أخبار عاجلة

الصندوق السياديّ “الثقب الأسود” لمصر يلتهم مقدرات الدولة ويُسلّمها للأجانب عبر العسكر.. الجمعة  1 مايو 2026.. رشاد البيومي سجين كل العصور وأكبر معتقل سياسي في العالم يصارع الموت داخل محبسه الانفرادي وتعذيب وتجريد وتغريب للمعتقل “محمود وهدان” المحكوم بالإعدام

الصندوق السياديّ “الثقب الأسود” لمصر يلتهم مقدرات الدولة ويُسلّمها للأجانب عبر العسكر.. الجمعة  1 مايو 2026.. رشاد البيومي سجين كل العصور وأكبر معتقل سياسي في العالم يصارع الموت داخل محبسه الانفرادي وتعذيب وتجريد وتغريب للمعتقل “محمود وهدان” المحكوم بالإعدام

 

شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري

 

*د.رشاد البيومي سجين كل العصور وأكبر معتقل سياسي في العالم يصارع الموت داخل محبسه الانفرادي

ناشد مركز الشهاب لحقوق الإنسان، الجهات المعنية ومنظمات المجتمع المدني، سرعة التدخل لإنقاذ حياة الدكتور رشاد البيومي (93 عامًا) أستاذ الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة القاهرة، وأحد القامات العلمية في مجال الجيولوجيا، والذي يصارع الموت في العناية المركزة.

واعتقل البيومي، فجر اليوم التالي لانقلاب 2013، وقبل تأزم العلاقة بين الإنقلابيين وأنصار الرئيس الراحل محمد مرسي، على الرغم من ذلك، اعتقل لما يقارب 13 عامًا، في سجني العقرب وبدر، سيئا السمعة، ومُنع من الزيارات العائلية، وتعرض للعزل الانفرادي، وهو ما يُعتبر تنكيلاً إضافيًا لا يتناسب مع سنه أو حالته الصحية.

 كما حُرم من الرعاية؛ بهدف القتل البطيء بالإهمال الطبي وأمراض الشيخوخة وتدهور الحالة الصحية.

الدكتور رشاد البيومي محكوم بعدة أحكام منها حكم بالمؤبد في هزلية “مكتب الإرشاد” وحكم بالإعدام في قضية الهروب من سجن وادي النطرون.

سجين كل العصور

رشاد البيومي عضو الجمعية الجيولوجية المصرية وكيل نقابة العلميين .

 عضو الجمعية الجيولوجية الامريكية حيث سافر الي أمريكا وكندا في مهام علمية، قضي 17 سنة في سجون عبد الناصر

اعتقل عام 1996 قضي في السجن أربعة أشهر قبل ان يحصل على البراءة من المحكمة العسكرية التي كانت تنظر القضية

اعتقل في 2002 وقضي شهرين ونصف الشهر في السجن، واعيد اعتقاله في 2006 حيث قضي خمسة أشهر ونصف الشهر.

اعتقل البيومي، فجر اليوم التالي لانقلاب 2013، وقبل تأزم العلاقة بين الانقلابين وأنصار الرئيس الراحل، محمد مرسي، رغم ذلك، اعتقل لما يقارب 13 عاماً، في سجني العقرب وبدر، سيئي السمعة، ومُنع من الزيارات العائلية، وتعرض للعزل الانفرادي، وهو ما يُعتبر تنكيلاً إضافياً لا يتناسب مع سنه أو حالته الصحية

وفي ديسمبر 2017، قامت جامعة القاهرة بفصله و4 من اعضاء هيئة التدريس لانتمائهم لجماعة الاخوان المسلمين، على حد زعم رئيس الجامعة وقتئذ.
ولد الدكتور رشاد البيومي في قرية الحريزات الغربية بمركز المنشاة بمحافظة سوهاج في 8 يوليو 1935 م، والتحق بكلية العلوم جامعة القاهرة قسم الجيولوجيا في عام 1951م، ودخل السجن عام1954م حتى 1971م.

كما حُرم من الرعاية؛ بهدف القتل البطيء بالإهمال الطبي وأمراض الشيخوخة وتدهور الحالة الصحية.

إن استمرار احتجاز كبار السن، كرهائن، في السجون يتجاوز إشكاليات الخصومة السياسية، ويخالف أبجديات القانون الدولي، لأن الحق في الحياة والرعاية الصحية حقوق غير قابلة للتقادم أو المقايضة.

احتجاز كبار السن كرهائن

وقال مركز الشهاب إن استمرار احتجاز كبار السن، كرهائن، في السجون المصرية يتجاوز إشكاليات الخصومة السياسية، ويخالف أبجديات القانون الدولي، لأن الحق في الحياة والرعاية الصحية حقوق غير قابلة للتقادم أو المقايضة.

وطالب بتفعيل مواد الإفراج الصحي الفوري لكل من تجاوز السن القانونية أو يعاني من أمراض مزمنة.

كما دعا إلى توفير رعاية طبية مجانية ومتخصصة تليق بالكرامة الإنسانية داخل مراكز الاحتجاز.

وحث على إنهاء سياسة العزل الانفرادي والسماح بالزيارات الدورية بلا قيود أمنية تعسفية.

*تعذيب وتجريد للمعتقل “محمود وهدان” المحكوم بالإعدام فور تغريبه لسجن المنيا

تتزايد الشهادات الحقوقية حول أوضاع سجون عبدالفتاح السيسي، في ظل ورود روايات تفيد بتعرض معتقلين محكومين بالإعدام لمعاملة قاسية فور نقلهم إلى أماكن احتجازهم، وهو ما يفتح باب التساؤلات مجددًا حول أوضاع الاحتجاز ومدى الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية.

وفي هذا السياق، أفادت مصادر متطابقة بأن المعتقل المحكوم بالإعدام محمود عبادة عبد المقصود عيد وهدان، تعرّض لسوء معاملة فور وصوله إلى سجن المنيا قبل أيام، ضمن مجموعة من المحكوم عليهم في قضايا مماثلة.

وتشير الروايات إلى أن ما وُصف بـ”حفل استقبال” جرى تنظيمه داخل السجن ليلًا، تخلله اعتداء بدني ولفظي، إضافة إلى تجريد المحتجزين من ملابسهم ومصادرة متعلقاتهم الشخصية قبل إيداعهم في أماكن احتجازهم.

وبحسب تلك الشهادات، فإن المعتقلين لا يزالون يواجهون ظروف احتجاز قاسية، وسط مخاوف من استمرار الانتهاكات داخل محبسهم، في ظل غياب رقابة مستقلة أو تحقيقات معلنة حول هذه الوقائع.

وتعود قضية محمود وهدان إلى فبراير 2016، حيث تم اعتقاله من محطة قطار أبو كبير بمحافظة الشرقية، أثناء توجهه إلى مقر دراسته بالمعهد العالي لنظم المعلومات في المنصورة.

ومنذ لحظة اعتقاله، انقطعت أخباره لفترة استمرت نحو 45 يومًا، قبل أن يظهر لاحقًا خلال التحقيقات، وفق روايات حقوقية، وهو في حالة إخفاء قسري ومعصوب العينين.

وخلال تلك الفترة، تشير المصادر إلى تعرضه لانتهاكات جسدية ونفسية، قبل أن تتم إحالته للمحاكمة، التي انتهت بصدور حكم بالإعدام بحقه في 30 سبتمبر 2020، وأصبح الحكم نهائيًا بعد رفض الالتماس المقدم في مارس 2021.

 وتسلّط هذه الواقعة الضوء على الجدل المستمر بشأن أوضاع السجون، لا سيما ما يتعلق بمعاملة السجناء المحكوم عليهم في قضايا جسيمة، حيث تؤكد منظمات حقوقية ضرورة الالتزام بالقوانين المحلية والاتفاقيات الدولية التي تحظر التعذيب أو المعاملة المهينة، وتضمن حقوق المحتجزين بغض النظر عن طبيعة الأحكام الصادرة بحقهم.

