أخبار عاجلة

الدولار يلامس 52.22 جنيه وخروج 544 مليون دولار من الأموال الساخنة يفضح هشاشة الجنيه .. الاثنين 21 سبتمبر 2026.. تراجع إنتاج الغاز الطبيعى يهدد مصر بالإفلاس واكتشافات جديدة على الورق فقط

الدولار يلامس 52.22 جنيه وخروج 544 مليون دولار من الأموال الساخنة يفضح هشاشة الجنيه .. الاثنين 21 سبتمبر 2026.. تراجع إنتاج الغاز الطبيعى يهدد مصر بالإفلاس واكتشافات جديدة على الورق فقط

شبكة المرصد الإخبارية – الحصاد المصري

*مقتل محتجز داخل قسم شرطة أول طنطا تحت التعذيب

توفي المواطن أحمد محمد علي أبو سنة، البالغ من العمر 32 عامًا، داخل قسم شرطة أول طنطا، بعد تعرضه، وفقًا لما ذكره مركز الشهاب لحقوق الإنسان وأسرته، لغيبوبة سكر خلال فترة احتجازه، وسط اتهامات بعدم توفير الرعاية الطبية اللازمة أو نقله إلى المستشفى في الوقت المناسب.

وأثار الحادث مطالب حقوقية بفتح تحقيق عاجل ومستقل للوقوف على ملابسات الوفاة، وتحديد مدى حصول المحتجز على الرعاية الصحية التي كان يحتاج إليها، خصوصًا مع معاناته من مرض السكري وإعاقة حركية، بحسب المعلومات التي أوردها المركز الحقوقي.

وكان أبو سنة، الذي يعمل سائق توك توك ويعول طفلين، محتجزًا منذ نحو شهر على خلفية قضايا جنح مرتبطة بشيكات، قبل أن تتدهور حالته الصحية داخل مقر احتجازه وتنتهي حياته هناك.

احتجاز رغم المرض والإعاقة

بحسب بيان مركز الشهاب لحقوق الإنسان، كان أحمد أبو سنة يعاني من مرض السكري، إلى جانب إعاقة حركية، وهي ظروف صحية كان من المفترض أن تؤخذ في الاعتبار خلال فترة احتجازه، خاصة فيما يتعلق بمتابعة حالته الصحية وتوفير الأدوية والرعاية اللازمة.

وأشار المركز إلى أن أبو سنة ظل محتجزًا لمدة تقارب الشهر على ذمة قضايا جنح شيكات، قبل أن يتعرض لأزمة صحية حادة داخل قسم شرطة أول طنطا.

غيبوبة سكر داخل مقر الاحتجاز

وفقًا لرواية أسرة أبو سنة التي أوردها مركز الشهاب، تعرض المحتجز لغيبوبة سكر أثناء وجوده داخل القسم، في الوقت الذي كان يحتاج فيه إلى تدخل طبي عاجل.

واتهمت الأسرة مسؤولي القسم بعدم الاستجابة بالشكل المطلوب لتدهور حالته الصحية، وعدم السماح بخروجه أو نقله إلى المستشفى لتلقي الإسعافات اللازمة، وهو ما تعتبره الأسرة سببًا رئيسيًا في تفاقم حالته وانتهاء حياته داخل مقر الاحتجاز.

ويطالب المركز الحقوقي بالتحقق من هذه الرواية من خلال التحقيق في توقيت ظهور الأعراض، وطبيعة الاستجابة التي حدثت داخل القسم، وما إذا تم استدعاء طبيب أو سيارة إسعاف، وكذلك معرفة الإجراءات التي اتخذت للتعامل مع الحالة.

مطالب بتحديد المسؤولية

اعتبر مركز الشهاب أن ما وصفه بعدم تقديم الإسعافات اللازمة أو عدم نقل المحتجز إلى المستشفى يستوجب التحقيق والمساءلة، مطالبًا النيابة العامة بفتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات الوفاة.

ويشمل التحقيق المطلوب، وفقًا للمركز، تحديد المسؤولين عن متابعة الحالة الصحية لأبو سنة داخل القسم، ومعرفة ما إذا كانت هناك تعليمات أو إجراءات طبية تم تجاهلها، إضافة إلى تحديد المسؤولية الإدارية أو الجنائية، بحسب ما قد تكشفه التحقيقات والأدلة الطبية.

وأكد المركز أن وجود الشخص داخل مكان احتجاز لا يسقط حقه في الحصول على الرعاية الصحية، مشددًا على ضرورة توفير العلاج والإسعافات الطبية للمحتجزين عند تعرضهم لحالات طارئة.

الأسرة تواجه صدمة الوفاة

لم تقتصر تداعيات وفاة أحمد أبو سنة على الجانب القانوني والحقوقي، إذ خلف رحيله طفلين، سما ومحمد، بحسب مركز الشهاب، الذي أشار إلى أنه كان يعولهما من عمله سائق توك توك. 

وتقول المعلومات الواردة في البيان إن أبو سنة كان يمتلك توك توكًا يعتمد عليه في توفير مصدر دخله، قبل أن يتعرض للسرقة قبل نحو عام، وهو ما زاد من صعوبة ظروفه المعيشية وأثر على قدرته على توفير احتياجات أسرته.

وبوفاته داخل مقر الاحتجاز، فقد الطفلان والدهما، فيما أصبحت الأسرة أمام أسئلة تتعلق بظروف وفاته والمسؤولية عن الرعاية التي تلقاها خلال فترة احتجازه.

وتطالب الأسرة، بحسب ما أورده المركز، بمعرفة حقيقة ما حدث خلال الساعات التي سبقت الوفاة، وما إذا كان من الممكن إنقاذ حياته في حال حصوله على تدخل طبي في الوقت المناسب.

وطالب مركز الشهاب بإعلان نتائج التحقيقات والتقارير الطبية والطب الشرعي، وتمكين أسرة المتوفى من الاطلاع عليها، باعتبار أن الكشف عن ملابسات الوفاة يمثل جزءًا أساسيًا من إجراءات المساءلة وضمان حقوق الأسرة.

ويؤكد مركز الشهاب أن الاحتجاز لا ينبغي أن يحرم أي شخص من حقه في تلقي العلاج والرعاية الطبية، وأن التعامل مع الحالات الطارئة يجب أن يتم بصورة تضمن سرعة التدخل والحفاظ على حياة المحتجز.

وطالب المركز النيابة العامة بالتحقيق العاجل في وفاة أبو سنة، وتحديد أسباب عدم نقله إلى المستشفى، إذا ثبت حدوث ذلك، إلى جانب محاسبة أي شخص تثبت مسؤوليته عن التقصير.

كما دعا إلى الكشف عن نتائج التحقيقات والتقارير الطبية بصورة واضحة أمام أسرة المتوفى، بما يسمح بالوصول إلى حقيقة ما جرى داخل قسم شرطة أول طنطا.

*جهاد الحداد مهندس حلم نهضة مصر يعتقله السيسي في سجون العسكر

منذ اعتقاله قبل 13 عاما في 17 سبتمبر 2013، ارتبط اسم المهندس جهاد الحداد، المتحدث الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين، بواحدة من أكثر قضايا الاحتجاز إثارةً للجدل في مصر بعد عام 2013، الحداد، الذي كان من القيادات الشابة في ثورة يناير، ثم متحدثًا إعلاميًا باسم الإخوان، أمضى سنوات في السجون المصرية، وسط تقارير حقوقية منها “هيومن رايتس ووتش” متكررة عن الحبس الانفرادي وتدهور حالته الصحية وحرمانه من الرعاية الطبية.

أحدث ما يمكن توثيقه عن المهندس جهاد الحداد حتى سبتمبر 2026 لا يشير إلى سلسلة متصلة من الإضرابات الفردية لجهاد الحداد، وإنما إلى مشاركة منسوبة إليه في الإضراب الجماعي بسجن بدر 3 عام 2025، بالتزامن مع استمرار الأخبار الحقوقية عن تدهور حالته الصحية واستمرار احتجازه في قضايا جديدة.

رئيس المجلس الثوري المصري د. مها عزام @MahaAzzam_ERC قالت في الذكرى الـ13 لاعتقال أحد خيرة شباب مصر المهندس جهاد الحداد، من القيادات الشابة في ثورة يناير ثم متحدثًا إعلاميًا باسم جماعة الإخوان.

