أخبار عاجلة

2.2 مليون أسرة خرجت من “تكافل وكرامة” هل غادرت الفقر أم اختفت من قوائم الدعم؟.. الأربعاء 9  سبتمبر 2026.. إهمال الخدمات يدفع المواطنين لتحمّل أعباء الدولة وهل تنجح تبريرات محافظ القليوبية؟

2.2 مليون أسرة خرجت من “تكافل وكرامة” هل غادرت الفقر أم اختفت من قوائم الدعم؟.. الأربعاء 9  سبتمبر 2026.. إهمال الخدمات يدفع المواطنين لتحمّل أعباء الدولة وهل تنجح تبريرات محافظ القليوبية؟

شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري

* تفتيش مهين وتضييق على الزيارات.. استغاثات عاجلة لانقاذ المعتقلين في سجني أبو زعبل 2 و4

تواصلت الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون في سجني أبو زعبل 2 و4، في ظل إجراءات التفتيش التي وصفها ذووهم بالمهينة، والعبث بمحتويات الزيارات، ورفض إدخال عدد من الاحتياجات الأساسية للمعتقلين، من بينها الطعام والعلاج، إلا بكميات محدودة لا تكفي لتلبية احتياجاتهم.

 وأكد ذوو المعتقلين أن هذه الإجراءات تسببت في حالة متزايدة من الغضب والسخط والاحتقان بين المعتقلين، خاصة داخل العنابر السياسية، في ظل ما وصفوه بتصاعد التضييقات والانتهاكات يومًا بعد يوم.

 سرعة التحرك لرفع الظلم عن المعتقلين

 وجددوا استغاثتهم بكل من يهمه الأمر، مطالبين بسرعة التحرك لرفع ما وصفوه بالظلم الواقع على ذويهم، وضمان حصولهم على احتياجاتهم الأساسية، وفتح تحقيق عاجل ومستقل في جميع الشكاوى، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي تجاوزات أو إساءة معاملة.

 كما وجّه ذوو المعتقلين اتهامات إلى ضابط الأمن الوطني حسام النجار، وقالوا إن هذه الإجراءات تتم تحت إشرافه المباشر، مطالبين بالتحقق من هذه الاتهامات ومحاسبة المسؤولين عنها إذا ثبتت صحتها.

 ودخل عدد من المحتجزين داخل سجني أبو زعبل 2 وأبو زعبل 4 مؤخرًا في إضراب عن الطعام احتجاجًا على القيود التعسفية وتجريدهم من الاحتياجات الأساسية، بحسب أهالي ومصادر مرتبطة بالمحتجزين شكوا من تدهور أوضاع الاحتجاز وتصاعد الانتهاكات

 وتزامنت حملة الترحيلات الأخيرة مع عمليات تجريد وتفتيش تعسفية أسفرت عن مصادرة متعلقاتهم الشخصية والأجهزة المعيشية، فضلاً عن تدهور الأوضاع داخل مقر الاحتجاز الجديد.

 ويواجه المعتقلون نقصًا حادًا في مياه الشرب الصالحة، وتراجعًا في الرعاية الصحية والمستلزمات الطبية، وغياب التجهيزات الأساسية لحفظ الأطعمة في ظل ظروف مناخية قاسية، مما يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة المرضى وكبار السن.

 مطالب عاجلة 

وطالب مركز الشهاب لحقوق الإنسان بـ

وقف جميع إجراءات التفتيش المهين والتعامل مع المعتقلين وذويهم بما يحفظ كرامتهم.

السماح بإدخال الطعام والاحتياجات الأساسية للمعتقلين بالكميات الكافية، وعدم فرض قيود تعسفية عليها.

ضمان دخول الأدوية والعلاج والمستلزمات الطبية دون تعطيل، وتمكين المرضى من الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.

وقف العبث بمحتويات الزيارات والحفاظ على متعلقات المعتقلين وذويهم.

فتح تحقيق عاجل ومستقل في جميع الشكاوى والوقائع التي أبلغ عنها الأهالي، مع إعلان نتائجه بشفافية.

التحقق من الاتهامات الموجهة إلى المسؤولين عن إدارة هذه الإجراءات، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن أي انتهاك أو تجاوز.

السماح للجهات الرقابية والحقوقية المختصة بالاطلاع على أوضاع المعتقلين والتحقق من ظروف احتجازهم.

ضمان حق المعتقلين في المعاملة الإنسانية والحفاظ على سلامتهم الجسدية والنفسية، وفقًا للقانون.

*زيارة النائب العام تعيد المطالبة بتحقيقات سجون بدر 3

أعادت زيارة النائب العام محمد شوقي لمجمع مراكز إصلاح وتأهيل وادي النطرون، مطلع سبتمبر الجاري، ملف أوضاع السجون إلى الواجهة، بعدما أثارت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تساؤلات بشأن عدم تكرار الزيارة إلى مجمع بدر، ولا سيما مركز بدر 3، رغم مرور نحو عامين على الزيارة السابقة التي أجراها النائب العام للمجمع.

وكانت النيابة العامة قد أعلنت في 2 سبتمبر تنفيذ زيارة تفقدية لمجمع مراكز إصلاح وتأهيل وادي النطرون، برفقة فريق من أعضاء النيابة العامة، شملت مركزين من أصل ستة مراكز يضمها المجمع. ووفق البيان، اطلع النائب العام على دفتر الشكاوى، واستمع إلى عدد من النزلاء الذين سبق لهم تقديم شكاوى، ووجه إدارة المركز إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها، فيما أشاد بمستوى الرعاية المقدمة للنزلاء.

وترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن هذه الزيارة تطرح سؤالًا آخر يتعلق بمجمع بدر، وتحديدًا مركز بدر 3، الذي سبق أن طالبت النيابة العامة بزيارة جميع قطاعاته، والاستماع إلى النزلاء وفحص أوضاعهم والتحقيق في الشكاوى التي تقدم بها المحتجزون وأسرهم.

زيارة وادي النطرون تعيد ملف بدر

أعادت زيارة النائب العام الأخيرة التذكير بزيارة سابقة أجراها لمجمع بدر في سبتمبر 2024، في إطار الصلاحيات التي يتيحها قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي، وهو القانون الذي حل محل قانون تنظيم السجون.

وفي تلك الزيارة، أعلنت النيابة العامة أن فريقًا منها تفقد المجمع، واطلع على دفتر الشكاوى، واستمع إلى بعض النزلاء الذين سبق لهم تقديم شكاوى، قبل توجيه إدارة المركز إلى معالجة ما ورد فيها. 

لكن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقول إن تلك الزيارة لم تتكرر منذ ذلك الحين، كما لم تُعلن، بحسب ما أوردته، نتائج تفصيلية للتحقيق في الشكاوى التي استمع إليها أعضاء النيابة، أو الإجراءات التي اتخذت بحق المسؤولين عنها حال ثبوت وجود مخالفات.

ومن هنا ترى المبادرة أن مجرد التفقد أو الاستماع إلى الشكاوى لا يكفي وحده لمعالجة أوضاع السجون، ما لم يتبعه تحقيق واضح وشفاف، وإعلان عن نتائج الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة.

محمد وليد.. حالة تنتظر التدخل

ومن بين الحالات التي أثارتها المبادرة المصرية حالة الشاب محمد وليد، المحتجز منذ أكثر من عامين في وادي النطرون، والذي تأمل المبادرة أن يكون قد أتيح له لقاء النائب العام خلال الزيارة الأخيرة والاستماع إلى شكواه.

وبحسب المبادرة، يعاني وليد من تقزم شديد مصحوب بخلل في الهيكل العظمي، إلى جانب مشكلات صحية متعددة، من بينها انسداد كامل في فتحتي الأنف، ما يجعله يعتمد على الفم في التنفس، فضلًا عن حاجته إلى تدخل طبي دوري لإزالة المياه الزائدة على المخ.

كما تشير المبادرة إلى حاجته إلى عدد من العمليات الجراحية، من بينها تدخلات تتعلق بالعمود الفقري والفك والأنف، وتقول إن هذه العمليات لم يتمكن من إجرائها خلال فترة احتجازه.

وتضيف أن ظروف احتجازه تمثل صعوبة إضافية بالنسبة إلى حالته، إذ يوجد، وفق روايتها، في زنزانة غير مهيأة لاستقبال أشخاص يعانون أوضاعًا صحية مماثلة.

ولا تتوقف المخاوف التي أثارتها المبادرة عند الجانب الجسدي، إذ تشير أيضًا إلى انقطاع وليد عن متابعة طبيبه النفسي منذ القبض عليه، وما ترتب على ذلك، بحسبها، من توقفه عن الحصول على الأدوية التي كان يحتاج إليها للتعامل مع الاكتئاب والقلق المزمنين، إلى جانب معاناته من الرهاب الاجتماعي.

وتقدم المبادرة هذه الحالة باعتبارها نموذجًا لما تقول إنه الحاجة إلى فحص فردي لأوضاع بعض المحتجزين، بدل الاكتفاء بالاطلاع العام على مستوى الخدمات داخل مراكز الإصلاح والتأهيل. 

زيارة بدر السابقة لم تتكرر

تقول المبادرة المصرية إن زيارة سبتمبر 2024 كانت الثانية من نوعها التي يجريها النائب العام منذ توليه منصبه عام 2023، قبل أن تأتي زيارة وادي النطرون في سبتمبر 2026.

وخلال زيارة بدر السابقة، لم تحدد النيابة العامة بشكل تفصيلي المراكز أو القطاعات التي شملتها الزيارة، واكتفت بالإعلان عن الاطلاع على دفتر الشكاوى والاستماع إلى عدد من النزلاء الذين سبق أن تقدموا بشكاوى، مع توجيه إدارة المركز إلى تلافي ما ورد فيها.

وترى المبادرة أن مرور هذه الفترة دون تكرار الزيارة أو الإعلان عن نتائج واضحة للشكاوى يثير تساؤلات حول مدى فاعلية الإجراءات التي اتُخذت آنذاك.

وتزداد أهمية هذه التساؤلات، وفق المبادرة، في ظل استمرار مطالب حقوقية بتمكين جهات الرقابة من الوصول بصورة أكبر إلى أماكن الاحتجاز، وفحص أوضاع النزلاء بصورة مباشرة، بدل الاعتماد على البيانات أو الزيارات المحدودة.

المجلس القومي يواجه قيودًا في بدر

وفي مايو 2025، أجرى المجلس القومي لحقوق الإنسان زيارة إلى مركز الإصلاح والتأهيل في بدر، وورد في تقريره أن وفد المجلس مُنع من دخول عنابر الإيواء، رغم وجود نزلاء يقضون عقوبات طويلة.

وبحسب ما أوردته المبادرة المصرية، أدى ذلك إلى الحد من قدرة الوفد على الوقوف بصورة مباشرة على أوضاع الموجودين داخل تلك العنابر.

وطالب المجلس القومي، وفق التقرير المشار إليه، بالسماح الكامل للبعثات الحقوقية بدخول عنابر الإيواء خلال الزيارات المستقبلية، إلى جانب توفير بيانات إحصائية أكثر شفافية بشأن أوضاع المراكز.

وتعتبر المبادرة أن هذه الملاحظات تضيف إلى التساؤلات المطروحة بشأن طبيعة الرقابة على مجمع بدر، ومدى قدرة الجهات المعنية بحقوق الإنسان على الوصول إلى جميع أماكن الاحتجاز والاطلاع المباشر على أوضاع النزلاء.

بلاغ يطالب بفتح تحقيق في بدر 3

وفي يناير 2026، تقدم مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت ببلاغ إلى النائب العام حمل رقم 5640 لسنة 2026 عرائض النائب العام، طالب فيه بفتح تحقيق جنائي في أوضاع ومعاملة نزلاء مركز إصلاح وتأهيل بدر 3، ومدى احترام حقوقهم، مع محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات في حال التحقق من صحة ما ورد في البلاغ.

كما طالب البلاغ باتخاذ الإجراءات التي من شأنها رفع الضرر الواقع على النزلاء، وتطبيق الضمانات المنصوص عليها في الدستور وقانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي واللائحة الداخلية للمراكز.

وكان من أبرز مطالب البلاغ إجراء زيارة لجميع قطاعات بدر 3، وليس الاكتفاء بزيارة أجزاء محددة من المجمع، مع مقابلة النزلاء والاستماع إلى شكاواهم، وفحص أوضاعهم، وكذلك بحث الشكاوى التي تقدم بها ذووهم.

واستند البلاغ، وفق المبادرة، إلى تقرير سبق أن أصدرته بعنوان «بين الدعاية والحقيقة: انتهاكات حقوق نزلاء سجون بدر»، وأرفقت نسخة منه بالبلاغ، واعتمد التقرير على شهادات محتجزين سابقين وأسر محتجزين حاليين، إلى جانب مقابلات مع محامين ورصد لما نشرته الجهات الرسمية ووسائل الإعلام بشأن مجمع بدر. 

