
قضاء السيسي يكرّس للانتقام السياسي أحكام بالسجن وإلزام بديع وعزت والشاطر وقيادات من الإخوان بسداد 7 مليارات و54 مليون جنيه و734 ألف جنيه في قضية التخابر مع تركيا.. الخميس 9 أبريل 2026.. اقتحام عنابر “وادي النطرون” وتغريب 14 معتقلًا بعد احتجاجات على اعتقال زوجة المعتقل عبدالله عباس
شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري
*اقتحام عنابر “وادي النطرون” وتغريب 14 معتقلًا بعد احتجاجات على اعتقال زوجة المعتقل عبدالله عباس
شهد مجمع سجون وادي النطرون خلال الأيام الماضية تصعيدًا أمنيًا لافتًا، تزامن مع حالة من التوتر والغليان داخل أحد العنابر، على خلفية أزمة أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية، تتعلق باحتجاز زوجة أحد المعتقلين أثناء توجهها لزيارته.
وبحسب روايات متداولة ومصادر حقوقية، اندلعت احتجاجات داخل السجن عقب وصول أنباء إلى النزلاء بشأن ما قيل إنه احتجاز زوجة المعتقل عبد الله عباس، في واقعة وُصفت بأنها تمثل تجاوزًا لإجراءات الزيارات الرسمية.
وأشارت المعلومات إلى أن السيدة توجهت بالفعل إلى السجن في زيارة اعتيادية، قبل أن ينقطع التواصل معها، لتظهر لاحقًا تقارير غير رسمية تفيد باحتجازها داخل أحد مقار الأمن الوطني بمحافظة المنوفية، دون إعلان واضح عن ملابسات الواقعة أو وضعها القانوني.
احتجاجات داخلية وتصعيد أمني
تسببت الواقعة في حالة من الغضب بين عدد من المعتقلين، الذين اعتبروا ما جرى مساسًا بحقوق ذويهم، ما دفع بعضهم إلى الدخول في احتجاجات داخل الزنازين، تمثلت في الطرق المتواصل على الأبواب الحديدية، في محاولة للفت الانتباه إلى ما وصفوه بـ”الانتهاك غير المسبوق”.
وفي تطور لاحق، أفادت روايات بأن قوة أمنية تابعة لمصلحة السجون اقتحمت العنابر التي شهدت الاحتجاجات، في محاولة لاحتواء الموقف وإنهاء حالة التوتر.
وأشارت هذه الروايات إلى أن العملية جاءت بقيادة أحد”يونس الشيخ” رئيس مصلحة القطاع عنابر السجن، وسط انتشار أمني مكثف داخل محيط العنابر.
ووفقًا للمصادر ذاتها، أسفرت الإجراءات الأمنية عن نقل (تغريب) 14 معتقلًا إلى سجون أخرى، من بينهم عبد الله عباس، في محاولة لإرهابهم وتفريق صفوفهم وتشتيت شملهم.
مواقف حقوقية وتحذيرات
في السياق ذاته، وثّقت منظمات حقوقية الواقعة، معتبرة أن احتجاز أحد أفراد أسرة سجين أثناء زيارة رسمية يمثل انتهاكًا للضمانات القانونية، ويثير تساؤلات حول مدى الالتزام بالإجراءات المنظمة لحقوق المحتجزين وذويهم.
وطالبت هذه الجهات بالكشف الفوري عن مصير السيدة، وتمكينها من التواصل مع أسرتها ومحاميها، إلى جانب فتح تحقيق شفاف في ملابسات الواقعة، ومحاسبة المسؤولين في حال ثبوت أي تجاوزات.
*إدانة أممية ومؤتمر تضامني ضد حبس الناشط أحمد دومة
أدانت مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، ماري لولور، الاستهداف القانوني المتكرر للناشط السياسي أحمد دومة، داعية إلى وقف فوري لما وصفتها بـ«المضايقات».
إنهاء «المضايقات»
وكتبت على موقع «إكس»: «يجب على السلطات إغلاق جميع القضايا المرفوعة ضده وإنهاء هذه المضايقات»، واصفة الأنباء الواردة بخصوص حبس دومة بأنها «مزعجة».
جاء هذا التصريح في أعقاب قرار نيابة أمن الدولة العليا، بحبس دومة أربعة أيام على ذمة التحقيق، بعد مثوله أمامها استجابة لاستدعاء رسمي.
وأعلنت حملة أحمد دومة، عن عقد مؤتمر تضامني معه ومع كافة المعتقلين على خلفية قضايا الرأي والتعبير.
وقالت إن هذا المؤتمر يأتي في ظل تصاعد الحبس في قضايا الرأي، وإعادة اعتقال دومة مجددًا بالتزامن مع الافراج عن عدد من المعتقلين، وفي سياق استخدام الحبس الاحتياطي والاتهامات الفضفاضة كأدوات لقمع حرية التعبير، بما يستدعي موقفًا جماعيًا واضحًا للدفاع عن الحريات.
وأعرب مدحت الزاهد، رئيس حزب «التحالف الشعبي الاشتراكي»، عن استنكاره الشديد لقرار حبس دومة لمدة أربعة أيام على ذمة تحقيقات نيابة أمن الدولة في القضية رقم 2449 لسنة 2026، على خلفية اتهامات تتعلق بنشر أخبار وبيانات اعتُبرت «كاذبة» عبر منشور ومقال بعنوان «سجن داخل الدولة ودولة داخل السجن»
وقال في تصريحات صحافية إن القرار «يمثل خطوة مقلقة تتعارض مع أي توجه حقيقي نحو الانفراج السياسي وتحسين مناخ الحريات»، مشيرًا إلى أن ما جرى مع دومة «يعكس استمرار القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير، رغم الحاجة الملحة إلى فتح المجال العام».
وأضاف أن «التعبير عن الرأي، سواء من خلال المقالات أو مواقع التواصل الاجتماعي، يجب أن يُقابل بالنقاش والرد، لا بالإجراءات العقابية”، مؤكدًا أن «استخدام نصوص فضفاضة مثل نشر أخبار كاذبة يثير مخاوف جدية بشأن حرية الصحافة وحق المواطنين في التعبير».
وربط الزاهد بين هذه الواقعة وملف الإفراجات الأخيرة، قائلاً إن “الخطوات الإيجابية المتمثلة في إخلاء سبيل عدد من المحبوسين يجب أن تتكامل مع وقف الممارسات التي تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة ذاتها»، مشددًا على أن «الإفراج عن البعض لا ينبغي أن يتزامن مع توقيف آخرين على خلفيات مشابهة».
وأكد تمسك حزبه بشعار «تبييض السجون»، موضحًا أن «هذا الشعار لا يقتصر على الإفراج عن دفعات محدودة، بل يستهدف إنهاء ملف سجناء الرأي بشكل كامل، ووقف الحبس الاحتياطي في قضايا النشر والتعبير».
كما دعا إلى «مراجعة القوانين المنظمة لحرية الرأي، وضمان عدم استخدامها لتقييد العمل السياسي أو الصحافي»، مطالبًا بالإفراج الفوري عن دومة، ووقف ملاحقة أصحاب الآراء السلمية. واختتم الزاهد تصريحاته بالتأكيد على أن «بناء مناخ سياسي صحي يتطلب احترام الدستور والحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع، ويفتح الطريق أمام إصلاح سياسي حقيقي».
من جهة أخرى طالبت منظمات المجتمع المدني من كافة أنحاء العالم السلطات المصرية بالإفراج الفوري عن الناشط البارز والشاعر والكاتب السياسي أحمد دومة، ووقف حملة الملاحقات القضائية الممنهجة ضده.
