السبت , 25 مارس 2017
خبر عاجل
أنت هنا: الرئيسية » أراء و أقلام » الفتح الرباني الإلجامي في الرد على برهامي
الفتح الرباني الإلجامي في الرد على برهامي

الفتح الرباني الإلجامي في الرد على برهامي

الشيخ جعفر الطلحاوي

الشيخ جعفر الطلحاوي

الفتح الرباني الإلجامي في الرد على برهامي

بقلم: جعفر الطلحاوي

شبكة المرصد الإخبارية

أولا- مقدمة:

من المعلوم أن “المفتي قائم في الأمة مقام النبي – صلى الله عليه وسلم- منوط به بيان الحكم الشرعي – فيما يعرض للناس من قضايا وحوادث – مشفوعا بالدليل والبرهان من نصوص الوحيين وفهمهما، وهو مخبر عن الله تبارك وتعالى كالنبي – صلوات الله وسلامه عليه – ومُوَقِّع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي – صلوات الله وسلامه عليه-.

ولا تصح الفتيا – سواء كانت قولا أم فعلا أم تقريرا – إذا خالفت مقتضى العلم. ولا يليق بالمفتي أن يذهب – في فتواه – بالجمهور مذهب الشدة ولا يميل به إلى طرف الانحلال، وإنما يحمل الناس على الوسط [1]. ولا يصح له أن يعتمد في فتواه على مجرد وجود الحكم بين أقوال الفقهاء، بل يجب عليه أن يتحرى ما هو أرجح منها تبعا لقوة الدليل[2].

نقول هذا الكلام بمناسبة ما “أفتى به” “نائب رئيس الدعوة السلفية بمصر الطبيب ياسر برهامي، من أن الرجل الزوج إذا تعرض أحد لاغتصاب زوجه، وغلب على ظن الزوج أنه إذا دافع عنها قتلوه، فينبغي له أن يتغاضى عن اغتصاب زوجه، وألا يسمح لهم بقتله، تقديما لحفظ النفس على حفظ العرض وجوبًا!! ناسبا هذا القول لسلطان العلماء العز بن عبد السلام، والعز بن عبد السلام بريء من هذا الافتئات براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما سنرى بعد قليل – بحول الله وقوته -.

وَلَا يَسْتَرِيبُ مَنْ شَمَّ رَائِحَةَ الْفِقْهِ أَنَّ هذا الكلام لا يقول به أحد من عامة الناس ؛ فضلا عن علمائهم بل أئمة العلماء وفحولهم، ناهيك بالعز بن عبد السلام، وأيضًا: فيه إحراج للضمير الإنساني بله الإسلامي، وكلام ينقصه الفقهُ، ويخلو من النور (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)[3].

ودون تشغيب على الرجل، ودون مجافاة للحقيقة والواقع نقول: الطبيب إذا أخطأ في طِبِّه – والرجل في الأصل طبيب – قتل نفساً، ولكن العالم الديني إذا أخطأ قتل أمة، وأذهب عليها دينها ودنياها. (وزلَّة العَالِم زلَّةٌ لِلعَالَم). كم سيحصل من الشر المستطير على هذا الكلام؟؟!!! ولعل الرجل يعيش أجواء الاغتصاب الذي تعيشه مصر، اغتصاب الدولة أو قل السلطة، وقد وضع يده بالأمس في يد المغتصبين الانقلابيين، واليوم يريد أن يُشَرعن لمغتصبين جدد، منتهكي الأعراض، بالافتئات على الشريعة، دون مراعاة لحرمة نصوصها، وعصمتها.

ثانيا- براءة العز بن عبد السلام من هذا الافتئات:

ومن تتبع كلام العز – سلطان العلماء – وجد أن منصبه وعلمه يأبى أن يحمل كلامه شيئا من هذا الافتئات ودونك البيان.

يقول العز بن عبد السلام في “[فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ الْمَفَاسِدِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْمَصَالِحِ] الِاسْتِسْلَامَ لِلْقَتْلِ أَوْلَى مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ بِغَيْرِ جُرْمٍ، أَوْ إتْيَانِ بِضْعٍ مُحَرَّمٍ” قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/ 93).