تسعة أشهر بلا حسم 

وتقول المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن البلاغ المقدم إلى النائب العام لم يُبت فيه منذ نحو تسعة أشهر، مجددة مطالبتها بإجراء زيارة شاملة لمركز بدر 3.

ولا تقتصر المطالبة على التفقد، وإنما تشمل، بحسب المبادرة، مقابلة النزلاء بصورة مباشرة، وفحص الحالات الفردية، والاستماع إلى شكاوى المحتجزين وأسرهم، والتحقيق في الوقائع التي تتضمنها تلك الشكاوى. 

وترى المبادرة أن الهدف من البلاغ هو تمكين النيابة العامة من ممارسة دورها القانوني والدستوري في التحقق والتحقيق، معتبرة أن الرقابة الفعالة على أماكن الاحتجاز ينبغي ألا تتوقف عند الزيارة التفقدية أو الاستماع إلى بعض الشكاوى، بل تمتد إلى متابعة نتائجها والإعلان عن الإجراءات التي يتم اتخاذها.

*صدمة بعد الكشف عن اعتقال جراح قلب الأطفال حسن مفتاح للشهر السادس على التوالي

أمضى عقودًا في إنقاذ قلوب الأطفال.. وغيابه عن المشهد لم يُعرف إلا مصادفة

أثار الكشف عن احتجاز الأستاذ الدكتور حسن مفتاح، أستاذ جراحة قلب الأطفال بجامعة عين شمس، منذ أكثر من 6 أشهر، صدمة واسعة في أوساط الأطباء والناشطين والمواطنين المصريين، بعدما تداولت حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي شهادات عن اعتقال الطبيب المعروف، وسط تساؤلات حادة عن أسباب احتجازه، وعن غياب أي حضور علني للقضية طوال هذه الفترة.

وتكتسب واقعة احتجاز مفتاح حساسية خاصة بسبب مكانته في تخصص طبي شديد الدقة، إذ تؤكد مصادر منشورة أن الدكتور حسن مفتاح أستاذ جراحة قلب الأطفال بجامعة عين شمس، وظهر اسمه في فعاليات واختبارات الزمالة المصرية لجراحة قلب الأطفال، كما شارك ضمن كبار المتخصصين في هذا المجال داخل الجامعة.

وكانت جامعة عين شمس قد نشرت قبل أيام فقط اسم حسن مفتاح ضمن أساتذة وخبراء شاركوا في اختبارات درجة الزمالة في جراحة قلب الأطفال بأكاديمية جراحة القلب بمستشفيات الجامعة. Ain Shams University

وتشير مصادر صحفية أقدم إلى مشاركة الدكتور حسن مفتاح في إجراء عمليات دقيقة لقلب الأطفال، من بينها أول عملية قلب أطفال أُجريت في مستشفى التأمين الصحي ببهتيم في شبرا الخيمة عام 2015، ضمن فريق طبي من جامعة عين شمس ومستشفى أطفال مصر.

صدمني خبر اعتقال زميل العمر

كان من أبرز المنشورات التي فجّرت القضية مجددًا منشور الطبيب خالد سمير، الذي عبّر عن صدمته من معرفته المتأخرة باحتجاز زميله، وقال: “إن خبر الاعتقال لم يصله إلا بعد مرور أكثر من ستة أشهر”.

وكتب خالد سمير أن حسن مفتاح «زميل العمر» الذي يعرفه منذ أكثر من 35 عامًا، واصفًا إياه بأنه «قليل الأكل قليل النوم قليل الكلام لكن كثير العمل»، ومشيرًا إلى أنه كرّس حياته لعلاج الأطفال وإنقاذهم في ظروف صعبة وبإمكانات محدودة.

وأضاف سمير أن مفتاح اختار البقاء في مصر رغم حصوله على فرصة عمل مدفوعة الأجر في فرنسا، وقال: “إنه كان مختلفًا معه كثيرًا في طريقة العمل، لأن مفتاح كان يريد علاج المرضى بنفسه وبطريقته، لكنه وصفه في الوقت ذاته بأنه كان «دائمًا مثالًا للأخلاق حتى عند الاختلاف»”.

ويقول سمير “إنه لم يسمع مفتاح يتحدث في السياسة حتى خلال سنوات الثورة، عندما كان الحديث السياسي حاضرًا بقوة في المجتمع، مؤكدًا أنه كان «دائمًا يخدم زملاءه قدر استطاعته ويحاول بكل طريقة تغطية نفقات علاج المرضى»”.

وربط سمير بين توقيت الاحتجاز وبين قرب تغيير رئاسة القسم، قائلًا: «لم أعد أؤمن بالصدف»، قبل أن يطرح تساؤلات عن دور الجامعة والنقابة في معرفة مصير أحد أساتذتها. 

واستعاد سمير واقعة نقل طه حسين من الجامعة عام 1932، وما ترتب عليها من احتجاج طلابي واستقالة رئيس الجامعة أحمد لطفي السيد، مستشهدًا بموقفه للدلالة على أن الجامعة، في نظره، يجب أن تحمي علماءها وأساتذتها وألا تتعامل معهم كما يُتعامل مع عامة الناس. 

وفي أقسى مقاطع منشوره، اعتبر سمير أن ما حدث لمفتاح «يدين كل المجتمع ليس السلطة فقط، بل كل مؤسساته»، لأن غياب أحد كبار المتخصصين عن المجتمع طوال أشهر أصبح، بحسب وصفه، أمرًا لا يلفت الانتباه.

وتابع متسائلًا: «كيف لا يصلني خبر اعتقال أستاذ جامعي كبير؟ ماذا فعلت الجامعة وماذا فعلت النقابة؟»، قبل أن ينتقد ما وصفه بإعلاء قيمة الشهرة والإعلام على حساب العلماء والأطباء الذين يعملون بعيدًا عن الأضواء.

وختم خالد سمير منشوره بمطالبة مباشرة بإطلاق سراح الطبيب، قائلًا: «أطلقوا حسن مفتاح وكفى عبثًا وسفاهة»، ومضيفًا أن استمرار التعامل مع العلماء بهذه الطريقة، بحسب تقديره، لا يقود إلا إلى «مزيد من الفقر والخراب».

شهادات مرضى وأطباء

وتوسعت ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي بعد انتشار منشور خالد سمير، حيث استعاد مواطنون تجارب شخصية قالوا إنهم عاشوها مع الطبيب.

وكتب محمد لا لو أن الدكتور حسن مفتاح أجرى جراحة قلب لابنة أخيه عندما كان عمرها ستة أشهر، واصفًا العملية بأنها كانت شديدة الصعوبة بسبب وجود «ثقب كبير بالقلب» والتفاف الأوردة والشرايين، وقال “إن الطبيب أجرى الجراحة ولم يتقاضَ أجر العملية حتى اطمأن بصورة كاملة على حالة الطفلة، واستمر في متابعتها بنفسه”.

وكتب أحمد ثروت أنه لا يعرف إن كان خطؤه أنه لم يسمع باسم الطبيب من قبل، أم أن المشكلة تكمن في «إغفال مجتمعاتنا عن العاملين في صمت وتركيزها على من علا صوته»، قبل أن يدعو له بالفرج.

أما أحمد الخطيب @aborawan008، فكتب أن الطبيب ساعد آلاف الأشخاص، متسائلًا عن كيفية اعتقاله وعدم سماع الناس عنه أو تحركهم للمطالبة بخروجه. 

وكتب أحمد عبد الماجد الفرا في منشور على فيسبوك إن الحديث عن كفاءة حسن مفتاح كان معروفًا لدى طلاب كلية الطب في عين شمس منذ سنوات، واصفًا إياه بأنه «عالم لا يقل عن الدكتور مجدي يعقوب»، وداعيًا إلى فك كربه.

«طبيب الغلابة».. هاشتاغ يتصدر ردود الفعل

وتحت وسم #طبيب_الغلابة و#حسن_مفتاح، ظهرت دعوات للمطالبة بالكشف عن ملابسات الاحتجاز والإفراج عنه.

وكتب حساب    حميد السويدي @al_hemaid: «إلى أين يا مصر؟»، متحدثًا عن احتجاز حسن مفتاح، الذي وصفه بأنه طبيب قلب أطفال آثر البقاء وعلاج الأطفال، قبل أن يوجه انتقادات حادة إلى أوضاع المجال الطبي والمؤسسات الأكاديمية.

وفي منشور آخر، كتب مصطفى سعفان @SaafanMous93406 أن ما خرج به خلال السنوات الماضية هو أن المصريين «مش فالحين غير في الكلام»، معتبرًا أن التغريدات وحدها لا تغير الواقع، وداعيًا إلى الحضور الفعلي على الأرض.

سجلات جراحة قلب الأطفال “عين شمس”

ولا تقتصر الإشارات إلى حسن مفتاح على شهادات مواقع التواصل الاجتماعي؛ فالمصادر المنشورة توثق حضوره المهني والأكاديمي في تخصص جراحة قلب الأطفال.

ففي ديسمبر 2023، ظهر اسم الدكتور حسن مفتاح ضمن كبار المتخصصين المشاركين في اختبارات الزمالة المصرية لجراحة قلب الأطفال بجامعة عين شمس، إلى جانب أساتذة واستشاريين من جامعات ومعاهد طبية مصرية مختلفة. وذكرت المصادر أن وحدة جراحة قلب الأطفال في قسم جراحة القلب والصدر بجامعة عين شمس تعد أقدم وحدة لهذا التخصص الدقيق في مصر. 

كما وثقت أخبار طبية في عام 2015 مشاركة حسن مفتاح في فريق أجرى أول عملية قلب أطفال في مستشفى التأمين الصحي ببهتيم، وهو ما يؤكد حضوره في ممارسة جراحات القلب للأطفال خارج الإطار الأكاديمي أيضًا.

أستاذ جامعي كبير

وتساءل مراقبون عن تغييب أستاذ جامعي كبير في تخصصه النادر 6 أشهر كاملة مع التفاعل الشعبي مع القضية. فالشهادات المتداولة لا تركز فقط على شخصية حسن مفتاح، وإنما على المفارقة بين المكانة المهنية للطبيب وبين محدودية المعرفة العامة بمصيره، بحسب ما يقوله ناشرو هذه المنشورات.

وفي المقابل، ذهب عدد من المتفاعلين إلى انتقاد حالة العزلة التي تحيط بقضايا الاعتقال، معتبرين أن انتشار الخبر عبر مواقع التواصل لا يعوض غياب تحرك مؤسسي واضح أو معلومات رسمية متاحة للرأي العام.

مطالبات بالكشف عن أسباب الاحتجاز

وتتجه المطالب التي ظهرت في المنشورات إلى مسارين رئيسيين: أولهما معرفة الوضع القانوني للدكتور حسن مفتاح والتهم الموجهة إليه، والثاني ضمان حقوقه القانونية والصحية والإفراج عنه إذا لم توجد أسباب قانونية لاستمرار احتجازه.

ولم يظهر في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها بيان رسمي مفصل من الجامعة أو نقابة الأطباء يشرح ملابسات احتجاز الطبيب أو التهم المنسوبة إليه. لذلك تبقى تفاصيل القضية القانونية، وسبب الاحتجاز ومدته الدقيقة، بحاجة إلى توثيق رسمي مستقل، فيما تؤكد المصادر الأكاديمية المتاحة مكانته كأستاذ في جراحة قلب الأطفال بجامعة عين شمس.

وتضع القضية، في الوقت نفسه، سؤالًا أكبر أمام المجتمع الطبي المصري: ماذا يحدث عندما يغيب طبيب متخصص في جراحة قلب الأطفال، صاحب مسيرة أكاديمية ومهنية طويلة، عن المستشفيات والجامعة والمجتمع لأشهر دون أن تتحول قضيته إلى شأن عام؟

وبينما تتسع الحملة على مواقع التواصل تحت وسم #حسن_مفتاح، يظل المطلب الأكثر وضوحًا في المنشورات المتداولة هو الكشف عن حقيقة وضع الطبيب وأسباب احتجازه، وضمان محاكمة عادلة وحقوقه القانونية، وإنهاء حالة الغموض المحيطة بالقضية.

*استغاثات دامية من أهالي معتقلي أبو زعبل بسبب “التفتيش المهين”

تشهد الأوضاع الإنسانية داخل سجن أبو زعبل توتراً ملحوظاً على خلفية شكاوى متواترة أطلقها أهالي المحتجزين مؤخراً تتعلق بتعنت السلطات الأمنية خلال عمليات التفتيش الدورية للزيارات. وأكدت العائلات أن الأساليب المتبعة بحقهم تتسم بالقسوة وتفتقر لأبسط قواعد الاحترام الإنساني أثناء فحص المتعلقات الشخصية الموجهة لذويهم. وأوضحت التقارير الواردة من محيط المؤسسة العقابية أن القائمين على إدارة السجن يتعمدون إحداث فوضى داخل الحقائب والأطعمة، فضلاً عن تقليص كميات المؤن والأدوية الحيوية المسموح بدخولها بشكل تعسفي لا يتناسب مع الاحتياجات اليومية للنزلاء المرضى وأصحاب الأمراض المزمنة.