“أمعن نظام السيسي في التنكيل به حتى فقد القدرة على الحركة في 2019 نتيجة التعذيب والبقاء لسنوات في زنزانة انفرادية مظلمة في سجن العقرب” بحسب عزام.

 https://x.com/MahaAzzam\_ERC/status/2100636890449727968

وفي سبتمبر 2025، أُعيد تسليط الضوء على حالته الصحية، إذ قال مركز الشهاب لحقوق الإنسان: “إن حالته شهدت تدهورًا حادًا، وإنه يعاني من عجز شبه كامل وفقدان القدرة على المشي، مطالبًا بالإفراج عنه أو نقله إلى مستشفى متخصص”.

وفي يونيو 2025، عاد اسم جهاد الحداد إلى الواجهة في سياق إضراب جماعي داخل قطاع 2 بسجن بدر 3، ووفق تقارير حقوقية، بدأ الإضراب في 20 يونيو، احتجاجًا على حرمان المعتقلين من الزيارات ورؤية ذويهم، وكان جهاد الحداد من بين عشرة معتقلين أُعلن مشاركتهم في الإضراب.

وتحدثت التقارير خلال الأسابيع التالية عن تدهور صحي وإغماءات ومحاولات انتحار داخل القطاع، وسط مطالبات بالسماح بالزيارات وتحسين ظروف الاحتجاز.

وخلال الفترة من 2021 إلى 2024، فلا تتوافر في المصادر التي أمكن التحقق منها معلومات موثوقة تثبت إضرابات فردية جديدة لجهاد الحداد. وظل اسمه حاضرًا بصورة أساسية في سياق استمرار احتجازه وتدهور حالته الصحية.

2020: إضراب جماعي في سجن العقرب 

خلال عام 2020 ظهرت تقارير عن إضراب جماعي داخل سجن العقرب، وربطت بعض المصادر اسم جهاد الحداد بالإضراب والإجراءات العقابية التي أعقبته، إلا أن المتاح من المصادر لا يسمح بتحديد إضراب فردي له بصورة قاطعة من حيث تاريخ البدء والمدة والنهاية؛ ولذلك تبقى هذه الروايات بحاجة إلى نسبة واضحة لمصادرها.

2019: البراءة من التجسس وإعادة التدوير

في سبتمبر 2019، صدر حكم ببراءته من اتهامات التجسس، لكنه لم يغادر السجن، إذ أُعيد تدويره على ذمة قضية جديدة، وفق تقارير حقوقية.

وفي يوليو من العام نفسه كانت الأخبار المتداولة عنه تركز على تدهور حالته الصحية، بعدما قالت والدته “إنه تعرض لتسمم غذائي وفقد وعيه أثناء نقله إلى إحدى جلسات محاكمته”.

كما وردت روايات عن تدهور مستوى السكر لديه خلال أحد الإضرابات، وعن استمرار وضعه في زنزانة انفرادية لفترات طويلة.

وفي أكتوبر 2019، تناولت الأمم المتحدة قضيتي عصام الحداد وجهاد الحداد، وخلصت إلى أن الحرمان من الحرية في حالتهما كان تعسفيًا، مستندة إلى عدة أسباب تتعلق بالأساس القانوني للاحتجاز، وضمانات المحاكمة، وتطبيق قوانين مكافحة الإرهاب بأثر رجعي.

وأشار الفريق كذلك إلى أن احتجازهما ارتبط، وفق المعلومات التي تلقاها، بأدوارهما السياسية ومشاركتهما في حكومة محمد مرسي، وبانتمائهما إلى جماعة الإخوان المسلمين.

2018: تدهور صحي وحرمان من العلاج

بعد سلسلة الإضرابات عن الطعام التي نُسبت إلى جهاد الحداد خلال السنوات الأولى من اعتقاله، ولا سيما إضرابات 2016 و2017 و2018، تقلّت المعلومات الموثقة علنًا عن إضرابات فردية جديدة له خلال السنوات التالية.

وفي 28 مايو 2018، قالت منظمة العفو الدولية إنها تشعر بقلق بالغ إزاء تدهور صحة جهاد الحداد وظروف احتجازه، وأشارت إلى أن الحبس الانفرادي المطول والظروف التي تعرض لها منذ اعتقاله ساهمت في معاناته الجسدية والحاجة إلى استخدام كرسي متحرك.

كما وثقت المنظمة أن شقيقه عبد الله الحداد أخبرها بأن جهاد أصبح غير قادر على الحركة لأداء الوضوء أو استخدام دورة المياه دون مساعدة، وأنه يعاني آلامًا شديدة في الركبتين.

وفي مايو 2018، قالت منظمة العفو الدولية: “إن سلطات السجن صادرت كرسيه المتحرك ومقتنياته الشخصية، ثم أعادته إلى الحبس الانفرادي في سجن العقرب بعد فترة قضاها في ليمان طرة دون تلقي العلاج الذي كان ينتظره”.

وفي أبريل من العام نفسه نُقل إلى سجن ليمان طرة لأنه لم يعد قادرًا على الحركة دون مساعدة، في انتظار علاج طبي لم يحصل عليه.

وبحسب المنظمة، حُرم الحداد من الزيارات العائلية لفترات طويلة، كما مُنعت عنه الزيارات مجددًا منذ مارس 2018.

وكان تقرير المنظمة «سحق الإنسانية: إساءة استخدام الحبس الانفرادي في السجون المصرية» قد أدرج حالة جهاد الحداد ضمن حالات قالت المنظمة: “إنها تعرضت للحبس الانفرادي المطول وغير المحدد المدة. وخلصت المنظمة في حالة الحداد إلى أن ظروف احتجازه، إلى جانب طول مدة الحبس الانفرادي، ترقى إلى التعذيب وفق تقييمها الحقوقي”.

شهادات عن الإغماءات وآلام الركبتين

وتتضمن المواد المنشورة حول وضعه الصحي شهادات عن تعرضه لنوبات إغماء وتشنجات متكررة أثناء وجوده في الحبس الانفرادي، إضافة إلى إصابته بآلام وتورم في الركبتين أفقدته القدرة على المشي بصورة طبيعية.

وأوصى طبيب السجن بإجراء منظار للركبتين بسبب إصابة في الغضروف الهلالي، فيما تحدثت رسالة من الداخل عن نقله إلى ليمان طرة وانتظاره هناك لإجراء الفحوص والعلاج دون أن تتم العملية.

وتضمنت المادة مطالب بإجراء الفحوص والعلاج اللازمين، وتوفير ظروف احتجاز تتناسب مع حالته الصحية.

الحبس الانفرادي منذ 2013

تقول منظمة العفو الدولية: “إن جهاد الحداد احتُجز في الحبس الانفرادي منذ سبتمبر 2013، وإنه نُقل إلى سجن العقرب في يناير 2014، حيث استمر احتجازه في ظروف انفرادية”.

وفي تقريرها الأوسع عن الحبس الانفرادي في مصر، قالت منظمة العفو الدولية إن الحبس الانفرادي المطول وغير المحدد المدة كان يُستخدم ضد سجناء ذوي خلفيات سياسية، وإن هذه الممارسة، بحسب تقييمها، يمكن أن تشكل معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة، وفي بعض الحالات تعذيبًا.

2017: جهاد الحداد يكتب من داخل السجن

لم يقتصر حضور جهاد الحداد على البيانات والتقارير الحقوقية، بل وصل صوته من داخل السجن إلى الصحافة الدولية.

وفي فبراير 2017 نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالًا منسوبًا إليه بعنوان: “أنا عضو بجماعة الإخوان، أنا لست إرهابيًا”.

وجاء المقال في سياق الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين، وقدم فيه الحداد رؤيته للجماعة ولمشاركتها السياسية، كما تحدث عن ظروف احتجازه داخل السجن.

وقد أدى نشر المقال، بحسب ما ورد في شهادات ومصادر حقوقية في ذلك الوقت، إلى إجراءات تأديبية بحقه داخل السجن.

وافتتح الحداد مقاله بالإشارة إلى أنه يكتب من الحبس الانفرادي في سجن طرة (ويمكث حاليا في سجن بدر3)، وأنه محتجز لسنوات ولم يكن يكتب باعتباره مراقبًا خارجيًا أو مسؤولًا سابقًا يعيش في المنفى، وإنما كان متحدثًا سابقًا للجماعة يكتب من داخل السجن الذي يقبع فيه.