 وفي ظل هذه الاتهامات، تتجدد الدعوات لفتح تحقيقات مستقلة وشفافة في مثل هذه الوقائع، ومراجعة أوضاع الاحتجاز بشكل شامل، لضمان احترام المعايير الإنسانية وتطبيق القانون على نحو عادل ومتوازن.

*محاكمة الناشط المصري أحمد دومة: النيابة تستخدم ألفاظ “الخيانة” و”بيع الأوطان” والدفاع يعترض

أَجَّلَت محكمة جنح القاهرة النظر في قضية الشاعر والناشط السياسي أحمد دومة إلى جلسة 13 مايو/ أيار لمنح فريق دفاعه الفرصة للاطلاع على أوراق القضية.

وشهدت الجلسة التي عقدت الأربعاء وسط تشديد أمني، مشادة أثناء مرافعة النيابة، بعدما استخدم ممثلها ألفاظاً، منها “الخيانة وبيع الأوطان”، إذ اعترض المحامي خالد علي، على الكلمة، مؤكداً أن “الخيانة” وصف له مدلول قانوني محدد، ولا يجوز استخدامه بشكل مرسل في مواجهة المتهم.

وحسب محامين، فإن أجهزة الأمن حاولت في البداية قصر حضور المحامين على من يحملون توكيلات، ما رفضه فريق الدفاع، حيث يتيح حضور المتهم الجلسة بنفسه للمحامين الحضور معه دون اشتراط وجود توكيلات مسبقة، وانتهى الأمر بالسماح لجميع أعضاء الفريق بالبقاء داخل القاعة. وقالت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي إنها تتابع مسارات التعسف القانوني والملاحقة الأمنية المستمرة التي تستهدف دومة، والتي تجلت بوضوح في أولى جلسات محاكمته.

وأعربت عن دهشتها الشديدة من الإجراءات الاستثنائية التي شهدتها قاعة المحكمة، حيث فُرضت تشديدات أمنية غير مسبوقة، وتم منع الحضور بمن فيهم المحامون الزملاء الذين تصادف وجودهم لأداء مهامهم في قضايا أخرى، في إشارة واضحة لتقييد علانية المحاكمة ومحاصرة صوت الحق والتضامن، حسب اللجنة.

وأكدت أن ما يتعرض له دومة من إحالة للمحاكمة الجنائية على خلفية مقالات رأي وتدوينات سلمية بعد قضاء عشر سنوات كاملة خلف القضبان، لا يمكن وصفه إلا كحلقة من حلقات الانتقام السياسي غير المبرر، واستهداف متعمد لواحد من أنبل الأصوات التي تمسكت بحقها في التعبير الحر عن الرأي.

واعتبرت أن محاولة إعادة تدوير الحبس وإهدار سنوات من عمر النشطاء تحت وطأة اتهامات فضفاضة يمثل انتهاكاً صارخاً للدستور والمواثيق الدولية، ويضرب عرض الحائط بكل دعوات إنهاء ملف المحبوسين سياسياً وتصفية آثار الحقب الماضية. وبينت أن ما شهدته الجلسة يزيد من قناعتها بأن المسار القضائي الحالي يشوبه تعنت يهدف إلى إرهاق الخصوم السياسيين وتكريس عقوبة الحبس الاحتياطي كبديل عن العدالة الناجزة.

وأشادت “ببسالة وصمود أحمد دومة الذي استقبله رفاقه ومحاموه بالتصفيق الحاد، حيث ظل صامداً كالجبل وابتسامته الواثقة لم تفارق وجهه رغم الحصار الأمني، ليثبت للجميع أن جسده قد يُقيد لكن إرادته وعقيدته بضرورة حرية الرأي تظل عصية على الكسر”. وطالبت اللجنة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن دومة، ووقف كافة أشكال الملاحقة القضائية التي تستهدفه بسبب ممارسة حقه السلمي في الكتابة والتعبير.

كما دعت كافة القوى الحية والمؤسسات الحقوقية إلى التكاتف لمواجهة التوسع في سياسات الاعتقال المتكرر التي طالت أيضاً سيد مشاغب وغيره من النشطاء. وشددت على أن حرية التعبير ليست منحة تُمنح وتُسلب، بل هي أصل الوجود الإنساني والسياسي، وسنظل متمسكين بها وبدعم كل من يدفع ثمنها من حريته وحياته، عاش نضال سجناء الرأي من أجل الحرية والكرامة.

وقضى دومة نحو عشر سنوات في السجن قبل حصوله على عفو رئاسي عن باقي العقوبة الصادرة ضده. ومنذ إطلاق سراحه، تعرض لقائمة من التضييقات، والملاحقات القانونية التي منعته من التعافي من العقد الذي قضاه في السجن، أو عيش حياته بشكل طبيعي، فإلى جانب منعه من السفر وحرمانه من استخراج أوراقه الرسمية، استدعته نيابة أمن الدولة للتحقيق معه ست مرات على خلفية نشره على حسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي أو كتابة مقالات رأي، حكى في بعض منها عن تجربة الاحتجاز، ودافع من خلالها عن حقوق المحتجزين المكفولة بالقانون والدستور.

وخلال العامين اللذين قضاهما دومة خارج السجن، حققت معه نيابة أمن الدولة العليا ست مرات في اتهامات متشابهة، وأخلت سبيله بكفالات وصلت قيمتها إلى 230 ألف جنيه مصري، قبل أن يتم القبض عليه بعد التحقيق السادس والأخير.

ويُحاكم دومة الآن على خلفية نشره مقالاً صحافياً، ومنشوراً تحدث فيه عن خبرته داخل السجن عن استخدام الإضاءة الساطعة والمستمرة كوسيلة “تعذيب” تحرم المحتجزين من النوم. وبعدما عاد للسجن هذا الشهر من جديد، وحاول خلال إحدى جلسات تجديد حبسه، أن يُبلغ هيئة المحكمة بأنه يتعرض لنفس المشكلة التي نشر عنها، رفضت المحكمة الاستماع لشكواه.

إلى ذلك، حددت محكمة جنايات القاهرة جلسة 10 مايو/ أيار المقبل لبدء محاكمة رسام الكاريكاتير في المنصة أشرف عمر، بعد حبسه احتياطياً لـ 645 يوماً، على ذمة اتهامه بـ”تمويل جماعة إرهابية” و”مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها”، وفق ما ذكره محاميه خالد علي على فيسبوك.

وأُحيل أشرف، رفقةَ 11 متهماً آخرين بينهم امرأة، للمحاكمة في القضية رقم 11846 لسنة 2025 جنايات التجمع الخامس، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعد 16 شهراً من حبسه احتياطياً، منذ إلقاء القبض عليه من منزله يوم 22 يوليو/ تموز 2024، على يد قوة أمنية بلباس مدني اقتحمت منزله، واقتادته مكبلاً ومعصوب العينين إلى جهة غير معلومة، وأخفته قسراً ليومين، حيث ظهر في أمن الدولة التي قررت حبسه بعد تحقيق دام ست ساعات.

ووجهت النيابة العامة في البداية لأشرف عمر تهم “تمويل جماعة إرهابية” و”مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها” و”استخدام موقع إنترنت للترويج لأفكار إرهابية” و”نشر أخبار وشائعات كاذبة”، لكنها استبعدت في أمر الإحالة التهمتين الأخيرتين.

وخلال التحقيقات، نفى عمر التهم الموجهة إليه، مؤكداً أن رسوم الكاريكاتير التي واجهته بها النيابة هي أعماله الصحافية التي نشرها لصالح موقع المنصة، مشيراً إلى أنه كان يعمل في موقع خارج مصر “عربي بوست” كمترجم حتى عام 2024، ولم يمول أي جماعة إرهابية، وكان فقط في بعض الأحيان، عندما يصله مرتبه ومرتبات زملائه في الموقع، يسلم زملاءه مرتباتهم.