في 6 أبريل 2026، بدأ الكثيرون يومهم في مصر بأخبار مُبشرة، بعدما أُخلي سبيل عدد من المحتجزين ممن قضوا فترات مُطولة من الحبس الاحتياطي على ذمة اتهامات ذات طبيعة سياسية. وفي الوقت ذات توجه أحمد دومة إلى مقر نيابة أمن الدولة العليا، بعدما وصله استدعاء رسمي قبل أيام لم يفصح – كما جرت العادة مؤخرًا – عن ماهية الاتهامات الموجهة إليه أو موضوع التحقيق. وأثناء التحقيق علم محامو دومة أنه متهم بـ “نشر وإذاعة أخبار كاذبة في الداخل والخارج من شأنها تكدير الأمن العام وإلقاء الرعب بين الناس والإضرار بالمصلحة العامة”، وذلك على خلفية نشره مقالًا بعنوان ” سجن داخل الدولة ودولة داخل السجن” على موقع العربي الجديد، استخدم فيه أمثلة من جميع أنحاء العالم ليدلل على أثر الاعتقالات السياسية في زعزعة استقرار الدول. وفي نهاية التحقيق أمرت النيابة بحبسه احتياطيًا أربعة أيام على ذمة القضية 2449 لسنة 2026، ليصبح في عهدة السلطات من وقتها.
قضى دومة بالفعل أكثر من عشر سنوات في السجن على خلفية اتهامات مسيسة. وأثناء سجنه خضع للحبس الانفرادي المطول، وحُرم من الرعاية الطبية اللائقة، وتعرض لمعاملة وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها ترقى إلى التعذيب، كما خلص الفريق المعني بالاحتجاز التعسفي بالأمم المتحدة بعد فحص حالته إلى كون احتجازه تعسفيًا. ورغم إطلاق سراحه بعفو رئاسي في أغسطس 2023، فإن السلطات حرمته من كل فرص التعافي واستكمال حياته؛ فمنذ إطلاق سراحه، استدعت النيابة دومة للتحقيق معه في سبع قضايا مختلفة بشأن نشاطه الحقوقي، وكتاباته، وما ينشره على مواقع التواصل الاجتماعي. وأخلي سبيل دومة في السابق على ذمة ست من هذه القضايا بكفالات مالية، وصل مجموعها إلى 230 ألف جنيه مصري.
إن تكثيف السلطات المصرية حملتها ضد دومة وملاحقته قضائيًا بالقبض عليه مجددًا بعد ستة استجوابات يشكل تصعيداً خطيراً في وقت يتعين على السلطات المصرية أن تفعل فيه العكس، بإطلاق سراح الآلاف من المحتجزين منذ فترة طويلة تحت مسمى الحبس الاحتياطي وتوقف محاكمة أولئك الذين يمارسون حقوقهم في حرية التعبير والتجمع والتنظيم. وبينما تقدم مصر نفسها كوسيط لحل الصراعات العالمية، فإنه لا يمكنها الاستمرار في ملاحقات انتقامية وحملات متواصلة لإسكات أفراد شعبها بسبب المحتوى الذي يعبرون من خلاله عن انتقاداتهم واعتراضاتهم.
إن المنظمات الموقعة تدعو السلطات المصرية لإصلاح هذا الخطأ بإخلاء سبيل أحمد دومة فورًا، وإسقاط كافة الاتهامات المُوجهة إليه، وحفظ القضية 2449 لسنة 2026، وإنهاء منع السفر المفروض عليه، وحفظ كافة القضايا المتهم على ذمتها، ووقف استخدام القبض وتوجيه الاتهامات ضده لمنعه من ممارسة حقه في التعبير عن الرأي والدفاع عن حقوق الإنسان.
*قضاء السيسي يكرّس للانتقام السياسي أحكام بالسجن وإلزام بديع وعزت والشاطر وقيادات من الإخوان بسداد 7 مليارات و54 مليون جنيه و734 ألف جنيه في قضية التخابر مع تركيا
قضت محكمة مصرية بالسجن المؤبد لـ37 متهمًا، والسجن المشدد لمدة 15 عامًا لـ26 متهمًا، والسجن لمدة 10 سنوات لـ5 متهمين. كما قضت بالسجن لمدة 3 سنوات مع المراقبة لمدة مماثلة لمتهم واحد، وبالسجن لمدة عام واحد لمتهمين اثنين، والبراءة لمتهم واحد، في القضية المعروفة إعلاميا بـ«التخابر مع تركيا». وذلك حسب ما أكدت «الجبهة المصرية للحقوق الإنسان».
وألزمت المحكمة 29 متهمًا بدفع مبلغ 7 مليارات و54 مليونًا و734 ألف جنيه تعويضًا لجهاز الاتصالات، كما ألزمت 15 متهمًا بالمراقبة لمدة خمس سنوات، وقضت بحظر إقامة المتهم علي إبراهيم علي في المحافظات الحدودية لمدة خمس سنوات.
وأدرجت المحكمة في حكمها خمسة متهمين، وجماعة الإخوان المسلمين، والبرلمان المصري الموازي، والمجلس الثوري المصري، وجمعية التضامن المصري رابعة، ومؤسسة تركيا لحقوق الإنسان، على قائمة «الكيانات الإرهابية».
وتعود وقائع القضية إلى عام 2017، حيث أُلقي القبض على عدد من المتهمين في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وظل بعضهم رهن الحبس الاحتياطي لأكثر من أربع سنوات قبل إحالة القضية إلى المحاكمة في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021.
وتضم القضية عددًا كبيرًا من المتهمين بلغ 81 متهمًا، من بينهم 29 محبوسون احتياطيًا، بالإضافة إلى متهمين آخرين حوكموا غيابيًا.
ومن أبرز المتهمين، مرشد جماعة الإخوان المسلمين محمد بديع، ونائب المرشد محمد خيرت الشاطر، وعضو مكتب الإرشاد محمود عزت.
حوّل الحكم الصادر في 7 أبريل 2026 في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”التخابر مع تركيا” قاعة المحكمة إلى منصة لإعلان عقاب سياسي شامل، بعدما جمع بين السجن المؤبد والعقوبات المشددة والتعويضات المالية الضخمة والإدراج على قوائم الإرهاب وإغلاق الكيانات والمقار في قرار واحد، بدا أقرب إلى تصفية حساب ممتدة مع معارضين قدامى منه إلى محاكمة جنائية تفصل بدقة بين الأفعال الفردية والمسؤوليات القانونية المحددة.
أوضح منطوق الحكم أن المحكمة عاقبت 37 متهمًا بالسجن المؤبد، وفرضت على آخرين أحكامًا متفاوتة بين 15 سنة و10 سنوات و5 سنوات، وإلزام مرشد الإخوان الدكتور محمد بديع ومحمود عزت وخيرت الشاطر وعدد من قيادات الجماعة بدفع 7 مليارات و54 مليون جنيه لصالح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وذللك في قضية التخابر مع تركيا، وهو ما يكشف أن العقوبة لم تتوقف عند الحرمان من الحرية، بل امتدت إلى إنهاك مالي مقصود يوسّع دائرة التنكيل إلى أقصى مدى ممكن.
ولفتت صياغة القرار الانتباه لأنها لم تكتف بإيقاع العقوبة الجنائية، بل ألحقت بها حزمة تدابير تكشف عقلًا انتقاميًا لا قضائيًا، من بينها المراقبة الشرطية لسنوات بعد تنفيذ العقوبة، والإدراج على قوائم الإرهاب، وإغلاق المقار، ومصادرة الأجهزة والعملات المضبوطة، بما يجعل الحكم أقرب إلى إعلان حرب مفتوحة على كل ما يتصل بالخصم السياسي، لا إلى فصل قضائي متزن في ملف جنائي محدد المعالم.