تتصاعد أزمات سجن أبو زعبل وسط شكاوى حقوقية متزايدة

تسببت هذه الممارسات التعسفية في خلق حالة عارمة من الغضب والسخط المتصاعد بين صفوف المحتجزين داخل العنابر السياسية بالمجمع العقابي. وحذرت المصادر المقربة من العائلات من خطورة استمرار هذه الضغوط التي تنذر بانفجار الأوضاع الداخلية جراء التضييق الممنهج على أبسط حقوق النزلاء الإنسانية. وأضافت العائلات أن حرمان ذويهم من العلاج الكافي والطعام الضروري يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية، مما يستوجب تدخلاً عاجلاً وحاسماً من الجهات المعنية لتصحيح هذه المسارات الإدارية الخاطئة قبل تفاقم الأزمة بشكل كامل.

مطالب حقوقية بالتحقيق والمحاسبة

طالبت الجهات الحقوقية المعنية بضرورة فتح تحقيق عاجل ومستقل في مجمل الانتهاكات والشكاوى المتكررة الصادرة عن عائلات المحتجزين في السجن المذكور. وشددت المطالب على ضرورة تحديد المسؤولين عن تلك التجاوزات وفي مقدمتهم ضابط الأمن الوطني حسام النجار، الذي أشارت الاتهامات الواردة إلى إشرافه المباشر على تلك الإجراءات الاستفزازية. ودعت المنظمات إلى ضرورة إخضاع المتورطين للمحاسبة القانونية الرارمة وتطهير منظومة الزيارات من أي ممارسات تعسفية تمس كرامة الأهالي والنزلاء على حد سواء.

دعوات لتمكين الجهات الرقابية

اختتمت التقارير بدعوة جادة لتمكين المؤسسات الرقابية والحقوقية المختصة من زيارة السجن والاطلاع ميدانياً على ظروف الاحتجاز الحقيقية للوقوف على الانتهاكات المرتكبة. وضرورة إلزام إدارة السجن بالسماح بدخول كافة المستلزمات الطبية والأدوية والمواد الغذائية بلا قيود تعسفية تضمن الحفاظ على حياة النزلاء. وأكدت النداءات على أهمية الالتزام بالمعايير القانونية والإنسانية في التعامل مع المحتجزين لضمان عدم تعرضهم لأي أذى بدني أو نفسي خلال فترة تنفيذ العقوبات أو الحبس الاحتياطي.

*”الإسكندرية للحاويات” تُحيل قياديًا عماليًا للتحقيق بعد إضراب للمطالبة بحقوق مالية ووظيفية

أحالت إدارة شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع القيادي النقابي السابق يسري معروف، إلى التحقيق، غدًا، على خلفية إضراب العمال عن العمل، الذي استمر ساعات، نهاية الشهر الماضي، للمطالبة بحقوقهم المالية والوظيفية، حسبما قال مصدر من العمال. 

وأوضح المصدر أن الشركة أعادت الشهر الماضي هيكلة الأجور، بعد نحو أربعة أشهر من إعادة هيكلة درجات العمال الوظيفية، ما أدى إلى تخفيض أجورهم. «الشركة ساوت الجميع في المسمى الوظيفي، يعني مثلًا الأخصائي الممتاز والأخصائي الأول.. كلهم اتساوا وبقوا أخصائيين.. يعني اللي شغال بقاله 25 سنة بقى ذي اللي شغال بقاله عشر سنين»، وفقًا للمصدر. 

وبحسب المصدر، بدأت الإدارة منذ العام الماضي زيادة عدد ساعات التشغيل للوردية الواحدة إلى 12 ساعة، ونقلت عددًا من العمال إلى أقسام لا تتناسب مع خبراتهم مع تخفيض أجورهم، كما أقرت نظامًا جديدًا في مشروع العلاج يميز بين العاملين، «فئة الإدارة والمسؤولين اتميزوا في مستشفيات درجتها أعلى من العمال والأخصائيين والمحاسبين ورؤساء الأقسام اتحط لهم فئة أقل». وأشار إلى أن هذا التمييز لم يكن يحدث من قبل، لأن مشروع العلاج تكافلي، ويتم خصم نسبة من أجور العمال مقابل ذلك. «فكرة التمييز دي كانت مستفزة للعمال»، يقول المصدر.

والخميس الماضي، حضر إلى الشركة كل من: مستشار وزير النقل، ورئيس الشركة القابضة للنقل البحري، وعضو من مجلس إدارة «الإسكندرية لتداول الحاويات»، وعقدوا اجتماعًا مع العمال، بحضور معروف، خلُص إلى الاستجابة لمطلب عودة مدة وردية العمل ثماني ساعات، مع إعطاء العمال وعدًا بتعديل الأجور لتعود كالسابق وتصحيح الأوضاع الخاطئة. 

وسبق أن حصل معروف، القيادي النقابي السابق، وأربعة عمال آخرين، عام 2014، على البراءة عند استئنافهم ضد حكم بحبسهم ثلاث سنوات وفصل عن العمل وتغريم كل منهم عشرة آلاف جنيه، بعد إدانتهم في أولى درجات التقاضي بالتسبب في خسائر للشركة، على خلفية إضراب نظمه العمال عام 2011، للمطالبة بالتصدي للفساد داخل الشركة. 

وكان العمال حصلوا عام 2012 على حكم قضائي ببطلان العقد الموقع بين هيئة ميناء الإسكندرية والشركة الدولية لتداول الحاويات، نظرًا لأن التعاقد منح الشركة الصينية حق استغلال أرصفة بمينائي الإسكندرية والدخيلة على مساحة 250 ألف متر مربع، بالأمر المباشر، كحق انتفاع لمدة 25 عامًا، بسعر ثلاثة دولارات للمتر. لكن المصدر، الذي تحدث لـ«مدى مصر»، اليوم، أكد أن الشركة الصينية لا تزال تمارس أعمالها بشكل طبيعي، بعدما لجأت «الإسكندرية لتداول الحاويات» للطعن على الحكم، أمام المحكمة الإدارية العليا، التي قضت، في فبراير 2016، بإحالة القضية إلى المحكمة الدستورية العليا، بحسب جريدة «المال». 

تأسست «الإسكندرية لتداول الحاويات» عام 1984، كأول شركة متخصصة في تداول الحاويات في مصر، وتدير محطتين رئيسيتين في مينائي الإسكندرية والدخيلة. وبلغ إجمالي ما تداولته خلال العام المالي 2024-2025 نحو 1.07 مليون حاوية، فيما تصل طاقتها الإجمالية إلى 1.5 مليون حاوية مكافئة بمعدل تشغيل بلغ 71%.

*تُقطع في مصر وتصل فحمًا إلى إسرائيل.. أين تختفي أشجار المصريين؟

لم تعد مشاهد قطع الأشجار في مصر تمرّ من دون جدل. فكل شجرة تُقتلع من شارع أو ميدان أو حديقة تفتح معها أسئلة حول جدوى ما يحدث، ومصير المساحات الخضراء، والأهم من ذلك: ماذا يحدث للأخشاب بعد سقوط الأشجار؟ فالشجرة التي يمكن أن تكون قد قضت عقودًا في مكانها، منحت الظل للمارة وارتبطت بذاكرة السكان، قد تختفي في دقائق تحت صوت المناشير، لكن رحلتها لا تنتهي بالضرورة عند لحظة القطع.

أشجار تسقط.. وأسئلة تبقى

خلال السنوات الأخيرة، أثارت عمليات إزالة الأشجار في عدد من المدن والمناطق المصرية انتقادات واسعة، خصوصًا عندما ترافقت مع مشروعات طرق وتطوير عمراني وإعادة تخطيط للمساحات العامة. وبينما تبرر السلطات بعض عمليات الإزالة باعتبارات مرتبطة بالمشروعات والتطوير، بقي سؤال مصير الأخشاب الناتجة عن هذه العمليات حاضرًا في النقاش العام: من يحصل عليها؟ كيف تُباع؟ وإلى أين تذهب؟

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية عند النظر إلى بيانات التجارة الدولية التي تظهر وجود حركة تجارية مسجلة للفحم الخشبي بين مصر وإسرائيل. فبحسب بيانات التجارة الدولية، استوردت إسرائيل من مصر خلال الفترة الممتدة بين عامي 2022 و2024 نحو 19.5 مليون كيلوغرام من الفحم الخشبي، بقيمة إجمالية تقترب من 15 مليون دولار.

وتكشف البيانات عن ارتفاع تدريجي في الكميات، إذ بلغت الواردات الإسرائيلية نحو 5.5 ملايين كيلوغرام في عام 2022، قبل أن ترتفع إلى أكثر من 6 ملايين كيلوغرام في 2023، ثم تقترب من 8 ملايين كيلوغرام في 2024.

تؤكد هذه الأرقام وجود تجارة مسجلة، لكنها في الوقت نفسه لا تجيب عن السؤال الأكثر حساسية: ما مصدر الأخشاب التي صُنّع منها هذا الفحم؟ وهل لها أي علاقة بالأشجار التي يجري قطعها داخل المدن المصرية؟

من الشجرة إلى الفحم

في مصر، طُرحت خلال السنوات الماضية كميات من الأخشاب الناتجة عن أشجار جافة أو مقطوعة للبيع عبر مزادات، وشملت عمليات بيع أخشاب في مناطق مختلفة. وفي بعض المزادات، وصلت قيمة المبيعات إلى ملايين الجنيهات، بينما بيعت كميات أخرى من الأخشاب بالطن وفق الأسعار التي تحددها إجراءات المزاد.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الأخشاب الناتجة عن الأشجار المقطوعة تمثل مادة قابلة للبيع وإعادة الاستخدام، سواء في صناعة الأخشاب أو في صناعات أخرى، ومن بينها صناعة الفحم الخشبي.

لكن وجود هذه القناة التجارية لا يعني تلقائيًا أن كل الأخشاب الناتجة عن قطع الأشجار في مصر تتحول إلى فحم، ولا يعني كذلك أن الفحم الذي تستورده إسرائيل مصنوع من هذه الأشجار تحديدًا.

وهذه نقطة أساسية في أي تناول صحفي للقضية، لأن بيانات التجارة الدولية تسجل حركة السلع بين الدول، لكنها لا تقدم وحدها سلسلة تتبع تسمح بمعرفة الشجرة التي جاء منها كل كيلوغرام من الفحم.

أرقام مصر وإسرائيل لا تتطابق

وتزداد الأسئلة إلحاحًا عندما تظهر فروق واضحة بين بيانات التجارة المصرية والبيانات الإسرائيلية. ففي عام 2024، تسجل البيانات المصرية صادرات من الفحم الخشبي إلى إسرائيل بقيمة تقارب 1.64 مليون دولار، وبكمية تقارب 1.49 مليون كيلوغرام. وفي المقابل، تظهر البيانات الإسرائيلية واردات من الفحم المصري بكميات وقيم أعلى بكثير، إذ تشير إلى نحو 7.9 ملايين كيلوغرام بقيمة تقترب من 6 ملايين دولار.

الفارق كبير-سواء من حيث القيمة أو الكمية- لا يمكن اعتباره بمفرده دليلًا على وجود تهريب أو تلاعب في التجارة. فبيانات التجارة الدولية قد تختلف بين بلد وآخر بسبب طرق تسجيل الشحنات، وتوقيت تسجيلها، وطريقة احتساب القيمة، والفارق بين بيانات الصادرات وبيانات الواردات، إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بالتجارة الدولية وإعادة التصدير.

لكن هذا الاختلاف يطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا لا تتطابق الأرقام؟ ومن يستطيع تفسير الفجوة بين ما تسجله مصر وما تسجله إسرائيل؟

أين يذهب الخشب؟

السؤال يصبح أكثر أهمية إذا انتقلنا من الأرقام إلى مصدر الخشب نفسه. فإذا كانت هناك كميات كبيرة من الفحم الخشبي تغادر مصر إلى الأسواق الخارجية، فمن أين تحصل مصانع الفحم على المواد الخام؟ فهل تعتمد على أخشاب مخصصة أصلًا لهذا النشاط؟ أم على مخلفات زراعية وصناعية؟ أم تدخل أخشاب الأشجار المقطوعة ضمن هذه الدورة التجارية؟

هذه الأسئلة لا يمكن حسمها من خلال بيانات الاستيراد والتصدير وحدها، بل تحتاج إلى تتبع فعلي لسلسلة الإنتاج، يبدأ من مصدر الأخشاب ويمر بالمصانع وشركات النقل والتجار، وصولًا إلى شركات التصدير والموانئ والجهات المستوردة.

