أخبار عاجلة

أعباء الديون تدفع حكومة الإنقلاب لتأسيس شركة تسمح للأجانب بالوصول لأصول الدولة وسيادتها.. الثلاثاء 14 يوليو 2026.. انحسار النيل في السودان يفضح خطر سد النهضة ويهدد مياه مصر وزراعتها

أعباء الديون تدفع حكومة الإنقلاب لتأسيس شركة تسمح للأجانب بالوصول لأصول الدولة وسيادتها.. الثلاثاء 14 يوليو 2026.. انحسار النيل في السودان يفضح خطر سد النهضة ويهدد مياه مصر وزراعتها

 

شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري

 

*للمرة الثانية.. تأجيل محاكمة رسام الكاريكاتير أشرف عمر إلى 12 أكتوبر

قررت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة داخل مجمع سجون بدر، أمس الاثنين، تأجيل محاكمة رسام الكاريكاتير والمترجم وعازف الجيتار أشرف عمر إلى جلسة 12 أكتوبر 2026، وذلك للمرة الثانية، لحضور الشاهد الأول في القضية، وهو ضابط التحريات، ومناقشته.

وكانت المحكمة قد قررت في جلسة 10 مايو الماضي تأجيل نظر القضية إلى جلسة اليوم للاطلاع على أوراق الدعوى، قبل أن تقرر تأجيلها مجددًا إلى أكتوبر المقبل.

ويُحاكم أشرف عمر إلى جانب 11 متهمًا آخرين، بينهم سيدة، في القضية رقم 11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس، وذلك بعد إحالته إلى المحاكمة في نوفمبر 2025، عقب نحو 16 شهرًا من الحبس الاحتياطي منذ القبض عليه من منزله في 22 يوليو 2024.

وأسندت النيابة العامة إلى عمر اتهامات تتعلق بتمويل جماعة إرهابية والمشاركة في تحقيق أغراضها، فيما كانت التحقيقات الأولية قد تضمنت اتهامات أخرى، من بينها استخدام أحد مواقع الإنترنت للترويج لأفكار تدعو إلى ارتكاب أعمال إرهابية، وإذاعة أخبار وبيانات وشائعات كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن والسلم العام. إلا أن أمر الإحالة إلى المحكمة استبعد بعض هذه الاتهامات، وأبقى على اتهام تمويل جماعة إرهابية، إلى جانب تهمة المشاركة في تحقيق أغراضها.

وأثار القبض على أشرف عمر واستمرار حبسه الاحتياطي ردود فعل واسعة من مؤسسات معنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان، حيث طالبت جهات حقوقية ومنظمات دولية بالإفراج عنه، معتبرة أن القضية تثير مخاوف بشأن أوضاع حرية التعبير والعمل الصحفي في مصر.

*تغريب 40 معتقلا إلى سجن دمنهور و”كفر صقر” ومحاضر مجمعة 207 و208 لاستمرار حبس المعتقلين

تُعتبر سياسة “التدوير” واحدة من أبرز الانتهاكات الحقوقية التي تُهدر دولة القانون وتحول الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي إلى عقوبة مسبقة ومفتوحة المدة، والتدوير، بمفهومه الحقوقي، هو إعادة إدراج المعتقل على ذمة قضية جديدة بذات الاتهامات أو باتهامات مشابهة، فور صدور قرار بإخلاء سبيله من القضية القديمة، أو حتى بعد انقضاء مدة محكوميته كاملة.

وفي المحاضر المجمعة الأخيرة، يتجلى التدوير كآلية أمنية لإعادة إنتاج القضايا السياسية؛ حيث تشير البيانات القانونية إلى رصد تدوير معتقلين من قضايا سابقة إلى المحضر المجمع الجديد رقم (208) بمركز شرطة بلبيس، ومنهم المعتقل محمد طلعت محمود إسماعيل (من العاشر من رمضان)، والمعتقل محمد عاطف جاويش (من ديرب نجم)، واللذان جرى تدويرهما من المحضر المجمع رقم (108). وبالمثل، تم تدوير المعتقل عمر خالد رشدي (من منيا القمح) من المحضر المجمع رقم (134) ليوضع مجدداً في الدائرة المغلقة ذاتها. الغرض الأساسي من هذه العملية هو تفادي السقف القانوني الأقصى للحبس الاحتياطي، وخلق حالة قانونية مصطنعة تتيح للجهات القضائية تجديد الحبس لمدد إضافية دون قرائن حقيقية.

تلفيق الاتهامات في المحضرين 207 و208 وموجة الاعتقالات الجديدة

تتميز الاتهامات المدرجة في المحضرين المجمعين 207 و208 بأنها اتهامات مستنسخة وقوالب جاهزة تُسقط على المعتقلين عبر محاضر النيابة الكلية بالزقازيق. وتتمحور الهندسة القانونية لهذه القضايا حول توجيه تهم تقليدية مثل الانضمام لجماعة (….) ونشر أخبار كاذبة، وهي وقائع يُدعى ارتكابها في تواريخ يكون فيها المعتقل محتجزاً بالفعل داخل السجون ومحروماً من أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي.

ولم يتوقف الأمر عند تدوير المحتجزين القدامى، بل شملت هذه المحاضر موجة من الاعتقالات والعروض الجديدة أمام النيابة، حيث باشرت نيابة الزقازيق الكلية التحقيق مع مجموعات مجمعة؛ ففي المحضر رقم (208) ألحق بالتحقيقات 6 معتقلين جدد ليصل إجمالي المعروضين فيه إلى 15 معتقلاً تقرر حبسهم 15 يوماً على ذمة التحقيقات، وجاءت أسماؤهم في سطر واحد كالتالي: (محمد طلعت محمود إسماعيل، محمد عاطف جاويش، عمر خالد رشدي، سعيد إسماعيل رماح، حسام البركاوي، بلال عبدالعزيز حسنين، محمد رضا، رضا عبدالله حسانين النجار، أحمد صبحي صلاح منصور، عمر صبحي الغندور، أحمد عمر بن الخطاب، باسل شبل عسكر، رضا علي عبدالحميد، عبدالله محمد سماحة، تقي محمد إبراهيم الكردي).

أما المحضر المجمع رقم 207 بمركز شرطة منيا القمح، فقد ضم 13 معتقلاً بعد إلحاق 6 معتقلين جدد للتحقيق، وتقرر إيداعهم مركز شرطة منيا القمح لمدة 15 يوماً، وضمت أسماؤهم في سطر واحد كالتالي: (بشير عبد الحليم محمود الكاشف، أحمد محمود عبد الغني خواص، أحمد إسماعيل إبراهيم عمار، محمد حسن أحمد الشافعي، الحسيني فؤاد علي، علاء الدين ممدوح محمد، محمد حامد حسن، محمد عبد المقصود صابر، محمد مصطفى الرفاعي، حسن خيري محمد، مؤمن السيد عبد الحميد زقزوق، محمد محمد عبد المنعم). يضاف إلى هذه الموجة قضايا الاعتقال الفردية، مثل حالة المعتقل معاذ تامر (من قرية أنشاص) الذي حُبس بمركز شرطة الزقازيق، والمعتقل محمد عبد النبي الورواري (من مركز بلبيس) الذي تعرض للاختفاء القسري لمدة شهرين كاملين منذ اعتقاله في 6 مايو 2026 وحتى ظهوره في 6 يوليو 2026 بنيابة أمن الدولة العليا بالتجمّع الخامس، ليتقرر حبسه وإيداعه سجن أبو زعبل.

التغريب والترحيل العشوائي

لا تتوقف الانتهاكات عند الأبعاد القانونية وتلفيق المحاضر، بل تمتد لتشمل الجانب الإنساني والجسدي من خلال الترحيلات الجماعية وعمليات التغريب الجغرافي. ويُقصد بالتغريب نقل المعتقلين تعسفياً إلى مقار احتجاز تقع في مناطق نائية بعيدة عن مقار إقامة عائلاتهم الأصلية لزيادة معاناتهم.

وقد رصدت التقارير القانونية حركة ترحيلات واسعة النطاق شملت 40 معتقلاً جرى نقلهم وتغريبهم بشكل تعسفي؛ حيث نُفذت يوم السبت الموافق 11 يوليو 2026 حملة ترحيل شملت 25 معتقلاً نُقلوا من مراكز محافظة الشرقية المختلفة إلى سجن دمنهور، وضمت أسماؤهم في سطر واحد كالتالي: (أسامة الهادي، أدهم يوسف عبد العزيز، بلال السيد أحمد، محمود هاني، محمود عبد العزيز محمد داوود، محمد حمدي منصور، سمير حمدي سلامة، أحمد فيصل، السيد البكري الحسيني، محمد عبد الرؤوف، كريم صفوت، مصطفى فهمي محمد، عمران محمد صبحي، معاذ محمد صبحي، إبراهيم الغرباوي، ماهر حسيني، معتز رضوان، أحمد يوسف، مصعب عادل عسكر، أحمد سمير، محمد عبد المنعم، سالم محمد سالم، أحمد حمدي، ضياء عسكر، جعفر قشطة).