وسبق ودعا نحو 822 من الكتاب والمثقفين والفنانين إلى الإفراج عن عمر، في بيان تضامني، واعتبروا أن “القبض على مثقف شاب قرر ممارسة شغفه وحقه الدستوري في التعبير بالترجمة ورسم الكاريكاتير، بل وقدم فيهما إسهامات مهمة، يعد مؤشراً خطيراً على تراجع حرية الثقافة والإبداع”.

وسبق ودعت لجنة حماية الصحافيين الأمريكية السلطات المصرية إلى الإفراج الفوري عن عمر، وأدانت منظمة العفو الدولية قرار حبسه، وقالت إنه يشير إلى تصعيد السلطات المصرية “حملتها القمعية على الحق في حرية التعبير والإعلام المستقل”.

 

*خطوط ملاحية جديدة: مصر تستكشف ممرات تجارية بديلة بين أوروبا والخليج لتعويض البحر الأحمر

في ظل اضطرابات غير مسبوقة تضرب حركة الملاحة في البحر الأحمر، وتصاعد التوترات في مضيق هرمز، تتحرك مصر لإعادة تموضعها في قلب سلاسل الإمداد العالمية، عبر استكشاف ممرات تجارية بديلة وتعزيز دورها كمركز لوجستي يربط بين أوروبا ودول الخليج.

خلال الأيام الماضية، برزت خطوط ملاحية مصرية صاعدة، مدفوعة بتراجع حركة السفن عبر البحر الأحمر، وهو ما دفع الحكومة المصرية إلى الإعلان عن خطة شاملة لتطوير الموانئ، مع التوسع في خدمات الترانزيت للبضائع القادمة من أوروبا والمتجهة إلى الخليج.

وقد انعكس ذلك في تعزيز الربط البحري مع موانئ خليجية، بالتوازي مع تحركات للتنسيق مع روسيا لإطلاق مشروع لوجستي مشترك يربط موانئ البلدين. هذا التحرك لا يأتي فقط كاستجابة للأزمة، بل كاستثمار في تحولات جيوسياسية تعيد تشكيل طرق التجارة الدولية.

خلفيات التحرك المصري بحثاً عن ممرات جديدة

مؤخراً، دشنت مصر خدمة جديدة لـ”الترانزيت” غير المباشر إلى دول الخليج، ليتحول ميناء دمياط من كونه خطاً ثنائياً بين مصر وأوروبا، إلى محور رئيسي ضمن ممر لوجستي عالمي، حيث يتولى استقبال الشحنات القادمة من أوروبا عبر خط “الرورو” الذي يربط بين موانئ مصر وإيطاليا، وإعادة توزيعها إلى دول الخليج.

ويعتمد الخط على نقل الشاحنات المبردة والجافة، ما يسهم في تقليل زمن الرحلة وخفض تكاليف الشحن، إلى جانب الحفاظ على جودة السلع، خاصة الحاصلات الزراعية، فضلاً عن الاستفادة من التيسيرات الجمركية، وعلى رأسها إعفاء شحنات الترانزيت غير المباشر من التسجيل المسبق بمنظومة ACI.

ويعزز هذا التطور دور ميناء دمياط كمركز تجميع وإعادة شحن يربط بين القارات الـ3، في ظل توجهات إقليمية لتطوير ممرات لوجستية متعددة الوسائط.

ويشير مصدر مصري مطلع إلى أن مصر تحاول قدر الإمكان تقليص خسائرها التي تعرضت لها جراء تراجع الملاحة بشكل كبير في البحر الأحمر وانعكاس ذلك على عوائد قناة السويس، مع تقديرات حكومية تشير إلى خسائر بلغت 10 مليارات دولار خلال العامين الماضيين.

وفي وقت كانت الحكومة قد تحركت خلال السنوات الماضية لتطوير موانئها، فهي تبحث حالياً عن وسائل وطرق للربط تجعلها قادرة على الاستفادة من هذا التطوير، بخاصة أنها استطاعت أن تجذب خلال السنوات الماضية استثمارات أجنبية متصاعدة اتخذت من مصر منفذاً إلى القارة الأفريقية.

غير أن الحرب الإيرانية وتداعياتها فرضت استكشاف فرص أكثر أهمية عبر الربط بين أوروبا والدول الخليجية التي تتضرر من غلق مضيق هرمز.

وأوضح المصدر ذاته أن تطوير الموانئ المصرية وربطها بدول الخليج يساهم أيضاً في تعزيز حركة التجارة العالمية ويخفف من تداعيات غلق مضيق هرمز، وهو ما يلقى اهتماماً دولياً يدعم سرعة تطوير تلك الموانئ وتشغيلها وربطها ببقاع جغرافية مختلفة.

ولفت إلى أن الربط الإقليمي يمكن أن يقلص من تأثيرات الحرب على سلاسل الإمداد العالمية، متوقعاً أن تمضي القاهرة في تدشين مزيد من الخطوط الملاحية مع دول أوروبية مختلفة على الجزء الآخر من ساحل البحر المتوسط

مكاسب اقتصادية وسياسية وتموضع استراتيجي

وفق مصدر “عربي بوست”، هناك استفادة مشتركة من تطوير الموانئ واستحداث الخطوط الملاحية، إذ إن هناك فرصاً عديدة لمضاعفة حجم الصادرات المصرية، إلى جانب الاستفادة من عوائد تجارة الترانزيت من خلال إعادة توجيه البضائع عبر الموانئ المصرية دون استهلاكها محلياً، سواء في مسارها من أوروبا إلى الخليج أو العكس، وكذلك من عوائد الشحن والتفريغ.

كما يحقق ذلك هدفاً استراتيجياً بالنسبة إلى مصر على المستوى السياسي، باعتبار أنها تهدف إلى تقديم يد العون والمساندة للدول الخليجية المتضررة، وتبقى هناك فرص مواتية لنقل سلع مصرية بأسعار مخفضة، بخاصة أن خط “الروروعلى سبيل المثال يوفر مدة النقل وبالتالي تتقلص التكاليف.

ولفت المصدر ذاته إلى أن مصر تولي اهتماماً باستحداث الخطوط الملاحية وتطوير الموانئ لتحقيق أهداف استراتيجية تتعلق بتعزيز دورها كممر لوجستي إقليمي يربط بين أوروبا ودول الخليج عبر منظومة الترانزيت والنقل متعدد الوسائط.

وترى مصر في تداعيات الحرب الإيرانية واضطرابات سلاسل الإمداد، يشير المصدر، فرصة لإبراز أهمية موانئها باعتبارها مساراً أكثر استقراراً وأماناً لحركة التجارة الدولية.

خطوط بديلة ونموذج نقل جديد

إلى جانب خط “الرورو”، هناك تجربة تشغيلية نجحت أخيراً تربط ميناء سفاجا في مصر وميناء نيوم في السعودية، من خلال خدمة “روبكس” المنتظمة لتربط مصر بدول الخليج العربي عبر بوابة لوجستية برية وبحرية متكاملة، تحت إشراف مجموعة “بان مارين” المصرية للملاحة.

وتعتزم المجموعة تشغيل 4 رحلات منتظمة أسبوعياً، حيث يتميز الخط الجديد بزمن عبور قياسي يبلغ نحو 7 ساعات فقط، ما يجعله من أسرع المسارات البحرية في المنطقة، ويُمثل تدشين هذا الخط تتويجاً لشهور من التخطيط لدعم الصادرات المصرية وخدمة العملاء في منطقة الخليج.

ومن شأن هذا الخط أن يساهم في تعزيز مكانة مصر الجغرافية وتحويلها إلى مركز إقليمي رائد للخدمات اللوجستية، وتدعم الخدمة نقل نطاق واسع من البضائع، تشمل السلع الاستهلاكية سريعة التداول، والتجارة الإلكترونية، وقطع الغيار الصناعية، والمنتجات القابلة للتلف.

وكانت شركة “بان مارين” المصرية قد أطلقت أواخر 2025 خدمة “روبكس” (نقل الشاحنات والمركبات عبر السفن) بين ميناء سفاجا وميناء “نيوم”، معتبرةً في بيان صادر حينها أنه يمثل محطة رئيسية جديدة في تنمية الربط الإقليمي، ويعزز الربط بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق، مع إمكانات طويلة الأجل لتمديد الممرات إلى أوروبا.