ويقول في (الفوائد في اختصار المقاصد): “وَلما علم سُبْحَانَهُ أَن فِي عباده من لَا يزجره الْوَعيد وَلَا يردعه التهديد بِالْعَذَابِ الشَّديد شرع الْعُقُوبَات العاجلة كالحدود والتعزيرات وَالْقصاص زجرا عَن ارْتِكَاب أَسبَاب هَذِه الْعُقُوبَات ولمثل هَذَا سبّ العاصين وذم الْمُخَالفين ومدح الطائعين ترغيبا فِي الطَّاعَات وتنفيرا عَن الْمعاصِي والمخالفات

وَلما علم أَن فِي عباده من يصول على النُّفُوس والأبضاع وَالْأَمْوَال بِالضَّرْبِ والزجر والتهديد وبقطع الْأَغْنِيَاء وَقتل النُّفُوس شرع ردعهم حفظا للنفوس والأبضاع وَمَنَافع الْأَمْوَال”[4]

هذه نقول من أقوال العز – رحمه الله – لا يُشتم منها التفريط في العرض كالذي ذهب إليه الرجل.

ثالثا- أخوات برهامي:

من حمل السلاح فاقتحم عليك دارك طلبا للفتك بك أو انتهاك عرضك، كيف يُنادي عليك كي تُخلي له الساحة يرتع ويعبث؟؟!!! ليس من يسير في حراسة عربات الأمن المركزي، أو مدرعات الشرطة أو الجيش، أو يجلس على أريكته، آمنا في سربه معافى في بدنه، ليكتب كلمات كهذه، كمن باشر الابتلاء، فعرف من حقيقته ما لم يعرف المعافى، وتلك فتن تمس الحاجة فيها إلى أقوال أهل العلم المختصين، أهل الذكر كما سماهم الله تعالى، أو الراسخين في العلم كما وصفهم الله تعالى؟ والمسلم يقول:

مِنْ أَيِ يَوْمَيَّ مِنَ الْمَوْتِ أَفِرُّ… أَيَوْمَ لَمْ يُقَدَّرْ أَمْ يَوْمَ قُدِّرْ؟

يَوْمٌ قُدِّرَ لاَ أَرْهَبُهُ وَمِنَ… المَقْدُورِ لاَ يَنْجُو الحَذِرْ[5]

وصَدَق الحافظ ابن تيميةَ: (أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَكَلَّمَ فِي غَيْرِ فَنِّهِ يَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الْعَجَائِبِ)، ولا غرابة في هذه الفتوى، فصاحبها في أجواء تأييده للانقلابيين والطغاة وسفاكي الدماء (صعقا وخنقا وحرقا وقنصا وتجريفا)، ومن سحلوا الحرائر، إنه وأمثاله ممن لا يرون وطنا بأكمله تم اغتصابه وانتهكت حرماته، ويضج أحراره وحرائره من شدَّة الظلم والبطش والإذلال والاستعباد والاستبداد، فلا يُضيره أن يخرج اليوم وغدا – بمثل هذه الفتاوى – الافتئات- لِتُترك المرأة فريسة ونهبا للذئاب البشرية الضارية، وقديما قال عروة بن الزبير – رضي الله عنهما – إذا رأيتم خَلَّةً رائعة من شر من رجل فاحذروه، وإن كان عند الناس رَجُلَ صدق؛ فإن لها عنده أخوات”[6]. أي: أنهن عناوين، والشيء يدل على غيره. فالسيئة تدل على أخواتها.

وعن مزاحم بن أبي مزاحم – مولى طلحة – أن رجلاً من أزدشنوءة أوصى [بعض] أهله فقال: (إذا جربتَ من رجل خلقاً فاجتنبه فإن عنده أمثاله)[7].

رابعا- التأصيل الشرعي لوجوب صيانة المرأة من الصيال[8] ولو بالقتل والقتال من جميع الرجال:

أين هذا الافتئات وموقعه من قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)[9]

في إطار هذا التشريع الإلهي أُورد هنا أقوال العلماء في وجوب صيانة الأعراض، مشفوعة بنصوص السنة النبوية.