وبالتوازي مع هذه الحملة، تم رصد ترحيل 15 معتقلاً آخراً محبوسين على ذمة المحضر المجمع رقم (208) من محبسهم بمركز شرطة بلبيس إلى مركز شرطة كفر صقر، وجاءت أسماؤهم مدمجة في سطر واحد كالتالي: (محمد طلعت محمود إسماعيل، محمد عاطف جاويش، عمر خالد رشدي، سعيد إسماعيل رماح، حسام البركاوي، بلال عبدالعزيز حسنين، محمد رضا، رضا عبدالله حسانين النجار، أحمد صبحي صلاح منصور، عمر صبحي الغندور، أحمد عمر بن الخطاب، باسل شبل عسكر، رضا علي عبدالحميد، عبدالله محمد سماحة، تقي محمد إبراهيم الكردي). هذا التنقل المستمر والترحيل العشوائي يهدف إستراتيجياً إلى عزل المعتقل عن بيئته القانونية، وإنهاك العائلات مادياً وجسدياً عبر مشاق السفر، وخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي الدائم للمحتجزين.

وقال حقوقيون: إن “المئات من معتقلي الرأي والسياسيين في المحافظات يواجهون نمطاً من التنكيل الممنهج الذي يتجاوز حدود الأحكام القضائية وفترات الحبس الاحتياطي المقررة قانوناً“.

ويتجسد هذا النمط في مصطلحات باتت تشكل الهيكل الحقيقي للمعاناة داخل مقار الاحتجاز: “الترحيل أو التغريب، والتدوير”، وهذه لا تمثل مجرد إجراءات إدارية أو لوجستية، بل تحولت إلى أدوات عقابية تُستخدم لكسر إرادة المعتقلين واستنزاف عائلاتهم مادياً ونفسياً.

 ومع بروز المحاضر المجمعة المستحدثة، ولا سيما المحضرين رقم 207 ورقم 208 الصادرين في نطاق محافظة الشرقية، تدخل الحالة الحقوقية مرحلة أكثر تعقيداً، حيث أضحت هذه المحاضر وسيلة لشرعنة استمرار الاحتجاز عبر تلفيق اتهامات مكررة ومستنسخة تحول دون نيل الحرية

* بعد 8 سنوات خلف القضبان.. الشاعر جلال البحيري يبدأ يومه الـ12 في إضراب مفتوح عن الطعام

يواصل الشاعر جلال البحيري إضرابه المفتوح عن الطعام، الذي بدأه في 2 يوليو الجاري، احتجاجًا على ما وصفه مقربون منه بإجراءات تضييقية داخل محبسه، عقب مصادرة كتبه وأوراقه وأقلامه، ومنع دخول الملابس إليه، في خطوة اعتبرها محاولة لحرمانه من أبسط أدوات التعبير والتواصل.

ويتزامن الإضراب مع بلوغ البحيري عامه السادس والثلاثين، بعدما قضى أكثر من ثماني سنوات خلف القضبان منذ القبض عليه في مارس 2018، في رحلة طويلة داخل السجون شهدت استمرار احتجازه عبر سلسلة من القضايا والإجراءات القانونية المتعاقبة. 

رسالة تكشف حجم العزلة داخل السجن

وكشفت رسالة أخيرة منسوبة إلى جلال البحيري عن حجم العزلة التي يعيشها داخل محبسه، بعدما تضمنت تحيات وأمنيات لأشخاص فارقوا الحياة بالفعل، وهو ما اعتبره متابعون انعكاسًا لانقطاعه الطويل عن العالم الخارجي وعدم معرفته بتطورات الحياة من حوله.

وبدت كلمات البحيري، وفقًا لمؤيديه، وكأنها تعبير عن إنسان يحاول التمسك بذكرياته ومساحته الشخصية في ظل سنوات طويلة من القيود، بعدما أصبحت الورقة والقلم بالنسبة له وسيلة أساسية للحفاظ على صلته بالعالم والتعبير عن أفكاره ومشاعره.

8 سنوات من الاحتجاز وقضايا متتابعة

ويأتي الإضراب الجديد في ظل استمرار أزمة قانونية بدأت منذ القبض على البحيري في 3 مارس 2018، حيث تشير جهات حقوقية إلى أنه واجه خلال السنوات الماضية سلسلة من القضايا المتتابعة التي أدت إلى استمرار احتجازه.

وبحسب ما ذكرته تلك الجهات، فقد بدأت القضية الأولى للبحيري برقم 480 لسنة 2018، قبل أن تتم إحالته إلى محاكمة عسكرية في القضية رقم 4 لسنة 2018، والتي أنهى عقوبتها بالكامل في يوليو 2021.

إلا أن خروجه من تلك القضية لم يؤدِ إلى الإفراج عنه، إذ تم إدراجه في قضية جديدة حملت رقم 2000 لسنة 2021 ضمن قضايا أمن الدولة، ثم استمر احتجازه عبر قضايا أخرى في أغسطس 2023، بينها القضيتان رقم 2369 ورقم 3391، وسط اتهامات متكررة واستمرار الحبس الاحتياطي لفترات طويلة.

الكتابة في مواجهة القيود

ويرى مدافعون عن البحيري أن مصادرة الكتب والأوراق والأقلام تمثل تصعيدًا في التعامل معه، باعتبار أن الكتابة كانت جزءًا أساسيًا من حياته قبل وخلال فترة احتجازه، وأن حرمانه من أدواتها يضاعف من عزله داخل السجن.

ويؤكدون أن إضرابه عن الطعام جاء كوسيلة احتجاجية للضغط من أجل استعادة حقه في الحصول على أدوات القراءة والكتابة، باعتبارها حقوقًا أساسية للسجناء وليست امتيازات يمكن منعها.

مطالب حقوقية بإنهاء الاحتجاز المستمر

وتثير قضية جلال البحيري مجددًا النقاش حول أوضاع المحبوسين احتياطيًا، خاصة في الحالات التي تستمر فيها فترة الاحتجاز عبر تدوير المتهمين في قضايا جديدة بعد انتهاء القضايا السابقة.

وتطالب منظمات حقوقية بالإفراج عن البحيري وإنهاء ما تصفه بالاحتجاز المطول، إضافة إلى ضمان حقوق السجناء في التواصل والحصول على الكتب والمواد الكتابية وفقًا للقواعد المنظمة لذلك.

ويستمر إضراب الشاعر جلال البحيري عن الطعام وسط دعوات لمتابعة حالته الصحية، في وقت تؤكد فيه أسرته ومؤيدوه أن مطلبه الأساسي يتمثل في استعادة حقه في المعرفة والكتابة، بعد سنوات طويلة قضاها بعيدًا عن الحياة العامة.

*مركز الشهاب يتلقى استغاثة تعذيب تطالب بحماية معتقل من الضرب والإهانة ومحاسبة المتورطين في سجن المنيا 2

تلقى مركز الشهاب لحقوق الإنسان استغاثة عاجلة من أسرة المحتجز فاروق أحمد داخل سجن المنيا 2 بشأن تعرضه للضرب والإهانة ومصادرة متعلقاته، ما أثار مخاوف جدية على سلامته الجسدية والنفسية.

ويكشف البلاغ الحقوقي وجهًا قاسيًا لنظام احتجاز يملك السيطرة الكاملة على أجساد السجناء، لكنه يترك الأسر تبحث عن الحماية والدواء والمعلومات، بينما تبقى روايات التعذيب بلا تحقيقات مستقلة معلنة أو محاسبة شفافة.

اتهامات بالضرب والإذلال

وبحسب الاستغاثة، تعرض فاروق أحمد للضرب المبرح وسوء المعاملة داخل محبسه، إلى جانب توجيه عبارات سب وإهانة بحقه، في وقائع قالت أسرته إنها تهدد كرامته وسلامته وتستوجب تدخلًا عاجلًا.

كما أفادت الأسرة بأن متعلقاته الشخصية ومستلزماته داخل السجن صودرت، بما يضاعف من عزلته ويحرمه من احتياجات أساسية، ويحول إجراءات الاحتجاز إلى وسيلة إضافية للضغط والإذلال والعقاب خارج نطاق القانون. 

ولزيادة خطورة الواقعة، أشارت الأسرة إلى أسماء أفراد تتهمهم بالمشاركة في الانتهاكات، وهو ما يمنح جهات التحقيق نقطة بداية واضحة، بدل الاكتفاء بنفي عام أو تجاهل الشكوى حتى تضيع آثار الإصابات.