وتظهر افتتاحية المقال في المصادر التي أعادت فهرسته على النحو الآتي: أنه يكتب من ظلام الحبس الانفرادي في أحد أشهر سجون مصر، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الاحتجاز.

والسبب المباشر لكتابة مقاله كان الجدل الذي كان قائمًا آنذاك في الولايات المتحدة حول احتمال تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية. يقول الحداد إن هذا الجدل دفعه إلى الكتابة، لأنه رأى أن الصورة التي تُقدَّم عن الجماعة في ذلك النقاش لا تعكس، من وجهة نظره، طبيعتها وأفكارها.

وقدم الحداد الجماعة باعتبارها حركة ذات طابع اجتماعي وسياسي، وقال “إن فهمها للإسلام، بحسب تصوره، يقوم على قيم مثل: العدالة الاجتماعية والمساواة وسيادة القانون والعمل المجتمعي والمشاركة السياسية واللاعنف”.

ووصف الجماعة بأنها محافظة اجتماعيًا وذات قاعدة شعبية، وأنها كرست مواردها، بحسب روايته، للخدمة العامة على مدى عقود.

كما حاول أن يضع تجربة الجماعة السياسية في مصر ضمن مسار طويل من العمل البرلماني والسياسي والاجتماعي، بدل اختزالها في أحداث ما بعد 2013.

واعترف الحداد بأخطاء الإخوان، ولم يقدم تجربة حكم محمد مرسي باعتبارها خالية من الأخطاء، بل أشار إلى أن الجماعة ارتكبت أخطاء سياسية، ومن بينها المناورات السياسية التي أفقدتها جزءًا من شعبيتها، بحسب ما نقلت تحليلات تناولت المقال في ذلك الوقت.

وفصل بين هذه الأخطاء السياسية وبين اتهام الجماعة بالإرهاب، مؤكدًا أن الخلاف السياسي أو الفشل السياسي لا يعني، في تصوره، أن الحركة إرهابية.

ودافع الحداد عن أن الجماعة ليست تنظيمًا إرهابيًا، وأكد التزامه، بحسب ما كتب، بمبدأ اللاعنف، وفي السياق نفسه حاول التفريق بين جماعة الإخوان المسلمين وبين الجماعات التي تستخدم العنف المسلح.

والمقال لم يكن دفاعًا عن الإخوان في الخارج فقط، بل كان أيضًا رواية سياسية لتجربة ما بعد ثورة يناير.

فالحـداد أشار إلى أن الجماعة شاركت سياسيًا ومؤسسيًا في مصر، وأن مشاركتها في البرلمان كانت، وفق روايته، دليلًا على تبنيها للتغيير القانوني والإصلاح. 

وفي الخلفية كان هناك حدث أكبر: إطاحة محمد مرسي في يوليو 2013، ثم حملة الاعتقالات والقمع التي طالت قيادات وأعضاء الجماعة ومؤيديها.

وأقوى نقطة في مقال الحداد الذي عوقب بسببه وضربه من الضابط ذو الاسم الحركي أحمد سيف يمكن إبرازها في التقرير الذي تعمل عليه، فالحداد كان يقول للعالم، من داخل السجن، إنه عضو في الإخوان لكنه يرفض وصفه أو وصف الجماعة بالإرهاب.

وتربط هذه النقطة المقال مباشرة بمسار معاناته في السجن، وبحسب منظمة العفو الدولية، تعرضت زنزانة الحداد للتفتيش بعد نشر المقال، وصودرت منه مقتنيات وأدوية وأغراض شخصية، كما وثقت المنظمة لاحقًا نقله إلى ظروف أشد قسوة وحرمانه من الرعاية الطبية والزيارات.

2016 وما قبلها: سنوات الإضرابات والاحتجاز

بعد سلسلة الإضرابات عن الطعام التي نُسبت إلى جهاد الحداد خلال السنوات الأولى من اعتقاله، ولا سيما إضرابات 2016 و2017 و2018، تقلّت المعلومات الموثقة علنًا عن إضرابات فردية جديدة له خلال السنوات التالية.

2013: من الثورة إلى سجن العقرب

اعتُقل جهاد الحداد في 17 سبتمبر 2013، بعد فترة برز خلالها باعتباره أحد الوجوه الشابة في المجال السياسي والإعلامي عقب ثورة يناير، قبل أن يصبح متحدثًا إعلاميًا باسم جماعة الإخوان المسلمين.

وينحدر الحداد من عائلة سياسية؛ فهو نجل الدكتور عصام الحداد، مستشار الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، وقد اعتُقل الأب والابن في عام 2013، وأصبحا لاحقًا من أبرز الأسماء التي تناولتها تقارير حقوقية دولية بشأن الاحتجاز في مصر.

موقف الأمم المتحدة من قضية الحداد 

وفي وثيقة اعتمدها فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي عام 2019، خلص الفريق إلى أن احتجاز عصام وجهاد الحداد يفتقر إلى أساس قانوني، واعتبر احتجازهما تعسفيًا وفق المعايير التي يعتمدها الفريق.

كما أشار إلى أن السلطات المصرية لم ترد على البلاغ الذي أُرسل إليها بشأن قضيتهما.

وتكتسب قضية جهاد الحداد أهمية إضافية بسبب موقف فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، الذي تناول قضيتي عصام الحداد وجهاد الحداد، وخلص إلى أن الحرمان من الحرية في حالتهما كان تعسفيًا، مستندًا إلى عدة أسباب تتعلق بالأساس القانوني للاحتجاز، وضمانات المحاكمة، وتطبيق قوانين مكافحة الإرهاب بأثر رجعي.

من مشروع سياسي إلى رمز لقضية المعتقلين

على مدار سنوات، لم يعد اسم جهاد الحداد حاضرًا فقط بوصفه متحدثًا إعلاميًا سابقًا لجماعة الإخوان المسلمين، وإنما أصبح في الخطاب الحقوقي والمعارض أحد الأسماء المرتبطة بقضية الحبس الانفرادي وتدهور أوضاع المعتقلين السياسيين في مصر.

وتقدم شهادات أسرته ومحاميه ومنظمات حقوقية صورة عن شاب دخل السجن في أوائل الثلاثينيات من عمره، ثم واجه، وفق تلك المصادر، سنوات من العزل وظروف احتجاز أثرت بصورة كبيرة في قدرته على الحركة وحالته الصحية.

وتقول منظمة العفو الدولية: “إن الحداد ظل في الحبس الانفرادي لفترات طويلة منذ اعتقاله، وإن ظروف احتجازه أدت إلى تدهور خطير في حالته الصحية، مشيرة إلى أنه أصبح يحتاج إلى المساعدة في الحركة واستخدام دورة المياه”.

كما وثقت المنظمة في تقريرها الصادر عام 2018 قضيته ضمن حالات الحبس الانفرادي المطول وغير المحدد المدة في السجون.

وفي المقابل، نفت السلطات المصرية في مناسبات مختلفة ما وصفته منظمة العفو الدولية باستخدام الحبس الانفرادي المطول على نطاق واسع، وقدمت تفسيرًا مختلفًا لطبيعة الزنازين التي يوضع فيها بعض المحتجزين.

وقد وثقت منظمة العفو الدولية رد السلطات المصرية على تقريرها، مع استمرار الخلاف بين الطرفين حول توصيف ظروف الاحتجاز ومدى توافقها مع المعايير الدولية.

«الحرية لجهاد ولكل المعتقلين»

قضية جهاد الحداد، بما تحمله من تقارير عن الحبس الانفرادي وتدهور الحالة الصحية، ظلت لسنوات حاضرة في حملات المنظمات الحقوقية والناشطين.

وبالنسبة إلى أنصاره وعائلته، فإن المطالبة الأساسية تتمثل في إنهاء ظروف الاحتجاز التي يرون أنها أضرت بحالته الصحية، وتمكينه من الرعاية الطبية اللازمة، وضمان حقوقه القانونية والإنسانية.

أما منظمة العفو الدولية وفريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، فقد سجلا مواقف واضحة بشأن ظروف احتجازه وقضيته، مع اختلاف تلك التقييمات الحقوقية عن رواية السلطات المصرية بشأن أوضاع السجون والحبس الانفرادي. 