حق الناس في معرفة المصير

وفي حالة الأشجار التي تُقطع داخل المدن، تبرز أيضًا مسألة أخرى تتعلق بالشفافية. فمن حق المواطنين أن يعرفوا، عندما تُقتلع شجرة بحجة التطوير، ما مصير أخشابها. هل بيعت في مزاد رسمي؟ من اشترى الخشب؟ ما الكمية التي بيعت؟ وبأي سعر؟ وهل جرى نقلها إلى مصنع معروف؟ وما المنتج الذي خرج منها في النهاية؟ وإذا تحولت هذه الأخشاب إلى فحم، فمن قام بعملية التصنيع؟ ومن صدّر المنتج؟ وما الوجهة النهائية للشحنة؟

هذه التفاصيل قد تبدو إدارية في ظاهرها، لكنها تصبح مهمة جدًا عندما ترتبط بجدل واسع حول مصير الأشجار في بلد يواجه أصلًا تحديات بيئية ومناخية مرتبطة بالمساحات الخضراء وارتفاع درجات الحرارة.

هل هناك رابط بين المسارين؟

أما الربط المباشر بين الأشجار التي تُقطع في شوارع ومناطق مصرية محددة وبين الفحم الذي وصل إلى إسرائيل، فلا يمكن إثباته اعتمادًا على أرقام التجارة وحدها.

فحتى الآن، لا تكشف البيانات التجارية عن مسار كل قطعة خشب منذ لحظة قطعها وحتى تحولها إلى فحم وتصديرها إلى الخارج.

وبالتالي، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت مصر تصدر الفحم إلى إسرائيل، لأن البيانات التجارية تشير بالفعل إلى وجود هذه التجارة، وإنما السؤال هو: ما مصدر هذا الفحم، وكيف دخل إلى سلسلة التصدير، ومن المستفيد اقتصاديًا من هذه العملية؟

كما أن الفجوة بين البيانات المصرية والإسرائيلية تستحق بدورها مزيدًا من البحث، ليس لأنها تثبت وجود مخالفة، وإنما لأنها تكشف اختلافًا كبيرًا في طريقة تسجيل التجارة يحتاج إلى تفسير واضح.

الشجرة تسقط.. والقصة تبدأ

في النهاية، القضية تتجاوز مجرد شجرة قُطعت أو شحنة فحم غادرت ميناءً. إنها تتعلق بسلسلة تبدأ من الأرض وتنتهي في السوق، وبحق المجتمع في معرفة ما يحدث للموارد التي تختفي من المجال العام بعد عمليات القطع والإزالة.

فالشجرة قد تسقط في دقائق، لكن خشبها يمكن أن يدخل بعد ذلك في رحلة طويلة: من موقع القطع إلى المزاد، ومن المزاد إلى المصنع، ومن المصنع إلى الميناء، ثم إلى سوق في بلد آخر.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا قُطعت الأشجار؟ بل أيضًا: من حصل على أخشابها؟ وبأي سعر؟ وأين انتهت؟

وعندما تظهر في الوقت نفسه بيانات عن ملايين الكيلوغرامات من الفحم الخشبي المصري التي وصلت إلى إسرائيل، يصبح تتبع هذه السلسلة أكثر أهمية، لا لإدانة طرف من دون دليل، وإنما لمعرفة الحقيقة كاملة.

فإذا كانت الشجرة تُقتلع باسم التطوير، فإن من حق الناس أن يعرفوا مصيرها بعد القطع. لأن الشجرة قد تسقط في دقائق، لكن قصة الخشب تبدأ بعد سقوطها.

*من طنطاوي إلى السيسي.. كيف عاد العسكر إلى القصر؟

لم يكن سقوط حسني مبارك في 11 فبراير/شباط 2011 نهاية النظام السياسي الذي حكم مصر لعقود، بقدر ما كان بداية مرحلة جديدة أعادت فيها مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، ترتيب مواقعها داخل المشهد السياسي.

في تلك اللحظة، برز اسم المشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، باعتباره الرجل الأقوى في المرحلة الانتقالية. وبعد أقل من عامين، سيظهر اسم آخر في موقع أكثر قوة: عبد الفتاح السيسي، الذي كان مديرًا لإدارة المخابرات الحربية قبل أن يصبح وزيرًا للدفاع، ثم رئيسًا للجمهورية.

وبين الرجلين تمتد واحدة من أكثر مراحل التاريخ المصري الحديث إثارة للجدل: هل كانت ثورة 25 يناير قد أسقطت نظام مبارك فعلًا، أم أنها أطاحت بالرئيس بينما بقيت مؤسسات النفوذ الأساسية قادرة على إعادة إنتاج نفسها؟

طنطاوي بعد سقوط مبارك

بعد تنحي مبارك، تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة البلاد، برئاسة طنطاوي، في مرحلة انتقالية اتسمت بالاضطراب السياسي والاحتجاجات المتواصلة.

وكان الجيش قد أعلن خلال أيام الثورة أنه لن يوجه السلاح إلى المتظاهرين، وهو موقف لعب دورًا في منع تحول الاحتجاجات إلى مواجهة شاملة بين القوات المسلحة والشارع.

لكن العلاقة بين المجلس العسكري والقوى الثورية سرعان ما دخلت مرحلة أكثر توترًا، مع استمرار الاحتجاجات وتصاعد المطالب بتسليم السلطة إلى المدنيين.

وهنا بدأ الجدل حول طبيعة الدور الذي لعبه طنطاوي: هل كان هدف المؤسسة العسكرية حماية الدولة من الانهيار، أم الحفاظ في الوقت نفسه على نفوذها السياسي ومصالحها المؤسسية؟

شهادة طنطاوي في «محاكمة القرن»

أحد أكثر فصول تلك المرحلة إثارة للجدل جاء مع شهادة طنطاوي في قضية قتل المتظاهرين المتهم فيها مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي وعدد من المسؤولين.

وفي شهادته، قال طنطاوي إنه لم يُطلب منه استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، كما أكد أنه لم تكن لديه معلومات مؤكدة عن صدور أوامر من مبارك باستخدام القوة ضد المحتجين. ونُسب إليه كذلك قوله إنه لا يستطيع تحميل جهاز الشرطة وحده مسؤولية عمليات القتل.

وأصبحت هذه الشهادة لاحقًا موضع جدل سياسي وإعلامي كبير، إذ رأى منتقدو طنطاوي أنها ساهمت في تقديم رواية أقل تحميلًا لمسؤولي نظام مبارك للمسؤولية عن أحداث الثورة، بينما اعتبر آخرون أنها عكست ما قاله الرجل أمام المحكمة بناءً على ما كان يعرفه شخصيًا.

المهم هنا أن الشهادة نفسها تحولت إلى جزء من الصراع على تفسير ما حدث خلال الأيام الثمانية عشر التي سبقت تنحي مبارك.

من ماسبيرو إلى محمد محمود

لم تتوقف المواجهات بعد رحيل مبارك، فخلال فترة إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية، شهدت مصر أحداثًا دامية، بينها مواجهات ماسبيرو في أكتوبر/تشرين الأول 2011، وأحداث مجلس الوزراء في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ثم اشتباكات محمد محمود، إضافة إلى مواجهات محيط وزارة الدفاع في العباسية عام 2012.

وسقط عشرات القتلى في تلك المواجهات، بينما ازداد اتساع الفجوة بين قطاعات من القوى الثورية والمجلس العسكري. وبذلك تحولت الثورة، التي بدأت بمطالب تتعلق بالحرية والعدالة الاجتماعية، إلى صراع سياسي متزايد حول سؤال أكبر: من يملك القرار في مصر بعد مبارك؟

السيسي.. الرجل الذي خرج من الظل

في خضم هذه المرحلة، كان عبد الفتاح السيسي يشغل منصب مدير المخابرات الحربية والاستطلاع. ولم يكن اسمه آنذاك حاضرًا في الواجهة السياسية مثل طنطاوي، لكنه كان جزءًا من المؤسسة العسكرية التي أدارت المرحلة الانتقالية.

وفي أغسطس/آب 2012، اتخذ الرئيس محمد مرسي قرارًا مفاجئًا بإحالة طنطاوي ورئيس الأركان سامي عنان إلى التقاعد، وإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي كان قد منح المجلس العسكري صلاحيات واسعة. وفي الوقت نفسه، عيّن مرسي السيسي وزيرًا للدفاع وقائدًا عامًا للقوات المسلحة بعد ترقيته إلى رتبة فريق أول.

كان ذلك التحول لحظة فاصلة: الرجل الذي كان يدير المرحلة الانتقالية خرج من منصبه، والرجل الذي كان يعمل في إحدى أهم مؤسسات المعلومات داخل الجيش انتقل إلى قمة المؤسسة العسكرية.

هل انتهى نفوذ طنطاوي؟

رسميًا، غادر طنطاوي منصبه في أغسطس/آب 2012، وعُيّن مستشارًا لرئيس الجمهورية ومنح قلادة النيل. لكن خروج الرجل من المنصب لم يكن بالضرورة يعني انتهاء المرحلة التي قادها أو اختفاء المؤسسة التي كان يمثلها.

فهنا تكمن المفارقة التي جعلت الانتقال من طنطاوي إلى السيسي موضع اهتمام كبير في القراءات السياسية اللاحقة: المؤسسة العسكرية لم تختفِ من المشهد، بل استمر حضورها السياسي، قبل أن يصل السيسي نفسه إلى رئاسة الجمهورية بعد أحداث 2013.

وهذا لا يعني، بالضرورة، أن هناك خطة موثقة ومتصلة بين الرجلين لإعادة إنتاج الحكم نفسه؛ لكن تسلسل الأحداث سمح لمنتقدي النظام المصري بالقول إن انتقال السلطة من طنطاوي إلى السيسي لم يكن انتقالًا بعيدًا عن المؤسسة العسكرية، بل كان انتقالًا داخلها.

من احتواء الثورة إلى إعادة تشكيل السلطة

إذا كان طنطاوي قد وجد نفسه أمام مهمة إدارة بلد خرج للتو من ثورة، فإن السيسي وصل لاحقًا إلى موقع مختلف تمامًا. كما قاد الطنطاوي المجلس العسكري خلال المرحلة الانتقالية، بينما أصبح السيسي لاحقًا وزيرًا للدفاع، ثم قاد المؤسسة العسكرية خلال الأزمة السياسية التي انتهت بعزل مرسي في يوليو/تموز 2013، قبل أن يفوز بالرئاسة في انتخابات 2014.

ومن هنا ظهرت قراءة سياسية ترى أن ثورة يناير لم تُنهِ نفوذ المؤسسة العسكرية، وإنما أعادت توزيع الأدوار داخل الدولة.

هذه القراءة، بطبيعة الحال، ليست حقيقة واحدة متفقًا عليها؛ فأنصار المؤسسة العسكرية يرون أن الجيش تدخل في مراحل مختلفة للحفاظ على الدولة ومنع انهيارها، بينما يرى منتقدو النظام أن المؤسسة العسكرية حافظت على موقع مركزي في الحياة السياسية رغم سقوط مبارك.

هل سقط النظام أم الرئيس فقط؟

بعد أكثر من عقد على سقوط مبارك، يبقى السؤال الذي طرحته ثورة يناير حاضرًا في قراءات كثيرة للتاريخ المصري الحديث: هل كان سقوط مبارك سقوطًا لنظام كامل، أم سقوطًا لرأس النظام فقط؟

طنطاوي لم يبقَ في السلطة بعد 2012، والسيسي لم يكن يومها رئيسًا ولا حتى وزيرًا للدفاع. لكن المؤسسة العسكرية ظلت لاعبًا أساسيًا في المشهد، قبل أن يعود أحد أبرز رجالها إلى قصر الرئاسة.

وبين طنطاوي والسيسي، لا تبدو القصة مجرد انتقال بين شخصين، بقدر ما تكشف عن علاقة معقدة بين الثورة، والدولة، والمؤسسة العسكرية، والسلطة السياسية.

فربما تغيّر الرئيس أكثر من مرة، وتبدلت الوجوه والمواقع، لكن السؤال الأصعب ظل قائمًا: هل غيّرت ثورة يناير شكل الدولة المصرية، أم أنها غيّرت رأس السلطة بينما بقيت مراكز النفوذ الأساسية قادرة على الاستمرار؟

*قبضة السيسي الأمنية تواجه اختبار الغضب الشعبي وسط تسريبات وتساؤلات عن تماسك النظام

تتصاعد التساؤلات بشأن تماسك نظام قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، مع اتساع الاعتقالات وتداول تسريبات تطال دوائر مقربة منه، بينما تضاعف الأزمات المعيشية الضغوط على المصريين.

وعلى الرغم من زيارة ناجحة للرئيس الصيني إلى القاهرة الثلاثاء والأربعاء الماضيين، ومع تحسن باد في علاقات مصر وإيطاليا بعد 10 سنوات من أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، ودعوة السيسي الخميس الماضي، رئيسة الوزراء

جورجيا ميلوني لزيارة القاهرة، وتكهنات بزيارة الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون مصر؛ إلا أن هناك العديد من المؤشرات تشير إلى أن الجبهة الداخلية تعيش حالة من التوتر.

وتكشف التطورات المتلاحقة عن سلطة تحاول تثبيت صورتها خارجيًا، فيما تواجه داخليًا أسئلة متزايدة بشأن تماسك مؤسساتها وقدرة القبضة الأمنية على احتواء تداعيات سياساتها.