ويتيح هذا التكامل نقل البضائع المحمّلة على متن الشاحنات مباشرة من أوروبا إلى دول مجلس التعاون الخليجي عبر ميناء نيوم، بما يتجاوز نماذج الشحن السابقة التي كانت تقتصر على الحاويات التقليدية فقط، وبما يتيح نقل السلع الحيوية والسلع الاستهلاكية سريعة الدوران وغيرها من البضائع التي تتطلب تسليماً سريعاً.

ويُستخدم هذا المسار حالياً بشكل فاعل من قبل مستوردين في عدة دول أوروبية، منها إيطاليا والمملكة المتحدة وألمانيا وبولندا، كما يوفّر وصولاً مباشراً إلى الإمارات العربية المتحدة والكويت وعُمان وبقية دول مجلس التعاون، بالإضافة إلى العراق، بما يدعم المتعاملين الباحثين عن دخول أكثر موثوقية وكفاءة إلى الأسواق، وفقاً لشركة “بان مارين“.

ويشير خبير في النقل البحري إلى أن مصر تحاول الاستفادة من التحولات السريعة في النقل البحري واللوجستي بالمنطقة، وتأمل أن تصبح ممراً ملاحياً آمناً في المنطقة، وفي الوقت ذاته فهي تهدف إلى التأكيد على أن هناك أعلى درجات التأمين لقناة السويس التي ما زالت عاجزة عن إعادة شركات الشحن العالمية الكبرى للمرور فيها، وتتأثر بغلق مضيق هرمز.

وأوضح الخبير في تصريح لـ”عربي بوست” أن النقل بين ميناء نيوم ومصر يتضمن وصول البضائع القادمة من أوروبا إلى مصر عبر البحر المتوسط، ومنها تنتقل براً إلى البحر الأحمر وتعبر قناة السويس باستخدام سفن وحاويات قبل أن يعاد شحنها إلى دول الخليج.

وتوقع المصدر ذاته أن تستمر تدفقات الملاحة بين أوروبا ومصر وميناء نيوم السعودي حتى بعد انتهاء الحرب عبر استغلال الموقع الجيوسياسي للموانئ السعودية والمصرية، للربط بين دول التعاون الخليجي وشرق المتوسط.

ممرات بديلة وتوسعات إقليمية

وفق خبير النقل البحري الذي تحدث لـ”عربي بوست”، فإن كثرة الخطوط والممرات، سواء تلك المخصصة لنقل البضائع أو حتى خطوط الأنابيب التي تنقل النفط والغاز، سوف تخفف من الضغط على مضيق هرمز الذي يحتاج إلى فترة ليست بالقصيرة لتعود إليه حركة الملاحة بشكل كامل.

وبالتالي فإن شركات الشحن العالمية وكذلك الحكومات الأوروبية والخليجية تبحث عن ممرات أخرى، أغلبها قد يمر عبر مصر باعتبارها حلقة الوصل بين البحرين الأحمر والمتوسط، في ظل توجه مصري يهدف إلى تعزيز القدرات الصناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي جذبت استثمارات أوروبية وصينية وروسية متطورة خلال السنوات الماضية.

ومن المتوقع أن تلعب الخطوط الملاحية دوراً تكميلياً لقناة السويس ومضيق باب المندب وهرمز، وسيكون لديها أدوار بارزة، حيث تعول الحكومة المصرية على مصدر جديد في معادلة عوائد العملة الصعبة لتحقيق عوائد مليارية سنوياً إلى جانب قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين في الخارج.

وذكر المصدر ذاته أن الربط بين مصر ودول الخليج أغلبه يبقى عبر المملكة العربية السعودية، التي وقعت معها مصر اتفاقيات عديدة لتدشين مشروعات الربط الملاحي بين البلدين عبر موانئ رئيسية تشمل جدة وضبا وسفاجا ونويبع.

ويعد ذلك إحدى أبرز الركائز الأساسية للتعاون الاقتصادي بين البلدين، وما يساعد على ذلك الطفرة الكبيرة في موانئ البحر الأحمر المصرية خلال العقد الأخير، وآخرها مشروع تطوير ميناء العين السخنة.

وإلى جانب الربط مع دول الخليج وأوروبا عبر مصر، دخلت روسيا على الخط، مع إعلان القاهرة وموسكو تدشين مشروع متكامل يتيح ممراً لوجستياً يربط بين موانئ البلدين لتسهيل عملية التبادل التجاري.

ويتكون المشروع المقترح من محطتي حاويات في ميناءين على البحرين الأحمر والمتوسط، وفي ظهيرهما منطقة صناعية ومنطقة لوجستية، وربطها بخط ملاحي من الموانئ الروسية على البحر الأسود ثم إلى الممر الشمالي، بحسب بيان صادر عن وزارة النقل المصرية.

وجاء ذلك خلال لقاء جمع وزير النقل كامل الوزير ونيكولاي باتروشيف، مساعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس المجلس الروسي للملاحة البحرية، مع وفد رسمي رفيع المستوى ضم رؤساء الشركات الروسية.

وخلال اللقاء، استعرض رؤساء الشركات بالوفد الروسي مجالات التعاون المقترحة مع مصر، من خلال إقامة خطوط ملاحية بين الموانئ المصرية والموانئ الروسية، والتعاون في توطين صناعة وبناء السفن للأغراض التجارية في مصر.

وتم الاتفاق على عقد لقاءات بين المختصين من الجانبين خلال الأيام القادمة لوضع خريطة طريق يتم تنفيذها بين الطرفين، فيما يتعلق بالمشروعات المقترح التعاون فيها بين البلدين في مختلف مجالات النقل البحري التجاري وتوطين صناعات السفن.

*تعديل قانون النقابات العمالية بهدف السيطرة على العمال وكتم أنفاسهم

تسعى حكومة الانقلاب الي تعديل قانون المنظمات النقابية العمالية، وعندما تتحرك هذه الحكومة لتعديل أي قانون تأكد انه من اجل زيادة التحكم والسيطرة وكتم الانفاس وتقييد ما هو متاح واغلاق ما تبقى من نوافذ، حيث لم تتوقف الاحتجاجات العمالية طوال السنوات الماضية في ظل تردي الأوضاع المعيشية وفقدان الامل في تحسن ظروف الحياة في ظل حكومات الانقلاب المتعاقبة، ويوما بعد يوم تزداد الحياة قسوة على الطبقة العاملة التي لا يوجد لها ظهير يحميها ولا قوه تمنعها.

وتصدرت مسألة تعديل قانون المنظمات النقابية العمالية رقم213 لسنة2017 المناقشات الدائرة حول عدة مسارات منها تمديد الدورة النقابية من أربع الي خمس سنوات إضافة الي توقيت الانتخابات المقررة في مايو المقبل.

وأثارت هذه النقاشات جدلا حول استقلالية النقابات وقدرتها على حماية حقوق العمال والعلاقة بين الدولة والتنظيمات النقابية، ويكتسب النقاش حول التعديلات الحالية أهمية خاصة في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية غاية في التعقيد للطبقة العاملة مع استمرار الاحتجاجات المطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل.

وتهدف التعديلات إلى مراجعة الأثر التشريعي للقانون بعد سنوات من تطبيقه “وفق لجنة القوي العاملة”، وفي المقابل هناك نقابيون مستقلون يرون فيها محاولة للسيطرة على الحركة النقابية والتحكم في تجديد قياداتها، في ظل هياكل نقابية تقليدية تخضع بشكل كبير للاتحاد العام لنقابات عمال مصر.

  وأظهر النقاش ان هناك مسارين بخصوص الانتخابات يقضي الأول بمد الدورة الحالية حتى الأول من نوفمبر 2026، مع تطبيق الدورة الجديدة ذات الخمس سنوات اعتباراً من نوفمبر 2027. أما المقترح الثاني، فيتمثل في تمديد الدورة عاماً كاملاً، على أن تُجرى الانتخابات في الأول من أكتوبر 2027، مع التأكيد أن مسألة تعديل مدة الدورة ستحسم تشريعياً قبل بدء الدورة الجديدة.