تفاصيل الحكم تكشف اتساع العقاب
ويبين هذا الاتساع أن الدولة لم تتعامل مع القضية بوصفها نزاعًا قانونيًا على وقائع بعينها، بل بوصفها فرصة جديدة لإعادة إنتاج الرواية الرسمية عن الإخوان باعتبارهم خطرًا دائمًا يجب ضربه بأقصى العقوبات وأشدها اتساعًا، حتى يصبح الحكم نفسه جزءًا من خطاب الردع السياسي، لا مجرد نهاية لإجراءات تقاضٍ يفترض فيها الحياد والالتزام الصارم بضمانات العدالة.
وأكدت تفاصيل الإدانة أن القضية بُنيت على اتهامات من النوع الذي دأبت السلطة على استخدامه في الملفات السياسية الكبرى، مثل الإضرار بالمصالح القومية والانضمام إلى جماعة إرهابية وتمرير المكالمات الدولية بغير ترخيص وغسل الأموال والاتجار في العملة، وهي تهم واسعة ومتشابكة تتيح للسلطة القضائية والأمنية معًا ضم أكبر عدد من الوقائع والأشخاص داخل مظلة اتهامية واحدة يصعب فصل عناصرها أو تدقيقها على نحو مستقل.
وأشار اتساع قائمة المحكوم عليهم، وما ضمّته من قيادات بارزة وأسماء أخرى مصرية وأجنبية، إلى أن الرسالة لم تكن موجهة إلى متهمين بأعيانهم فقط، بل إلى كل من يمكن أن يُربط سياسيًا أو تنظيميًا أو إعلاميًا بخصومة الدولة مع الجماعة، ولذلك جاء الحكم وكأنه يعلن إغلاق باب السياسة بالكامل، عبر توسيع باب الاتهام إلى حد يبتلع الفاصل بين الفعل الجنائي والخلاف السياسي.
تفسير حقوقي يؤكد الطابع المسيس
وفي هذا السياق، أكد بن سول، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان أثناء مكافحة الإرهاب، ضمن بيان أممي صدر في 3 أبريل 2024، أن هناك إساءة استخدام ممنهجة في مصر لقوانين مكافحة الإرهاب والأمن القومي، بما يقوّض سيادة القانون ويحوّل الأدوات الاستثنائية إلى وسيلة لمعالجة الخصومات السياسية، وهو توصيف ينسجم مباشرة مع حكم جمع بين المؤبد والتعويضات الضخمة والتدابير الإقصائية في ملف واحد بالغ الحمولة السياسية.
وفي موازاة ذلك، لفتت مارغريت ساترثويت، المقررة الخاصة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، في البيان الأممي نفسه، إلى أن العدالة لا تُقاس بضخامة العقوبات بل بتوافر شروط المحاكمة المنصفة واستقلال القضاء وضمان حقوق الدفاع، وهي معايير يثير هذا النوع من القضايا شكوكًا واسعة حول احترامها، خصوصًا حين تُنظر الملفات السياسية في أطر استثنائية تجعل يد السلطة أثقل من يد القانون.
ويرى سعيد بن عربية، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللجنة الدولية للحقوقيين، أن المحاكمات الجماعية في مصر تمثل انحرافًا فاضحًا عن العدالة وتُستخدم لترسيخ السلطة عبر الخوف، وهذه القراءة تبدو شديدة الانطباق على هذا الحكم، لأن جمع العقوبات السالبة للحرية مع الغرامات الهائلة والإدراج والإغلاق لا يوحي بقصد قانوني محدود، بل يكشف رغبة سياسية في السحق الكامل والردع العابر للمتهمين إلى المجال العام كله.
وسبق صدور الحكم النهائي سلسلة طويلة من الجلسات التي شهدت تأجيلات متكررة، وفق ما وثقته منظمات حقوقية مثل الشهاب لحقوق الإنسان، فقد أشارت تقاريرها إلى تعذر حضور المتهمين أو عدم تمكين الدفاع من التواصل معهم في بعض الجلسات، إضافة إلى منع الأهالي من الزيارة أو حضور الجلسات، وهو ما أثار انتقادات واسعة، كما كانت المحكمة قد ناقشت تقارير فنية حول الأحراز، وسمحت للمرة الأولى بإخراج المتهمين من القفص للتشاور مع محاميهم.
تأتي هذه القضية امتداداً لسلسلة من القضايا التي اتهم فيها قيادات جماعة الإخوان المسلمين بالتخابر، ومنها القضية المعروفة بـ”التخابر الكبرى” التي صدرت فيها أحكام بالإعدام والمؤبد عام 2015 بحق عدد من القيادات، بينهم الرئيس الأسبق محمد مرسي ومحمد بديع، ويعكس الحكم الأخير استمرار النهج القضائي في التعامل مع الملفات المرتبطة بالجماعة باعتبارها تهديداً للأمن القومي.
خلاصة حقوقية
وفقاً لآراء حقوقيين ومنظمات حقوقية، فإن الاتهامات في القضية تعاني من عدة نقاط ضعف، أبرزها غياب الشفافية، ضعف الأدلة التقنية، الاتهامات الجماعية، وحرمان الدفاع من الضمانات الكاملة، ولا يعني ذلك بالضرورة نفي الاتهامات، لكنه يشير إلى وجود ثغرات جوهرية تجعل الحكم محل جدل حقوقي واسع وهذا فضلا عن 8 دفوع مهمة تؤخذ في الاعتبار.
أولاً: غياب ضمانات المحاكمة العادلة
أشارت منظمات حقوقية، بينها الشهاب لحقوق الإنسان، إلى أن القضية شابتها مشكلات إجرائية اعتُبرت دليلاً على ضعف الأساس القانوني للاتهامات. فقد وثّقت هذه المنظمات منع حضور الأهالي للجلسات، ومنع الزيارات لفترات طويلة، إضافة إلى تعذر حضور المتهمين أو عدم تمكين الدفاع من التواصل معهم في بعض الجلسات، ويرى حقوقيون أن هذه الممارسات تتعارض مع معايير المحاكمة العادلة، وتؤثر على قدرة المتهمين في الدفاع عن أنفسهم، مما يضعف مصداقية الاتهامات.
ثانياً: التأجيلات المتكررة وحرمان الدفاع من الاطلاع
تحدثت تقارير حقوقية عن تأجيلات طويلة وصلت إلى ثلاثة أشهر في بعض الفترات، دون مبررات واضحة، كما أشارت إلى أن هيئة الدفاع لم تُمنح في بعض الجلسات الوقت الكافي للاطلاع على الأحراز أو مناقشة التقارير الفنية، ويعتبر حقوقيون أن هذا النمط من إدارة الجلسات يخلق بيئة غير مواتية لإثبات البراءة أو مناقشة الأدلة، ويعزز الشكوك حول جدية الاتهامات.
ثالثاً: غموض الأدلة التقنية المتعلقة بتمرير المكالمات
الركيزة الأساسية في الاتهامات كانت تمرير المكالمات الدولية عبر خوادم خارجية، إلا أن حقوقيين أشاروا إلى أن التقارير الفنية لم تُعرض بشفافية كافية، وأن المحكمة منعت النشر والتصوير، مما حال دون التحقق المستقل من صحة الأدلة التقنية. كما أن تمرير المكالمات، رغم كونه مخالفة قانونية، لا يرقى بذاته إلى مستوى “التخابر” ما لم تُثبت نية الإضرار بالأمن القومي، وهو ما اعتبره حقوقيون غير مثبت بشكل قاطع.