يقول ابن قدامة، رحمه الله، في “المغني”:

“وَإِذَا صَالَ[10] عَلَى إنْسَانٍ صَائِلٌ، يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ ظُلْمًا، أَوْ يُرِيدُ امْرَأَةً لِيَزْنِيَ بِهَا، فَلِغَيْرِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ مَعُونَتُهُ فِي الدَّفْعِ.”[11].

أقول: هذا الواجب الشرعي على غير المَصُول عليه – عموما (زوجا كان أو محرما) فما بالك بالزوج والمحرم؟ لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)[12] ولِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا، أَوْ مَظْلُومًا}. وَالصَّائِلُ ظَالِمٌ فَيُمْنَعُ مِنْ ظُلْمِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ، ولِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابِهِ” وَلِأَنَّهُ لَوْلَا التَّعَاوُنُ والمناصرة بالحق لَذَهَبَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ وَأَنْفُسُهُمْ؛ وانتهكت أعراضهم وافتقد الناس الأمن والأمان، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشرع دفع ذَلِكَ الصائل من المرأة دفاعا عن نفسها، ومن زوجها وغيره – غيرةً على حرمات الله لولا ذلك الدفع – لَتَسَلَّطَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَأَدَّى ذلك إِلَى الْهَرَجِ وَالْمَرَجِ.

وَأيضًا يَدُلُّ عَلَي مشروعية دفع هذا الباغي، ومنعه من مباشرة هذا المنكر قَوْلُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ, وَذَاكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ” فَأَمَرَ بِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ, وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَغْيِيرُهُ إلَّا بِقَتْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمُقْتَضَى ظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أقول إذا كان هذا واجب الشرع وفرض الوقت على غير المصول عليه، فكيف بالمصُول عليه، أيتخلى هو وينجو بنفسه؟؟؟!!! وكيف له أن يعيش أو أن يقر له قرار بعد ذلك؟! وكيف يرفع رأسه وقد انتكس!! وبأي بوجه يلقى أهله وقد فر عنهم؟!

إن نصوص الشريعة الغراء مستفيضة بمشروعية دفاع المصول عليه، في نفسه أو عرضه أو ماله، ولو أدَّى ذلك إلى قتله أو قتل الصائل عليه، لقوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[13]، فالاستسلام للصائل – على النفس أو المال أو العرض – إلقاء بالنفس للتهلكة، لذا كان الدفاع عن ذلك واجباً، ولقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ)[14] وفى الصحيح: عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ)[15]. وقوله صلى الله عليه وسلم: “من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين -يريد قتله- فقد وجب دمه”. رواه أحمد. ولأنه كما يحرم على المصول عليه قتل نفسه، ويحرم عليه إباحة قتلها، بالتفريط أو تمكين أحد من ذلك. ولأن الاستسلام ذل في الدين ” وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ”[16].

في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: قَاتِلْهُ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: هُوَ فِي النَّارِ”[17].. ولا يقل العرض – عن المال – حرمة ولا مكانة – أتُقَاتل وتُقْتل دون مالك، ويُطلب منك أن تُخلى بين الصائل وبين عرضك؟؟؟!!! واستدل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله تعالى – بهذا الحديث الصحيح على أن “الآدميَّ لو صال على آدمي آخر ليقتله أو يأخذ ماله أو يهتك عرضه ولم يندفع إلا بالقتل فله قتله”[18].

عَن عبد الله بن مَسْعُود، قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من قتل دون مظْلمَة فَهُوَ شَهِيد)[19]

عَن فهيد بن مطرف: أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله! أَرَأَيْت إِن عدا عَليّ عادٍ؟ قَالَ: تَأمره وتنهاه، قَالَ: فَإِن أَبى، تَأمر بقتاله؟ قَالَ: نعم، فَإِن قَتلك فَأَنت فِي الْجنَّة، وَإِن قتلته فَهُوَ فِي النَّار”[20].