ليعلنا أن الحرية ليست فقط ل#جهاد_الحداد ولكن لكل من يواجه احتجازًا تعسفيًا، وضمان الحق في المحاكمة العادلة والرعاية الطبية وكرامة الإنسان داخل أماكن الاحتجاز.

*دراسات: متوسط انفاق الأسر المصرية يجب ألا يقل عن 32 ألف جنيه شهريا

سلطت دراستان حديثتان، أصدرتهما مراكز بحثية، الضوء على خريطة الإنفاق للطبقة الوسطى في مصر، وكم تحتاج الأسرة لضبط إنفاقها الشهري.

الدراسة الأولى، أعدها «مركز العدل لدراسات السياسات العامة»، التابع لـ«حزب العدل» المصري، وذهبت إلى أن الأسرة المكونة من 4 أفراد تحتاج إلى نحو 31 ألفاً و784 جنيهاً شهرياً (نحو 609 دولارات) لتغطية سلة المعيشة وفق السيناريو الأوسط، بما يعادل نحو 1059 جنيهاً يومياً للأسرة.

وارتفع الحد الأدنى للأجور بمصر للعاملين بالدولة لـ8 آلاف جنيه شهرياً (نحو 153 دولاراً) اعتباراً من يوليو الماضي، بينما يبلغ الحد الأدنى للقطاع الخاص 7 آلاف جنيه منذ مارس 2025.

بالتزامن، أوضحت دراسة حديثة أعدها مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية» بعنوان «الأجر المعيشي في مصر»، أنه عند الحديث عن إعالة أسرة صغيرة، فإن الدخول التي تدور حول الحد الأدنى للأجور تظل شديدة الحساسية أمام أي ارتفاع جديد في الأسعار، أما عند الحديث عن أجر معيشي أكثر واقعية، فينبغي أن يسمح الدخل بتغطية الاحتياجات الأساسية، وأن يترك في الوقت نفسه هامشاً معقولاً للطوارئ والادخار.

توفير الاحتياجات الضرورية بصعوبة

وفصّلت الدراسة مستويات صافي الدخل الشهري للفرد لعام 2026 وتأثيرها المعيشي، حيث وصفت الدخل أقل من 8 آلاف جنيه بأنه «شديد الصعوبة»، أما تراوحه بين 8 آلاف و12 ألف جنيه «فيكفي الاحتياجات الأساسية بصعوبة»، بينما يمثل الدخل بين 12 ألفاً و15 ألف جنيه «مستوى معيشة محدوداً ومستقراً نسبياً«.

وتصل الأمور إلى «مستوى مناسب» لفرد يعول أسرة صغيرة لمَن يتراوح دخله بين 15 ألفاً و20 ألف جنيه، في حين يُعد الدخل ما بين 20 ألفاً و25 ألف جنيه «مستوى جيداً نسبياً»، ليأتي الدخل الأكثر من 25 ألف جنيه ليسمح بهامش أفضل للادخار ومواجهة الطوارئ.

وبحسب الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، رئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، ومُعد الدراسة، فإن المواطن يواجه مجموعة من الالتزامات الشهرية، أبرزها الغذاء، والسكن، والكهرباء، والمياه، والغاز، والمواصلات، والاتصالات، والتعليم، والعلاج، والملابس، وغيرها من الاحتياجات، وبالتالي فإن الحكم على كفاية الأجر لا ينبغي أن يتم من خلال الرقم المجرد، وإنما من خلال مقارنته بسلة النفقات الضرورية.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد السؤال في مصر اليوم هو: كم يتقاضى المواطن من أجر؟، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية وإلحاحاً: ماذا يستطيع هذا الأجر أن يشتري له؟».

ويقدّر الخبير، الحد الأدنى للأجر المناسب لأسرة من 4 أفراد في عام 2026 بنحو 20 ألف جنيه شهرياً، مُفضلاً أن يزيد لـ25 ألفاً لتوفير هامش للطوارئ والادخار، أما الفرد الأعزب فيحتاج بين 12 و15 ألف جنيه، مع مراعاة تباين ظروف السكن والمحافظة.

الحد الأدنى يكفي ربع الاحتياجات

وترى الدكتورة زينب أحمد نجيب، الخبيرة الاجتماعية واستشارية «العلاقات الأسرية والإنسانية وتطوير الذات»، أن الحد الأدنى للأجر الحكومي يغطي نحو رُبع الاحتياجات وفقاً للتقديرات البحثية الأخيرة، ما يخلق فجوة هيكلية عميقة ويفرض ضغوطاً غير مسبوقة على شرائح واسعة من المجتمع، لا سيما الطبقة الوسطى، التي تراجعت نحو مستويات معيشية أدنى نتيجة عجز الأجور عن ملاحقة موجات التضخم المتسارعة.

وتبيّن، لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الفجوة تدفع الأسر إلى العمل لساعات إضافية، وتقليص الإنفاق على التعليم والصحة، والاعتماد على الاقتراض، ما يزيد الضغوط النفسية، لافتة، أيضاً إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي، حيث اتجه البعض نحو أعمال غير مستقرة أو غير مؤمنة اجتماعياً لتعويض نقص الدخل، وهو توجه لا يخلو من مخاطر اجتماعية واقتصادية.

 وبلغت آخر نسبة معلنة للفقر، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر 33.5 في المائة عام 2021

*سد فولا في جنوب السودان.. هل يفتح جبهة جديدة في ملف مياه النيل؟

لم تعد أزمة سد النهضة الإثيوبي وحدها حاضرة في حسابات القاهرة المتعلقة بمياه النيل، إذ عاد ملف المشروعات المائية في دول حوض النيل إلى الواجهة مع إعلان جنوب السودان استعدادها للمضي في خطط تطوير مشروع سد فولا على النيل الأبيض.

وجاء التصعيد في تصريحات وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان، أغوك ماكور، الذي أكد أن بلاده لا تخشى تطوير مواردها المائية، مشدداً على حقها، باعتبارها دولة ذات سيادة وعضواً في حوض النيل، في تنفيذ مشروعاتها التنموية. وقال الوزير إن مشروع فولا يندرج ضمن مجموعة من المشروعات التي أُقرت في إطار أعمال مجلس وزراء دول حوض النيل.

وتكتسب تصريحات جوبا أهمية خاصة بالنسبة إلى القاهرة، ليس فقط بسبب طبيعة المشروع، وإنما أيضاً بسبب توقيتها، في ظل استمرار الخلاف المصري الإثيوبي بشأن سد النهضة وقواعد تشغيله وإدارته.

ما هو سد فولا؟

يقع مشروع فولا المقترح في منطقة النيل الأبيض بالقرب من مدينة نمولي في ولاية الاستوائية الوسطى، ويُطرح أساساً باعتباره مشروعاً لتوليد الطاقة الكهرومائية وتوسيع قدرة جنوب السودان على إنتاج الكهرباء.

وكانت بعثة مشتركة ضمت مسؤولين من جنوب السودان والاتحاد الأوروبي ومبادرة حوض النيل قد زارت في مارس وأبريل 2026 منطقة شلالات فولا لمعاينة إمكانات الموقع، فيما تحدثت الجهات المشاركة عن إمكانات كبيرة لتطوير الطاقة الكهرومائية في المنطقة.

وتشير المعلومات المتاحة إلى أن مشروع فولا يرتبط بخطط أوسع لتطوير قطاع الكهرباء في جنوب السودان، الذي يعاني محدودية كبيرة في إمدادات الطاقة، مع إمكانية استخدام فائض الإنتاج مستقبلاً لتلبية احتياجات دول مجاورة، بحسب تصريحات سابقة لمسؤولي الحكومة.

“لا نخشى مصر” ماذا قالت جوبا؟

اللافت في التصريحات الأخيرة هو اللهجة التي استخدمها وزير الطاقة والسدود في جنوب السودان، إذ قال إن بلاده «لا تخشى» بناء السدود، مستنداً إلى سيادتها وحقها في تطوير مواردها المائية. وأوضح ماكور أن مجلس وزراء حوض النيل أقر 34 مشروعاً، بينها مشروعات سدود، وأن مشروع فولا مدرج ضمن هذه المشروعات، مشيراً كذلك إلى أن مصر كانت من الدول المشاركة في إطار تلك القرارات، بحسب ما نقلته وسائل إعلام جنوب سودانية.