لذلك، لا يمكن التعامل مع البلاغ باعتباره خلافًا عابرًا بين محتجزين وإدارة السجن، لأن الادعاءات تتضمن ضربًا وإهانة ومصادرة، وهي أفعال تستوجب الاستماع إلى الضحية والشهود وفحص تسجيلات المراقبة والسجلات الرسمية.

ومن ثم، تتحمل إدارة سجن المنيا 2 المسؤولية المباشرة عن حماية فاروق أحمد، سواء ثبتت مشاركة مسؤولين في الاعتداء أو وقع التقصير في منعه، لأن المحتجز أصبح تحت السيطرة الكاملة للدولة.

غير أن استمرار غياب رد رسمي معلن بشأن الواقعة يزيد المخاوف المحيطة بمصيره، ويترك أسرته أمام معلومات محدودة، بينما يفترض أن تبادر الجهات المختصة بالكشف عن حالته ومكان احتجازه والإجراءات المتخذة لحمايته.

فحص طبي لا يحتمل التأخير

علاوة على ذلك، طالب مركز الشهاب بعرض فاروق أحمد على الطب الشرعي لإثبات أي إصابات وتوثيق حالته الصحية، لأن مرور الوقت قد يؤدي إلى اختفاء بعض الآثار وتعقيد إثبات المسؤولية الجنائية.

وبناءً على ذلك، يجب أن يتم الفحص بعيدًا عن الجهة المشكو في حقها، مع تمكين المحتجز من شرح ما تعرض له بحرية، وتسجيل الإصابات الظاهرة والآلام الداخلية والحالة النفسية بصورة مهنية مستقلة.

وفي السياق نفسه، يمثل التوثيق الطبي ضمانة لفاروق وللعاملين داخل السجن معًا، لأنه يحدد طبيعة الإصابات وتوقيتها وأسبابها المحتملة، ويمنع تحويل القضية إلى تبادل اتهامات بلا أدلة مادية قابلة للفحص.

وفوق ذلك، ينبغي توفير العلاج الفوري لأي إصابات قبل انتظار انتهاء التحقيق، لأن حق المحتجز في الرعاية الصحية لا يتوقف على إثبات هوية المعتدي، ولا يجوز استخدام الإجراءات ذريعة لتأخير العلاج.

وعليه، فإن تمكين الأسرة والمحامي من زيارته يمثل خطوة ضرورية للاطمئنان على سلامته، وتوثيق أقواله، والتأكد من عدم تعرضه لضغوط أو تهديدات تمنعه من تقديم روايته الكاملة للواقعة.

ومع ذلك، لا تكفي زيارة واحدة أو نقل مؤقت إلى مكان آخر، بل يجب وضع ترتيبات حماية مستمرة تمنع الانتقام منه بسبب الشكوى، وتضمن عدم جمعه بمن تتهمهم الأسرة بالاعتداء عليه.

المحاسبة تمنع التكرار

إضافة إلى ذلك، دعا مركز الشهاب إلى فتح تحقيق عاجل وشفاف ومستقل في ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين حال ثبوتها، باعتبار أن الصمت يشجع على تكرار الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.

ومن ناحية أخرى، يجب ألا يخضع التحقيق للجهة الإدارية نفسها المتهمة بالتقصير أو الاعتداء، لأن الاستقلال شرط أساسي لبناء الثقة، وحماية الأدلة، وضمان عدم التأثير على المحتجز أو الشهود الموجودين داخل السجن.

أما مسؤولية النيابة العامة، فتبدأ بالانتقال إلى مكان الاحتجاز وسماع أقوال فاروق دون حضور مسؤولي السجن، وفحص دفتر الأحوال وسجلات التفتيش والعقوبات، والتحفظ على تسجيلات المراقبة قبل فقدها أو محوها.

وفي المقابل، ينبغي منح من وردت أسماؤهم في شكوى الأسرة حق الرد والدفاع، دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لتجاهل الضحية أو التشكيك المسبق في روايتها أو معاقبتها بسبب طلب الحماية.

ثم إن التعذيب لا يمثل تجاوزًا إداريًا بسيطًا يمكن احتواؤه بنقل موظف أو توجيه تنبيه، بل جريمة خطيرة تمس سلامة الإنسان وكرامته، وتتطلب مساءلة فردية ومؤسسية تكشف أسباب وقوعها وسبل منع تكرارها.

وبصورة أوسع، تكشف استغاثة فاروق أحمد هشاشة آليات الشكوى داخل السجون، إذ تضطر الأسرة إلى اللجوء لمنظمة حقوقية والإعلان العلني، بدل وجود قناة مستقلة وآمنة يستطيع المحتجز استخدامها دون خوف.

كذلك، فإن حماية السجناء لا تتعارض مع تنفيذ القانون، بل تمثل جوهره، لأن الدولة التي تحتجز شخصًا تصبح ملزمة بحمايته من موظفيها ومن بقية المحتجزين، وتوفير العلاج والتواصل القانوني والإنساني له.

وأخيرًا، تحتاج القضية إلى تحرك عاجل يبدأ بحماية فاروق أحمد وعرضه على الطب الشرعي وتمكين أسرته ومحاميه من زيارته، وينتهي بتحقيق مستقل ومحاسبة واضحة تمنع دفن الواقعة خلف أسوار سجن المنيا 2.

*مطالب بتحقيق مستقل فى وفاة د.عمرو هيكل والإفراج عن زوجته

عندما يبلغ الظلم مداه يتم اعتقال الدكتور عمرو عبد النبي هيكل وإخفاؤه قسريا لمدة ست سنوات واعتقال زوجته وايداعها السجن بينما يتم تسليم الأطفال الي جدهم ليقوم على رعايتهم طوال هذه السنوات، هذا المشهد كان كفيلا بتدمير نفسية أي انسان مهما كانت قوته، ويأتي المشهد الأكثر قسوة بعد ست سنوات من الاخفاء القسري يأتي خبر موت الدكتور عمرو هيكل في المعتقل منذ أيام ، بينما الدكتورة دينا عبد الرحمن تعاني اضطربا نفسيا قاسيا من سوء المعاملة في السجن، فمن يستطيع تحمل هذا الجحيم المتواصل؟

تتضاعف مأساة الدكتورة “دينا عبد الرحمن” بعد ارتقاء زوجها الدكتور “عمرو عبد النبي ذكي محمد هيكل” داخل سجنه بعد سنوات من الاختفاء حيث تعيش مأساة إنسانية تفوق قدرة البشر على التحمل داخل محبسها في سجن العاشر بعد سنوات من الإخفاء القسري والظلم الممنهج.

تعاني هذه الزوجة المكلومة من اضطرابات قاسية وصدمات نفسية بالغة بسبب ما تعرضت له من تعديات وحشية لحظة اعتقالها في عام 2020 وتغييبها التام عن طفليها اللذين يعيشان في رعاية جدهما. وتصبح أشد قسوة بعد وفاة زوجها الدكتور “عمرو هيكل” وتجد نفسها وحيدة تصارع أهوال السجن واضطراباتها النفسية ووجع فقدان شريك حياتها في وقت واحد. والإفراج الفوري عن الدكتورة “دينا عبد الرحمن” بات ضرورة إنسانية ملحة تنهي هذا الجحيم المستمر وتعيدها لاحتضان أبنائها وترميم ما تبقى من هذه الأسرة المنكوبة.

من جانبه، قال مركز الشهاب لحقوق الإنسان إن قضية عمرو هيكل تكشف “سلسلة من الانتهاكات الممنهجة” التي تعرضت لها الأسرة على مدار ست سنوات، وانتهت بوفاة الأب واستمرار احتجاز الزوجة، بما أدى إلى حرمان طفليهما من الرعاية الأسرية.

وأوضح المركز أن الدكتور عمرو وزوجته الدكتورة دينا عبد الرحمن ونجلهما تعرضوا للإخفاء القسري منذ عام 2020، قبل أن يظهر الابن لاحقا ويعيش مع عائلة والده، بينما استمر إخفاء الوالدين لسنوات.

وأضاف أن الدكتورة دينا ظهرت قبل نحو ثلاث سنوات داخل أحد السجون وهي تعاني من فقدان كامل للنطق والإدراك، نتيجة ما وصفه بـ”المعاملة اللاإنسانية والظروف القاسية” التي تعرضت لها خلال فترة الإخفاء والاحتجاز.

وأشار المركز إلى أن مصير الدكتور عمرو ظل مجهولا حتى ظهر رهن الاحتجاز على ذمة قضايا سياسية، قبل أن تبلغ أسرته بوفاته داخل المستشفى، معربا عن مخاوفه من وجود إهمال طبي أو انتهاكات أدت إلى وفاته.