خامسا- أقوال علماء المذاهب الفقهية:

قال الإمام النووي – الشافعي المذهب – رحمه الله تعالى – الْمُدَافَعَةُ عَنِ الْحَرِيمِ وَاجِبَةٌ بِلَا خِلَافٍ “[21].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (من مجتهدي الحنابلة) – رحمه الله تعالى -: “السُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ متفقان عَلَى أَنَّ الصَّائِلَ الْمُسْلِمَ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ صَوْلُهُ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ قِيرَاطًا مِنْ دِينَارٍ، (يعني مقدار يسيرا) كَمَا قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ حَرَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». فَإِنَّ قِتَالَ الْمُعْتَدِينَ الصَّائِلِينَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ”[22].

هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية في الصائل يريد المال وليس المال بأعز على المسلم من العرض، وليس العرض بأقل حرمة من المال، بل أشد.

وفى الصحيح «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» وهَتْكُ الْأَعْرَاضِ يُوجِبُ – أحيانا – الرَّجْمَ، وَنَهْبُ الْمَالِ – فَقَطْ – لَا يُوجِبُ الْقَتْلَ، والْعِرْضَ شَرْعًا وَعَقْلًا أَعَزُّ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْمَالِ، وَأَعْظَمُ مِنْهُ خَطَرًا.

أَصُونُ عِرْضِي بِمَالِي لَا أُدَنِّسُهُ … لَا بَارَكَ اللَّهُ بَعْدَ الْعِرْضِ فِي الْمَالِ

أَحْتَالُ لِلْمَالِ إِنْ أَوْدَى فَأَكْسَبُهُ … وَلَسْتُ لِلْعِرْضِ إِنْ أَوْدَى بِمُحْتَالٍ

ولهذا قال في السياسة الشرعية: “إذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ – أي الصائل – الْحُرْمَةَ- مِثْلُ أَنْ يَطْلُبَ الزِّنَا بِمَحَارِمِ الْإِنْسَانِ، أَوْ يَطْلُبَ مِنْ الْمَرْأَةِ، أَوْ الصَّبِيِّ الْمَمْلُوكِ أَوْ غَيْرِهِ الْفُجُورَ بِهِ. فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا يُمْكِنُ، وَلَوْ بِالْقِتَالِ، وَلَا يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ بِحَالٍ؛.. وَبَذْلَ الْفُجُورِ بِالنَّفْسِ أَوْ بِالْحُرْمَةِ غَيْرُ جَائِزٍ[23].

وها هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، لا يُنكر على: سعد بن عبادة – رضي الله عنه – غيرته وانفعاله الذي يدفع به إلى أنه لو وجد مثل هذا الموقف مع أهله لقتل الصائل غير معرض ولا لاوٍ على شيء، في الصحيح قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ – رضي الله عنه -: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ[24]، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ[25] مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ[26] مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ – المرسلين – المُبَشِّرِينَ وَالمُنْذِرِينَ[27]، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ المِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الجَنَّةَ» صحيح البخاري كِتَابُ النِّكَاحِ بَابُ الغَيْرَةِ، صحيح مسلم كِتَابُ الطَّلَاقِ بَابُ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَغَيْرِهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ.

أرأيت: لقد أقر رسول – صلوات الله وسلامه عليه – غيرة الصحابي الجليل في دفاعه عن عرضه. أفبعد هذا يُقال مثل هذا الافتئات. أبعد قول رسول صلوات الله وسلامه عليه قول؟؟!!

وفي “الروض المربع” وغيره من كتب الحنابلة:

“ومن صال – على نفسه أو حرمته كأمه وبنته وأخته وزوجته أو ماله – آدميٌّ أو بهيمةٌ: فله – أي: للمصول عليه – الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به، فإذا اندفع بالأسهل حرم الأصعب لعدم الحاجة إليه. فإن لم يندفع الصائلُ إلا بالقتل: فله – أي: للمَصُول عليه – ذلك أي: قتل الصائل، ولا ضمان عليه؛ لأنه قتله لدفع شره “[28].

قال القرطبي – من المالكية – في التفسير عند الآية 34 من سورة المائدة: مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالنُّعْمَانِ، وَبِهَذَا يَقُولُ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ إِذَا أُرِيدَ ظُلْمًا، لِلْأَخْبَارِ الَّتِي جَاءَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخُصَّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، وَلَا حَالًا دُونَ حَالٍ”[29] أرأيت عوام أهل العلم: ماذا يقولون؟ فضلا عن فحولهم وأئمتهم؟؟!!