لكن الإشارة إلى موافقة مصر على مشروعات ضمن برامج حوض النيل لا تعني بالضرورة أن القاهرة منحت موافقة منفصلة ونهائية على كل مشروع سد على حدة.

وتؤكد وزارة الموارد المائية والري المصرية، من جانبها، أن القاهرة دعمت عشرات المشروعات التنموية في منطقة الهضبة الاستوائية وحوض النيل الأبيض، وأنها قدمت خطابات عدم ممانعة لمشروعات في دول حوض النيل، في إطار دعم التنمية المستدامة والتعاون الإقليمي.

وهنا تكمن إحدى النقاط الأساسية في الجدل الحالي: المشاركة في برامج التنمية الإقليمية أو دعم مشروعات مائية لا تعني بالضرورة موافقة تلقائية على أي مشروع منفرد وتأثيراته المحتملة على تدفقات المياه.

لماذا يثير المشروع اهتمام القاهرة؟

تنبع حساسية الملف من موقع مصر في نهاية منظومة النيل واعتمادها الكبير على مياه النهر، إضافة إلى أن أي توسع في إقامة منشآت مائية على مجرى النيل وروافده يطرح أسئلة حول إدارة التدفقات والتنسيق بين دول الحوض.

لكن التأثير الفعلي لأي سد على دول المصب لا يمكن تحديده بمجرد وجود المشروع، وإنما يرتبط بعوامل فنية متعددة، من بينها موقع السد، وحجمه، وسعته التخزينية، وطريقة تشغيله، وفترات ملء الخزان، وحجم المياه التي يمكن أن يحجزها أو ينظم تدفقها.

كما أن مشروع فولا يقع على النيل الأبيض، في حين أن سد النهضة الإثيوبي يقع على النيل الأزرق، وهو ما يجعل طبيعة المشروعين وظروفهما الهيدرولوجية مختلفة، حتى وإن كان كلاهما جزءاً من منظومة نهر النيل.

مصر وجنوب السودان.. تعاون مائي رغم الجدل

المفارقة أن التصريحات الأخيرة تأتي في وقت تستمر فيه علاقات التعاون بين القاهرة وجوبا في ملفات المياه والتنمية. ففي يوليو 2026، أعلنت مصر افتتاح محطة للمياه الجوفية في جامعة جوبا بتمويل مصري، وقالت القاهرة إن المشروع يأتي ضمن دعمها للتنمية المستدامة وتحسين الخدمات في جنوب السودان.

كما تعرض وزارة الموارد المائية والري المصرية عدداً من مشروعات التعاون مع جنوب السودان، بينها مشروعات لتطهير المجاري المائية وتحسين ظروف الملاحة والحد من مخاطر الفيضانات، إلى جانب مشروعات للرصد والتنبؤ بالتغيرات المناخية.

وبذلك، فإن الحديث عن سد فولا لا يعني بالضرورة انتقال العلاقات المصرية الجنوب سودانية إلى مواجهة مفتوحة، لكنه يكشف عن ملف مائي جديد يمكن أن يفرض مزيداً من النقاش الفني والقانوني بين دول حوض النيل.

من سد النهضة إلى سد فولا.. هل تتغير معادلة النيل؟

تواجه مصر منذ سنوات خلافاً مع إثيوبيا حول سد النهضة، وتتمسك القاهرة بضرورة التوصل إلى قواعد ملزمة بشأن تشغيل السد وإدارته بما يحمي مصالح دولتي المصب. وفي المقابل، ترى دول المنبع أن من حقها تطوير مواردها المائية واستخدامها في إنتاج الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية.

ومع دخول مشروعات جديدة مثل فولا إلى دائرة الاهتمام، تصبح إدارة الموارد المائية في حوض النيل أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا تزايد عدد المشروعات على روافد النهر من دون آليات واضحة للتنسيق وتبادل البيانات.

ومع ذلك، لا توجد في المعلومات المتاحة حالياً مؤشرات كافية للقول إن سد فولا سيؤدي حتماً إلى خفض حصة مصر من مياه النيل أو أنه يمثل مواجهة مباشرة مع القاهرة. فحجم التأثير يحتاج إلى دراسات فنية وهيدرولوجية تفصيلية، كما أن المشروع ما زال في إطار الخطط والإعداد والتطوير، وليس سداً قائماً دخل مرحلة التشغيل.

وهكذا، يفتح سد فولا نقاشاً جديداً حول مستقبل إدارة مياه النيل، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام دول الحوض اختباراً آخر: كيف يمكن الجمع بين حق دول المنبع في التنمية واحتياجات دول المصب في الحفاظ على أمنها المائي، بعيداً عن التصعيد السياسي ودون تحويل كل مشروع تنموي إلى أزمة إقليمية جديدة؟

*”كل الخيارات متاحة” وزير مصري يكشف أوراق القاهرة في مواجهة سد النهضة

أكد وزير الموارد المائية المصري هاني سويلم أن مصر تحتفظ بكل التدابير التي يكفلها القانون الدولي لحماية أمنها المائي، مشددا على أن “كافة الخيارات المشروعة” مطروحة على طاولة القاهرة.

وقال سويلم إن مصر “دولة سلام قوية” تعلي من شأن القانون الدولي، لكنها تعرف متى وكيف يكون رد الفعل المناسب لحماية مصالحها، مؤكدا أن القاهرة لن تغض الطرف عن مصالحها الوجودية في نهر النيل، ولن تقبل بما وصفه بـ”أوهام التحكم والسيطرة” في تدفقات المياه إلى دولتي المصب.

وأوضح الوزير أن وصف سد النهضة الإثيوبي بأنه “أحادي وغير شرعي” يعكس موقفا سياسيا يستند إلى رؤية قانونية مصرية بشأن طريقة إنشاء السد وملئه وتشغيله بصورة أحادية، مشددا على أن اكتمال البناء أو مرور الوقت لا يعني قبول مصر بالأمر الواقع، ولا يسقط حقوقها أو موقفها القانوني.

ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه القاهرة التأكيد على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، في ظل استمرار المخاوف المصرية من آثار الإدارة الأحادية على تدفقات مياه النيل، حيث كانت وزارة الري قد أعلنت في يوليو الماضي أن تشغيل السد بصورة أحادية شهد اضطرابات وتغيرات في معدلات التصريف، مع غياب قواعد واضحة للتشغيل وآلية منتظمة لتبادل البيانات بين الدول الثلاث.

وحذر سويلم من أن التشغيل الأحادي وغير المنسق للسد يمكن أن يؤدي إلى تغيرات مفاجئة في التصرفات المائية، سواء عبر زيادات حادة وصفها بـ”الفيضان الصناعي” أو انخفاضات قد تقود إلى ما سماه “الجفاف الصناعي” بما قد يربك تشغيل السدود والمنشآت المائية في مصر والسودان.

وانتقد الوزير تصريحات إثيوبية حديثة تحدثت عن التحكم في المياه المتجهة إلى دولتي المصب، معتبرا أن هذه التصريحات تكشف من وجهة نظر القاهرة تناقضا مع الخطاب الذي قدم السد على مدى السنوات الماضية باعتباره مشروعا لتوليد الكهرباء، وتثير مخاوف بشأن السعي إلى فرض إدارة أحادية لمورد مائي عابر للحدود.

وشدد سويلم على أن الموقف المصري لا يقوم على رفض التنمية في دول حوض النيل، وإنما على الجمع بين دعم التنمية والتعاون الإقليمي والالتزام بقواعد القانون الدولي وحماية الأمن المائي المصري.

وأشار في هذا السياق إلى وجود نموذج تعاوني في حوض النيل الجنوبي، تقوم خلاله الدول بإعداد المشروعات ودراستها وإخطار الأطراف المعنية والتشاور معها قبل الانتقال إلى مراحل التمويل والتنفيذ، مؤكدا أن مصر تدعم هذا النهج وتشارك في حشد التمويل للمشروعات التنموية بدول الحوض.

واعتبر الوزير أن سد النهضة يمثل نموذجا مختلفا بسبب ما وصفه بالنهج الأحادي في الإنشاء والملء والتشغيل، مؤكدا أن القاهرة لن تسمح بفرض “أمر واقع جديد” على النيل الشرقي.