وأكد أن طفلي الزوجين عاشا طوال ست سنوات في كفالة جدهما، معتبرا أن ما جرى يمثل “نموذجا صارخا للعقاب الجماعي” الذي يمتد أثره إلى الأطفال وأفراد الأسرة. وطالب مركز الشهاب بفتح تحقيق قضائي عاجل ومستقل لكشف أسباب الوفاة، وإعلان نتائج التحقيق للرأي العام، والكشف عن جميع ملابسات الإخفاء القسري والاحتجاز، والإفراج الفوري عن دينا عبد الرحمن لدواعٍ إنسانية وتمكينها من العلاج، إلى جانب محاسبة المسئولين وتعويض الأسرة عن الأضرار التي لحقت بها.

*أعباء الديون تدفع حكومة الإنقلاب لتأسيس شركة تسمح للأجانب بالوصول لأصول الدولة

كشفت الحكومة المصرية عن تأسيس شركة جديدة داخل مصر لمبادلة أذون الخزانة بأصول عقارية وحصص ملكية، بما يحول بعض الدائنين إلى مساهمين في ممتلكات عامة استراتيجية، في وقت تواجه فيه دين خارجي بلغ 164.78 مليار دولار.

سياسياً، تضع الخطوة المصريين أمام مشهد إنساني بالغ القسوة، إذ تُستخدم أصول الدولة ومدخرات العلاج وقناة السويس لتسوية ديون صنعتها سياسات توسعت في الاقتراض، بينما يتحمل المواطن كلفة الفقر والتقشف وفقدان السيادة.

بوابة جديدة للدائنين

وتضم الشركة المرتقبة أصولاً عقارية تابعة لوزارة المالية وهيئة قناة السويس، إلى جانب مساهمة نقدية من فوائض هيئة التأمين الصحي، في تركيب يربط بين مؤسسات سيادية وموارد اجتماعية يفترض توجيهها لخدمة المواطنين.

وبحسب المعطيات المتاحة، تنتهي إجراءات تأسيس الشركة خلال تموز الجاري، بعدما حصلت في الشهر الماضي على ترخيص لإدارة الأصول العقارية وتنميتها واستثمارها، والدخول في شراكات مع مطورين محليين وأجانب من القطاع الخاص.

وفي جوهر الآلية، يُسمح لحاملي أذون الخزانة بمبادلة أدوات الدين بحصص ملكية داخل الشركة، وهو تحول ينقل الدائن من موقع المطالب بالسداد إلى موقع الشريك في أصل مملوك للدولة المصرية. 

غير أن الحكومة لم تكشف حتى الآن التفاصيل التشغيلية الكاملة، ولا قواعد تقييم الأصول، ولا حدود التملك، ولا طبيعة الضمانات التي تمنع انتقال السيطرة الفعلية على ممتلكات عامة إلى دائنين أو مستثمرين.

كما أن الموازنة الجديدة تكشف حجم الرهان على هذا المسار، إذ تصل التدفقات الرأسمالية المرتبطة بمبادلات الديون بحصص ملكية إلى 125.3 مليار جنيه خلال العام المالي 2026 و2027، وفق الأرقام الواردة.

وعلى هذا الأساس، لا تبدو الشركة مجرد أداة فنية لإدارة عقارات، بل بوابة واسعة لإعادة توزيع ملكية أصول الدولة تحت ضغط الاستحقاقات، بعيداً عن نقاش عام جاد أو رقابة شعبية فعالة.

ولزيادة المخاوف، فإن هيئة قناة السويس ليست جهة عادية، بل مرفق يرتبط مباشرة بالأمن القومي وتدفقات النقد الأجنبي، بينما تمثل هيئة التأمين الصحي سنداً مالياً لخدمة ملايين محدودي الدخل في مختلف المحافظات.

ومن ثم فإن إدخال أصول القناة وفوائض التأمين الصحي في ترتيبات سداد الديون يفتح سؤالاً مركزياً حول أولوية حماية المال العام، وحدود التضحية بمصالح المستقبل لتغطية أعباء الحاضر المتراكمة والقاسية.

السيادة في المزاد

في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي علاء الدين سعفان أن مصر واقتصادها وأصولها واستقلالها باتت بين مطرقة الديون وسندان غياب الإرادة الوطنية، مع تحويل الأصول الاستراتيجية إلى وسيلة لسداد التزامات مالية متضخمة.

ويؤكد سعفان أن هذه الديون تراكمت نتيجة سياسات توسعت في الاستدانة دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، ما جعل الدولة تلجأ إلى المقايضة بالأصول بدلاً من توليد موارد مستدامة تعزز الاقتصاد وتحمي الأجيال المقبلة.

وبذلك تتحول فلسفة إدارة المديونية من البحث عن نمو قادر على السداد إلى التخلص التدريجي من الممتلكات، وهو نهج يستهلك روافع الدولة الاقتصادية ويترك البلاد أضعف مالياً وسياسياً أمام الأزمات القادمة.

ولأن الأصول العامة ملك للشعب لا للسلطة التنفيذية، فإن استخدامها لتسوية فوائد وأقساط لم تنعكس على معيشة المواطنين يمثل استنزافاً لمقدرات وطنية كان يفترض أن تبقى مصدراً دائماً للدخل والسيادة.

وفي سياق سابق، استخدمت الحكومة المصرية مبادلات الديون مع إيطاليا وألمانيا والصين والإمارات، عبر تحويل أجزاء من الالتزامات المستحقة القائمة إلى حصص في مشروعات وأراض، تفادياً للسداد المباشر بالعملات الأجنبية.

كذلك سمحت الحكومة في كانون الأول الماضي لوزارتي التخطيط والمالية بالتواصل مع الدائنين مباشرة، ومن خلال نادي باريس، لتحويل أجزاء من الديون إلى مساهمات استثمارية في مشروعات توصف بأنها تنموية.

وفوق ذلك، خُصصت في يونيو الماضي مساحة 112.1 مليون متر مربع من أراضي الدولة بمحافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية، لاستخدامها ضمانة لإصدارات الصكوك السيادية وتوسيع قدرة الحكومة على الاقتراض.

وقبلها خُصصت مساحة 174.4 كيلومتراً مربعاً بمنطقة رأس شقير الساحلية لصالح وزارة المالية، ضمن مسار سبقته لجنة لحصر أراضي البحر الأحمر ومراجعتها بغرض استغلالها في خفض الديون المتراكمة وخدمة أعبائها.

بالتوازي، ناقش البرلمان مشروع إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، بما يسمح بنقل أراض وحصص شركات وأصول إليه بقرار رئاسي، ويوسع صلاحياته في الاستحواذ والاستثمار وإدارة مناطق واسعة دون إذن برلماني.

وهكذا يتقاطع مسار الشركة الجديدة مع جهاز مستقبل مصر في نقطة واحدة، هي تجميع أصول الدولة داخل كيانات ذات صلاحيات واسعة واستثناءات متزايدة، بينما تبقى أدوات الرقابة والمساءلة أضعف من حجم التصرفات.

أما المخاوف الأوسع فتتعلق بمصير نحو 561 شركة حكومية، مع طرح 30 شركة منها في البورصة أو أمام مستثمرين استراتيجيين، ضمن مراجعات تستهدف الوفاء بمتطلبات التمويل وسداد جانب من فواتير الدين.

ومن جانبه، يرى سعفان أن تعدد الكيانات المستحدثة وتداخل أدوارها الاقتصادية يجريان دون رقابة كافية، وأن الضبابية المحيطة بملكية الأصول الجديدة تكرر مشكلات الصناديق السيادية وتضعف المحاسبة المالية أمام الجمهور المصري. 

لذلك يطالب بالفصل بين المهام السيادية والأنشطة الاقتصادية، وتوحيد الموازنة العامة، وإنهاء هيمنة الجهات العسكرية على الموارد، باعتبار أن استمرار الغموض يحرم المواطنين تماماً من معرفة مصير أموالهم وأصولهم العامة.

استحقاقات تخنق الموازنة

وبالأرقام، ارتفع الدين الخارجي إلى 164.78 مليار دولار بنهاية الربع الأول من 2026، مقارنة مع 163.91 ملياراً في نهاية كانون الأول الماضي، بينما بلغ عجز الموازنة الجديدة نحو 1.1 تريليون جنيه. 

وفي الربع الثالث، تواجه مصر التزامات خارجية بقيمة 10.6 مليار دولار، منها 2.1 مليار على الحكومة، و4.5 مليار على البنك المركزي، و2.9 مليار على البنوك والشركات، و1.2 مليار على قطاعات أخرى.

إضافة إلى ذلك، بلغت استحقاقات الربع الثاني نحو 16 مليار دولار، وتصل التزامات الربع الأخير إلى 12 ملياراً، ليسجل إجمالي المستحق من نيسان حتى كانون الأول نحو 38.6 مليار دولار.