قال الشيخ زكريا الأنصاري – من الشافعية – في فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب “لَهُ” أَيْ لِلشَّخْصِ “دَفْعُ صَائِلٍ” مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ وَحُرٍّ وَرَقِيقٍ وَمُكَلَّفٍ وَغَيْرِهِ” عَلَى مَعْصُومٍ” مِنْ نَفْسٍ وَطَرَفٍ وَمَنْفَعَةٍ وَبُضْعٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ كَتَقْبِيلٍ وَمُعَانَقَةٍ وَمَالٍ وَإِنْ قَلَّ وَاخْتِصَاصٍ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِلدَّافِعِ أَمْ لِغَيْرِهِ لِآيَةِ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَخَبَرِ الْبُخَارِيِّ: “اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا” وَخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ: “مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ”[30].

وفي فقه المالكية: “الصَّائِلُ سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا، أَوْ لَا، إذَا صَالَ عَلَى نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ حَرِيمٍ، فَإِنَّهُ يُشْرَعُ دَفْعُهُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِنْذَارِ إنْ كَانَ يَفْهَمُ بِأَنْ يُنَاشِدَهُ اللَّهَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: نَاشَدْتُك اللَّهَ إلَّا مَا خَلَّيْتَ سَبِيلِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَفْهَمُ كَالْبَهِيمَةِ، فَإِنَّهُ يُعَاجِلُهُ بِالدَّفْعِ مِنْ غَيْرِ إنْذَارٍ، – لِعَدَمِ فَائِدَةِ الْإِنْذَارِ – وَيَدْفَعُهُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ فَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ قَتَلَهُ”[31].

سادسا- واجب المرأة الدفاع عن عرضها فضلا عن زوجها ومحرمها:

وفى الموسوعة الفقهية: “إِنَّ الْفُقَهَاءَ يَتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ دَفْعِ الْمُعْتَدِي عَلَى الْعِرْضِ بِكُل مَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِهِ وَلَوْ بِالْقِتَال، لأِنَّ الْعِرْضَ لاَ يَجُوزُ إبَاحَتُهُ، قَال الإْمَامُ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ أَرَادَهَا رَجُلٌ عَنْ نَفْسِهَا فَقَتَلَتْهُ لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا: لاَ شَيْءَ عَلَيْهَا”[32].

والمرأة مكلفة بالدفاع عن نفسها وعرضها، واستسلامها للصائل إلقاء باليد إلى التهلكة وقد قال تعالى: “وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ” [33] وعند البيهقي: “عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فِي الْمَرْأَةِ أَرَادَهَا رَجُلٌ مِنْ نَفْسِهَا، فَرَمَتْهُ بِفِهْرٍ، فَقَتَلَتْهُ، فَقَالَ: «ذَاكَ قَتِيلُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا يُؤَدَّى أَبَدًا»[34] وفي المغنى لابن قدامة: “عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ نَاسًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَأَرَادَ امْرَأَةً عَلَى نَفْسِهَا، فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ لَا يُودَى أَبَدًا.

وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ الدَّفْعُ عَنْ المَالِ الَّذِي يَجُوزُ بَذْلُهُ وَإِبَاحَتُهُ، فَدَفْعُ الْمَرْأَةِ عَنْ نَفْسِهَا وَصِيَانَتُهَا عَنْ الْفَاحِشَةِ الَّتِي لَا تُبَاحُ بِحَالٍ أَوْلَى. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا إنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنْهَا مُحَرَّمٌ، وَفِي تَرْكِ الدَّفْعِ نَوْعُ تَمْكِينٍ”[35]

سابعا- مآلات هذه الفتوى أو قل “الافتئات”:

لهذه النصوص والآثار التي أسلفنا لا يحل – للمرأة المسلمة ولا لزوجها – بحال الاستسلام للصائل، وإلا كان ذلك خيانة للنفس قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ”[36] وكان ذلك جبنًا، قال ابن سيرين: ما أعلم أحداً ترك قتال الحرورية واللصوص تأثماً، إلا أن يجبن. ويلزمه الدفع عن حرمته”[37].