ويهدف القانون في أصله إلى تنظيم العمل النقابي وحماية حق التنظيم. لكنه منذ تطبيقه، لم يخفِ محدودية أثره في تعزيز استقلال النقابات وضمان حرية العمال في تكوين تنظيماتهم وتبقى الانتخابات النقابية محطة أساسية لمشاركة العمال في إدارة شئونهم.

النقابات المستقلة واتحاد العمال

تباينت ردود الفعل حول مقترحات تعديل القانون بين ترحيب رسمي وتحفظات حادة من نقابات مستقلة ومنظمات حقوقية على الصعيد الرسمي، رحبت بعض الهيئات التابعة للاتحاد العام لنقابات عمال مصر بتمديد الدورة النقابية إلى خمس سنوات، معتبرة أن ذلك يمثل فرصة لتعزيز استقرار الهيئات القيادية وتمكينها من تنفيذ برامجها واستراتيجياتها، خاصة في ظل ما يصفونه بضرورة انسجام العمل النقابي مع الإطار العام للدولة.

وعبّرت نقابات مستقلة عن مخاوف جدية من أن التعديلات قد تُستَغل لتعزيز نفوذ الهياكل التقليدية، وتقليص فرص التجديد الديمقراطي داخل النقابات، خاصة في ظل استمرار تدخل الدولة والجهات الإدارية في عملية الإشراف على الانتخابات. وشددت دار الخدمات النقابية والعمالية على أن القانون، منذ صدوره، وضع قيودا كبيرة على حرية تشكيل النقابات، إلى جانب افتقاد ضمانات كافية لممارسة التعددية الديمقراطية، ما يجعل أي تمديد للدورة مسألة مثيرة للجدل، خاصة إذا لم يُصاحَبه حوار شامل يضمن مشاركة كل الأطراف المعنية.

يعكس هذا التباين صراعاً بين نموذج مركزي يهيمن عليه الاتحاد العام، وجهود النقابات المستقلة لتأمين حرية التنظيم والمشاركة الديمقراطية لأعضائها، في ظل تدخلات إدارية وأمنية تؤثِّر على سير العمل النقابي، ويبدو الاتحاد العام، بحكم بنيته، أقرب إلى كونه قناة تنظيمية تعكس أولويات الدولة، أكثر من كونه مساحة مستقلة للتعبير عن مصالح العمال.

 وفي المقابل، تحاول النقابات المستقلة على الرغم من القيود، الدفع نحو نموذج مختلف يقوم على إعادة تعريف دور النقابة باعتبارها أداة تفاوض وضغط حقيقي لصالح العمال غير أن هذا الطموح يصطدم في كثير من الأحيان بهيكل قانوني وإداري يُبقي الحركة النقابية داخل حدود مرسومة سلفاً.

على الأرض، يتضح حجم الضغوطات التي يواجهها العمال في ظل حراك عمالي مستمر، حيث تشهد مصر في الآونة الأخيرة موجة احتجاجات عمالية امتدت عبر قطاعات متعددة، كما جسدت استياءً جماعياً من تدهور ظروف العمل والأجور المتأخرة والتأمينات غير المنتظمة، والحراك أيضاً يسلط الضوء على أزمة هيكلية في العمل النقابي نفسه، تتعلق بقدرته على حماية الحقوق الأساسية للعمال، وضمان مشاركتهم الفاعلة في صياغة شروط عملهم ومستقبلهم الاجتماعي.

في ميناء “سفاجا”، تقدم حوالي 250 عاملاً بشكاوى من تدهور ظروف العمل، بعد تغيير الشركة المتعاقدة، إذ توقف صرف الرواتب وأُلغيت التأمينات الاجتماعية التي كانت تُصرف بانتظام لعقد كامل، مع فرض رسوم إضافية على العمال، تحت عناوين من مثل “الزي والمظهر”، أو استخراج تصاريح العمل.

وفي شركة “وبريات سمنود”، عكس الإضراب الذي نظَّمه العمال، رفضهم للعرض الجزئي بصرف 1300 جنيه، حجم الاستياء من تأخر صرف الأجور وتقسيمها على دفعات غير منتظمة، مؤكدين أن هذا النمط من التصرفات يُعبِّر عن سياسة الشركة في تأجيل الحقوق، وتقليص الاستقرار المعيشي للعمال، في ظل استمرار تراجع الالتزام بالقوانين.

وفي مدينة العبور، فقد شهدت شركة “تي آند سي” ممارسات تعسفية شملت فصل عدد من العمال ووقف التأمينات، وإجبار البعض على تقديم استقالات، واحتجاز بعض العاملات داخل مقر العمل.

وبلغ إجمالي عدد الاحتجاجات العمالية في مصر خلال عام 2025 حوالي 78 احتجاجاً عمالياً، وهو رقم يعكس ارتفاعاً كبيراً مقارنة بعام 2024 الذي سجّل 38 احتجاجاً، أي بزيادة فاقت 100 في المئة في عدد الفاعليات الاحتجاجية، ولم تقتصر الاحتجاجات على موقع جغرافي واحد أو قطاع بعينه، بل تم تنظيمها في 18 محافظة مختلفة داخل مصر.

وأوضح تقرير المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الانسان أن الغالبية العظمى من هذه الاحتجاجات اتسمت بطابع اقتصادي مباشِر، حيث تقدمت بمطالب، من مثل: تحسين الأجور، تطبيق الحد الأدنى للأجور، دفع مستحقات مالية متأخرة، ما يشير إلى ضغوط اقتصادية تُحاصر العمال، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية.

في مقابل التركيز الحالي على تعديل مدة الدورة النقابية أو توقيت الانتخابات، تخرج دعوات من داخل الأوساط النقابية لإعادة النظر في القانون بشكل أشمل، فالتجربة العمالية منذ 2017، بحسب هذه الرؤى، كشفت عن مشكلات لا يمكن معالجتها من خلال تعديلات جزئية.

من بين أبرز الإشكاليات، استمرار القيود المرتبطة بتأسيس النقابات، سواء من حيث الاشتراطات العددية العالية أو الإجراءات الإدارية المعقدة، مما يعيق قيام تنظيمات جديدة، خاصة في القطاعات الصغيرة أو غير المنتظمة، ومن جهة أخرى، يُطرح تساؤل عن مدى كفاية الحماية القانونية للنقابيين، إذ تشير شكاوى متعددة إلى تعرض بعضهم لإجراءات تعسفية، مثل منعهم من ممارسة أنشطة النقابة، أو تجميد نشاط لجانهم كما حدث مع نقابة “العاملين بأندية هيئة السويس.”

القانون الحالي، على الرغم من إقراره من حيث المبدأ بفكرة التعددية النقابية، لا يوفِّر في التطبيق ضمانات كافية لوجود أكثر من تنظيم فعّال داخل القطاع نفسه، وهو ما يجعل المنافسة النقابية محدودة عملياً، ويُبقي مساحات واسعة من التمثيل تحت سيطرة كيانات بعينها.

من بين أبرز الإشكاليات، استمرار القيود المرتبطة بتأسيس النقابات، سواء من حيث الاشتراطات العددية العالية أو الإجراءات الإدارية المعقدة، مما يعيق قيام تنظيمات جديدة، خاصة في القطاعات الصغيرة أو غير المنتظمة، ومن جهة أخرى، يُطرح تساؤل عن مدى كفاية الحماية القانونية للنقابيين أنفسهم. حيث تشير شكاوى متعددة إلى تعرض بعضهم لإجراءات تعسفية.