وفي موازاة ذلك، تستحق لصندوق النقد الدولي دفعات بقيمة 263.7 مليون دولار خلال تموز، فيما بلغ عجز حساب المعاملات الجارية 14.6 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي.

ورغم وصول الاحتياطيات إلى 55.07 مليار دولار، وارتفاع تحويلات العاملين بالخارج إلى 43.1 ملياراً، وجذب استثمارات أجنبية بقيمة 15 ملياراً، خُفضت توقعات نمو الاقتصاد المصري للعام المالي المقبل إلى 4.4 بالمئة.

وأخيراً، لا تلغي هذه التدفقات حقيقة أن الدولة تعالج أزمة الدين ببيع المستقبل، فيما يبقى 109 ملايين مصري أمام تقشف أعمق وخدمات أضعف وسيادة تتآكل، بينما تتحول ممتلكاتهم إلى ضمانات وحصص للدائنين.

*انحسار النيل في السودان يفضح خطر سد النهضة ويهدد مياه مصر وزراعتها

رصدت هيئة مياه ولاية الخرطوم انحسارًا مفاجئًا في منسوب النيل أدى إلى ابتعاد المياه عن مأخذ محطة شمال بحري، وتشغيل مضختين عاليتَي الضغط، بعد امتداد التراجع من الخرطوم إلى نهر النيل والولاية الشمالية.

ويكشف المشهد عجزًا سياسيًا خطيرًا، فبينما تتحكم إثيوبيا منفردة في سد ضخم على شريان حياة السودان ومصر، تكتفي الحكومتان بالمراقبة والبيانات، ويدفع المواطن ثمن الغموض في مياه الشرب والزراعة والأمن الغذائي.

وبالتالي، فإن ظهور الضفاف والرمال داخل مجرى النهر ليس مجرد صورة موسمية، بل إنذار عملي بأن إدارة المياه أصبحت رهينة قرارات تشغيل لا تعرف دولتا المصب توقيتها أو كمياتها أو آثارها المباشرة.

كما أن تراجع المياه بنحو 15 مترًا في البجراوية، وظهور ألسنة رملية قرب جزيرة أرنتي، يؤكدان اتساع الظاهرة جغرافيًا فعليًا، ويمنعان اختزالها في عطل محلي بمحطة مياه أو مأخذ واحد.

السودان يطلق الإنذار

بدأ الانحسار يتزامن مع مطلع موسم الأمطار فوق الهضبة الإثيوبية، وهي الفترة التي يرتفع خلالها عادة إيراد النيل الأزرق، ما ضاعف الشكوك بشأن تأثير حجز المياه وتشغيل توربينات سد النهضة.

ولزيادة وضوح الصورة، قال وزير الري السوداني الأسبق عثمان التوم إن السد غيّر نمط تدفقات النيل الأزرق، وإن إثيوبيا تحجز المياه حاليًا بينما تمرر كميات محدودة تكفي لتشغيل عدد من التوربينات.

لذلك، لم تعد المشكلة مقتصرة على كمية المياه السنوية، بل أصبحت مرتبطة بتوقيت وصولها وسرعة إطلاقها، لأن أي اضطراب مفاجئ يربك محطات الشرب والري وتشغيل السدود السودانية الواقعة خلف المنشأة الإثيوبية.

ومن ثم، فإن السودان يمثل جهاز الإنذار المبكر لمصر، فما يظهر اليوم في بحري والبجراوية وعبري قد يصل أثره لاحقًا إلى بحيرة ناصر، خصوصًا إذا تزامن الحجز الإثيوبي مع موسم أمطار ضعيف.

غير أن الباحث الفاتح يس يرى احتمال ارتباط الانخفاض بالدورة الطبيعية للنهر خلال يوليو وأغسطس، لكنه لا يستبعد تأثير تشغيل السدود، وهو تفسير يفرض انتظار تطورات الفيضان دون تجاهل الإشارة الخطرة الحالية.

علاوة على ذلك، فإن غياب بيان فني سوداني شامل يحدد التصرفات اليومية ومناسيب المحطات وكميات المياه الواردة يترك المواطنين أمام التكهنات، ويمنح إثيوبيا مساحة إضافية لإدارة السد بلا رقابة مشتركة أو مساءلة 

مصر أمام ضغط مائي

وتعتمد مصر على نهر النيل في نحو 98 بالمئة من مواردها المائية، وتحصل وفق الاتفاقات القائمة على 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، رغم عجز مائي متزايد وضغوط سكانية وزراعية شديدة.

وبناءً على ذلك، فإن أي تراجع ممتد في تدفقات النيل الأزرق لا يبقى أزمة سودانية، بل يتحول إلى ضغط مباشر على المخزون المصري، وعلى قدرة السد العالي على موازنة سنوات الجفاف والتقلبات المفاجئة.

وفي السياق نفسه، طورت القاهرة إجراءات متابعة إيراد النهر وقدرات السد العالي تحسبًا للسيناريوهات الصيفية، بما يكشف أن الخطر لم يعد افتراضًا سياسيًا بل احتمالًا تشغيليًا تتعامل معه المؤسسات المصرية فعليًا.

وفوق ذلك، يهدد انخفاض الوارد المائي بتقليص المساحات المزروعة وزيادة الاعتماد على إعادة استخدام المياه، ورفع كلفة إنتاج الغذاء، في بلد يستورد جانبًا كبيرًا من احتياجاته ويواجه تضخمًا يرهق المواطنين.

وعليه، قد يظهر الأثر المصري أولًا في تشديد جداول الري وتقليل المياه لبعض الزراعات، ثم يمتد إلى زيادة ملوحة أراضي الدلتا إذا تراجعت كميات المياه العذبة القادرة على مواجهة تقدم مياه البحر.

ومع ذلك، لا يعني الانحسار الحالي وحده أن مصر دخلت أزمة فورية، لأن بحيرة ناصر توفر احتياطيًا منظمًا، لكن استمرار الحجز أو تكرار التذبذب قد يستنزف هذا الهامش ويضعف الحماية المستقبلية.

إضافة إلى ذلك، فإن التحكم الإثيوبي في توقيتات التخزين والتصريف يمنح أديس أبابا قدرة غير مسبوقة على التأثير في النهر، حتى إذا لم تنقص الحصة السنوية حسابيًا، لأن التوقيت قد يكون مساويًا للكمية أهمية.

ومن ناحية أخرى، أظهرت فيضانات سابقة أن الخطر يعمل في الاتجاهين، فالتصريف المفاجئ قد يغرق أراضي السودان ويضغط على مصر، بينما يؤدي الحجز المطول إلى العطش وتعطل المحطات وتراجع الري.

فشل السياسة المائية

تحذر القاهرة منذ سنوات من التشغيل الأحادي لسد النهضة، وتطالب باتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل وتبادل البيانات، لكن المفاوضات تعثرت بينما واصلت إثيوبيا فرض الوقائع وتوسيع سيطرتها على النهر.

وفي المقابل، لم تنجح السياسة المصرية في تحويل التحذيرات إلى ضمانات عملية، رغم مرور أكثر من عقد على الأزمة، ما ترك الأمن المائي معلقًا بين تصريحات رسمية ومفاوضات منقطعة وإجراءات إثيوبية أحادية.

ثم إن الحرب السودانية أضعفت قدرة الخرطوم على المراقبة والتفاوض والتنسيق، وجعلت منشآت المياه والزراعة أكثر هشاشة، بينما تحتاج مصر إلى شريك سوداني قوي يستطيع قياس التدفقات وتبادل البيانات والدفاع عن مصالح المصب.

أما إثيوبيا، فتستفيد من الانقسام بين دولتي المصب ومن غياب آلية إلزامية، وتقدم السد باعتباره مشروعًا تنمويًا، لكنها ترفض منح مصر والسودان ضمانات تشغيل تحول دون الإضرار بالمياه أو تعريض السكان للمفاجآت.

وبصورة أوسع، يثبت انحسار النيل أن الأمن المائي لا يمكن حمايته بالبيانات المطمئنة وحدها، بل يحتاج إلى معلومات يومية موثقة وخطط طوارئ مشتركة وقدرة سياسية على فرض قواعد عادلة لتشغيل السد.

كذلك، يتطلب الخطر مراجعة مصرية لسياسات الزراعة والإهدار وتبطين الترع ومعالجة المياه، لكن هذه الإجراءات الداخلية لا تعفي النظام من مسؤوليته عن منع دولة المنبع من التحكم المنفرد في مورد وجودي.

وفي الوقت ذاته، يحتاج المواطن إلى شفافية تشرح حجم المخزون ومعدلات الوارد وخطط مواجهة الجفاف، بدل ترك الملف حكرًا على التصريحات السيادية، لأن أي نقص سيدفع ثمنه الفلاح والأسرة وسوق الغذاء.