والجبن خلق مَذْمُوم عِنْد جَمِيع الْخلق وَأهل الْجُبْن هم أهل سوء الظَّن بِاللَّه، وَكَانَ النَّبِي – صلى الله عَلَيْهِ وَسلم – يتَعَوَّذ بِاللَّه من الْجُبْن والجبن إِعَانَة مِنْهُ لعَدوه على نَفسه فَهُوَ جند وَسلَاح يُعْطِيهِ عدوه ليحاربه بِهِ و قد قَالَت الْعَرَب: الشجَاعَة وقاية، والجبن مقتلة، وَقد أكذب الله سُبْحَانَهُ أطماع الْجُبَنَاء فِي ظنهم أَن جبنهم ينجيهم من الْقَتْل وَالْمَوْت فَقَالَ الله تَعَالَى: {قل لن ينفعكم الْفِرَار إِن فررتم من الْمَوْت أَو الْقَتْل}[38].

وَلَقَد أحسن الْقَائِل:

أَقُوْلُ لَهَا وَقَدْ طَارَتْ شَعَاعاً… مِنَ الأَبْطَالِ: وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي

فَإِنَّكِ لَوْ سَأَلْتِ بَقَاءَ يَوْمٍ… عَلَى الأَجَلِ الَّذِي لَكِ لَمْ تُطَاعِي

فَصَبْراً فِي مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً… فَمَا نَيْلُ الخُلُوْدِ بمستطاع

وَلاَ ثَوْبُ الحَيَاةِ بِثَوْبِ عِزٍّ… فَيُطْوَى عَنْ أَخِي الخَنَعِ اليَرَاعِ

سَبِيْلُ المَوْتِ غَايَةُ كُلِّ حَيٍّ… وَدَاعِيْهِ لأَهْلِ الأَرْضِ دَاعِي

وَمَنْ لَمْ يُعْتَبَطْ يَهْرَمْ وَيَسْأَمْ… وَتُسْلِمْهُ المَنُوْنُ إِلَى انْقِطَاعِ

وَمَا لِلْمَرْءِ خَيْرٌ فِي حَيَاةٍ… إِذَا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ المَتَاعِ[39]

وإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ المَوْتِ بُدٌّ فَمِنَ العَارِ أَنْ تَمُوتَ جَبَانَا

في الجبن عار وفي الإقدام مكرمة… والمرء في الجبن لا ينجو من القدر

ولله در القائل:

يَرى الجُبناءُ أنَّ العَجْزَ عَقْلٌ… وتِلكَ خَديعةُ الطَّبْعِ اللّئيمِ

إذا كان الموت ساعة لا تتقدم ولا تتأخر، فجميلٌ جداً أن نموت ميتة الأُسُود، لا ميتة النعاج والخراف، والجبناء والضعاف. وأمثال هؤلاء الجبناء لا مكان لهم على وجه الأرض.

حُبُّ السَّلاَمَةِ يُثْني عَزْمَ صَاحِبِهِ… عَن المَعَالي وَيُغْرِي المَرْءَ بِالكَسَلِ

فإن جَنَحْتَ إليه فاتَّخِذْ نَفَقاً… في الأرضِ أو سلَّماً في الجوِّ فاعتزلِ

رضَا الذليلِ بخفضِ العيشِ يخفضُه… والعِزُّ عندَ رسيمِ الأينُقِ الذُلُلِ[40]