وتطرح مسألة العضوية إشكاليات إضافية، إذ ترتبط في كثير من الأحيان بعلاقة العمل الرسمية داخل منشآت محددة، ما يُضعِف قدرة فئات واسعة من العمال، خاصة في الاقتصاد غير الرسمي أو في الأعمال المؤقتة، على الانخراط في أي شكل من أشكال التنظيم النقابي، وهناك تراجع في معدلات المشاركة الفعلية في الأنشطة النقابية، سواء بسبب ضعف الثقة في جدوى العمل النقابي، أو نتيجة القيود المفروضة على الحركة داخل هذه التنظيمات.

ضعف التمويل وغياب الدعم

ويظل التمويل النقابي أحد الجوانب الأقل تناولاً في النقاش العام، على الرغم من تأثيره المباشر على استقلال القرار داخل التنظيمات، فاعتماد العديد من النقابات على موارد محدودة، أو على قنوات تمويل مرتبطة بهياكل أكبر، يقيد قدرتها على التحرك بحرية، خاصة في ظل غياب آليات واضحة لدعم النقابات المستقلة أو تمكينها اقتصادياً.

مسألة العضوية نفسها تطرح إشكاليات إضافية، إذ ترتبط في كثير من الأحيان بعلاقة العمل الرسمية داخل منشآت محددة، ما يُضعف قدرة فئات واسعة من العمال، خاصة في الاقتصاد غير الرسمي أو في الأعمال المؤقتة، على الانخراط في أي شكل من أشكال التنظيم النقابي. كما تشير تجارب السنوات الأخيرة إلى تراجع معدلات المشاركة الفعلية في الأنشطة النقابية، سواء بسبب ضعف الثقة في جدوى العمل النقابي، أو نتيجة القيود المفروضة على الحركة داخل هذه التنظيمات.

يتجاوز ما يجري حدود نصوص القوانين أو تفاصيل التعديلات المطروحة، بل يدور الأمر حول طبيعة المجال النقابي نفسه، ومن يملكه، ومن يحدد قواعده فالقضية هنا لا ترتبط فقط بمدة دورة نقابية أو موعد انتخابات، بقدر ما ترتبط بقدرة العمال على امتلاك أدوات تنظيمهم، من دون أن تتحول هذه الأدوات إلى هياكل شكلية لا تعكس واقعهم.

*الصندوق السياديّ “الثقب الأسود” لمصر يلتهم مقدرات الدولة ويُسلّمها للأجانب عبر العسكر

أسست الدول التي لديها فوائض مالية صناديق سيادية لاستثمار أموالها، وتحقيق عوائد مجزية من استثماراتها مثل صندوق النرويج والصندوق السيادي للسعودية والكويت والإمارات، هذه الصناديق تعود لدول غنية لديها فوائض ضخمة، السيسي بين عشية وضحها قرر تأسيس صندوق سيادي لدولة الديون ترهق ميزانيتها، يستهدف الصندوق السيادي المصري الاستحواذ على مقدرات الدولة من شركات ومصانع وأراضي، لكي يسهل تسيلها وبيعها للوفاء بحقوق الدائنين فيتحول إلى ثقب أسود يلتهم قدرات الوطن لإصلاح أخطاء حكومة فاشلة. 

هل يتحول الدواء من خدمة استراتيجية تدعمها الدولة إلى سلعة تخضع لقوانين السوق الاستثمارية؟

وفي حال تَقرّر نقل ملكية تلك الشركات إلى الصندوق السيادي، فلماذا تلجأ الحكومة إلى فك ارتباطها المباشِر بشركات أثبتت بحسب مؤشراتها المالية أنها تدر أرباحاً على ميزانية الدولة؟ وهل يُمهِّد هذا المسار إلى تخارج الدولة من دورها كضامن للصحة العامة، واكتفائها بدور الميسّر لعمليات الاستحواذ المرتقبة؟

أعلنت سلطات الانقلاب عن إلغاء وزارة قطاع الأعمال في التشكيل الوزاري الأخير، بعد عشر سنوات من بداية عملها في عام 2016 , الأمر أثار جدلاً واسعاً وتساؤلات عن مصير الشركات المملوكة للدولة التي تديرها الوزارة146 شركة، تعمل في قطاعات أبرزها: السياحة، والفندقة، والسينما، والأدوية، والصناعات الكيماوية والمعدنية، والغزل والنسيج، والتشييد، والنقل، وتقول الحكومة: إن “الوزارة جاءت كمرحلة انتقالية منذ تأسيسها، إلى حين دراسة تعظيم الاستفادة من أصول تلك الشركات التي تصل قيمتها إلى حوالي تريليون جنيه مصري”.

 كانت تدير وزارة قطاع الاعمال مجموعة من الشركات في قطاعات مهمة، منها 6 شركات قابضة “أي الشركة الأم التي تملك وتدير مجموعة من الشركات الأخرى”، من بينها الشركة القابضة للأدوية والمستلزمات الطبية، التي تتبعها 9 شركات تعمل في قطاع الدواء والمستلزمات الطبية والكيماويات وواحدة في قطاع السيارات, أظهرت المؤشرات الصادرة عن الوزارة في يناير من العام الجاري أن شركاتها حققت في العام المالي 2024– 2025 إيرادات بلغت حوالي 126 مليار جنيه، بنمو يقارب 20 في المئة مقارنة بالعام المالي السابق له، وصافي أرباح بلغ حوالي 24مليار جنيه، فيما حققت الشركة القابضة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية، إيرادات مجمَّعة بلغت 11.6 مليار جنيه في 2024-2025 بنسبة نمو 79 في المئة مقارنة بالعام السابق، إلا أن السلطات تواجه تساؤلات عن غياب آليات الإفصاح، في ظل ندرة البيانات الرسمية المتاحة, بدأت الحكومة في خططها لتحويل الدفة إلى صندوق مصر السيادي، ليصبح هو من يدير تلك الأصول الحكومة.

وما يرجح نية الحكومة في نقل الشركات إلى الصندوق، أنه وبحسب تقارير صحفية، فإن شركات أدوية مثل الإسكندرية والعربية وسِيد والقاهرة، سيتم نقلها ضمن 40 شركة إلى الصندوق السيادي، يكون للحكومة 50 في المئة من أرباحها، فيما يستثمر الصندوق باقي النسبة بمعرفته، وتقوم اللجنة المشرفة على شركات قطاع الأعمال العام بحلول نهاية العام المالي الجاري، بطرح خطط نقل الشركات الرابحة بين البورصة والصندوق السيادي، ونقل تبعية الشركات الخاسرة أو منخفضة الأرباح إلى الوزارات المعنية، ودمج شركات أخرى.

إعادة ترتيب الاوراق

ويثير هذا المشهد مفارقة استراتيجية في حال تَقرّر نقل ملكية تلك الشركات إلى الصندوق السيادي: لماذا تلجأ الحكومة إلى فك ارتباطها المباشر بشركات أثبتت بحسب مؤشراتها المالية أنها تدر أرباحاً على ميزانية الدولة؟ وهل يمهد هذا المسار إلى تخارج الدولة من دورها كضامن للصحة العامة واكتفائها بدور الميسِّر لعمليات الاستحواذ المرتقبة؟لم يعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال مجرد إعادة ترتيب للأوراق الإدارية، بل استمراراً لحقبة الخصخصة عبر بوابة الصندوق السيادي، بوضع أصول تتجاوز قيمتها تريليون جنيه في مسار استثماري، يخضع لمعايير الربحية وطرح الشركات الوطنية للمستثمرين الأجانب.

وتكمن الخطورة بحسب تقرير مركز حلول للسياسات البديلة في وجود فجوة في الشفافية تتعلق بآليات نقل ملكية الأصول، إذ يتم تحويل الأصول العامة إلى ملكية الصندوق بقرارات من رئاسة الجمهورية، تلغي صفتها كمنفعة عامة، ما يثير الجدل في الأوساط المهتمة بالحقوق الاقتصادية، ما حدث من تحصين، من خلال قصر حق الطعن في هذه القرارات على المالك الأصلي أو الصندوق فقط، مع إلزام المحاكم برفض أية دعاوى من أطراف أخرى بما فيها المواطنون الذين يمتلكون تلك الأصول في الحقيقة , وحظر الطعن في العقود إلا في حال وجود حكم جنائي يثبت وقوع جريمة، وذلك بحسب المادة 6 مكرر من قانون إنشاء صندوق مصر رقم 177 لسنة 2018 وتعديلاته التي أقرها البرلمان في 2020 .