اعتقالات وخطاب تخويف

شنت السلطات المصرية حملة اعتقالات واسعة في محافظات مختلفة، طالت مئات المواطنين، بحسب رابطة أهالي المعتقلين المصريين «فدا»، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات للأوضاع المعيشية.

وشملت الملاحقات رجالًا ونساء وشبابًا، وأقارب معارضين وحقوقيين وناشطين بالخارج، إلى جانب كتاب ومثقفين وأفراد من عائلات معتقلين محكومين أو محبوسين احتياطيًا منذ سنوات.

ويعكس اتساع دائرة الاستهداف، وفق قراءة معارضين، مخاوف السلطة من انتقال الغضب المكتوم إلى تحركات شعبية، خصوصًا مع استمرار زيادة الأسعار وتقليص الدعم الحكومي.

وفي موازاة الحملة الأمنية، أثار الأكاديمي أيمن منصور ندا نقاشًا بشأن ما ينتظر مصر خلال أكتوبر ونوفمبر، متحدثًا عن حالة ترقب وتوجس متزايدة مؤخرًا.

وكشف ندا عن تلقيه دعوات من سفارات أجنبية تستطلع آراء النخبة المصرية، مستنتجًا أن البلاد مقبلة على تطورات في ظل تفاقم الاحتقان بين المواطنين.

ويرى السياسي رضا فهمي، رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى سابقًا، أن ضيق النظام لم يعد مقتصرًا على معارضيه، بل امتد إلى المحسوبين عليه.

واستشهد بالحكم على المهندس تامر شيرين شوقي بالسجن ثلاث سنوات بسبب آرائه عبر مواقع التواصل، معتبرًا أن التضييق يطال شخصيات لا تنتمي للمعارضة التقليدية.

وأشار كذلك إلى التعامل مع رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام، وما وصفه بانتزاع قصره على النيل، ضمن مؤشرات اتساع التوتر بين السلطة وأطراف داخل المنظومة.

ولفت فهمي إلى أصوات تعبر عن التململ، بينها الكاتب عمار علي حسن والأكاديمي أيمن منصور ندا، باعتبارها إشارات إلى أزمة تتجاوز خصومة النظام مع معارضيه.

وبالتوازي، أحدث انتشار مجموعات «قاع الهامور» عبر مواقع التواصل ضجة، بعدما تحولت التوريات الساخرة إلى وسيلة للتعبير عن السخط وتداول انتقادات الأوضاع القائمة بالبلاد.

ووصف مراقبون تلك المجموعات بأنها مصدر قلق للسلطة، في وقت تتزايد فيه دعوات الاحتجاج على رفع أسعار الخدمات والسلع وتحميل المواطنين أعباء الأزمة الاقتصادية.

وجاء تحذير مصطفى بكري من إطلاق البلطجية والمسجونين للقتل والنهب حال التظاهر، ليعيد خطاب التخويف من الفوضى إلى واجهة التعامل الإعلامي مع الغضب الشعبي.

واستعاد هذا الخطاب تهديدات سابقة للسيسي في أكتوبر 2023 بشأن استخدام البلطجية مقابل المال والمخدرات، بما يعمق التساؤلات عن أدوات السلطة في مواجهة الاعتراض.

تسريبات تطال مركز الحكم 

تزامنت الملاحقات مع تسريبات متداولة طالت محمود السيسي، الضابط بالمخابرات العامة، وأشخاصًا مقربين منه، وتضمنت اتهامات بالفساد، وصفها محللون بأنها تحدٍّ غير مسبوق لحماية العائلة.

وامتدت التسريبات إلى وزير النقل كامل الوزير وقيادات بوزارته، مع نشر مستندات قال ناشروها إنها تتعلق بدور نجله عبد الهادي في إسناد مشروعات ومخالفات.

ويرى فهمي أن وصول الانتقادات والتسريبات إلى شخصيات عسكرية بارزة ودوائر عائلية مقربة من الرئاسة يحمل مؤشرات على تراجع الحماية التي تمتعت بها سابقًا.

وأضاف أن منشورات لشخصيات محسوبة على الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية تناولت كامل الوزير، وهو ما اعتبره إشارة إلى وجود إشكاليات داخل المنظومة الحاكمة نفسها.

وتحدث عن معلومات متداولة بشأن فحص هواتف وأجهزة كمبيوتر لشخصيات متنفذة بمؤسسات مختلفة، معتبرًا أن هذه الأنباء تعزز الانطباع بوجود تطورات تجري خلف الأبواب.

وفي مسار متصل، أعلن الناشط مؤمن أشرف والصحفي إبراهيم المصري الحصول على صور تتعلق بمجزرة فض اعتصام رابعة، قالا إنها من هاتف ضابط مشارك.

وأعادت هذه الأنباء ملف رابعة إلى الواجهة، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن التسريبات ومصادرها، وانكشاف معلومات من داخل الدوائر الأمنية والمقربة من مسؤولين بارزين.

وزادت التساؤلات عقب وفاة أمين رئاسة الجمهورية العقيد محمد يحيى جاد في 15 أغسطس، ثم وفاة شريف عبد المنعم، أحد حراس كامل الوزير، في 23 أغسطس.

وأثار نعي والد جاد، وتأكيده أن ابنه توفي على سريره، جدلًا وسط شائعات عن ظروف الوفاة، فيما ربط متابعون توقيت الوفاتين بأجواء التسريبات المتصاعدة.

وفي الوقت نفسه، برزت تحركات أمنية ضد شخصيات ارتبط اسمها بدعم النظام، بينها صبري نخنوخ وبعض معاونيه، ثم إسماعيل دولار وآخرون، ما أثار تساؤلات إضافية. 

وترافقت هذه الإجراءات مع وقائع قتل أعلنتها وزارة الداخلية، بينها مقتل خمسة أشخاص من قبيلة الحويطات بمنطقة القطامية، وسط انتقادات حقوقية للممارسات الأمنية المتكررة.

وبحسب فهمي، فإن تراكم هذه المؤشرات يكشف إشكاليات في الدائرة المحيطة بالسيسي، ويطرح أسئلة عن الانقسامات داخل المؤسسات ومستقبل العلاقات بين أطراف المنظومة الحاكمة.

ويربط السياسي المصري بين تلك التطورات وبين انتقال السلطة إلى موقع الدفاع، بعدما ظلت لسنوات تقدم نفسها باعتبارها صاحبة السيطرة المطلقة على المشهد الداخلي.

ديون تربك التحالفات

يضع فهمي الأزمة الاقتصادية في مقدمة محددات المشهد، معتبرًا أن النظام يواجه مأزقًا مستعصيًا، ويكتفي بترحيل أعبائه إلى أزمات لاحقة أشد قسوة على المواطنين.

وقال إن استحقاقات العام المالي 2026-2027 تصل إلى 62 مليار دولار، وتشمل ودائع خليجية، محذرًا من تأثر جانب منها بالاصطفافات الجديدة التي يشهدها الإقليم.

ويرى أن غياب أفق لتحسين الاقتصاد ينعكس مباشرة على حياة المصريين، عبر الغلاء والتضخم وتآكل القدرة الشرائية، بينما تستمر السلطة في مطالبتهم بتحمل المزيد.

وفي مواجهة هذه الضغوط، تسعى الرئاسة إلى إبراز تحركاتها الخارجية، من زيارة الرئيس الصيني إلى تحسن العلاقات مع إيطاليا ودعوة جورجيا ميلوني لزيارة القاهرة.

لكن فهمي يعتبر أن الحفاوة الدبلوماسية لا تعالج هشاشة الداخل، ولا تبدل الأوضاع المعيشية التي نتجت، بحسب وصفه، عن سيطرة الفرد الواحد على القرار.

إقليميًا، تساءل عن استبعاد مصر من التفاهم السعودي التركي الباكستاني، ورفض اعتبار الحديث عن أمور فنية تفسيرًا كافيًا لغياب دولة مركزية بحجمها عن الترتيبات. 

ووصف النظام بأنه عالق بين حسابات متعارضة؛ فالتقارب مع السعودية وتركيا وباكستان قد يغضب الإمارات، بينما يهدد الاتجاه المقابل علاقاته بالسعودية وأطراف إقليمية مؤثرة.

وتزيد الاستثمارات والودائع الخليجية حساسية هذه الموازنة، إذ تتداخل احتياجات التمويل مع خيارات التحالف، بما يضيق قدرة القاهرة على المناورة المستقلة في الملفات الإقليمية. 

وفي الداخل، عاد مصطفى مدبولي إلى نفي الحديث عن بيع قناة السويس، بينما أثار الإعلان عن مسلسل يتناول خيرت الشاطر انتقادات لاستمرار توظيف الدراما.

وعلى جبهة المعارضة، أعلن حزب «تكنوقراط مصر» اعتزام تدشين حكومة موازية بالخارج، في محاولة لجمع أطراف معارضة خلال مؤتمر أوروبي والإعلان عن تفاصيلها خلال سبتمبر.

وأخيرا يحذر فهمي من اختزال الاستقرار في القبضة الأمنية، مستعيدًا هيمنة مبارك قبل ثورة يناير، ومؤكدًا أن إحكام السيطرة لم يمنع انفجار الغضب حين تراكمت أسبابه.

* 2.2 مليون أسرة خرجت من “تكافل وكرامة” هل غادرت الفقر أم اختفت من قوائم الدعم؟

في  شبه دولة العسكر، بقيادة السفيه السيسي، تجاوزت فيها نسبة الفقر 40% ونسبة التضخم تقارب هذا الرقم مع ارتفاع متواصل في اسعار السلع والخدمات؛ حيث لا تغطى المبالغ التي يحددها تكافل وكرامة، ما بين 700 و900 جنيه شهريا، ولا يمكن ان تكفي  لسداد بند واحد من  ابواب الانفاق المعتادة.

وتُنفق مليارات الجنيهات على برامج الحماية الاجتماعية، وأعداد المستفيدين تتغير بصورة مستمرة، فيما تتسع مظلة “تكافل وكرامة” لتضم أسرًا جديدة، بالتوازي مع خروج أسر أخرى من قوائم الدعم.

لكن خلف أرقام «التخارج» التي تعلنها الحكومة، تبرز مفارقة لافتة: نحو 2.2 مليون أسرة خرجت من البرنامج بدعوى تحسن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية أو التحاق أحد أفرادها بعمل، بينما لا تزال 4.7 مليون أسرة تحت مظلة البرنامج، في وقت تغيب فيه بيانات رسمية حديثة منشورة عن معدلات الفقر في مصر.

وهنا يبرز السؤال: هل غادرت 2.2 مليون أسرة دائرة الفقر فعلًا، أم أن الفقر بقي داخل البيوت بينما اختفت الأسماء من قوائم”تكافل وكرامة”؟ 

8.2 مليون أسرة استفادت منذ إطلاق البرنامج

بحسب بيانات وزارة التضامن الاجتماعي، استفادت من برنامج «تكافل وكرامة» منذ انطلاقه في يناير 2015 نحو 8.2 مليون أسرة، مقارنة بنحو 1.7 مليون أسرة كانت تستفيد من برامج المساعدات الضمانية القديمة عام 2014.

ويستفيد من البرنامج حاليًا نحو 4.7 مليون أسرة، بعدما خرج منه نحو 3.5 مليون أسرة من إجمالي الأسر التي التحقت به منذ إطلاقه.

وتقول الوزارة إن 2.2 مليون أسرة من بين الخارجين غادرت البرنامج نتيجة التحاق أحد أفرادها بعمل أو تحسن وضعها الاجتماعي والاقتصادي، بما يمثل نحو 63% من إجمالي الخارجين.

في المقابل، خرجت نحو 1.3 مليون أسرة لأسباب أخرى، من بينها الوفاة أو السفر إلى الخارج أو تغير الحالة الاجتماعية أو فقدان أحد شروط الاستحقاق.

وبذلك تُميّز الوزارة بين”التخارج” المرتبط بتحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وبين التخارج الناتج عن أسباب أخرى لا تعني بالضرورة تحسن مستوى دخل الأسرة. 

يخرج مليون.. ويدخل 1.3 مليون

لا يعمل”تكافل وكرامة”باعتباره قائمة ثابتة للمستفيدين، وإنما يقوم على ضم أسر جديدة بصورة مستمرة، بالتوازي مع مراجعة بيانات الأسر الموجودة واستبعاد من لم تعد تنطبق عليهم شروط الاستحقاق.

وخلال العامين الماليين الأخيرين، بين 2024 و2026، التحقت بالبرنامج نحو 1.3 مليون أسرة جديدة، بينما خرجت منه نحو مليون أسرة، بحسب بيانات وزارة التضامن.

وتقول الوزارة إن عمليات التخارج وفَّرت نحو 11 مليار جنيه للموازنة العامة خلال العامين، من إجمالي وفر بلغ 30 مليار جنيه منذ بدء عمليات الاستبعاد والتخريج.