مثل هذه الفتاوي – أو قل – الافتئات على شرع الله تعالى لمصادمتها لكثير من نصوص الوحيين كما ترى – تُمهِّد إلى إشاعة الفاحشة في المجتمع المسلم و تُجَرِّئُ الذئاب البشرية – فعندما تسمع بمثل هذا الافتئات – تنطلق لا تلوى على شيء، تنهش الأعراض وتنتهك الحرمات، وهى في مأمن حتى من الاعتراض أو المناوشة وقد فر الأزواج أمامها كالنعاج، وأنَّى السلامة لهؤلاء الأزواج، فقد لا تُطاوع هؤلاء الذئاب أنفسهم في الإبقاء على أي أثر للجريمة أو عين يُمكن أن تدل عليهم، فتُلاحق الفُرار للبطش والتنكيل بهم حتى لا يكونوا خيطا يجر رقابهم إلى حبل المشنقة، إذا استفاق القضاة ونواب الحق العام ورجال الشرطة، وقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[41]، كما أن مثل هذا الافتئات يُطرِّق ويكون توطئة لإنبات واستنبات الخنوع والخور في الشخصية المسلمة حينما لا تُغيَّر منكراً تراه، وكيف تُلتمس العزة من مثل هذا المسلم؟! الذي يفر بجلده عن عرضه، وماذا بقي له من ماء الحياة بعد ذلك؟؟؟!! كيف نرجو من مسلمٍ كهذا عزة لدينه؟ وقد قرن النبي صلوات الله وسلامه عليه بين الدين والعرض في الحديث!!! فكما طُولب المسلم بالبراءة والصيانة لدينه ؛ طُولب بالبراءة والصيانة لعرضه في حديث الحلال والحرام المشهور، لأن صيانة العرض من الدين فمن لم يصن عرضه لم يصن دينه، أين المسلم الذي لا يهاب الموت؟ أين المسلم الذي يقول:

تَأَخَّرْتُ أَسْتَبْقِي الْحَيَاةَ فَلَمْ أَجِدْ… لِنَفْسَي حَيَاةً مِثْلَ أَنْ أَتَقَدَّمَا.

أين المسلم الذي يقول:

فَطَعْمُ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ….كَطَعْمِ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمِ

هذا موسى عليه السلام قد اتفقت شريعته مع شريعة محمد عليه الصلاة والسلام في دفع الصائل ومقاتلة من دخل الدار بغير إذن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: ” أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ[42]،

ولا يجوز للمصول عليه أن يبادر بقتل الصائل إلا بعد أن يستنفذ وسائل دفعه، كتذكيره بالله تعالى، وتخويفه وتهديده، وطلب النجدة من الناس، أو الاستعانة بالأجهزة الأمنية، ؛ إن أمكن ذلك وواتت الفرصة، وإلا فله المبادرة بقتله إذا خشي أن يبادر المعتدي بقتله.

فعَنْ قَابُوسَ بْنِ مُخَارِقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: الرَّجُلُ يَأْتِينِي فَيُرِيدُ مَالِي، قَالَ: ذَكِّرْهُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَذَّكَّرْ؟ قَالَ: فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَنْ حَوْلَكَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلِي أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ بِالسُّلْطَانِ، قَالَ: فَإِنْ نَأَى السُّلْطَانُ عَنِّي؟ قَالَ: قَاتِلْ دُونَ مَالِكَ حَتَّى تَكُونَ مِنْ شُهَدَاءِ الْآخِرَةِ أَوْ تَمْنَعَ مَالَكَ”[43].

وماذا لو عافت نفس زوج هذه المرأة المعتدى عليها، ففارقها متمثلا قول الشاعر:

سأترك وصلكم شرفا وعزا… لخسة سائر الشركاء فيه

سَأَتْرُكُ حُبَّهَا مِنْ غَيْرِ بُغْضٍ… وَلَكِنْ لِكَثْرَةُ الشُّرَكَاءِ فِيهِ

إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ عَلَى طَعَامٍ… رَفَعْتُ يَدِي وَنَفْسِي تَشْتَهِيهِ

وَتَجْتَنِبُ الْأُسُودُ وُرُودَ مَاءٍ… إذَا كَانَ الْكِلَابُ وَلَغْنَ فِيهِ

وَيَرْتَجِعُ الْكَرِيمُ خَمِيصَ بَطْنٍ… وَلَا يَرْضَى مُسَاهَمَةَ السَّفِيهِ

بلا شك: تتدمر الأسرة، ويتصدع كيانها، ويتشرد الأولاد، ويشرب المجتمع ويتجرع غصة مرارة هذا الافتئات.

إزاء هذه النصوص من الوحيين، وأقوال علماء المذاهب، لا نملك إلا أن نقول: نعوذ بالله أن نضل أو نُضل، أو نذل أو نُذل، أو نقترف على أنفسنا سوء أو نجره إلى مسلم. نسأله تعالى وحده العصمة من الزلل والخطأ والخلل في القول والعمل.