وبموجب تلك المادة، قد تنتقل شركات الأدوية الحكومية

التي من المرجح انتقالها إلى ملكية الصندوق من الفضاء العام والملكية العامة إلى حيز قانوني محصَّن لا يمكن الطعن فيه، ما يعني تجريد المواطنين، أو حتى نواب البرلمان أو الجهات الحقوقية المهتمة، من حقهم الدستوري في اللجوء إلى القضاء الإداري للاعتراض على صفقات قد تشوبها شبهات متعلقة بحقوق الدولة والمواطنين، وهكذا يتصدر مشهد يتم فيه سحب صناعة الدواء من تحت قبة البرلمان وعيون الأجهزة الرقابية، لتوضع في الغرف المغلقة والخلفية للصندوق.

هذا الانتقال يحول شركات تاريخية مثل” سيد للأدوية” التابعة لقطاع الأعمال التي تأسست في العام 1947 “وهي تُعتبر الشركة المسؤولة عن توفير احتياجات وزارة الصحة في مجال تنظيم الأسرة وأدوية معالجة الجفاف والإسهال عند الأطفال، أو شرك النيل للأدوية التي تأسست في العام 1962 (تمتلك الشركة عدداً من الخطوط الإنتاجية مثل خط إنتاج وتعبئة المحاليل التعويضية، ومصنع إنتاج أدوية البايوتكنولوجي، وخط إنتاج الإنسولين)، من مؤسسات دوائية ذات دور استراتيجي وشعبي، إلى أصول مالية في محفظة استثمارية مغلقة لا يفصح المسؤولون فيها عن مزيد من البيانات حولها, خاصة وأن الصندوق يملك صلاحية إبرام صفقات استحواذ أو شراكات إقليمية بالأمر المباشر، بعيداً عن منظومة المناقصات والمزايدات العلنية، مستنداً إلى تفويض يمنح رئيس الجمهورية حق نقل الملكية من دون التقيد بالإجراءات المقررة، ما ينزع عن قلاع الدواء صفة المال العام بمفهومه التقليدي، ويحولها إلى ما يشبه المال الخاص للدولة، إذ لا تلتزم الإدارة بنشر تفاصيل التعاقدات الفنية أو التقييمات المالية, وهذا يحدث في الوقت الذي يتصاعد فيه التساؤل عن كيف يضمن المواطن عدم التفريط في أصول مهمة، بقيمة تقل عن سعرها العادل، في ظل غياب الرقابة اللاحقة للقضاء ومصادرة حق المجتمع في المساءلة الدستورية؟

تفكيك القلاع الصناعية

ولا يعد هذا التخوف الوحيد، بل يُضاف إلى ذلك تخوّفٌ بخصوص تفكيك القلاع الدوائية التي من المتوقع طرحها للاستثمار. ففي مارس من العام 2020، نشرت الجريدة الرسمية في عددها (11 مكرر. أ)، قرار مجلس الوزراء رقم 633لسنة 2020، بشأن تنظيم التصرف في الأصول العقارية المملوكة لشركات القطاع العام, ويقضي القرار بأحقية رئيس الحكومة في إصدار قرارات التصرف، بعد تقارير من 3 مقيِّمين معتمَدين من البنك المركزي المصري, فتح هذا القرار الباب على مصراعيه أمام إمكانية تفكيك ممتلكات شركات القطاع العام، بما يشملها من قلاع الدواء التاريخية، للاستثمار في منشآتها وأصولها,ولا يتوقف الطموح السيادي عند حدود إدارة الإنتاج، إذ يمتد إلى ما تملكه شركات الأدوية التابعة للدولة من مساحات شاسعة ومميزة من الأراضي والعقارات والمصانع المغلقة في قلب العاصمة القاهرة والمحافظات المختلفة.

وهذا يثير مخاوفَ من إمكانية فصل الأصول العقارية غير المستغَلة عن النشاط الصناعي الخاص بتلك الشركات وبموجب صلاحيات الصندوق السيادي، يمكن تحويل تلك الأراضي إلى مشاريع سياحية أو تجارية كبرى، بدعوى تعظيم العائد، ما يُقلِّص المساحات المتاحة للتوسعات الصناعية المستقبلية لهذه الشركات بمصانعها المتعددة، وهو ما حدث بالفعل في حقبة الوزير الأخير لوزارة قطاع الأعمال، الذي تولى مهامه في العام 2024، إذ تراجع في عهده عدد شركات قطاع الأعمال من 317 شركة، كانت تمثل ما يقرب من  %44.7 من إجمالي الشركات المملوكة للدولة في عام توليه الوزارة، إلى 146 شركة فقط في العام 2025، بنسبة تراجع بلغت 26 في المئة. سبق هذا إعلان الشركة القابضة للأدوية عن طرح 9500 متر مربع من أراضٍ غير مستغَلة مملوكة لشركتي المصرية لتجارة الأدوية، وشركة سيد للأدوية، للبيع في مزاد علني.

لم تكن شركات الدواء التابعة لقطاع الأعمال العام، مجرد شركات اقتصادية، بل لعبت دوراً اجتماعياً تاريخياً في توفير أصناف دوائية لا تستطيع الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل الحصول عليها، لتصبح الملاذ الأخير لإنتاج أصناف حيوية محلية الصنع، تخدم قطاعات عريضة من المواطنين “مثل أدوية المليمات أو المحاليل التقليدية وأدوية الأمراض المزمنة كأمراض القلب أو السكر التي تُباع بأسعار زهيدة مقابل نظيرتها المستورَدة”

وعلى الرغم من أن خطة الأطروحات للشركات الحكومية المتخصصة في قطاع الدواء لم تُعلن بعد، إلا أن المواطنين يعانون بالفعل من ارتفاع أسعار الدواء نتيجة ارتفاع تكلفة الشحن بحوالي 50 في المئة مطلع العام الجاري، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، بحسب تصريحات رسمية ، ما يُنذر بارتفاع أسعار الأدوية بنسبة قد تصل إلى 30 في المئة خلال الثلاثة الأشهر المقبلة, في حين يعاني المواطِن من ارتفاع مستمر لأسعار الدواء، إلا أن السلطة ترى أن الدواء في مصر هو الأرخص عالمياً في أسعاره، ما يظهر نيتها في تحريك أسعار الدواء بشكل مستمر، مثلما حدث في العام 2025، إذ تحركت الأسعار نحو زيادة بنسبة 42 في المئة عن العام السابق له.

إعادة هندسة قائمة المنتجات

ولا يكمن الخوف فقط في بيع الأصول، بل في إعادة هندسة قائمة المنتَجات التي تنتجها شركات الأدوية المصرية، فالمستثمر الشريك للصندوق السيادي لن يقبل بالاستمرار في إنتاج أدوية المليمات أو المحاليل التقليدية وأدوية الأمراض المزمنة التي تُباع بأسعار تبدو ملائمة للفقراء ومحدودي الدخل، والتي غالباً ما يتراجع القطاع الخاص عن إنتاجها لضآلة هامش ربحها، ما لم يتم رفع أسعارها أو استبدالها بأصناف أكثر ربحية. التساؤل الأكثر إلحاحاً هو عن كيف ستدار اللعبة؟ فبينما حققت تلك الشركات نمواً بنسبة 79 في المئة تحت مظلة الدولة، فما سقف الأرباح الذي يطمح إليها الصندوق السيادي؟ وهل سيكون الفارق بين الربح الحالي والربح المستهدَف مستقطعاً من جيب المريض؟ ما يُظهِر أن استحواذ الصندوق السيادي المرتقب على هذه الشركات يعني بالضرورة تهميش البعد الاجتماعي، لتصبح الصحة وقطاع الدواء في مصر خاضعين لمعادلات السوق المرتبطة بالعرض والطلب، في وقت لم تعد فيه مظلة التأمين الصحي قادرة على تغطية الفجوة التي سيخلِّفها انسحاب الدولة من دور المنتِج المباشر.