وتعتمد عمليات المراجعة على بيانات”السجل الاجتماعي” إلى جانب المعلومات المرتبطة بالدخل والعمل والأصول والحالة الاجتماعية وغيرها من المؤشرات التي تحدد مدى استمرار استحقاق الأسرة للدعم.

لكن آليات المراجعة والاستبعاد نفسها أثارت خلال العام الحالي عددًا من التساؤلات والشكاوى التي وصلت إلى مجلس النواب. 

سجلات ضريبية وطلبات مرفوضة

في مارس الماضي، تقدم المهندس إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بسؤال برلماني بشأن وقف بطاقات «تكافل وكرامة» لعدد من المواطنين بدعوى وجود سجلات ضريبية مفتوحة بأسمائهم.

وبحسب ما ورد في سؤاله، أكد بعض المتضررين أنهم لا يمارسون أي نشاط تجاري، وأنهم لم يكونوا على علم بوجود تلك السجلات.

وأشار منصور كذلك إلى شكاوى تتعلق برفض طلبات الاستفادة من البرنامج بناءً على نتائج زيارات منزلية، رغم إفادة بعض المواطنين بعدم زيارة موظفين لمنازلهم، مطالبًا بإظهار أسباب الرفض بصورة تفصيلية، وعدم الاكتفاء بإبلاغ المواطن بأنه «غير مستحق لشروط الصرف».

وفي يناير الماضي، أثار النائب أحمد عصام الدين، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر بمجلس النواب، قضية الاستبعاد من زاوية أخرى، متقدمًا بسؤال إلى الحكومة بشأن شطب عدد من المواطنين من الاستفادة من المعاش دون إبداء أسباب واضحة، وفقًا لما ورد في السؤال، مطالبًا بتوضيح معايير الحصر والمراجعة وأسباب الاستبعاد وآليات التظلم. 

تأخر الصرف وقيمة الدعم

ولم تقتصر الشكاوى البرلمانية على مسألة الاستبعاد. فقد ناقشت أماني أبو اليزيد، عضو مجلس النواب وعضو لجنة التضامن الاجتماعي، حالات قالت إنها حصلت على استحقاقات وموافقات طبية رسمية، بينما تأخر صرف المعاشات المقررة لها، مطالبة بسرعة إنهاء الإجراءات للحالات المستحقة وضمان وصول الدعم إليها.

أما النائب علاء سليمان، فطرح مشكلة مختلفة تتعلق بقيمة الدعم النقدي، منتقدًا محدودية المعاش في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ومشيرًا خلال مناقشة برلمانية إلى صعوبة تحمل المستفيدين تكاليف المرافق والاحتياجات الأساسية.

وتكشف هذه الوقائع عن تعدد المشكلات المطروحة حول البرنامج؛ من الاستبعاد استنادًا إلى بيانات يرى بعض المواطنين أنها غير دقيقة، إلى تأخر صرف الاستحقاقات، وعدم وضوح أسباب الرفض، وصولًا إلى التساؤلات حول مدى كفاية قيمة الدعم في مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. 

من يقرر أن الأسرة لم تعد فقيرة؟

ترتبط عملية الاستبعاد من «تكافل وكرامة» بتغير ظروف الأسرة أو ظهور بيانات جديدة تؤثر في شروط الاستحقاق. وقد يكون السبب، وفق قواعد البرنامج، التحاق أحد أفراد الأسرة بعمل، أو ارتفاع الدخل، أو تغير الحالة الاجتماعية، أو امتلاك أصول لا تسمح باستمرار الدعم.

لكن بيانات وزارة التضامن نفسها تضع فارقًا بين الأسر التي خرجت نتيجة تحسن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وبين الأسر التي خرجت لأسباب أخرى.

فمن أصل نحو 3.5 مليون أسرة خرجت من البرنامج، تُصنّف الوزارة 2.2 مليون أسرة باعتبار أن أوضاعها تحسنت اقتصاديًا أو اجتماعيًا، بينما ترتبط حالات نحو 1.3 مليون أسرة بالوفاة أو السفر أو تغير الظروف الاجتماعية أو فقدان شروط الاستحقاق.

وهذا يطرح سؤالًا مهمًا حول معيار «الخروج»: هل يكفي أن تحصل الأسرة على مصدر دخل جديد لكي يُعد خروجها من البرنامج خروجًا مستدامًا من دائرة الفقر، أم أن الأمر يحتاج إلى قياس قدرة الأسرة على الاستمرار في تلبية احتياجاتها الأساسية دون دعم نقدي؟ 

232 مليار جنيه منذ 2015

ارتفعت موازنة برنامج «تكافل وكرامة» إلى نحو 54 مليار جنيه خلال العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 5 مليارات جنيه قبل أكثر من عقد.

وبحسب بيانات وزارة التضامن، بلغ إجمالي ما جرى إنفاقه على البرنامج منذ إطلاقه عام 2015 نحو 232 مليار جنيه.

ويتراوح الدعم النقدي بين حد أدنى يبلغ 700 جنيه ومتوسط يقترب من 900 جنيه شهريًا، مع اختلاف القيمة بحسب حالة الأسرة وعدد أفرادها والاستحقاقات المرتبطة بها.

ولا يقتصر البرنامج على الدعم النقدي، إذ يرتبط كذلك بشروط تتعلق بالتعليم والصحة. وبحسب بيانات الوزارة، بلغت نسبة المواظبة الدراسية لأبناء الأسر المستفيدة نحو 77%، فيما بلغت نسبة الالتزام بالمتابعة الصحية الدورية للأطفال نحو 92%.

وتقول الوزارة إن قواعد الاستهداف تعتمد على خرائط ومؤشرات الفقر، بهدف توجيه الدعم إلى الأسر الأكثر احتياجًا. 

غياب الرقم الأحدث للفقر

لكن المشكلة الأكبر في قراءة أرقام التخارج تتمثل في صعوبة قياس النتائج في ظل غياب بيانات رسمية حديثة منشورة عن معدل الفقر في مصر.

فآخر نتائج شاملة منشورة لبحث الدخل والإنفاق والاستهلاك الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تعود إلى عام 2019/2020، عندما سجل معدل الفقر نحو 30%.

ومنذ ذلك الوقت، شهد الاقتصاد المصري تغيرات واسعة، شملت ارتفاعات متتالية في أسعار الغذاء والطاقة والخدمات، ومعدلات تضخم مرتفعة، إلى جانب تحولات كبيرة في سعر صرف الجنيه.

وفي ديسمبر 2024، تحدثت وزيرة التضامن الاجتماعي عن وجود نحو 12 مليون أسرة تعيش تحت خط الفقر، من بينها 7.4 مليون أسرة تستفيد من برامج الدعم النقدي المختلفة.

لكن من دون مؤشر فقر حديث وشامل، تظل المقارنة بين أعداد الأسر الخارجة من «تكافل وكرامة» وبين عدد الفقراء الفعليين محدودة الدلالة.

هل «التخارج» يعني الخروج من الفقر؟

بعد أكثر من 11 عامًا على إطلاق «تكافل وكرامة»، تكشف الأرقام عن برنامج واسع النطاق أنفق مئات المليارات من الجنيهات، واستفادت منه ملايين الأسر، مع استمرار عملية دخول أسر جديدة وخروج أخرى.

وتقول الحكومة إن خروج 2.2 مليون أسرة بسبب تحسن أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية يمثل نجاحًا لآلية الحماية الاجتماعية وقدرتها على نقل الأسر تدريجيًا من الاعتماد على الدعم إلى الاستقلال الاقتصادي.

لكن إثبات هذا التحسن يحتاج إلى ما هو أبعد من مجرد انخفاض عدد المستفيدين؛ إذ يتطلب معرفة ما إذا كانت الأسر الخارجة قادرة على الحفاظ على مستوى معيشي أفضل بصورة مستدامة، وما إذا كان مصدر الدخل الذي أدى إلى التخارج مستقرًا بما يكفي لتجنب عودتها إلى قوائم الدعم.

وبينما تدخل أسر جديدة إلى البرنامج وتخرج أخرى، يبقى غياب بيانات حديثة وشاملة عن الفقر أحد أبرز التحديات أمام تقييم النتيجة النهائية. فالسؤال ليس فقط: كم أسرة خرجت من «تكافل وكرامة»؟ بل الأهم: كم أسرة خرجت فعلًا من الفقر، وكم أسرة خرجت فقط من قائمة المستفيدين؟

*بعد دفع مديرة 18 ألف جنيه لصيانة مدرسة.. إهمال الخدمات يدفع المواطنين لتحمّل أعباء الدولة

كشفت واقعة إنفاق مديرة مدرسة بالقليوبية 18 ألف جنيه من أموالها الخاصة على الإصلاحات أزمة تتجاوز جدران المدرسة، لتطرح سؤالًا عن التمويل والمساءلة.

وأعادت الواقعة، بالتزامن مع مشاهد تنظيف مدير مدرسة بنفسه وقطع أشجار معمرة بشارع جامعة الدول العربية، الجدل حول أولويات الإنفاق وتحميل المواطنين تكلفة القصور.

مدارس تنتظر جيوب المعلمين

بحسب الوقائع الواردة في المادة، اضطرت المديرة إلى تحمل نفقات إصلاح مدرستها، في مشهد يعكس انتقال عبء توفير احتياجات المؤسسة إلى أحد العاملين بها.

ولا يتعلق الأمر بقيمة المبلغ وحدها، بل بالسؤال الذي يفرضه دفعه: لماذا تصبح أموال المعلمين وسيلة لتأمين احتياجات يفترض توفيرها عبر قنوات التمويل؟

وتشير المادة إلى إنفاق قدره 25.5 مليار جنيه على هيئة الأبنية التعليمية، لكنها لا تحدد السنة المالية أو توزيع المبلغ بين الإنشاءات والصيانة.

ولهذا، يفتح الرقم باب المطالبة بتفاصيل الاعتمادات وأوجه استخدامها، دون أن يثبت وحده حصول المدرسة المعنية على مخصصات كافية أو يكشف مصيرها الفعلي.

لكن غياب هذه التفاصيل لا يلغي مسؤولية الجهات المختصة عن توضيح أسباب تعثر الإصلاحات، وكيف وصلت مديرة المدرسة إلى تحمل تكلفتها من دخلها الشخصي.

فإذا كانت المخصصات غير كافية، فالمشكلة تتصل بتقدير الاحتياجات وتوزيع الموارد؛ وإذا كانت متاحة ولم تنفذ الأعمال، فالمساءلة تتجه إلى التنفيذ والرقابة.

وفي الحالتين، لا يجوز أن يتحول الموظف إلى ممول دائم لمكان عمله، أو يصبح استعداده للدفع معيارًا للإخلاص والكفاءة والقدرة على إدارة المدرسة.

وتزداد قسوة المشهد عندما يظهر مدير مدرسة بملابسه الشخصية لاستكمال النظافة، بينما يبقى السؤال معلقًا بشأن العمالة المتاحة ومسؤوليات الصيانة ومتابعة الاستعداد للدراسة.

فالمبادرة الفردية تستحق التقدير، لكنها تكشف خللًا حين تصبح شرطًا لاستمرار الخدمة، خصوصًا إذا تكررت دون معالجة الأسباب التي دفعت العاملين إليها. 

كما أن مطالبة المديرين بتحسين المدارس تحتاج إلى صلاحيات وتمويل وعمالة، وليس مجرد توجيهات تضعهم أمام مسؤوليات واسعة دون أدوات كافية للوفاء بها.

ولا تصنع الجولات التفقدية إصلاحًا مستدامًا إذا انتهت عند توبيخ موظف أمام الكاميرات، دون مراجعة طلباته السابقة والعقبات التي واجهته والموارد التي تسلمها.

وتبدأ المحاسبة الجادة من مقارنة المطلوب بالمتاح، وفحص المستندات، وتحديد المسؤول عن كل تأخير، ثم إعلان إجراءات تضمن عدم تكرار المشكلة بالمدرسة نفسها.

أما الاكتفاء بالإشادة بمن يدفعون من جيوبهم، فيهدد بتحويل التضحية إلى قاعدة إدارية، ويترك المدرسة التالية تنتظر موظفًا يستطيع تحمل نفقات الدولة مجددًا.

الأشجار تكشف ترتيب الأولويات

يمتد السؤال عن الإدارة إلى شارع جامعة الدول العربية، حيث تطرح وقائع قطع الأشجار المعمرة قضية حماية المساحات الخضراء وموقعها داخل قرارات التطوير العمراني.

فالشجرة القائمة جزء من حياة السكان اليومية، توفر الظل وتخفف قسوة الشارع، وإزالتها تستدعي تفسيرًا واضحًا للأسباب والبدائل والجهة التي وافقت على التنفيذ.

ولا تكفي الإشارة العامة إلى التطوير لتبرير كل إزالة، خصوصًا عندما لا يعرف السكان تفاصيل المشروع أو مصير الغطاء الأخضر الذي اعتادوا وجوده.

كذلك، لا يمكن اعتبار أي زراعة بديلة تعويضًا فوريًا عن أشجار معمرة؛ فالأثر يرتبط بحجم الأشجار ومواقعها وقدرتها على الاستمرار والرعاية المخصصة لها.

