ضياع مكافأة نهاية الخدمة.
وشكوى “الطويل” ليست فردية، وتأتي ضمن شكاوى متعددة على مدار السنوات الماضية للعاملين والمُحالين على المعاش في “الإذاعة والتلفزيون” من التعدي على مستحقاتهم.
وقد كشفت منظمة “حرية الفكر والتعبير” في تقرير، إلى أن معاناة أصحاب المعاشات منذ عام 2018 تتضمن مفارقات منها خصم 5 بالمئة من مكافأة نهاية الخدمة لهم لصالح صندوق “أغراض اجتماعية”، في محاولة من “الوطنية للإعلام” لتوفير رواتب العاملين الحاليين من أموال أصحاب المعاشات.
marsadpress.net – شبكة المرصد الإخبارية شبكة المرصد الإخبارية