رابعاً: الاتهامات الجماعية وغياب الربط الفردي
من أبرز الانتقادات الحقوقية أن الاتهامات جاءت بصيغة جماعية، تشمل عشرات المتهمين من مستويات مختلفة داخل الجماعة وخارجها، دون تقديم أدلة فردية تربط كل متهم بشكل مباشر بالأفعال المنسوبة. ويرى حقوقيون أن هذا النمط من الاتهام الجماعي يفتقر إلى الدقة، ويجعل القضية أقرب إلى “محاكمة تنظيم” وليس محاكمة أفراد، وهو ما يضعف الأساس القانوني للاتهامات.
خامساً: الاعتماد على الانتماء السياسي كقرينة اتهام
أشارت منظمات حقوقية إلى أن عدداً من المتهمين، بينهم شخصيات مثل سمية ماهر، ظلوا رهن الاحتجاز لسنوات قبل الحكم، دون أدلة واضحة على مشاركتهم في أي نشاط تقني أو تنظيمي مرتبط بتمرير المكالمات أو التخابر. ويرى حقوقيون أن الانتماء السياسي أو العائلي لبعض المتهمين لعب دوراً في إدراجهم بالقضية، وهو ما يثير شكوكا حول موضوعية الاتهامات.
سادساً: التناقض مع أحكام سابقة في قضايا مشابهة
لفت حقوقيون إلى أن قضايا “التخابر” السابقة، مثل قضية “التخابر الكبرى” عام 2015، شابتها أيضاً انتقادات واسعة تتعلق بضعف الأدلة واعتمادها على تحريات أمنية دون سند مادي قوي. ويعتبرون أن تكرار النمط ذاته في هذه القضية يعزز الشكوك حول قوة الاتهامات، خاصة أن التحريات وحدها لا تكفي قانونياً لإدانة بهذا الحجم.
سابعاً: غياب الدافع المنطقي في بعض الاتهامات
يرى حقوقيون أن تصوير تمرير المكالمات الدولية باعتباره مخططاً للتجسس على الدولة يفتقر إلى منطق واقعي، إذ أن مراقبة الرأي العام أو متابعة الأوضاع الداخلية يمكن الحصول عليها من مصادر علنية. كما أن بعض المتهمين كانوا خارج البلاد أو غير قادرين تقنياً على تنفيذ الأفعال المنسوبة إليهم، مما يضعف الاتهام بوجود “مخطط منسق”.
ثامناً: انتقادات لقرارات المنع من النشر
واعتبر حقوقيون أن قرار المحكمة بمنع التصوير والنشر في القضية حجب المعلومات عن الرأي العام، ومنع الرقابة المجتمعية على سير المحاكمة، ويرون أن هذا التعتيم يعزز الشكوك حول قوة الأدلة، لأن القضايا التي تستند إلى أدلة قوية لا تحتاج عادة إلى هذا القدر من السرية.
خلفية استثنائية تقود إلى نتيجة محسومة
وفي ظل هذه الخلفية، لا يمكن فصل الحكم عن البنية القضائية الأوسع التي نظرت عبرها الدولة لملفات المعارضة خلال السنوات الماضية، إذ أظهرت وثائق أممية سابقة أن دوائر ومحاكم الطوارئ والاستثناء، حتى مع تغير الأوضاع الشكلية، أبقت على قيود ثقيلة على الطعن العادي وضمانات الدفاع، وهو ما يجعل نتيجة هذه القضايا أقرب إلى تثبيت قرار سياسي مسبق منها إلى اختبار قضائي مفتوح للأدلة والدفوع.
ويؤكد هذا المسار ما رصدته منظمات دولية، بينها منظمة العفو الدولية، بشأن استمرار تدهور ضمانات المحاكمة العادلة في القضايا ذات الطابع السياسي في مصر، حيث تصبح الاتهامات الواسعة والإجراءات الاستثنائية والقسوة العقابية عناصر متداخلة في نموذج واحد، يهدف إلى الإخضاع لا إلى الإنصاف، وإلى توجيه رسالة ردع للخصوم الحاليين والمحتملين أكثر مما يهدف إلى إحقاق عدالة متوازنة وشفافة.
وأشارت النتيجة النهائية للحكم إلى أن المسألة تجاوزت معاقبة أفراد إلى استخدام القضاء بوصفه ذراعًا لتصفية نزاع سياسي مزمن، بحيث صار الحكم إعلانًا جديدًا بأن الدولة لا تزال تدير خلافها مع الإخوان بمنطق الإقصاء الكامل لا بمنطق القانون المجرد، ولذلك فإن أخطر ما في هذا القرار ليس فقط عدد المؤبدات أو ضخامة التعويض، بل كونه يرسّخ الأحكام المسيسة والانتقام السياسي تحت ستار قضائي ثقيل وواضح.
ووجّهت النيابة إلى المتهمين اتهامات تتعلق بـ «التخابر مع جهة أجنبية، والانضمام إلى جماعة إرهابية، وتولي قيادة في جماعة محظورة، وتمرير مكالمات دولية دون ترخيص، وحيازة أجهزة اتصال دون تصريح».
وقالت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان إن القضية شهدت، وفقًا لشهادات ودفاع المتهمين، عددًا من الانتهاكات الجسيمة وثقتها الجبهة المصرية.
*والدة المعتقلة سمية ماهر توجه رسالة للقاضي بعد حكم السجن 10 سنوات.. “سوف نراك يوم القيامة”
قضت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بمجمع بدر برئاسة المستشار محمد سعيد الشربيني، في 7 أبريل 2026، بالسجن لمدة 10 سنوات بحق السيدة سمية ماهر، وذلك على خلفية القضية رقم 955 لسنة 2017 حصر أمن الدولة العليا، والمقيدة برقم 12430 لسنة 2021 جنايات التجمع الخامس، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ”التخابر مع تركيا”.
وجاء الحكم بعد مسار قضائي طويل، سبقته سنوات من الاحتجاز الذي اقترب من تسع سنوات، منذ القبض على سمية ماهر من منزلها بمحافظة البحيرة في 17 أكتوبر 2017، قبل عرضها على نيابة أمن الدولة العليا في اليوم التالي، لتبدأ رحلة غير قانونية معقدة امتدت لسنوات.
رسالة الأم تتصدر المشهد
وفي أعقاب الحكم، تصدرت رسالة والدة المعتقلة المشهد، حيث وجهت كلمات مؤثرة إلى رئيس المحكمة، حملت نبرة إنسانية تعكس حجم المعاناة التي عاشتها الأسرة طوال سنوات احتجاز ابنتها:
“إلى سيادة المستشار محمد سعيد الشربيني، أنا لا أعرفك، ولكن أعرف أنك ممن اختارهم الله لإقامة العدل في الأرض، وأعرف أنك لمدة خمس سنوات، مدة الإحالة، كانت تُعرض حبيبة قلبي، ابنتي الغالية، أمامك، وكانت تتوسل إليك أن تسمح لنا بالدخول لرؤيتها، لأنها كانت ممنوعة من الزيارة، ولكن دون جدوى.
واليوم تُصدر حكمك على ابنتي حبيبتي بعشر سنوات. فابنتي حبيبتي يشهد لها الجميع بحسن الخلق والتفوق الدراسي، وحب الخير لجميع الناس.
فيا سيادة المستشار، والله إنها لدنيا وسوف تنتهي، وسوف نراك أنا وزوجي وبناتي الأربع يوم القيامة، ليحكم الله بيننا وبينك، وستظل في دعائي دائمًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل”.
وقد لاقت الرسالة تفاعلًا واسعًا، باعتبارها تعبيرًا مباشرًا عن معاناة إنسانية ممتدة لأسرة ظلت محرومة من التواصل مع ابنتها لفترات طويلة.
مسار احتجاز طويل وانتهاكات مزعومة
ووفق ما أوردته مصادر حقوقية، فقد تعرضت سمية ماهر خلال فترة احتجازها لسلسلة من الانتهاكات، من بينها الإخفاء القسري لفترات متعددة، بدأت بنحو 70 يومًا عقب القبض عليها، ثم تكررت لاحقًا لفترة تجاوزت العام، إلى جانب احتجازها داخل مقار غير رسمية.