وتتقاطع هذه القضية مع أزمة المدارس عند نقطة واحدة: القرارات تمس احتياجات يومية مباشرة، بينما يظل المواطن بعيدًا عن المعلومات التي تفسرها وتتيح مساءلتها.

وتستحضر المادة المقارنة بين الإنفاق على العاصمة الإدارية الجديدة وتعثر خدمات قائمة، لتنتقد تقديم المشروعات الكبرى على صيانة مرافق يعتمد عليها السكان بالفعل.

وليست المقارنة دليلًا محاسبيًا على انتقال أموال مدرسة بعينها إلى مشروع آخر، لكنها تطرح سؤالًا مشروعًا بشأن ترتيب الاحتياجات ومعايير تخصيص الموارد العامة.

فالمواطن يقيس أثر الإنفاق بما يجده في محيطه: مدرسة صالحة، وشارع آمن، وظل متاح، وخدمة تستجيب لشكواه دون مطالبته بتمويل إصلاحها بنفسه.

وعندما تتسع المسافة بين الوعود وهذه التجربة اليومية، تتراجع قدرة الأرقام الرسمية على الإقناع، حتى لو تضمنت مشروعات منفذة أو اعتمادات مالية كبيرة.

من هنا، تحتاج الجهات التنفيذية إلى نشر خطط الصيانة والتطوير ومواعيدها وتكاليفها، حتى يستطيع السكان مقارنة ما أُعلن بما تحقق على أرض الواقع.

كما تحتاج قرارات إزالة الأشجار إلى عرض مبرراتها قبل التنفيذ، وبيان البدائل التي دُرست، بدل ترك الأهالي أمام أمر واقع يصعب التراجع عنه.

وتصبح الرقابة أكثر فاعلية حين تسبق الضرر، لأن إعادة بناء الثقة بعد إزالة شجرة أو تعطيل مدرسة أصعب من إتاحة المعلومات والاستجابة المبكرة للاعتراضات.

أما التعامل مع كل واقعة باعتبارها شكوى منفصلة، فيحجب النمط المشترك: ضعف الاستجابة الوقائية، وتأخر التدخل، وترك السكان والعاملين لمواجهة النتائج بأموالهم وجهودهم اليومية.

التبرعات لا تعوض المساءلة

تنتقد المادة خطابًا إعلاميًا يعرض معاناة المواطنين، ثم ينتهي إلى دعوات للتبرع وتقديم البلاغات، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بأسباب الأزمة ومسؤولية الجهات المختصة عنها.

وقد تساعد التبرعات في إصلاح عاجل، لكن تقديمها باعتبارها الحل الأساسي يخلط بين التكافل الاختياري والالتزام المؤسسي بتوفير الخدمة وصيانة مرافقها بانتظام للجميع.

فالمواطن الذي يسدد التزاماته ويتحمل تكاليف المعيشة لا يفترض أن يدفع مرة إضافية كلما تعطلت مؤسسة، أو ينتظر مبادرة خيرية لتلبية احتياجات أبنائه.

كذلك، لا يكتمل دور البلاغ بمجرد تسجيله؛ إذ تحتاج الشكوى إلى متابعة وموعد للاستجابة ونتيجة معلنة، حتى لا تصبح إجراءً يستهلك وقت صاحبها.

وتفتح هذه الوقائع أسئلة عن الإهمال وسوء الإدارة واحتمالات الفساد، لكن إثبات الاستيلاء على الأموال يحتاج إلى مستندات وتحقيقات تحدد الوقائع والمسؤولين عنها.

ولا تخفف هذه التفرقة من خطورة القصور، بل تجعل المحاسبة أدق، بحيث لا تضيع المسؤولية بين اتهامات عامة أو تبريرات تلقي العبء على الجميع.

وتتمثل المشكلة الأوسع في قدرة المؤسسات على الاستفادة المستمرة من إخلاص موظفيها، دون تحويل هذا الإخلاص إلى إصلاح يمنع استنزافهم المالي والمهني المتكرر.

فحين يعالج المعلم النقص بماله، قد تستمر الدراسة مؤقتًا، لكن السبب الإداري يبقى قائمًا، وتنتقل الأزمة إلى فصل آخر أو عام دراسي جديد.

وبمرور الوقت، ينشأ تفاوت بين مدارس تجد متبرعين وعاملين قادرين على الدفع، وأخرى تفتقر إلى ذلك، فتتأثر الخدمة بقدرة المحيط الاجتماعي على التعويض.

وهنا تصبح حماية العاملين جزءًا من حماية التعليم نفسه، عبر ضمان الموارد الأساسية، وتوثيق الاحتياجات، وعدم معاقبة الموظف على نقص خارج حدود صلاحياته.

ويشمل الإصلاح نشر نتائج التحقيقات ومراجعة تنفيذ الصيانة، مع تحديد مسؤوليات واضحة تمنع تبادل الاتهامات بين الإدارات وترك المؤسسة دون حل قابل للتنفيذ.

وتبقى واقعة المديرة سؤالًا مباشرًا للجهات المسؤولة: كيف تُسترد حقوق من تحملوا النفقات، وما الإجراءات التي تضمن توفير الإصلاحات المقبلة دون انتظار تضحيات شخصية؟

ولا تُقاس الاستجابة بعدد التصريحات أو زيارات التفقد، بل بمدرسة تحصل على احتياجاتها، وشكوى تنتهي بحل، ومواطن يتلقى خدمته دون أن يمول تقصير المسؤولين.

*بعد واقعة القليوبية.. هل تنجح تبريرات المحافظ في احتواء غضب المعلمين؟

تواصلت الأزمة المشتعلة بين محافظ القليوبية وعدد من القيادات التعليمية بعد صدور بيان رسمي من نقابة المعلمين يعبر عن رفضه القاطع للطريقة التي جرى بها التعامل مع نادر علي مدير مدرسة برقطا الابتدائية في مركز كفر شكر، إضافة إلى صالحة عبدالفضيل مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير في قرية كفر الجزار بمدينة بنها وسط أجواء مشحونة بالتوتر.

أزمة القليوبية تتصاعد: المحافظ يبرر والنقابة تحذر من المساس بالكرامة

أعلنت نقابة المعلمين أن صون كرامة المعلم ومدير المدرسة يمثل خطا أحمر وثابتا لا يمكن القبول بتجاوزه تحت أي مبرر، مشددة على أن تقييم الأداء المؤسسي يجب أن يخضع للوائح والقرارات القانونية عبر القنوات الإدارية المختصة بعيداً عن العدسات واللقطات المصورة التي تثير الجدل وتضر بالاستقرار الإداري.

بينت النقابة أن التداعيات الأخيرة خلقت حالة عارمة من الغضب والاستياء داخل الوسط التعليمي، منددة بما وصفته بإلقاء أعباء ومسؤوليات جسيمة لا تدخل ضمن النطاق الوظيفي المباشر لمديري المدارس على عواتقهم، فضلاً عن الأسلوب الجاف الذي لا يتناسب نهائياً مع القيمة الكبيرة للمعلم ودوره المحوري في بناء المجتمع.

أوضحت النقابة رفضها التام لتحويل الجولات الميدانية التفتيشية للمؤسسات التعليمية إلى وسيلة للدعاية الشخصية أو الاستعراض الإعلامي، منبهة إلى أن المسؤول الحقيقي ينبغي أن ترتكز جولته على استكشاف التحديات الفعلية للعملية التعليمية والإنصات لصوت المعلمين والطلاب بحثاً عن حلول جذرية تذلل العقبات القائمة.

كشفت النقابة عن اعتزامها تنظيم فعالية قريبة لتكريم كل من نادر علي وصالحة عبدالفضيل تقديراً لمجمل عطائهما وتحملهما للمسؤولية بأمانة بعيداً عن الصخب الإعلامي، مؤكدة أن أساليب اللوم العلني والتوبيخ أمام الكاميرات لا تساهم في إصلاح المنظومة بل تهدم هيبة المعلم وتضعف قدرته الميدانية على أداء رسالته التربوية.

رد محافظ القليوبية على هذه الانتقادات بتأكيد أن قرار إعفاء مدير مدرسة برقطا الإعدادية من منصبه لم يكن بسبب ارتداء الجلباب كما روج البعض، وإنما جاء نتيجة مباشرة لما رصدته اللجنة خلال الزيارة الميدانية من تردٍ واضح في الأوضاع داخل المدرسة وعجز الإدارة عن معالجة المشكلات القائمة.

أشار المحافظ في بيانه الرسمي إلى أن مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير في كفر الجزار ببنها لم تقدم دلائل قطعية تفيد بتحملها نفقات مالية من جيبها الخاص، موضحاً أنها حصلت على أموال من المقاول المسؤول عن إزالة مبنى آيل للسقوط داخل الحرم المدرسي وفقاً لما ورد في التقارير المعروضة.

أكد المحافظ أن الوثائق التي تقدمت بها مديرة المدرسة أثبتت إرسالها مخاطبات رسمية متكررة للإدارة التعليمية بخصوص الأزمات الموجودة، مما يعني سعيها الحثيث للحل وعدم سلبيتها، وهو ما حال دون اتخاذ أي قرارات عقابية بحقها رغم عدم دقة ادعاءاتها المالية.

*حظر النقاب منذ 2023 بلا تنفيذ .. لماذا تعيد وزارة التربية والتعليم التذكير بقرار المنع رغم عدم قدرتها على تطبيقه ووجود آلاف المنقبات داخل المدارس؟

أعادت وزارة التربية والتعليم التلويح بحظر النقاب، رغم مرور نحو 3 سنوات على إقراره دون ظهور حالة منع موثقة وكونه حبر على ورق ما يحمل ضغينة وحقد ضد التعاليم الإسلامية، لتفتح مجددًا سؤال قدرتها على تحويل التهديد إلى ممارسة وسط مجتمع به الالف المنقبات داخل المدارس لا يجرؤ احد على توقيف اي منهن.

وبين قرار مكتوب وتنفيذ غير ظاهر، تبدو الوزارة حريصة على إبقاء المنع حاضرًا، والتنفيذ غائبا خشية من رد فعل سيكون لا يحمد عقباه .

وبينما تظل كلفة مواجهة الطالبات وأسرهن والمجتمع الرافض للقرار تفسيرًا محتملًا للتردد، في تناقض يغذي وصف الحظر بأنه حبر على ورق لكنه لا يخفي وجود ضغينة من تعاليم الدين الاسلامي.  

استهداف الاختيار

بدايةً، يستند الحظر إلى القرار الوزاري رقم 167 لسنة 2023، وليس قانونًا جديدًا، إذ اشترط عدم حجب وجه الطالبة ضمن مواصفات الزي، ليضع اختيار المنتقبة في مواجهة مباشرة مع التعليمات الإدارية.

وبحسب بيان الوزارة الأخير، جاء تجديد التأكيد بعد منشور لمدرسة نجع سعيد بقنا، تضمن الإشارة إلى الالتزام بالنقاب، وأعقبه إحالة المدير ومسؤول الصفحة للتحقيق، دون إعلان حصيلة منع طالبات من الدراسة.

للتوضيح، نفت الوزارة أن تكون الصورة المصاحبة للمنشور حقيقية، وقالت إنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل الواقعة المثبتة متعلقة برسالة مدرسية منشورة، وليس بمشهد لطالبات جرى منعهن أو إجبارهن على النقاب.

في المقابل، لا يحتاج توصيف المنع بأنه استهداف لارتداء النقاب إلى افتراض دوافع خفية، فالقرار يقيد هذا اللباس صراحة عبر شرط إظهار الوجه، وإن قدمته الوزارة ضمن قواعد تنظيم الزي المدرسي، لكنه يخفي داخله محاربة الإسلام.

ومن ثم، يتجاوز الاعتراض صياغة التعليمات إلى أثرها المقصود، منع الطالبة من الاحتفاظ بلباس اختارته داخل المدرسة، بما يجعل الحديث عن التنظيم وحده عاجزًا عن إخفاء المساس المباشر بهذه القناعة الدينية. 

واستنادًا إلى موقف العالم الأزهري عباس شومان، الذي نقلته الشرق الأوسط، فإن النقاب من الحريات الشخصية، وارتداء النساء له طلبًا للستر لا يبرر محاصرته بسبب إساءة استخدامه من بعض الأشخاص الآخرين.

كما أوضح شومان أن التحقق من شخصية المنتقبة يعالج مخاوف التخفي، دون حاجة للمطالبة بالمنع، وهو طرح يضع أمام الإدارة بديلًا محددًا، ويضعف تبرير الحظر العام بمجرد الحاجة إلى معرفة الهوية.

خشية المواجهة

بدوره، أكد الفقيه يوسف القرضاوي في حديث للجزيرة عام 2004 أن النقاب حق للمسلمة، ورفض إلزامها بترك ما تعتقد وجوبه أو استحبابه، رابطًا ذلك بحريتها الشخصية والدينية في اختيار لباسها بنفسها.