وأخيرًا، يمثل ما جرى في السودان إنذارًا مبكرًا لمصر بأن سد النهضة غيّر قواعد النهر، وأن التأخر في الوصول إلى اتفاق ملزم يجعل كل موسم أمطار اختبارًا جديدًا لمياه الشرب والزراعة والاستقرار.

وفي المحصلة، لا يمكن الجزم بأن الانحسار الحالي مقدمة لعطش مصري، لكن تجاهله سيكون مغامرة، لأن شريان حياة أكثر من 100 مليون مصري أصبح مرتبطًا بقرارات إثيوبية لا تخضع لاتفاق أو رقابة مشتركة.

*مصر تهاجم إيران مجددا.. وتحذرها من تهديد أمن الخليج والأردن

جددت مصر إدانتها للاعتداءات الإيرانية المتكررة التي استهدفت الكويت والبحرين وسلطنة عمان والأردن، مؤكدة تضامنها الكامل مع الدول الأربع ورفضها القاطع المساس بسيادتها أو تهدد أمنها.

وقالت وزارة الخارجية المصرية في بيان إن الاعتداءات الإيرانية التي طالت الدول الأربع ومنشآتها في المنطقة تمثل “انتهاكا مرفوضا” لسيادتها، وتهديدا مباشرا لأمنها وسلامة أراضيها، فضلا عن كونها تصعيدا خطيرا من شأنه توسيع دائرة التوتر وزيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

وأكدت مصر رفضها الكامل لأي أعمال تستهدف أمن الدول العربية الشقيقة أو تعرض شعوبها ومنشآتها للخطر، مشددة على تضامنها الكامل مع الكويت والبحرين وسلطنة عُمان والأردن، ووقوفها إلى جانبها في مواجهة كل ما يمس أمنها واستقرارها.

ودعت القاهرة إلى وضع حد فوري لهذه الاعتداءات، مع ضرورة الالتزام بأحكام القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، والعمل على تجنيب المنطقة مزيدًا من التصعيد الذي يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي.

وتأتي الإدانة المصرية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، بعدما تعرضت عدة دول عربية خلال الفترة الأخيرة لهجمات نسبت إلى إيران أو إلى جماعات مسلحة مدعومة منها، استهدفت منشآت ومواقع حيوية، وأثارت مخاوف من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة.

وخلال الأيام الماضية شهدت المنطقة سلسلة من الحوادث الأمنية التي طالت عددا من الدول العربية، شملت هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت منشآت ومرافق داخل دول خليجية، إلى جانب حوادث أمنية أثرت على الملاحة والمنشآت الحيوية حيث اتهمت فيه هذه الدول إيران.

كما أعلن الأردن في أكثر من مناسبة اعتراض أجسام وطائرات مسيرة وصواريخ دخلت مجاله الجوي، محذرا من أن استمرار مثل هذه الحوادث يمثل تهديدا مباشرا لأمنه القومي ولسلامة أراضيه، بينما شددت دول الخليج على ضرورة احترام سيادتها ورفض أي تدخلات أو أعمال عدائية تستهدف أمنها.

وتؤكد مصر باستمرار أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية يمثلان ركيزة أساسية لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، مع الدعوة إلى تغليب الحلول السياسية وخفض التصعيد بما يحول دون انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع.

*”أوكتاغون السيسي” لحماية مصر أم لاحتماء السلطة بالقلاع من الغضب الشعبي؟

عندما بدأ إنشاء “مقر القيادة الإستراتيجية”، المعروف باسم “الأوكتاغون”، في العاصمة الإدارية الجديدة عام 2017، صدرت تصريحات عن رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي تؤكّد أن الهدف منه هو مواجهة التهديدات الخارجية وتوحيد مراكز اتخاذ القرار في موقع واحد.

لكن السيسي عاد خلال احتفال افتتاح المقر، في 4 يوليو/تموز 2026، ليقرّ بوضوح بأن إنشاء القيادة الإستراتيجية الجديدة يهدف إلى حماية الدولة، أو بالأحرى النظام، من ضغوط “الحصار” ومن موجات الغضب الشعبي الداخلي، على غرار ما جرى في 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وبذلك، أعلن صراحة أن الإجراءات العسكرية والأمنية التي يتضمنها الأوكتاغون تستهدف تحصين النظام في حال تصاعد غضب المواطنين نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واتجهوا إلى الاحتجاج أو الثورة. أي أن المقر أُنشئ، وفق هذا الطرح، لمواجهة عدو داخلي يتمثل في الشعب الذي وصفه السيسي بـ”الأشرار”، حسبما أوضح تحليل لموقع “الاستقلا”..

كما جدد السيسي هجومه على ثورة 25 يناير 2011، محمّلًا إياها مسؤولية تراجع الاقتصاد المصري وخسارته نحو 450 مليار دولار، إلى جانب انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار من نحو 6 جنيهات إلى قرابة 50 جنيهًا، وهي تصريحات أثارت دهشة كثير من المصريين.

ففي المقابل، أعلنت إيران، بعد تعرضها لقصف مكثف استمر 40 يومًا باستخدام أحدث الأسلحة الأميركية والإسرائيلية وأكثرها دقة وفتكًا، أن خسائرها بلغت 270 مليار دولار. بينما يقول السيسي: إن تظاهر المصريين سلميًا في الشوارع لمدة 18 يومًا تسبب في خسائر بلغت 450 مليار دولار.

ويرى خبراء اقتصاديون أن الأسباب الحقيقية لهذا التدهور تعود إلى قرارات اقتصادية اتخذها السيسي، من بينها تحرير سعر الصرف والتوسع في الاقتراض، وهي سياسات أسهمت في تراجع قيمة العملة المحلية. وبحسب هؤلاء، لم تكن الثورة مسؤولة عن الانهيار اللاحق في قيمة الجنيه.

وخلال سنوات حكم السيسي، شهد الجنيه المصري مراحل متتالية من التراجع الحادّ، نتيجة خمسة قرارات لتعويم العملة بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2016.

وأدّت هذه السياسات إلى انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 85.4 بالمئة، ليرتفع سعر صرف الدولار من متوسط بلغ 7.15 جنيهات إلى ما بين 49 و50 جنيهًا في يوليو 2026.

كذلك توسعت الحكومة، على مدار سنوات حكم السيسي، في الاقتراض الخارجي، ما أدّى إلى ارتفاع رصيد الدين الخارجي بنسبة 255.5 بالمئة، من 46.1 مليار دولار في يونيو/حزيران 2014 إلى 163.9 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2025، وهو ما أسهم بدوره في تراجع قيمة الجنيه.

هدف الأوكتاغون

منذ أن دشّنت مصر مقر وزارة الدفاع الجديد “الأوكتاغون” داخل العاصمة الإدارية الجديدة، لم يُنظر إلى المشروع بوصفه مجرد انتقال لمبنى حكومي، بل بوصفه إعلاناً عن مرحلة جديدة في بنية المؤسسة العسكرية المصرية وعقيدتها العسكرية القيادية.

فالمنشأة التي توصف بأنها من أكبر المجمعات العسكرية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وتكلف بناؤها – مع المرحلة الأولي من العاصمة الإدارية – قرابة 57 مليار دولارا وفق تقارير أجنبية، جاءت ضمن مشروع أوسع لنقل مؤسسات الحكم إلى العاصمة الإدارية.

وقد أثار ذلك تساؤلات داخل الأوساط العسكرية ومراكز الدراسات الدولية حول الدوافع الحقيقية وراء بناء هذا البناء الضخم الذي يفوق حجم البنتاغون الأميركي أو أي مقر قيادة عسكري آخر في العالم.

الرواية الرسمية المصرية ظلت تؤكد أن “الأوكتاغون” يمثّل نقلة نوعية في منظومة القيادة والسيطرة، ويوفر بيئة متطورة لإدارة العمليات العسكرية المشتركة في ظل التحديات الإقليمية المتزايدة، بدءاً من الإرهاب في سيناء، مروراً بالأزمة الليبية والسودانية، ووصولاً إلى أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط.

لكن في المقابل، يرى عدد من الباحثين أن اختيار موقع المجمع داخل العاصمة الإدارية، وربطه بمنظومة أمنية واسعة تشمل القصر الرئاسي والحي الحكومي، وأجهزة الأمن والاستخبارات، يعكس أيضاً توجهاً لإعادة هندسة مراكز السلطة بما يضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة في أوقات الأزمات والاضطرابات الداخلية.