_______________________________

[1] الموافقات للشاطبي: بتصرف: 4/ 163 – 174.

[2] أصول التشريع الإسلامي على حسب الله ص112

[3] سورة النور: 40

[4] الفوائد في اختصار المقاصد (ص: 122)

[5] من أبيات لعلي رضي الله عنه يوم صفين

[6] المنتخب من وصايا الآباء للأبناء (ص: 46، بترقيم الشاملة آليا)

[7] البيهقي في (الشعب) (7/ 56)

[8] صالَ عليه، إذا استطال. وصالَ عليه: وثب صَوْلاً وصَوْلَةً. يقال: “رُبَّ قولٍ أشدُّ من صَوْلٍ”. والمُصاوَلَةُ: المواثبةُ، وكذلك الصِيالُ والصِيالَةُ. والفَحْلانِ يَتَصاوَلانِ، أي يتواثَبان. الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 1746)

[9] سورة المؤمنون: 5

[10] صَالَ فُلانٌ عَلى فُلاَنٍ. إِذا اسْتَطَالَ عَليْهِ، وقَهَرَهُ. وصَالَ الْفَحْلُ على الإِبِلِ، {صَوْلاً، فهوَ} صَؤُولٌ: قاتَلَهَا تاج العروس (29/ 334)

[11] المغني لابن قدامة (9/ 183)

[12] سورة المائدة: 2

[13] سورة البقرة: 195

[14] سورة البقرة: 193وسورة الأنفال: 39

[15] رواه الترمذي (1421) والنسائي (4095) وأبو داود (4772) وصححه الألباني في “إرواء الغليل” (708)

[16] سورة المنافقون: 8

[17] رواه مسلم

[18] لقاء الباب المفتوح” (82/12)

[19] أخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَابْن عدي فِي (الْكَامِل)

[20] أخْرجهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده)

[21] شرح النووي على مسلم (2/ 165)

[22] الفتاوى الكبرى لابن تيمية (3/ 554) مجموع الفتاوى (28/ 540)

[23] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (ص: 71)

[24] (غير مصفح) هو بكسر الفاء أي غير ضارب بصفح السيف وهو جانبه بل أضربه بحده وفي النهاية رواية كسر الفاء من مصفح وفتحها فمن فتح جعلها وصفا للسيف وحالا منه ومن كسر جعلها وصفا للضارب وحالا منه.

[25] (الفواحش) جمع فاحشة وهي كل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال (ما ظهر منها وما بطن) سرها وعلانيتها.

[26] (العذر) التوبة والإنابة

[27] (المبشرين والمنذرين) الرسل يبشرون بالثواب لمن تاب وأطاع وينذرون بالعقاب لمن عصى وأصر على المخالفة. (المدحة) الثناء الحسن بذكر أوصاف الكمال وتنزيهه عما لا يليق به]

[28] الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 679) المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل (2/ 162) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (10/ 303)

[29] تفسير القرطبي (6/ 157)

[30] فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (2/ 204) هذا عند الشافعية

[31] شرح مختصر خليل للخرشي (8/ 112)،

[32] الموسوعة الفقهية الكويتية (32/ 319)

[33] سورة المائدة: 195

[34] السنن الصغير للبيهقي (3/ 351)

[35] المغني لابن قدامة (9/ 183)

[36] سورة الأنفال: 27

[37] مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني) (ص: 722)

[38] [الْأَحْزَاب 16]

[39] من أبيات للشاعر قطري بن الفجاءة سير أعلام النبلاء ط الحديث (5/ 80)

[40] هذه الأبيات للطغرائي

[41] سورة النور: 19

[42] صحيح البخاري كِتَابُ الجَنَائِزِ بَابُ مَنْ أَحَبَّ الدَّفْنَ فِي الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ أَوْ نَحْوِهَا أخرجه مسلم في الفضائل باب من فضائل موس صلى الله عليه وسلم رقم 2372

[43] رواه النسائي (4081) وصححه الألباني في ” صحيح النسائي”.

عن Admin

التعليقات مغلقة