وعليه، لا يقتصر الاعتراض الشرعي على من يرى النقاب واجبًا، بل يشمل رفض مصادرة المباح والمستحب، فترجيح جواز كشف الوجه لا يمنح الإدارة تلقائيًا حق إجبار من اختارت تغطيته على نزعه.

علاوة على ذلك، أجاز القرضاوي كشف الوجه عند ضرورة التعرف على الشخصية، ومنها الامتحانات، فجمع بين احترام الاختيار وتلبية الحاجة، دون تحويل الاستثناء المحدد إلى إلزام عام بكشف الوجه طوال الدراسة.

بناءً على ذلك، تبدو مطالبة المنتقبة بإثبات هويتها مختلفة جوهريًا عن مطالبتها بالتخلي عن نقابها، والخلط بين الإجراءين يوسع سلطة الإدارة على حساب الطالبة، بدل حصر التدخل في حدود الحاجة الفعلية.

بالتوازي، يفتح غياب حالات منع موثقة في المواد المتاحة باب التساؤل عن حدود التطبيق، لكنه لا يكشف وحده تعليمات كل مدرسة، ولا يسمح بتحويل تفسير التردد إلى معلومة مؤكدة عن المسؤولين، العاجزين عن تفجير تنفيذ هذا القانون.

مع ذلك، فإن تجديد القرار بدل تقديم نتائج تنفيذه يعزز قراءة ترى السلطة أشد اندفاعًا في إعلان المنع منها في تحمل تبعاته، خصوصًا عندما ينتقل الأمر من الورق إلى بوابات المدارس.

لذلك، يمكن فهم الخشية من اعتراض الأسر باعتبارها تفسيرًا لهذا التباعد، لا اعترافًا صادرًا عن الوزارة، فإبعاد طالبة بسبب لباسها قد ينقل الخلاف إلى مواجهة علنية بشأن التعليم والتدين والاختيار الشخصي.

امتدادًا لذلك، يبدو إبقاء الحظر معلقًا وسيلة لاستمرار الوجه القبيح لحكومة الانقلاب والتشهير بالدين دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة، وهي قراءة للتناقض القائم، حيث تبقى الطالبات أمام نص يسمح بالتضييق، بينما هو على ارض الواقع حبر على ورق ربما يخوف قلة صغيرة وتجبرهن على خلع النقاب.

حرية مهددة

من جانبه، دافع الفقيه محمد رأفت عثمان، عضو مجمع البحوث الإسلامية آنذاك، في حوار للخليج عن حرية المرأة في ارتداء النقاب، مع رفض فرض اختيارها على جميع النساء الأخريات.

وفقًا لهذا الموقف، لا تتجزأ الحرية بين حق ترك النقاب وحق ارتدائه، ورفض إجبار الطالبات عليه يجب أن يقابله رفض إجبارهن على نزعه، وإلا تحولت حماية الاختيار إلى وصاية في اتجاه واحد.

وبالمثل، لا يكفي رفض منشور يوحي بإلزام الطالبات بالنقاب لتبرير منع من اختارته، لأن الحالتين مختلفتان، الأولى تتعلق بفرض اللباس، والثانية بمصادرة اختيار فردي، وتجاهل الفارق يفرغ الدفاع عن الحرية من معناه.

فضلًا عن ذلك، يبعث استمرار التلويح بالحظر رسالة تضييق إلى المنتقبات، حتى دون تطبيق ظاهر، لأن وجود النص يمنح الإدارة أداة ضغط محتملة، ويجعل استقرار الطالبة الدراسي عرضة لتبدل التوجيهات والاجتهادات المحلية.

أما تربويًا، فإن تحويل الزي إلى اختبار طاعة يهدد بإزاحة غاية المدرسة، فالمطلوب تعليم الطالبة واحترام كرامتها، ومعالجة احتياجات التعريف بالهوية دون وضعها أمام مفاضلة قاسية بين الدراسة وما تعتبره التزامًا دينيًا.

ولهذا، يستند الموقف الرافض إلى المطالبة بمراجعة الحظر نفسه، لا استعجال تنفيذه، لأن غياب التطبيق الظاهر لا يجعل النص بلا أثر، بل يبقي احتمال استخدامه ضد الطالبات قائمًا متى تغيرت التعليمات.

إزاء ذلك، تصبح إعادة التشديد عبئًا على مصداقية الوزارة، فهي تؤكد قاعدة تقيد اختيارًا دينيًا، لكنها لا تقدم في بيانها الأخير ما يحسم نطاق التنفيذ، فتترك الأسر أمام تهديد قائم وغموض مستمر.

 أخيرًا، تكشف المعطيات المتاحة حظرًا يتجدد في البيانات أكثر مما يظهر في الوقائع الموثقة، ليشهر بالتعاليم الإسلامية وتسمح بقراءة التردد خشيةً للمواجهة، بينما يبقى الاعتراض الأهم أن حرية المنتقبة لا ينبغي تعليقها على قانون فهو حق أصيل وحرية كاملة لعبادتها.

*ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل يشعل أسعار الدواجن والزيوت والجبن والبقوليات

دفعت زيادات الغذاء خلال أغسطس 2026 الأسر المصرية إلى مواجهة أعباء إضافية، بعدما ارتفعت الجبنة البيضاء 5.5% والدواجن 3.5%، لتضع قدرة الحكومة على حماية الاحتياجات الأساسية وضبط تكاليف المعيشة تحت المساءلة.

وبحسب تقرير حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية، طالت الارتفاعات سلعًا تشمل الجبن والزيوت والأرز، بينما كشفت بيانات أسبوعية قفزة بالعدس، بما يزيد الضغط على بدائل البروتين لدى محدودي الدخل.

المائدة تفقد بدائلها

ففي صدارة الزيادات، بلغ متوسط كيلو الجبنة البيضاء 150.62 جنيه مقابل 142.82 جنيه في يوليو، بفارق 7.80 جنيه، لتصبح وجبة اعتادت أسر اعتبارها اقتصادية أكثر استنزافًا لميزانية الطعام خلال الشهر.

وتاليًا، ارتفع متوسط سعر الدواجن إلى 98.70 جنيه مقابل 95.35 جنيه، بزيادة 3.35 جنيه للكيلو، وهو عبء يتضاعف بحسب الكميات المشتراة، ويضيّق مساحة المناورة أمام الأسر عند تدبير احتياجاتها الغذائية.

بالتوازي، سجل زيت عباد الشمس زيادة قدرها 1.7%، وارتفع الجبن الرومي 0.9% والأرز المعبأ 0.5%، لتتوزع الضغوط على مكونات مختلفة من المائدة، بدل انحصارها في سلعة واحدة يمكن الاستغناء عنها.

وفي تفسيره، ربط المنوفي التحركات بتغيرات العرض والطلب وتكاليف الإنتاج والنقل، لكنه تفسير يفتح سؤالًا رقابيًا عن مقدار التكلفة الحقيقية داخل السعر، وحصة الأرباح التي يتحملها المستهلك عند كل زيادة.

وعلى مستوى الأسرة، تعني زيادة شراء كيلو جبنة وكيلو دواجن دفع 11.15 جنيه إضافية مقارنة بيوليو، وفق المتوسطات المذكورة، قبل احتساب الزيت والأرز وبقية الاحتياجات المتكررة على مدار الشهر نفسه.

لذلك، لا تكفي قراءة النسب منفردة لتقدير الضغط المعيشي، لأن الزيادات تتجمع داخل فاتورة واحدة، بينما يتوقف أثرها على دخل الأسرة وحجمها ونمط استهلاكها، وهي تفاصيل لا يقدمها الرصد المتاح.

غير أن البيانات لا تتضمن مقارنة بين تكاليف المصانع وأسعار الجملة والتجزئة، ما يمنع الجزم بمسؤولية طرف بعينه، ويجعل نشر هذه الفروق ضرورة لمحاسبة المستفيدين من أي زيادات غير مبررة.

ومن ثم، تصبح الحكومة مطالبة بإظهار نتائج تدخلاتها على أسعار السلع الأساسية، لأن استمرار الارتفاعات لا تعالجه نشرات الرصد وحدها، ولا يمنح الأسر وسيلة لحماية غذائها من أعباء إضافية متكررة.

انخفاضات لا تلغي الضغط

أما أسبوعيًا، فسجل الأرز المعبأ 34.79 جنيه للكيلو، بزيادة تقارب جنيهين، وفق البيانات المنقولة عن بوابة الأسعار المحلية التابعة لمجلس الوزراء، وهي مقارنة منفصلة عن معدل ارتفاعه الشهري بتقرير أغسطس.

وفي المقابل، تراجع الفول المعبأ إلى 61.73 جنيه بانخفاض 2.8 جنيه، وسجل المجروش 62 جنيهًا، بينما بلغ الدقيق المعبأ 25.78 جنيه، بما يؤكد اختلاف اتجاهات السلع داخل فترة الرصد الأسبوعية.

كذلك، بلغ زيت عباد الشمس 99.72 جنيه للتر، منخفضًا 3.39 جنيه أسبوعيًا، رغم ارتفاعه شهريًا خلال أغسطس، ولا يوجد تناقض بالضرورة بين الحركتين لاختلاف الفترة المرجعية التي تقاس عليها الأسعار.

وبالمثل، سجل السكر المعبأ 34 جنيهًا للكيلو، وزيت الذرة 121 جنيهًا للتر، لكن المادة المتاحة لا تحدد تغيرهما خلال الفترة نفسها، ولذلك لا يجوز إدراجهما ضمن قائمة الزيادات السعرية المرصودة.

على الجانب الآخر، قفز العدس الصحيح المعبأ إلى 69.71 جنيه، بزيادة 14.27 جنيه للكيلو، ما يعادل قرابة 25.7%، ليضغط ارتفاعه على سلعة تعتمد عليها الأسر بوصفها مصدرًا للبروتين النباتي الأقل تكلفة.

إلى جانب ذلك، ارتفع صنف آخر من العدس المعبأ إلى 62.79 جنيه بزيادة 7.35 جنيه، وسجل العدس الأصفر 69.67 جنيه، دون توضيح لاختلاف مواصفات الأصناف داخل البيانات المتاحة للقارئ أو المستهلك.

وفي هذا السياق، حذرت سعاد الديب، رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك، خلال تصريحات في ديسمبر 2025، من التخفيضات الوهمية، مشددة على مقارنة الأسعار الفعلية قبل العروض للتحقق من مصداقيتها. 

واستنادًا لذلك، يحتاج تقييم الانخفاضات المعلنة إلى مقارنة السلعة نفسها بوزنها وجودتها وفترة رصدها، حتى لا تتحول فروق العبوات والأصناف إلى صورة مضللة عن تحسن القدرة الشرائية لدى الأسر المصرية.

الإنتاج والرقابة الغائبة

وبخصوص المكرونة، سجلت العبوة زنة 400 جرام 24.58 جنيه بانخفاض 8.19 جنيه، بينما بلغ متوسط الكيلو المعبأ 27.98 جنيه، متراجعًا 4.79 جنيه، وهو تفاوت يستلزم توضيح الأصناف التي شملها الرصد.

حسابيًا، يعادل سعر العبوة الصغيرة 61.45 جنيه للكيلو، لكن مقارنته بمتوسط الكيلو المعبأ لا تثبت مخالفة تجارية، لاحتمال اختلاف الجودة والعلامة، فيما سجلت المكرونة السائبة 25.48 جنيه للكيلو ضمن البيانات نفسها.

وعند جذور الأزمة، دعا جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق، في حوار في سبتمبر 2025، إلى زيادة إنتاج الغذاء محليًا وتقليل الاعتماد على الاستيراد للحد من تقلبات الأسعار.

فضلًا عن ذلك، انتقد عبد الخالق في الحوار ضعف ضبط الأسواق، وطالب بتفعيل حماية المنافسة ومواجهة الممارسات الاحتكارية، رابطًا نجاح أي برنامج اقتصادي بمعالجة اختلالات السوق وإقرار المساءلة عن المخالفات.

وانطلاقًا من تشخيصه، فإن مواجهة الغلاء تستدعي مراجعة أولويات الإنفاق ودعم الإنتاج الزراعي وتحسين التوزيع، وهي مسؤوليات حكومية مباشرة، بدل ترك المستهلك يواجه نتائج اختلالات لا يملك أدوات معالجتها أو تجنبها.

وبناءً عليه، تضع قفزات الجبن والدواجن والعدس ملف الغذاء أمام اختبار عملي، يتطلب بيانات عن التكاليف وهوامش التداول، وإجراءات معلنة تقاس بنتائجها في الأسواق وقدرتها على تخفيف فاتورة شراء الطعام.

أخيرًا، يبقى معيار المحاسبة مقدار ما تستطيع الأسرة شراءه بدخلها، لا عدد السلع التي انخفضت مؤقتًا، فحماية الغذاء تستلزم كبح الزيادات غير المبررة وتوسيع الإنتاج، بدل الاكتفاء بتسجيل تآكل القدرة الشرائية.

عن Admin