وبين الرواية الرسمية وهذه القراءات، يبرز سؤال: هل يمثل “الأوكتاغون” استجابة لتغير طبيعة التهديدات الخارجية، أم أنه يؤدّي كذلك وظيفة إستراتيجية في تأمين النظام السياسي؟ أم أنه بني في الأصل ليحمي النظام؟

تقدم الحكومة المصرية عدة مبررات لهذا الانتقال، يأتي في مقدمتها تحديث البنية المؤسسية للدولة، وتخفيف الضغط عن القاهرة، وإنشاء عاصمة ذكية قادرة على استيعاب مؤسسات الحكم لعقود مقبلة.

أما بالنسبة للمؤسسة العسكرية، فتؤكد البيانات الرسمية أن نقل وزارة الدفاع يهدف إلى توفير بيئة أكثر تطوراً لإدارة العمليات، وربط القيادة العسكرية بباقي مؤسسات الدولة الموجودة داخل العاصمة الجديدة.

ويقع الموقع على مسافة بعيدة نسبياً من الكثافة السكانية في القاهرة الكبرى، ويرتبط بشبكة طرق واسعة ومهابط للطائرات ومناطق عسكرية مغلقة، بما يوفر مستوى مرتفعاً من الحماية في حال وقوع هجمات أو اضطرابات واسعة.

كما أن وجوده ضمن نطاق العاصمة الإدارية التي صُممت لتضم القصر الرئاسي ومجلس الوزراء والبرلمان والوزارات والأجهزة السيادية، يعكس توجهاً نحو تركيز مؤسسات الدولة الحيوية داخل منطقة واحدة عالية التأمين.

وحسم عبد الفتاح السيسي الأمر بتأكيده أن تشييد مقر القيادة الإستراتيجية الجديد في العاصمة الإدارية لم يكن “وليد الصدفة”، بل جاء كضرورة إستراتيجية لحماية مركز إدارة القرار في البلاد من الضغوط والتهديدات الأمنية التي شهدتها مصر في أعقاب أحداث عام 2011.

أي لأسباب داخلية تتعلق بالوقاية من أي ثورات محتملة، بجانب دوره كمقرّ جديد للجيش وأجهزة السلطة.

عودة عصر القلاع

عند إطلاق المشروع في سنوات بنائه، عام 2016، قدمه السيسي بصفته جزءاً من تحديث القوات المسلحة وتعزيز قدرتها على حماية الدولة من التهديدات الخارجية والتحديات الإقليمية، ونقل وتجميع أفرع الجيش للعاصمة الإدارية.

أما في خطاب افتتاحه في 4 يوليو 2026، فقد وسّع الإطار السياسي للمشروع، رابطاً بين القيادة الإستراتيجية وقدرة الدولة (النظام) على الصمود في مواجهة الضغوط والحصار والمحاولات الرامية إلى إضعافها.

ويرى محللون أن هذا التحول في الخطاب يعكس انتقال التركيز من وظيفة عسكرية بحتة تتعلق بحماية الدولة من خطر خارجي، إلى إبراز دور “الأوكتاغون” كأداة لضمان استمرارية مؤسسات السلطة في أوقات الأزمات الداخلية، وهو ما قاله السيسي بشكل علني وواضح.

فقد قال: “اسمحولي أقولكم ليه القيادة الإستراتيجية للدولة موجودة هنا، لأنه في يوم من الأيام كان بيتم محاصرة المحكمة الدستورية ومجلس الوزراء وفي يوم من الأيام كانوا بيهددوا وزارة الدفاع وفي يوم من الأيام كانوا بيحاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي، عشان تدار الأزمة أيا ما كانت الأزمة تدار تحت ضغط ويمكن تكون خوف كمان

وأضاف: “كان لا بد أن الدولة تخرج من العاصمة وأن الكلام دا (ثورة يناير) ميتنفذش (لا يحدث) مرة تانية، أنا بتكلم بمنتهى الصراحة كدا. تخرج الدولة من العاصمة عشان الكلام دا ميتكررش تاني

وتابع: “الأشرار والإرهابيين مش هيبطلوا، ربنا بيساعدنا لكن إحنا لازم نأخذ بالأسباب. عشان كدا الدولة كانت لا بد متبقاش موجودة مرة تانية البرلمان ميبقاش هناك وميبقاش مجلس الوزراء هناك ووزارة الدفاع تبقى هناك، زي ما كان موجود قبل كدا ، الكلام دا خلاص محدش يقدر يعمل كدا في مصر تاني

والمفارقة هنا، حسبما رصدها سياسيون مصريون، أن السيسي كان يستخدم وصف “الأشرار”، منذ انقلابه عام 2013، على الإخوان وحلفائهم، لكنه هذه المرة قصد به بشكل واضح كل من شارك في ثورة يناير، ما يعني انطباقه على ملايين المصريين.

وقال إنه اتخذ خطوة بناء العاصمة الإدارية الجديدة بعيدا عن هؤلاء الأشرار ولتكون هي المنطقة الخضراء الآمنة للسلطة، كما أسس مقر القيادة الإستراتيجية (الأوكتاغون) ليجمع فيه كل مفاصل السلطة في مكان واحد أكثر تحصينا.

ويقول الحقوقي ناصر أمين: إن هذه عودة لعصر السلاطين وانتقال مقر الحكم مجددا من وسط الناس إلى الجبال كما حدث في تاريخ مصر القديم حين انتقل الحكم من “بين القصرين” إلى “قلعة الجبل” في المقطم، ثم عاد لقصر عابدين والآن يعود للصحراء مجددا بالعاصمة الإدارية ومقر الأوكتاغون.

ووصف، في تحليل له بموقع “المنصة”، 6 يوليو 2026، افتتاح مقر القيادة الإستراتيجية بعيدا عن الناس والعمران، كما حدث تاريخيا من انتقال السلطة في العصور الوسطى إلى القلاع الحصينة، بأنه “عودة مقر حكم مصر إلى الخلف 800 عام، إلى قلعة الجبل، حيث عصور السلاطين الأوائل

وأوضح أن أسباب هذا الانتقال، كما شرحها السيسي في حفل الافتتاح، هي: “شوية الأحداث بتاعة 2011 ووصولًا إلى 30 يونيو”، مثل محاصرة المحكمة الدستورية، ومجلس الوزراء، ومدينة الإنتاج الإعلامي”، وتهديد وزارة الدفاع.

ذكر أن خطورة ذلك “لا تتلخص في رجعيته فقط، وكونه يشبه الأفكار الاستعمارية التي لا يمارسها في العصر الحديث إلا الحكام الغرباء الذين يخشون الشعوب التي يحكمونها بقوة سلطة الأمر الواقع، التي تفرض عليهم الحفاظ على مسافة كبيرة بينهم وبين الشعوب المحكومة

وإنماالخطورة الحقيقية في أن تلك الأفكار تمهد لعودة نظم حكم السلاطين أو الملوك أو الأمراء، والارتداد إلى عصور ما قبل الحداثة والدساتير والقوانين المحلية والقانون الدولي، وحق الناس في تقرير مصيرها، وحق الشعوب في المشاركة في إدارة شؤون بلادهم، تلك العصور التي تتحول فيها الشعوب إلى محض رعايا وعبيد مثقلين بالالتزامات، ودون أي حقوق”، وفق قوله.

ووصف الصحفي عبد العظيم حماد، رئيس تحرير الشروق السابق الأوكتاغون بأنه “قلعة جديدة لحماية السلطة

ويقول المحلل السياسي خالد محمود، إن السيسي أرجع نقل مقر القيادة الجديد إلى العاصمة الإدارية في إطار التحسب لتكرار أحداث يناير 2011، لكن هذه الخطوة تأتي في عمقها للتعامل مع البرود والتوتر الراهن في العلاقات مع إسرائيل وأثيوبيا.

وأوضح أن “الأوكتاغون” صُمم برؤية تفوق مجرد التأمين الداخلي، ليربط الاتجاهات الإستراتيجية للدولة كافة في آن واحد.

الأسرة الملكية الرئاسية

وربط مصريون بين مظاهر العودة لقلعة الجبل والقلاع المُحصنة، وزينتها وتجهيزاتها الفاخرة، وبين حرص السلطة على ظهور السيسي في مظهر الحاكم العسكري الأوحد بالملابس العسكرية، والنياشين مع أنه حاليا رئيس مدني، وشبهوه بالرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.

وشهدت مراسم الافتتاح، وموكب السيسي نوعا من الاستعراض بالمواكب العسكرية الإمبراطورية، والطائرات وأرتال الدراجات النارية، والاستعراضات، لكن ذلك جاء بنتائج عكسية وانتقادات من جانب مصريين لهذا البذخ في الإنفاق بينما تقول السلطة إن مصر “فقيرة”.