وتعرضت سمية ماهر و28 آخرون للإخفاء القسري لمدة عام داخل مقر تابع لجهاز المخابرات العامة منذ القبض عليهم في 17 أكتوبر 2017. وتم احتجاز عدد منهم في ظروف غير إنسانية، شملت زنازين ضيقة سيئة التهوية، ونقص الغذاء والرعاية الصحية، مع منع الزيارة والتريض، والعزل الكامل عن العالم الخارجي، فضلاعن مثولهم أمام جهات التحقيق داخل أقفاص زجاجية عازلة للصوت، مع تقييدهم بالأغلال، بما أعاق التواصل مع محاميهم.
كما أشارت التقارير إلى منع الزيارة عنها لفترات طويلة، وحرمان أسرتها من التواصل معها، فضلًا عن منع محاميها من حضور التحقيقات في مراحلها الأولى، قبل تعيين دفاع بديل بشكل صوري، بحسب ما ورد.
وتضمنت الانتهاكات كذلك الحبس الانفرادي لأكثر من 9 أشهر داخل زنزانة مزودة بكاميرات مراقبة، الأمر الذي حرمها من الخصوصية، إلى جانب تدهور ظروف الاحتجاز والمعيشة، وما تلاه من تدهور حالتها الصحية نتيجة الإهمال الطبي، وفق روايات حقوقية.
اتهامات رسمية ومحاكمة ممتدة
وتواجه سمية ماهر في القضية عدة اتهامات، من بينها الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة من شأنها الإضرار بالأمن القومي. وقد أُحيلت القضية إلى المحكمة في نوفمبر 2021، لتستمر جلسات المحاكمة لعدة سنوات قبل صدور الحكم.
انتقادات حقوقية ومطالب بالتحقيق
في المقابل، أثار الحكم ردود فعل من منظمات حقوقية، حيث اعتبرت أن طول فترة الحبس الاحتياطي يطرح تساؤلات حول مدى الالتزام بضمانات المحاكمة العادلة، خاصة في ظل ما أُثير بشأن الإخفاء القسري وقيود التواصل.
وطالبت هذه الجهات بفتح تحقيق مستقل في وقائع الإخفاء القسري، ومراجعة مدد الحبس السابقة للمحاكمة، وضمان عدم استخدامها كأداة عقابية، إلى جانب تمكين المحتجزة من كافة حقوقها القانونية والإنسانية داخل محبسها، بما يشمل الزيارة والرعاية الصحية.
كما انتقدت مراكز حقوقية أخرى المحاكمات أمام دوائر استثنائية، معتبرة أنها لا توفر الحد الأدنى من ضمانات التقاضي، ودعت إلى احترام سيادة القانون وضمان حقوق الإنسان.
*رضوى ياسر بين أنياب السرطان وقسوة السجّان
تتجسد في قضية الشابة المصرية رضوى ياسر سيد محمد برعي واحدة من أكثر صور الانتهاكات قسوة في ملف النساء المحتجزات داخل السجون، حيث تتقاطع المعاناة الصحية مع التعسف القانوني، ويتحول الحبس الاحتياطي من إجراء استثنائي إلى عقوبة مفتوحة بلا سقف زمني، رضوى، البالغة من العمر 26 عاماً، تقبع خلف القضبان منذ ديسمبر 2021 على ذمة القضية رقم 2976 لسنة 2021، المعروفة إعلامياً بـ«جروب مطبخنا»، وهي قضية ارتبطت بحملة اعتقالات واسعة طالت بنات وزوجات وأهالي معتقلين سابقين، ومنذ لحظة اعتقالها، بدأت رحلة طويلة من الانتهاكات البدنية والنفسية، قبل أن تتفاقم مع إصابتها بأورام سرطانية في الثدي والرحم، ما جعل حياتها مهددة بصورة مباشرة.
اعتُقلت رضوى من منزلها في حلوان بعد اقتحام قوة من الأمن الوطني، لتختفي قسرياً نحو أسبوعين داخل مقر الأمن الوطني بالمعصرة، حيث وثّقت منظمات حقوقية تعرضها لانتهاكات جسيمة، قبل ظهورها أمام نيابة أمن الدولة العليا في 20 ديسمبر 2021، ومنذ ذلك التاريخ، ظلت رهن الحبس الاحتياطي داخل سجن العاشر من رمضان، ثم نُقلت لاحقاً إلى سجن القناطر للنساء، قبل أن تعود مجدداً إلى سجن العاشر، في دورة تنقلات لم يصاحبها أي تحسن في ظروف احتجازها أو رعايتها الصحية.
تدهورت الحالة الصحية لرضوى بصورة خطيرة داخل السجن، حيث شُخّصت إصابة بورم في الثديين بلغ حجمه 6 سم، إضافة إلى ارتخاء في عضلة القلب واضطراب في كهرباء القلب، وهي أمراض تستلزم رعاية طبية متخصصة لا تتوفر داخل مستشفيات السجون، ورغم حاجتها العاجلة إلى تدخل جراحي وجلسات علاج كيماوي منتظمة، فإنها لم تحصل إلا على فحوصات متقطعة على نفقة أسرتها، بينما ظل العلاج المتخصص خارج متناولها بسبب استمرار احتجازها، وقد نُقلت لفترة قصيرة إلى مستشفى سجن بدر، لكنها أعيدت سريعاً إلى محبسها دون استكمال العلاج، ما أثار مخاوف حقوقية واسعة من تعرضها لما يشبه «القتل البطيء» نتيجة الإهمال الطبي.
وتشير شهادات حقوقية إلى أن رضوى ليست مجرد معتقلة سياسية، بل شابة نشأت في بيئة مثقلة بالمعاناة، إذ سبق أن اعتُقل والدها لمدة ثماني سنوات في قضية «كتائب حلوان» قبل حصوله على البراءة، هذه التجربة دفعتها إلى العمل المجتمعي ودعم أسر المعتقلين، وهو ما جعلها هدفاً سهلاً لحملات الاعتقال التي طالت نساءً وفتيات بهدف الضغط على ذويهن. ورغم محاولات البعض تصوير قضيتها باعتبارها امتداداً لانتماءات أسرية أو خلفيات سياسية، فإن الوقائع القانونية تؤكد أنها محتجزة على ذمة اتهامات لم تُحسم بعد، وأنها لم تُحاكم حتى الآن رغم مرور أكثر من أربع سنوات على اعتقالها.
وتوثّق الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، إلى جانب منظمات أخرى مثل «هيومن رايتس إيجيبت»، سلسلة من الانتهاكات التي تعرضت لها رضوى منذ لحظة اعتقالها، بدءاً من الإخفاء القسري، مروراً بالاعتداءات البدنية والنفسية، وصولاً إلى الحرمان من العلاج، وتؤكد هذه المنظمات أن استمرار احتجازها رغم حالتها الصحية الحرجة يخالف المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويصطدم حتى بالقوانين المصرية التي تتيح الإفراج الصحي عن المحتجزين الذين يواجهون أمراضاً تهدد حياتهم. كما تشير إلى أن الحبس الاحتياطي فقد غايته القانونية في حالتها، وتحول إلى عقوبة مطولة بلا محاكمة، خصوصاً بعد إحالة قضيتها إلى الجنايات دون تحديد موعد للجلسة الأولى.