وردا على الطرح القائل إن مصر تحصل على “نصيب الأسد” من مياه النيل، قدم سويلم أرقاما تتعلق بالموارد المائية في حوض النيل، موضحا أن حصة مصر السنوية البالغة 55.5 مليار متر مكعب تمثل وفق المقارنة التي طرحها، نحو 2.7% فقط من إجمالي الأمطار الساقطة على حوض النيل والمقدرة بنحو 2000 مليار متر مكعب.

وقال إن مصر دولة شديدة الجفاف وتعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل، بينما تمتلك دول المنبع موارد كبيرة من الأمطار والمياه الجوفية والزراعة المطرية، مستشهدًا بإثيوبيا التي قال إنها تلقت خلال عام 2023 أكثر من 1000 مليار متر مكعب من الأمطار، منها نحو 467 مليار متر مكعب على الجزء الإثيوبي الواقع داخل حوض النيل.

واختتم سويلم بالتأكيد على أن الأمن المائي المصري “قضية وجودية” مشددا على أن الدولة تتابع تطورات الموقف بصورة مستمرة وتدير مواردها من خلال منظومة فنية وعلمية متطورة، وأنها لن تسمح بأن يتحمل المواطن المصري تبعات قرارات أحادية تتخذ خارج حدود الدولة، مع احتفاظ القاهرة بحقوقها وجميع التدابير التي يكفلها القانون الدولي.

*اكتشافات جديدة على الورق فقط..تراجع إنتاج الغاز الطبيعى يهدد مصر بالإفلاس

فى الوقت الذى تزعم فيه حكومة الانقلاب زيادة انتاج الغاز الطبيعى واكتشاف حقول جديدة، كشفت بيانات رسمية عن وجود فجوة كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك تهدد بإفلاس البلاد وعدم قدرتها على الاستيراد لتغطية الاستهلاك المحلى .

وأكدت البيانات أن الإنتاج يدور حاليًا حول 3.69 مليار قدم مكعب يوميًا، بعد تراجعه من مستويات قاربت 4.8 مليار قدم مكعب يوميًا خلال السنوات الماضية فى حين أن الاستهلاك المحلى يصل إلى 6.6 مليار قدم مكعب يوميا .

كما كشفت الأرقام عن تحدٍ كبير أمام قطاع البترول، إذ يتطلب الوصول إلى إنتاج 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا إضافة نحو 3 مليارات قدم يوميًا مقارنة بالمستويات الحالية، فضلًا عن تعويض التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول القائمة.

وتزداد أهمية زيادة الإنتاج المحلي مع ارتفاع الطلب على الغاز، خاصة من محطات الكهرباء والقطاع الصناعي، بما يجعل زيادة الإنتاج أحد الأدوات الرئيسية لتقليل الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية.

كما تواجه الحقول القديمة انخفاضًا طبيعيًا في معدلات الإنتاج، ما يفرض استمرار عمليات الحفر والاستكشاف وتنمية الاكتشافات الجديدة للحفاظ على مستويات الإنتاج.

فجوة 3 مليارات قدم

فى هذا السياق تساءل محمد فؤاد، عضو مجلس نواب السيسي عن قدرة حكومة الانقلاب على تنفيذ خطتها لزيادة الإنتاج المحلي، في ظل تراجع معدلات الإنتاج -خلال السنوات الأخيرة- واتساع الفجوة بين المستويات الحالية والمستهدفات المعلنة.

واستبعد «فؤاد»، فى تصريحات صحفية أن تستطيع حكومة الانقلاب رفع الإنتاج إلى نحو 6 أو 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا، بينما يدور الإنتاج حاليًا حول 3.69 مليار قدم مكعب يوميًا، بعد تراجعه من مستويات قاربت 4.8 مليار قدم مكعب يوميًا خلال السنوات الماضية.

وتساءل عن مدى واقعية السيناريوهات المطروحة لزيادة إنتاج النفط والغاز حتى 2030، وما إذا كانت تمثل خطة تنفيذية محددة أم مجرد نموذج حسابي للمستهدفات.

وأشار إلى أن وزارة بترول الانقلاب أعلنت برنامجًا لخمس سنوات يتضمن حفر نحو 480 بئرًا استكشافية باستثمارات تتجاوز 5.7 مليار دولار، بينما يتضمن السيناريو المتوسط المطروح حاليًا حفر 513 بئرًا في 2026-2027، ثم 565 و620 و680 بئرًا، بإجمالي 2378 بئرًا خلال أربع سنوات.

برنامج الحفر

وأوضح «فؤاد»، أن المقارنة ليست مباشرة لاختلاف تصنيف الآبار، لكنها تطرح تساؤلات حول مواقع الحفر، وعدد الحفارات المطلوبة، ومصادر التمويل، والجهات التي ستتولى تنفيذ هذا البرنامج.

ولفت إلى أن زيادة إنتاج الغاز من نحو 3.7 مليار إلى 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا خلال 2026-2027 لا تعني إضافة 500 مليون قدم فقط، إذ يجب أولًا تعويض التراجع الطبيعي في إنتاج الحقول القائمة.

وأشار «فؤاد»، إلى أن العرض لم يحدد عدد الحفارات اللازمة لتنفيذ برنامج الحفر، موضحًا أن الحسابات التقديرية تشير إلى حاجة نحو 85 بريمة لتنفيذ 513 بئرًا سنويًا، وأكثر من 110 بريمات عند الوصول إلى 680 بئرًا، متسائلًا عن مدى قدرة طاقات الحفر الحالية على تنفيذ البرنامج.

وأضاف أن التحدي الأكبر يتعلق بزيادة الإنتاج، إذ إن رفع إنتاج الغاز من نحو 3.7 إلى 4.2 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال 2026-2027 يتطلب، مع احتساب التناقص الطبيعي للحقول، إضافة نحو 980 مليون قدم يوميًا من الإنتاج الجديد، ليرتفع إجمالي القدرات الجديدة المطلوبة خلال سنوات الخطة إلى نحو 5.42 مليار قدم مكعبة يوميًا.

الحقول والآبار

وقال «فؤاد»: نريد أن نعرف أين الحقول والآبار والاستثمارات التي ستنتج هذه الكميات، متسائلا حول أثر سداد مستحقات الشركاء الأجانب، بعدما بلغت في وقت سابق نحو 6.1 مليار دولار، وما إذا كانت هذه الخطوة أسهمت بالفعل في جذب استثمارات جديدة تتناسب مع حجم برنامج الحفر والإنتاج المستهدف.

واشار إلى إعادة شركة BP ترتيب جانب من محفظة أصولها، معتبرًا أن ذلك لا يعني بالضرورة خروجها من مصر، لكنه يفتح تساؤلًا حول المستثمرين القادرين على تمويل موجة الاستثمارات المطلوبة خلال السنوات المقبلة.

وأكد «فؤاد»، أن الهدف من السؤال البرلماني ليس الحكم مسبقًا على فشل الخطة، وإنما معرفة تفاصيلها التنفيذية، قائلًا إن المهم ليس فقط تحديد مستهدفات 2030، وإنما معرفة الآبار والحقول والاستثمارات ومواعيد التنفيذ التي ستقود إلى تحقيق هذه الأرقام.

مشكلات فنية

من ناحيته كشف خبير أسواق الطاقة الدكتور رمضان أبو العلا، أن السبب الرئيسي وراء انخفاض إنتاج الغاز الطبيعي في مصر يرجع إلى وجود مشكلات فنية في بعض الحقول، وعلى رأسها حقل ظهر، إلى جانب عدم تحقيق اكتشافات جديدة ذات تأثير كبير على معدلات الإنتاج.

وقال «أبو العلا»، في تصريحات صحفية إن الاكتشافات التي أعلنت عنها حكومة الانقلاب خلال العامين الماضيين لا تمثل سوى نسبة ضئيلة جدًا مقارنة بإنتاج حقل ظهر، إذ يتراوح إنتاج بعضها بين 20 و70 مليون قدم مكعب يوميًا، في حين كان إنتاج حقل ظهر يصل إلى نحو مكعبة 2.7 مليار قدم يوميًا.

وأكد أن حكومة الانقلاب لم تحقق حتى الآن اكتشافات جديدة مؤثرة تضيف إلى الاحتياطي الاستراتيجي من الغاز وترفع معدلات الإنتاج، موضحًا أن الجهود الحالية تتركز بشكل أساسي على تنمية الحقول القائمة وزيادة إنتاجها، إلى جانب اكتشاف « دينيس غرب»، المقرر دخوله الخدمة وربطه بالشبكة الرئيسية خلال نحو عامين.