وانتقدوا ظهور نجلته “آية السيسي”، بملابس وإكسسوارات الأميرات باهظة الثمن، في توقيت تمر فيه مصر بأزمة اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ورأوا أن هدف الرئاسة تقديم صورة عصرية أو الإيحاء بالثقة والاستقرار، أو رسم حضور عام للأسرة الرئاسية، تبخر لأن المواطن الذي يواجه ارتفاع الأسعار، وتتراجع قدرته الشرائية، ويدخل دائرة الفقر، لن ينظر إلى هذه الصور بصفتها مجرد لقطات بروتوكولية، بل سيقرأها في ضوء واقعه اليومي، ما يفسر السخرية والغضب على مواقع التواصل من هذا الإنفاق الباذخ.

وأظهرت صور لبعض مباني الأوكتاغون من الداخل مستوى كبير من الفخامة دفع مصريين للتساؤل عن هذا البذخ.

وكان خلع السيسي بَزّته المدنية وارتداؤه الرداء العسكري، خلال حفل افتتاحالأوكتاغون” هو المرة السابعة منذ 2014، فقد ارتداه من قبل 6 مرات في مناسبات مختلفة منذ توليه الرئاسة كـ “مدني”، وفي كل مرة كان العودة للزي العسكري يحمل رسالة.

وربط مصريون ارتداء الزي العسكري عموما بأنه كلما زادت مؤشرات تزايد الغضب الشعبي، كلما زادت الجرعة العسكرية في خطاب النظام وتأكيده هويته العسكرية.

خبير سياسي أوضح لـ “الاستقلال” أن لجوء السيسي للزي العسكري والمظاهر العسكرية يشير إلى إستراتيجية سياسية وأمنية متبعة تعتمد على إبراز الهوية العسكرية لمواجهة الأزمات، والالتصاق بالجيش كمصدر حماية له.

أوضح أن هذا متصل بعقلية السلطة منذ انقلاب 2013، وهي التلويح بـ “العسكرية” وفرض الهيبة، وإدارة الدولة عبر الرؤى العسكرية البحتة.

كل البيض بسلة واحدة

وقد أنبري خبراء لشرح خطورة جمع كل أفرع وإدارات الجيش وأجهزة الدولة في مكان واحد ما يسهّل قصفها في أي حرب مقبلة، مشيرين لقرب المدينة من السويس التي سبق أن حاصرتها إسرائيل خلال هجوم الثغرة أثناء حرب أكتوبر 1973، فضلا عن سهولة قصفها بطائرات حربية ومسيرة وهي في مكان واحد.

وفي الأيام الأخيرة من حرب أكتوبر 1973، نجحت إسرائيل في تنفيذ ما عُرف بـثغرة الدفرسوار، عندما عبرت قوة بقيادة أرييل شارون إلى الضفة الغربية لقناة السويس، وسيطرت على طريق القاهرة–السويس، وأصبحت على مسافة 100 كيلومتر من القاهرة، لكنها لم تتمكن من التقدم نحو العاصمة.

أما إنشاء مجمع أسطوري بهذا الحجم، يضم معظم قدرات القيادة والسيطرة في مكان واحد، فهو يجعل منه -إذا اندلعت حرب – هدفًا إستراتيجيًا واضحًا يمكن أن تتعرض بنيته للتدمير أو التعطيل بضربة مركزة، وهو ما تدفع العقائد العسكرية الحديثة إلى تجنبه من خلال توزيع مراكز القيادة وبناء بدائل متعددة وقابلة للاستمرار.

وقارن مصريون بين الأوكتاغون، مبنى وزارة الدفاع المصرية، المصمم ليكون قلعة عصية على التدمير تضم أفرع الجيش والأمن كافة، وبين ما حصل مع إيران من اغتيالات وضرب القيادة الأولى، ومقرات الحكم، مشيرين إلى أن بقاء طهران عصية بعد العدوان الأميركي الإسرائيلي، هو توزع مقرات قيادتها والعمل بطريقة غير مركزية.

لكن خبراء عسكريين أشاروا لحرص الجيش على أن الكشف الرسمي عن منظومة الدفاع الجوي S-300VM (Antey-2500) عبر منصة هيئة الاستعلامات الرسمية، يحمل دلالات إستراتيجية وعسكرية، وإعلان صريح عن اكتمال مظلة الحماية الذاتية لأهم مركز قرار عسكري واستخباراتي في الدولة وهو الأوكتاغون.

قصة “الأوكتاغون

الأوكتاغونهو المقر الجديد لوزارة الدفاع والقيادة العامة للقوات المسلحة المصرية، ويقع في القطاع الغربي من العاصمة الإدارية الجديدة، على مساحة تقدر بمئات الأفدنة، ويتكون من ثمانية مبانٍ رئيسة مترابطة، وهو ما منح المشروع اسمه المستوحى من الشكل الهندسي المثمن (Octagon)

ويمثل المجمع جزءاً من “مدينة القيادة الإستراتيجية”، التي تضم منشآت للقيادة والسيطرة، ومراكز للاتصالات، وإدارة العمليات، ومرافق للتدريب والإقامة، فضلاً عن منظومات أمنية متطورة.

ووفق البيانات الرسمية، فإن الهدف من المشروع هو توفير مركز قيادة موحد يواكب التطور التكنولوجي في إدارة العمليات العسكرية، ويعزز قدرة القوات المسلحة على التنسيق بين مختلف الأفرع الرئيسة.

وتشير الهيئة الهندسية للقوات المسلحة إلى أن المجمع صُمم ليكون من أكبر مقار وزارات الدفاع في المنطقة، مع بنية تحتية متقدمة تعتمد على شبكات اتصالات مؤمنة وغرف عمليات حديثة تسمح بإدارة الأزمات والعمليات في وقت واحد.

وهو ما ينسجم مع الاتجاه العالمي نحو إنشاء مراكز قيادة موحدة تعتمد على الرقمنة والربط اللحظي بين الوحدات العسكرية.

وبدأ مشروع الأوكتاغون ، خلال إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، التي انطلقت عام 2016، وبدأت الأعمال الإنشائية للمجمع العسكري نفسه خلال 2017.

قبل أن يُفتتح أجزاء منه (القيادة الإستراتيجية) في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2021، ثم الافتتاح الكامل 4 يوليو 2026، في مساحة تبلغ حوالي 90 كيلومترا مربعا، وهي مساحة العاصمة البرتغالية لشبونة.

ولم تعلن الحكومة المصرية أو القوات المسلحة التكلفة الرسمية لإنشاء مجمع القيادة الإستراتيجية “الأوكتاغون”، وتخلط بعض التقارير الأجنبية بين تكلفة الأوكتاغون وتكلفة مشروع العاصمة الإدارية الجديدة المقدرة بنحو 57–60 مليار دولار، وفق موقع “ثاوث تشاينا مورنينج بوست”، 6 يوليو 2026.

ولا توجد أرقام رسمية بشأن المبلغ الذي أُنفق على العاصمة الجديدة، ذاتها، ويقول الباحث يزيد صايغ، من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، إن المرحلة الأولي من المشروع تكلفت أرقاما مثل 48 أو 58 مليار دولار.

ومع هذا، يصف أكاديميون غربيون المشروع بهذا الحجم الهائل بأنه “باهظ التكلفة، ويمثل مخاطرة جسيمة لدولة مثقلة بالديون أصلا”، حسبما ذكر تقرير لمجلةإيكونوميست”، 2 أبريل 2026.

وقالوا إن حرب أميركا وإسرائيل على إيران تزيد من حدة المخاطر، إذ تعتمد مصر اعتمادا كبيرا على النفط والغاز والتحويلات المالية من دول الخليج.

بالمقابل، يرى محللون عسكريون أن “الأوكتاغون” يمثل الحلقة القيادية لمنظومة من القواعد العسكرية الكبرى التي بنتها مصر، مثل قاعدة محمد نجيب على الساحل الشمالي الغربي، وقاعدة برنيس على البحر الأحمر، وقاعدة 3 يوليو على الساحل الشمالي.

ويربطون بينها وبين بيانات القوات المسلحة المصرية التي تُحذر من أن مصر باتت تواجه في وقت واحد عدة دوائر تهديد، تشمل الحدود الغربية مع ليبيا، والحدود الجنوبية مع السودان، والحدود الشرقية مع قطاع غزة وإسرائيل، فضلاً عن البحر الأحمر وباب المندب وشرق المتوسط.

وربطت صحيفةجيروزاليم بوست” الإسرائيلية، 4 يوليو 2026، بين بناء هذا المجمع العسكري الضخم، وبين “سعي مصر لتعزيز نفوذها الإقليمي، وتنامي نفوذ القاهرة في المنطقة”.

وأشارت إلى أن هذا المركز الضخم “لم يُبن لمجرد أن يكون مبنى إداريا، بل ليكون مركزاً متكاملاً لإدارة مؤسسات الدولة والتحكم بها وتحسين كفاءة تبادل البيانات وإدارة الأزمات وتعزيز قدرات مصر الأمنية والدفاعية”.

عن Admin