وتبرز قضية رضوى أيضاً إشكالية أوسع تتعلق بالرعاية الصحية داخل السجون المصرية، حيث تتكرر شكاوى المحتجزين من نقص الأدوية، وغياب الأطباء المتخصصين، وتأخر نقل الحالات الحرجة إلى المستشفيات، وفي حالة رضوى، يتضاعف الخطر بسبب طبيعة المرض الذي يحتاج إلى تدخلات عاجلة، بينما تتعرض هي لانتظار طويل داخل بيئة احتجاز لا توفر الحد الأدنى من الرعاية، ويؤكد أطباء متخصصون أن التأخر في العلاج الكيماوي أو الجراحي لمرضى السرطان قد يؤدي إلى انتشار الورم وتفاقم المضاعفات، ما يجعل كل يوم تأخير تهديداً مباشراً للحياة.
وتحمل قضية رضوى بُعداً إنسانياً لا يمكن تجاهله، فهي شابة في مقتبل العمر، لم تكمل تعليمها الجامعي، ولم تُتح لها فرصة بناء مستقبلها، وتواجه اليوم مرضاً قاتلاً داخل زنزانة ضيقة، بعيداً عن أسرتها ورعاية الأطباء، وتؤكد منظمات حقوقية أن استمرار احتجازها لا يحقق أي مصلحة قانونية، بل يعكس خللاً عميقاً في استخدام الحبس الاحتياطي، الذي تحول من إجراء احترازي إلى وسيلة عقابية، كما تشير إلى أن الإفراج الصحي عنها ليس امتيازاً، بل حق قانوني وإنساني، خاصة أن حالتها الصحية لا تحتمل مزيداً من التأجيل.
وفي مواجهة الانتقادات، يحاول البعض تبرير استمرار احتجازها بالإشارة إلى خلفيات أسرتها أو الاتهامات الموجهة إليها، لكن هذه التبريرات تتجاهل حقيقة أن القانون لا يجيز معاقبة شخص بسبب انتماءات ذويه، ولا يسمح باستمرار احتجاز مريض يواجه خطراً على حياته. كما أن الإصرار على إبقائها داخل السجن رغم حالتها الصحية يطرح أسئلة حول مدى التزام السلطات بمعايير العدالة والإنسانية، خصوصاً في ظل تصريحات رسمية متكررة تؤكد توفير الرعاية الصحية للسجناء، بينما تكشف الوقائع عن فجوة واسعة بين الخطاب والواقع.
حالات مماثلة
ولا تختلف معاناة رضوى كثيراً عن مأساة الصحفية المصرية علياء عواد، البالغة من العمر 39 عاماً، والمحتجزة على ذمة القضية المعروفة إعلامياً بـ«كتائب حلوان»، اعتُقلت علياء لأول مرة عام 2014 بسبب عملها كمصورة صحفية، ثم أُخلي سبيلها عام 2016 قبل أن يُعاد اعتقالها من داخل قاعة المحكمة عام 2017 والحكم عليها بالسجن المشدد 15 عاماً، ورغم إصابتها بالسرطان وحاجتها إلى علاج كيماوي خارج مستشفى السجن، ما تزال تقبع في ظروف احتجاز غير آدمية، وسط اتهامات حقوقية بأن استمرار حبسها يمثل تهديداً مباشراً لحياتها. وتؤكد «هيومن رايتس إيجيبت» أن التهم الموجهة إليها تفتقر إلى الأدلة، وتطالب بإعادة محاكمتها أمام قاضٍ جديد والإفراج عنها فوراً.
أما في الإمارات، فقد انتهت قصة المعتقلة علياء عبد النور نهاية مأساوية، بعدما توفيت داخل سجن الوثبة في أبو ظبي في مايو 2025 إثر معاناة طويلة مع السرطان، اعتُقلت علياء بتهمة «تمويل الإرهاب» بعد جمع تبرعات لمساعدة أسر سورية محتاجة، وتعرضت للتعذيب والإجبار على توقيع اعترافات، وفق شهادات حقوقية دولية، ورغم المناشدات الواسعة للإفراج الصحي عنها، رفضت السلطات الإماراتية السماح لها بقضاء أيامها الأخيرة بين أسرتها، لتفارق الحياة داخل السجن بعد حرمانها من العلاج المناسب، وقد أثارت وفاتها موجة غضب دولية، باعتبارها مثالاً صارخاً على الإهمال الطبي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل السجون الإماراتية.
وتكشف هذه الحالات الثلاث—رضوى ياسر، علياء عواد، وعلياء عبد النور—عن نمط متكرر من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء المحتجزات في المنطقة العربية، حيث يتحول المرض إلى عبء مضاعف داخل بيئة احتجاز تفتقر إلى الرعاية الطبية، ويُستخدم الحبس الاحتياطي أو الأحكام المشددة كأداة عقابية تتجاهل الاعتبارات الإنسانية، كما تبرز هذه القصص غياب آليات فعالة للمساءلة، سواء في ما يتعلق بالإخفاء القسري، أو التعذيب، أو الحرمان من العلاج، أو رفض الإفراج الصحي رغم خطورة الحالات.
وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أن استمرار هذه الممارسات يشكل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الدولية، وعلى رأسها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وقواعد نيلسون مانديلا لمعاملة السجناء، التي تنص على ضرورة توفير الرعاية الصحية المكافئة لما هو متاح خارج السجون، والإفراج عن المحتجزين الذين يعانون أمراضاً تهدد حياتهم، كما تشدد على أن احتجاز مريضات بالسرطان في ظروف غير إنسانية لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية، وأن حماية الحق في الحياة يجب أن تكون أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى.
وتطالب المنظمات الحقوقية في مصر والإمارات بفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات التي تعرضت لها هؤلاء النساء، وضمان عدم تكرارها، وإقرار آليات رقابة فعالة على السجون، وإطلاق سراح كل من يعاني أمراضاً خطيرة لا يمكن علاجها داخل أماكن الاحتجاز، كما تدعو إلى مراجعة شاملة لسياسات الحبس الاحتياطي والأحكام المشددة التي تُستخدم في كثير من الأحيان كأداة للانتقام السياسي أو العقاب الجماعي.
وتبقى قصص رضوى ياسر وعلياء عواد وعلياء عبد النور شاهداً مؤلماً على ثمن الإهمال الطبي داخل السجون، وعلى الحاجة الملحة لإصلاحات جذرية تضمن أن لا تتحول الزنازين إلى غرف انتظار للموت، وأن لا تُترك النساء لمواجهة السرطان وحدهن خلف القضبان.
*مركز الشهاب يطالب بوقف الانتهاكات بحق عبدالخالق فاروق والإفراج الفوري عنه
سلط مركز الشهاب لحقوق الإنسان، الضوء على معاناة الدكتور عبد الخالق فاروق الخبير الاقتصادي، المعتقل منذ عام ونصف.
وأُلقي القبض على فاروق (68 عامًا) في 20 أكتوبر 2024، على خلفية نشره مواد تنتقد السياسات الاقتصادية، من بينها مقالات بعنوان “سرقة القرن” تناولت دور الجيش في الاقتصاد.
نشر أخبار كاذبة
ووُجهت إليه اتهامات بنشر “أخبار كاذبة“، في قضية أُثيرت بشأنها تساؤلات حول سلامة الإجراءات، من بينها صدور الحكم في غياب المتهم، وعدم تمكين هيئة الدفاع من تقديم مرافعة كاملة.
واعتمدت النيابة في تحقيقاتها على أكثر من 40 مقالًا كتبها فاروق، واعتبرتها تحمل “تحريضًا وإساءة مباشرة”، ومن بينها مقالات أثارت جدلًا واسعًا مثل:
- الجنرال السيسي.. وسرقة القرن – العاصمة الإدارية نموذجًا
- هل تقاضى الجنرال السيسي ثمن موقفه في محرقة غزة؟
- الجنرال السيسي وحكاية جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة: استيلاء على أراضي الدولة
- قصة صعود يوسف بطرس غالي إلى سلم السلطة والحكم في مصر
أوضاع صحية خطيرة
وخلال جلسات التحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا، قدّم فاروق عدة شكاوى تتعلق بظروف احتجازه، مؤكدًا معاناته من أوضاع صحية خطيرة، أبرزها قصور في الشريان التاجي وتعرضه لأزمات قلبية متكررة.