اكتشافات جديدة

وأشار «أبو العلا»، إلى صعوبة تحقيق مستهدف حكومة الانقلاب بالوصول إلى إنتاج 6.6 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول عام 2030 في ظل غياب اكتشافات ضخمة جديدة، موضحًا أن الوصول إلى هذا المستوى يتطلب تقريبًا مضاعفة الإنتاج الحالي، وهو ما يستلزم اكتشاف حقل ذي إنتاجية كبيرة تقترب من مستويات حقل ظهر.

وأوضح أنه رغم وجود شركات كبرى تعمل في مجال إنتاج البترول والغاز، إلى جانب مناطق امتياز متعددة، وسداد مستحقات الشركات، بما يوفر عوامل مهمة لجذب الاستثمارات، إلا أن التحدي الأساسي يظل في تحقيق اكتشافات جديدة قادرة على إحداث نقلة حقيقية في الإنتاج والاحتياطي.

*بيع مجمع التحرير وتحويله لفندق والمشترون يطلبون قروضاً من البنوك المصرية

يدخل مجمع التحرير مرحلة تحويله إلى فندق فاخر، بعد نحو خمسة وسبعين عامًا على افتتاحه، ليضع الحكومة أمام سؤال يتجاوز تجديد مبنى تاريخي إلى مصير الأصول العامة وحدود التصرف فيها.

وفيما تتقدم ترتيبات المشروع، تتسع ضرورة مساءلة السلطة عن شروط التعاقد والعائد العام، مع التمييز بين التحويل الفندقي المؤكد والبيع النهائي الذي لا تثبته المعلومات المتاحة عن طبيعة الاتفاق.

تحويل المجمع وأسئلة الملكية الغائبة

فمنذ افتتاحه عام 1951، ارتبط المجمع بمعاملات المصريين وخدماتهم الحكومية، قبل بدء خطط إخلائه عام 2016، وصولًا إلى اعتماد مشروع إعادة توظيفه فندقيًا، المعلن في يوليو 2026.

وبذلك، تشير السنوات الخمس والسبعون إلى عمر المبنى منذ افتتاحه، وليست مدة متصلة لتقديم الخدمات حتى اليوم، بعدما انتقلت جهات حكومية منه تدريجيًا خلال مراحل الإخلاء السابقة وإعادة ترتيب استخدامه.

وفي المقابل، يتضمن التصور المعلن نحو خمسمائة غرفة وشقة فندقية، ومطاعم ومرافق للفعاليات والترفيه، مع مسبح علوي؛ وهي مكونات تكشف انتقال المكان من الاستخدام الإداري الجماهيري إلى الضيافة الفاخرة.

لكن وصف هذا التحول بأنه بيع نهائي يحتاج وثيقة تثبت انتقال الملكية، خصوصًا أن إبراهيم محلب وصف المشروع، في تصريحات منشورة يوم 24 يوليو 2026، بأنه حق استغلال وشراكة استثمارية.

ومع ذلك، لا يعفي نفي البيع الحكومة من نشر التفاصيل؛ فمدة الاستغلال، وقيمة المقابل، ونصيب الدولة من الإيرادات، وضمانات استرداد الأصل، مسائل لا تختصرها عبارة دعائية عن تعظيم العوائد.

وفي هذا السياق، انتقد الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، في مقال بتاريخ 15 يناير 2026، تحويل أوضاع ملكية الأصول تمهيدًا للتصرف فيها، معتبرًا أن معالجة الديون تستوجب موارد حقيقية وحلولًا جذرية.

وانطلاقًا من نقده العام لسياسات الأصول، وليس تعليقًا مباشرًا منه على مستجدات المجمع، تبرز ضرورة إخضاع إعادة التوظيف للمساءلة، بدل الاكتفاء باعتبار انتقال المبنى إلى النشاط الفندقي نجاحًا تلقائيًا.

وعليه، فإن السؤال المحرج للحكومة يتعلق بما سيحصل عليه المصريون تحديدًا، وكيف جرى تقييم العقار وموقعه وقيمته التاريخية، وما إذا كانت بدائل استغلاله قد خضعت لمنافسة ومقارنة معلنتين أمام الجمهور. 

فندق فاخر وحقوق عامة معلقة

وفي امتداد لهذا المسار، يحمل تحويل المجمع مفارقة سياسية واضحة؛ فالمبنى الذي ارتبط بطوابير الخدمات يجري تقديم مستقبله عبر الغرف الفاخرة والإطلالات، بينما يستحق الجمهور شرحًا لمكاسبه من هذا التغيير.

وبالطبع، لا يمنح تاريخه الإداري حصانة ضد التطوير، ولا يجعل الاحتفاظ بالمكاتب القديمة هدفًا بذاته؛ لكن الحكومة مطالبة بإثبات أن اختيار الفندق يحقق منفعة عامة تتجاوز أرباح المشغل والمستثمر وحدهما.

كذلك، فإن الحفاظ على الواجهات والطابع المعماري ضرورة، لكنه لا يجيب منفردًا عن مصير الوظيفة الاجتماعية للمكان، ولا عن إمكانية تخصيص مساحات متاحة للجمهور تحفظ صلته بتاريخ المبنى والمدينة المحيطة.

ومن جهة أخرى، لا تكفي وعود الوظائف لتبرير أي شروط تعاقدية؛ إذ ينبغي إعلان أعداد فرص العمل المتوقعة، وطبيعتها، ومستويات الأجور، وحجم المشتريات المحلية، والتزامات المستثمر القابلة للقياس والمحاسبة الدورية.

وفي هذا الإطار، رفض الخبير الاقتصادي هاني توفيق، في موقف منشور يوم 7 يناير 2026، تسوية الديون ببيع الأراضي والشركات والموانئ والمطارات، مشددًا على مسؤولية الجيل الحالي تجاه الأجيال المقبلة.

كما طرح توفيق، ضمن نقده لهذه السياسات، إعادة جدولة الالتزامات قصيرة الأجل وإزالة معوقات الاستثمار، بما يحسن قدرة الاقتصاد على السداد، عوض التعويل على التصرف في موارده وأصوله لتوفير السيولة.

وبتطبيق معيار حماية حقوق الأجيال على المجمع، يصبح المطلوب تقييم العائد طوال مدة التعاقد، وموازنته بالقيمة المستقبلية للعقار، مع توضيح من يتحمل مخاطر التعثر أو ارتفاع تكاليف إعادة التأهيل لاحقًا.

لذلك، فإن مساءلة المشروع لا تعني رفض السياحة، وإنما رفض منح السلطة تفويضًا مفتوحًا لتقرير مصير مبنى عام، ثم مطالبة المجتمع بالتصفيق لمجرد ظهور علامة فندقية دولية على واجهته التاريخية.

سيولة مؤقتة لا تصنع تنمية

وعلى المستوى الاقتصادي، يكمن الخطر في تحويل التصرف بالأصول إلى بديل دائم عن إصلاح السياسات؛ فالمبالغ الاستثنائية تنفد، بينما تتجدد الالتزامات إذا بقيت أسباب العجز وضعف الإنتاج على حالها دون معالجة.

وفي المقابل، يمكن للاستثمار الفندقي أن يولد دخلًا وفرص عمل، لكن الحكم عليه يتطلب معرفة توزيع المنافع والتكاليف، وليس الاكتفاء بإجمالي الإنفاق الاستثماري المعلن أو عدد الغرف المخطط لإنشائها داخل المبنى.

وفي هذا الصدد، انتقدت نعمة الشيشيني، أستاذة الاقتصاد والمالية العامة بجامعة الأزهر، اختزال علاج الدين في بيع الأصول، موضحة في تصريحات منشورة يوم 2 سبتمبر 2026 أن البيع ليس حلًا مستقلًا. 

وأضافت، في تقييمها العام لهذه السياسة، أن خفض المديونية لحظة البيع لا يمنع تراكمها مجددًا مع استمرار العجز، وأن خسارة التدفقات المستقبلية قد تتجاوز الوفر الناتج عن سداد الدين نفسه.