*منع هياكل الدواجن يسحب وجبة الفقراء من الأسواق والحكومة تترك البروتين خارج قدرة الأسر

أعلن رئيس شعبة الدواجن سامح السيد في القاهرة صدور قرار رسمي باعتبار هياكل الدواجن من المخلفات الغذائية ومنع تداولها للاستهلاك الآدمي، وقال إن الهيئة العامة للمواصفات والجودة أكدت أن هياكل الدواجن لا تكون صالحة للاستهلاك الآدمي بعد مرور 3 أيام على الذبح كحد أقصى، بما يضع الأسواق الشعبية أمام حظر سلعة اعتمدت عليها أسر فقيرة كبديل رخيص للبروتين.

يكشف القرار أزمة أعمق من بند سلامة غذائية، لأن الحكومة تحظر أرخص بدائل الدواجن من دون إعلان بديل مدعوم أو خطة غذاء للفئات محدودة الدخل، بينما تواصل أسعار الفراخ واللحوم والبيض الضغط على البيوت، وتدفع الأسر إلى تقليل البروتين أو البحث عن أصناف أقل جودة وأكثر خطورة.

قرار صحي يكشف فوضى سوق لا تحمي الفقير

في البداية، قال سامح السيد إن الاجتماع تناول مخالفات مرتبطة بتداول هياكل الدواجن خارج الإطار الرسمي، وإن بعض الحالات شهدت إعادة فرمها داخل معدات غير مخصصة، بما قد ينعكس سلبا على سلامة المنتجات النهائية وصحة المستهلكين، وهذا يضع مسؤولية الرقابة قبل مسؤولية المستهلك الفقير.

وبعد ذلك، أوضح السيد أن صلاحية الدواجن الطازجة للاستهلاك تصل إلى 6 أيام كحد أقصى وفق الاشتراطات المحددة، بينما لا تتجاوز صلاحية هياكل الدواجن 3 أيام، وهو فارق يكشف خطورة تداولها في الأسواق الشعبية من دون تبريد وفحص وسلاسل نقل آمنة.

لكن القرار لم يصدر داخل سوق منضبط يوفر للمواطن بدائل ميسورة، بل جاء في سوق يدفع الفقراء إلى شراء الأقل سعرا، لأن اللحوم البيضاء صارت عبئا على شرائح واسعة، ولأن الحكومة عجزت عن ضبط تكلفة الأعلاف والنقل والطاقة وهوامش البيع النهائية.

وفي المقابل، نفى اتحاد منتجي الدواجن دقة الحديث عن تصنيف هياكل الدواجن كمخلفات، وقال إن الدواجن الكاملة لها مواصفة والأجزاء لها مواصفة، وإن أي جديد يخص هيئة سلامة الغذاء، وهذا التضارب بين الشعبة والاتحاد يكشف ارتباكا مؤسسيا في ملف يمس طعام الناس.

لذلك، تبدو المشكلة في طريقة إدارة القرار لا في مبدأ السلامة وحده، لأن سلعة تباع للفقراء منذ سنوات لا تختفي ببيان متضارب، بل تحتاج إلى إعلان رسمي واضح، ورقابة معلنة، وخطة بديلة تمنع انتقال المستهلك إلى منتجات مجهولة أو أسوأ.

وجبة الفقراء تختفي بينما أسعار الدواجن تلاحق الدخل

في السياق نفسه، كانت هياكل الدواجن تباع في أسواق شعبية بأسعار منخفضة وتستخدمها أسر في إعداد الشوربة والوجبات المنزلية، لأن هذه الأسر لا تبحث عن رفاهية غذائية، بل تبحث عن أي مصدر بروتين يمكن إدخاله إلى البيت مع عجز الدخل عن ملاحقة الأسعار.

ومع ارتفاع أسعار البروتين الحيواني، كشفت منصة متصدقش أن دراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أغسطس 2022 أظهرت أن 74% من الأسر المصرية خفضت استهلاكها من السلع الغذائية بسبب ارتفاع الأسعار، وأن 90% من الأسر خفضت استهلاكها من البروتينات.

كما أظهر عرض آخر لنتائج الدراسة نفسها أن 68% من الأسر خفضت استهلاكها من البيض، و57% خفضت استهلاكها من الخضروات، و69% خفضت استهلاكها من الفاكهة، وهذه الأرقام تعني أن أزمة الغذاء لا تقف عند الدواجن بل تضرب سلة الطعام كلها.

ومن جهة صحية، قال الدكتور أحمد الورداني، استشاري التغذية العلاجية، إن عدم تناول البروتين يؤدي إلى نقص في النمو وضعف في العضلات ويؤثر على الصحة، وهذا يجعل منع بديل رخيص من دون تعويض غذائي قرارا يضاعف أثر الغلاء على الأطفال والفقراء.

وبناء على ذلك، لا يكفي أن تقول الدولة إن المنتج خطر، لأن السؤال الذي يواجه الأسر هو كيف تحصل على بروتين آمن بسعر مناسب، وإذا غابت الإجابة فإن القرار ينقل الأزمة من طبق الفقراء إلى أجسادهم، لا إلى منظومة غذاء أكثر عدلا.

الأعلاف والرقابة والبدائل أصل الأزمة لا الهياكل وحدها

على مستوى تكلفة الإنتاج، قال الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، إن الأعلاف تمثل 70% من تكلفة إنتاج الدواجن والبيض، وإن أسعار الأعلاف ارتفعت أكثر من 25% خلال أسبوعين، كما شملت الزيادات المحروقات والوقود والطاقة والكهرباء.

ومن هذه الزاوية، يصبح منع الهياكل معالجة لآخر حلقة في الأزمة، بينما تترك الحكومة حلقاتها الأولى بلا علاج جاد، لأن العلف المستورد والدولار والطاقة والنقل والرقابة على الأسواق هي العناصر التي رفعت سعر الفرخة وأجبرت الفقير على شراء ما تبقى منها.

كذلك، أكد الدكتور عبد العزيز السيد أن مستلزمات الإنتاج تمثل نحو 70% من تكلفة صناعة الدواجن، وأن استقرار الصناعة يحتاج إلى سعر عادل يغطي التكلفة الفعلية ويضمن هامش ربح بسيط، وهذا يعني أن جذور الغلاء معروفة وليست لغزا فنيا.

في المقابل الاجتماعي، أشار تقرير عن الأمن الغذائي في مصر إلى زيادة اعتماد الأسر المصرية على الدواجن كبديل أقل تكلفة من اللحوم الحمراء وسط ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، قبل أن يتراجع متوسط استهلاك الفرد من الدواجن بعد ذروته في 2021.

لهذا، يكشف قرار هياكل الدواجن أن الحكومة تضبط المنع أسرع مما تضبط الإتاحة، فهي قادرة على إعلان الحظر والتحذير، لكنها لا تعلن قوافل بروتين مدعوم، ولا منافذ كافية بأسعار حقيقية، ولا رقابة تمنع رفع الأسعار بعد كل موجة شائعات أو نقص.

ثم يأتي سؤال البدائل باعتباره جوهر الملف، لأن السلامة الغذائية لا تتحقق بحظر سلعة خطرة فقط، بل تتحقق عندما يجد الفقير بديلا آمنا ومتاحا، وعندما تعرف الأسواق أن الدولة ستراقب التخزين والنقل والتسعير لا أنها ستترك المواطن وحده أمام الغلاء.

أخيرا، لا يدافع أحد عن بيع غذاء غير صالح للمواطنين، لكن الحكومة تتحمل مسؤولية وصول الفقراء إلى هذه النقطة، لأن الأسرة التي تشتري هياكل الدواجن لا تختار الخطر طواعية، بل تدفعها أسعار اللحوم والفراخ والبيض إلى آخر بديل في السوق، ثم يأتي القرار ليحظره من دون تعويض واضح.

عن Admin