وفي 2 أكتوبر 2025، قضت محكمة جنح الشروق بحبسه 5 سنوات.
ويقبع حاليًا داخل سجن العاشر من رمضان، في ظل ظروف احتجاز وُصفت بالقاسية، مع قيود على الحركة والتواصل، وسط مخاوف بشأن حالته الصحية.
وطالب مركز الشهاب لحقوق الإنسان بوقف الانتهاكات بحقه، والإفراج الفوري عنه، وضمان احترام حقوقه القانونية والإنسانية.
*برلمان السيسي يعد قانونا جديدا لتقييد السوشيال ميديا يفاقم القمع الرقمي
فتح البرلمان المصري ملفا جديدا يتعلق بالسوشيال ميديا، لكن النقاش الجاري لا يدور حول الفضاء الرقمي كله بقدر ما يتركز على مشروع قانون ينظم استخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي. وقد بدا التحرك سريعا منذ يناير 2026، بعد دعوة رئاسية صريحة إلى إعداد تشريع يقيّد استخدام الهواتف والسوشيال ميديا للأطفال، ثم تحولت الدعوة إلى جلسات استماع متتالية داخل لجنة الاتصالات بمجلس النواب. غير أن سرعة الانتقال من التوجيه السياسي إلى المسار التشريعي أعادت إلى الواجهة سؤالا أوسع من حماية الطفل، وهو كيف ستصوغ الدولة حدود الضبط الرقمي في بلد تتسع فيه أصلا أدوات المتابعة والمنع والحجب.
جاء الجدل لأن المشروع المطروح لا يقدم حتى الآن في صورة حملة توعية أو مراجعة تربوية فقط، بل في صورة قانون جديد يمنح الدولة والمنصات والأسر أدوارا تنظيمية ورقابية متشابكة. وقد ناقشت جلسات البرلمان الملامح الأولى لهذا القانون بحضور 4 وزراء ومسؤولين من الحكومة، مع حديث عن تقنيات للتحقق من العمر، وضوابط لاستخدام الأطفال، وحماية من المخاطر الرقمية. لكن مراقبين رأوا أن اتساع الشعارات من نوع “الحماية” و”الحفاظ على القيم” يفتح الباب أمام نصوص واسعة التفسير، ويجعل المخاوف من التقييد ملازمة للمشروع منذ لحظته الأولى.
البرلمان يبدأ من حماية الأطفال لكن النقاش يمتد إلى حدود السيطرة الرقمية
أعلن مجلس النواب في 25 يناير 2026 عزمه إعداد تشريع ينظم استخدام الأطفال لمواقع التواصل الاجتماعي، بعد ساعات من دعوة عبد الفتاح السيسي إلى مراجعة تجارب دول أخرى في تقييد استخدام الهواتف والسوشيال ميديا بالنسبة للصغار. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المشروع مجرد فكرة عامة، بل صار مسارا رسميا يناقش داخل البرلمان باعتباره استجابة مباشرة لتكليف سياسي أعلى. وهذه البداية نفسها منحت القانون ثقلا سريعا، لكنها منحت أيضا الجدل السياسي زخما لا يمكن تجاهله.
ثم اتسعت المناقشات داخل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث عقدت جلسات استماع متتالية لمناقشة ضوابط استخدام الأطفال للمنصات والتطبيقات. وقد قال رئيس اللجنة أحمد بدوي إن المقصود هو الخروج بتشريع يحافظ على النشء ويضمن بيئة رقمية آمنة ومتوازنة، بينما أكدت تغطيات برلمانية أن المناقشات شملت الطلاب والوزراء وممثلين عن قطاعات متعددة. وهذا الاتساع في الأطراف المشاركة منح المشروع مظهرا تشاوريا، لكنه لم يبدد القلق من أن جوهره ما زال يتجه إلى تنظيم أعلى من أعلى.
كما أوضحت تقارير صحفية أن البرلمان يناقش تحديد مراحل عمرية وضمان التوازن بين الاستفادة من التكنولوجيا والحماية من المخاطر، مع تكرار عبارة “التنظيم لا المنع”. لكن هذه العبارة نفسها لم تحسم الخلاف، لأن أي تنظيم قانوني جديد في المجال الرقمي يظل مرشحا للتوسع في التطبيق، خصوصا إذا ارتبط بمفاهيم عامة مثل القيم والأمان والحماية. ولذلك لم يعد السؤال فقط ماذا يريد القانون، بل أيضا من سيملك سلطة تفسيره وتنفيذه ومراقبته.
وفي هذا السياق حذرت الدكتورة شيماء هلال، خبيرة الصحة النفسية، من التأثيرات السلبية المتزايدة لاستخدام الأطفال والمراهقين للسوشيال ميديا، لكنها قالت بوضوح إن الحل لا يكمن في المنع أو الرقابة الصارمة، بل في “المراقبة الذكية” المبنية على الحوار والثقة. ويمنح هذا الرأي النقاش نقطة توازن مهمة، لأنه يؤيد الحماية من حيث المبدأ، لكنه لا يمنح شيكا مفتوحا لصياغات قانونية قد تستبدل التربية بالمنع والعلاقة الأسرية بالمراقبة الجافة.
ملامح القانون تكشف اتجاها إلى التحقق العمري والمنع المدرسي والرقابة الفنية
كشفت جلسات البرلمان بعض الملامح الأولية للقانون المزمع، وكان أبرزها الحديث عن وجود تقنية للتعرف على الطفل وسنه حتى يجري ضبط استخدامه للمنصات. وقد نقلت “الوطن” عن المستشار جوزيف إدوارد، المستشار القانوني لوزارة الاتصالات، أن فلسفة المشروع تقوم على محاور تقنية وفنية وتنظيمية، تبدأ من التحقق العمري ولا تقف عنده. وهذا يعني أن الدولة لا تناقش مجرد توصيات تربوية، بل تناقش بالفعل بنية تنظيمية تعتمد على التدخل الفني المباشر في استخدام الأطفال للمنصات.
بعد ذلك ظهر اتجاه آخر داخل الجلسات يدفع إلى تشديد القيود داخل المدارس نفسها. فقد دعا وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان خلال إحدى جلسات الاستماع إلى حظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس المصرية، في طرح يكشف أن المشروع لا يتعامل مع السوشيال ميديا بوصفها منصة تحتاج إلى ترشيد فقط، بل بوصفها بابا يجب تضييقه مؤسسيا في أماكن التعليم. وهذه المقاربة توسع النقاش من الفضاء الرقمي المنزلي إلى المجال العام التربوي كله.
كما ناقشت الجلسات بدائل تقنية وخدمية، منها ما يرتبط بخطوط هاتف تحظر المحتوى الإباحي، وما يرتبط بإطلاق حملات توعية موحدة، وتقديم بدائل آمنة للتنشئة الرقمية. وقدمت هذه الملامح باعتبارها جزءا من “خطة شاملة” لا تعتمد على العقوبات وحدها. لكن مراقبين رأوا أن هذا التوسع في الأدوات لا يلغي جوهر التخوف، بل ربما يرسخه، لأن القانون يتحرك هنا بين التوعية والحظر والمنع الفني في وقت واحد، من دون أن تتضح بعد حدود كل أداة وضمانات استخدامها.
وفي هذا الإطار قال الدكتور محمد عزام، خبير تكنولوجيا المعلومات، إن المخاطر الرقمية على الأطفال تشمل التنمر الرقمي والاستغلال المالي والإرهابي والمخاطر النفسية، لكنه شدد أيضا على أن التشريع وحده لا يكفي، وأن توعية الأسر والشباب بالاستخدام الآمن للتكنولوجيا ضرورية. ويعطي هذا الرأي بعدا مهما للنقاش، لأنه يقر بحجم المشكلة، لكنه يرفض اختزالها في قانون جديد وحده، وهو ما يفسر استمرار الجدل رغم التوافق الرسمي على عنوان الحماية.
بين الحماية المعلنة والتقييد المحتمل تظهر أسئلة التنفيذ والحدود والضمانات
لهذا السبب لم يتوقف الجدل عند أصل الفكرة، بل انتقل إلى آثارها المحتملة في حال خروج القانون بصياغات فضفاضة. فالعنوان الرسمي يتحدث عن حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، لكن خبراء ومراقبين يلفتون إلى أن أي قانون يربط المنصات بالتحقق من العمر، ويمنح جهات التنفيذ سلطة أوسع في الضبط، قد يخلق بنية رقابة إضافية يصعب حصرها لاحقا في الفئة العمرية المستهدفة وحدها. وهذا التخوف ازداد مع سوابق مصرية شهدت حجب منصات أو ألعاب أو تضييق الوصول إلى خدمات رقمية باسم المصلحة العامة.
ثم إن التغطيات الصحفية نفسها وصفت الملف بأنه يقع “بين الحماية والتقييد”، وهي صياغة تعكس أن الإشكال ليس افتراضيا. فحين يجري الحديث عن حماية الطفل وفي الوقت نفسه عن الحفاظ على القيم، وحين تقترن هذه اللغة بتشريع جديد لا يزال قيد الصياغة، فإن المخاوف تصبح مرتبطة بطبيعة النص المنتظر لا بنيات المعلنين عنه فقط. ولهذا تراقب قطاعات واسعة ليس فقط مضمون القانون، بل أيضا اللغة التي ستحكم تعريف الخطر والضرر والمخالفة.
كما أن مسار المناقشة نفسه يكشف مفارقة أخرى. فالبرلمان يقول إنه يرفض “المنع المطلق” ويبحث عن توازن، لكن النقاشات المتوازية شملت بالفعل حظر الهواتف في المدارس، والتفكير في تقنيات منع أو تقييد حسب العمر، والتعامل مع بعض التطبيقات والألعاب بوصفها تهديدا. وهذا يعني أن التوازن المعلن لم يتحول بعد إلى ضمانة عملية، بل ما زال وعدا سياسيا يحتاج إلى نصوص ضيقة وواضحة إذا أرادت الدولة تفادي توسيع دائرة التقييد تحت عنوان الحماية.
وفي هذا السياق قال المستشار جوزيف إدوارد إن القانون يجري بناؤه على محاور تقنية وفنية وتنظيمية من أجل ضبط استخدام الأطفال للمنصات. غير أن هذا التصور، مهما بدا منضبطا قانونيا، يظل في نظر مراقبين بحاجة إلى ضمانات دقيقة بشأن الخصوصية، وكيفية التحقق من العمر، ومن يملك البيانات، وما إذا كان التنفيذ سيظل محصورا في حماية الطفل أم سينتقل لاحقا إلى أشكال أوسع من الضبط الرقمي. ولذلك لم يتحول مشروع القانون حتى الآن إلى مساحة توافق، بل إلى مساحة اختبار جديدة لعلاقة الدولة بالفضاء الإلكتروني.
في الخلاصة، يناقش البرلمان المصري بالفعل قانونا جديدا لتنظيم استخدام الأطفال للسوشيال ميديا، ويقدمه بوصفه ضرورة لحماية النشء من مخاطر رقمية ونفسية وسلوكية متزايدة. لكن المناقشات الجارية تكشف في الوقت نفسه أن المشروع يفتح بابا أوسع يتعلق بمن يضع الحدود الرقمية، وكيف تُفهم الحماية، وأين ينتهي التنظيم ويبدأ التقييد. وهذه هي النقطة التي تفسر استمرار الجدل، لأن القانون لا يُقرأ فقط من عنوانه المعلن، بل من البيئة التي سيولد ويطبق فيها أيضا.
*تحركات عمالية واسعة في شركة سمنود للنسيج تفرض واقعا جديدا على الإدارة
تصاعدت وتيرة الأحداث داخل أروقة شركة سمنود للنسيج والوبريات بمحافظة الغربية بعد سلسلة من الاحتجاجات العمالية التي هزت استقرار الإنتاج، حيث اضطر العمال للدخول في إضراب مفتوح عن العمل استمر لمدة يومين متتاليين نتيجة تفاقم الأزمات المالية وتأخر مستحقاتهم المعيشية، وجاءت هذه الخطوة التصعيدية كصرخة بوجه السياسات الإدارية التي أدت إلى تقليص الأجور وتدهور الخدمات الأساسية المقدمة للعاملين بالشركة خلال الفترة الماضية،
تتجسد الأزمة الحقيقية في شركة سمنود للنسيج في عدم الوفاء بصرف كامل مستحقات شهر مارس الماضي رغم المطالبات الرسمية المتكررة، حيث اكتفت الإدارة بتوزيع نسب هزيلة من الرواتب تراوحت ما بين 30% إلى 50% فقط من القيمة الإجمالية، مضافا إليها مبلغ ألف جنيه تم صرفه لاحقا في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد، إلا أن هذه المسكنات المالية لم تفلح في ثني العمال عن مواصلة احتجاجهم المشروع للمطالبة بحقوقهم المالية والقانونية كاملة دون انتقاص،
تفاصيل الأزمة المالية وتدهور الخدمات الصحية للعمال
كشفت التطورات الميدانية عن عمق الفجوة بين تطلعات القوى العاملة وبين قرارات رئيس مجلس الإدارة الذي لوح بسلاح الفصل، ورفض العمال بشدة تلك التهديدات والادعاءات التي حاولت تصوير وجود انقسام في صفوفهم أو قبول بعض العاملات بإنهاء الإضراب قبل تحقيق المطالب، ويتمسك المحتجون بضرورة وضع جدول زمني ملزم لصرف باقي مرتبات مارس، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التي تطلب تدخلا عاجلا لحماية الأسر من شبح العوز المادي.
تتجاوز مطالب العاملين في شركة سمنود للنسيج الشق المالي لتصل إلى أزمة التأمين الصحي التي بلغت ذروتها منذ شهر يناير الماضي، حيث توقفت الهيئة العامة للتأمين الصحي عن تقديم خدماتها العلاجية نتيجة تراكم المديونيات الضخمة على الشركة، وتبين أن الإدارة لم تلتزم بسداد الحصص التأمينية المقررة قانونا سواء الخاصة بالمنشأة أو المستقطعة من أجور العمال، مما جعل آلاف الأسر دون غطاء صحي يحميهم من مخاطر المرض والإصابات المهنية المتكررة.
أفضت المفاوضات الأخيرة إلى تعهدات رسمية من جانب الإدارة بصرف المبالغ المتبقية من الأجور يوم الثلاثاء المقبل كحد أقصى للتهدئة، وبناء على هذه الوعود تقرر إنهاء الإضراب والعودة إلى خطوط الإنتاج مع تعليق المطالب الأخرى المتعلقة بملف التأمين الصحي للنظر فيها لاحقا، وتظل الأوضاع داخل شركة سمنود للنسيج قيد الترقب الشعبي والعمالي لضمان تنفيذ كافة الوعود المقطوعة، ومنع تكرار هذه الأزمات التي تؤثر بشكل مباشر على الصناعة الوطنية وحقوق الكادحين.
marsadpress.net – شبكة المرصد الإخبارية شبكة المرصد الإخبارية