ومن ثم، يضع هذا النقد الاقتصادي الحكومة أمام اختبار صريح؛ هل تحقق إعادة توظيف المجمع عائدًا مستدامًا وعادلًا للدولة، أم يجري الاحتفاء بقيمة استثمارية لا توضح حصة الخزانة العامة منها؟

فضلًا عن ذلك، ينبغي فصل تكلفة تطوير الفندق عن ثمن العقار أو مقابل استغلاله؛ فهذه أرقام مختلفة، وخلطها يصنع انطباعًا مضللًا بأن كل دولار ينفقه المستثمر يدخل مباشرة إلى المال العام.

وبناءً عليه، تبدأ الشفافية بنشر ملخص تعاقدي شامل وتقييم مستقل وجدول زمني واضح، مع إعلان شروط تعديل الاتفاق أو إنهائه، وآليات مراقبة التنفيذ، بدل ترك الجمهور أسير تصريحات متفرقة وصور تسويقية.

وأخيرًا، لا تستطيع الحكومة إثبات نجاحها بمجرد استبدال شبابيك الخدمات بأجنحة فندقية؛ فالاختبار هو حماية حقوق المصريين وتحقيق عائد معلن، وإلا تحول شعار التطوير إلى ستار يحجب أسئلة الملكية والمحاسبة.

*السيسي دمّر الكفاءة وتكافؤ الفرص.. دعاوى أوائل الخريجين تفتح ملف تخطي التعيينات بالهيئات القضائية

تشهد قضية التعيينات الجديدة بالجهات والهيئات القضائية في مصر تطورات متلاحقة، على خلفية دعاوى قضائية أقامها أوائل خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون ممن جرى تخطيهم في التعيين بهيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، بالتزامن مع جدل أوسع حول معايير اختيار المعينين، ودور التحريات والاعتبارات الاجتماعية والأمنية، إلى جانب إخضاع المرشحين لاختبارات ودورات تأهيلية داخل الأكاديمية العسكرية.

وبحسب تقرير نشرته منصة متصدقش @matsda2sh في سبتمبر 2026، نقلًا عن مصدرين قضائيين بمجلس الدولة بدرجة نائب رئيس مجلس الدولة، أقام عدد من أوائل خريجي كليات الحقوق والشريعة والقانون أكثر من 800 دعوى أمام محكمة القضاء الإداري خلال شهري أبريل ومايو 2026، طعنًا على قرارات تخطيهم في التعيين بهيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية.

 105 من أبناء القضاة مستبعدون

كانت منصة متصدقش @matsda2sh قد تناولت في مايو الماضي جانبًا آخر من ملف التعيينات القضائية، يتعلق باستبعاد عدد من أبناء القضاة والمستشارين من استكمال إجراءات التعيين عقب خضوعهم لاختبارات مرتبطة بالأكاديمية العسكرية.

وقالت المنصة، في تقرير نشرته في 21 مايو 2026، إن عدد المستبعدين بلغ 105 مرشحين، بينهم 42 مرشحًا للتعيين في النيابة العامة، و37 من دفعات مجلس الدولة، و26 من دفعة النيابة الإدارية، مشيرة إلى أن الاستبعادات جاءت خلال اختبارات بدأت في أبريل واستمرت ثلاثة أسابيع، قبل الدورة التأهيلية بالأكاديمية العسكرية.

ووفقًا لما أوردته المنصة نقلًا عن خمسة مصادر قضائية، أثار إخضاع المعينين الجدد في الهيئات القضائية لدورات واختبارات خارج الإطار القضائي اعتراضات داخل أوساط قضائية، باعتبار أن هذه الإجراءات أضيفت إلى مراحل التعيين التقليدية التي كانت تخضع للقوانين المنظمة لكل جهة قضائية.

اختبارات الأكاديمية العسكرية تدخل في مسار التعيينات

بحسب تقرير متصدقش في مايو، بدأ تطبيق قرار حكومي صادر في أبريل 2023 بإلزام المعينين الجدد في الجهات والهيئات الحكومية بالحصول على دورة تأهيلية لمدة ستة أشهر داخل الأكاديمية العسكرية، وامتد تطبيقه إلى جهات قضائية بينها النيابة العامة ومجلس الدولة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة.

وأفادت المصادر التي نقلت عنها المنصة بأن الاختبارات شملت جوانب بدنية وطبية وتنظيمية وأمنية، وأن بعض حالات الاستبعاد ارتبطت بعدم اجتياز الاختبارات الرياضية أو الطبية، إلى جانب اعتبارات أمنية. وذكرت المنصة أن بعض المصادر القضائية اعتبرت تطبيق معايير مثل الوزن وقوة النظر والحالة البدنية على مرشحين لوظائف قضائية أمرًا محل اعتراض، في ضوء اختلاف طبيعة العمل القضائي عن العمل العسكري.

من استبعاد أبناء القضاة إلى دعاوى أوائل الخريجين

ويأتي التقرير الأحدث لمتصدقش في سبتمبر في سياق مختلف، إذ يتعلق بطعون أقامها أوائل خريجي الحقوق والشريعة والقانون أنفسهم على قرارات تعيين دفعات 2019 و2020 في هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية.

وتتعلق الدعاوى بالقرار الجمهوري رقم 52 لسنة 2026 الخاص بتعيين دفعتي 2019 و2020 في هيئة قضايا الدولة، والقرار الجمهوري رقم 51 لسنة 2026 الخاص بتعيين الدفعَتين في هيئة النيابة الإدارية، والصادرين في 27 يناير 2026.

ويتمسك الطاعنون، بحسب ما أوردته المنصة، بأن جانبًا كبيرًا منهم من أوائل الخريجين والحاصلين على تقديرات مرتفعة، وأن تخطيهم لصالح مرشحين أدنى منهم في التقدير يحتاج إلى سبب قانوني واضح ومحدد يمكن إخضاعه للرقابة القضائية.

مبدأ الكفاءة وتكافؤ الفرص

استندت الدعاوى إلى المادتين 14 و53 من الدستور المصري، باعتبارهما تؤكدان مبدأ شغل الوظائف العامة على أساس الكفاءة والمساواة أمام القانون وحظر التمييز.

كما استند الطاعنون إلى أحكام للمحكمة الإدارية العليا، من بينها حكم في الطعن رقم 11434 لسنة 46 قضائية عليا بجلسة 2 يوليو 2011، باعتباره يؤكد أولوية المتفوق دراسيًا في المفاضلة على الوظائف، وعدم جواز تخطيه بمن هو أدنى منه تقديرًا دون مبرر ظاهر يمكن إخضاعه للرقابة القضائية.

وأشارت الدعاوى كذلك إلى الطعن رقم 5733 لسنة 63 قضائية عليا بجلسة 17 أكتوبر 2020، في إطار الاستناد إلى المبادئ القضائية المتعلقة بالمفاضلة بين المتقدمين للوظائف القضائية.

غياب أسباب الاستبعاد

وتتمحور دفوع عدد كبير من الطاعنين حول عدم وجود أسباب محددة ومعلنة تبرر تخطيهم، إذ تقول الدعاوى، بحسب ما نقلته متصدقش، إن الأوراق في بعض الحالات لا تتضمن ما يفيد عدم اجتياز المقابلات الشخصية، أو وجود وقائع محددة تمس أهلية المرشح أو لياقته أو سمعته.

ويتمسك الطاعنون بأن عدم تقديم الجهة الإدارية سببًا واضحًا للاستبعاد يثير مسألة توافر ركن السبب في القرار الإداري، ويتيح لمحكمة القضاء الإداري بحث مدى مشروعية القرار والوقائع التي استند إليها.

كما تضمنت الدعاوى الدفع بإساءة استعمال السلطة والانحراف بها، مع تأكيد أن السلطة التقديرية للجهات واللجان المختصة بالاختيار لا تعني سلطة مطلقة، وإنما يفترض أن تمارس في إطار الضوابط القانونية والغاية التي حددها المشرع.

تقارير هيئة مفوضي الدولة

وفي المقابل، أظهرت تقارير هيئة مفوضي الدولة في عدد من الدعاوى أسبابًا قُدمت لتبرير تخطي بعض المرشحين، من بينها أسباب أمنية، وصدور أحكام قضائية بحق والد المرشح أو أحد أفراد أسرته من الدرجة الأولى، فضلًا عن وصف بعض المرشحين بعدم اللياقة المجتمعية.

وتبرز هنا مسألة مدى كفاية هذه الأسباب لتبرير الاستبعاد، خصوصًا في الحالات التي لا يتضح فيها من الأسباب المشار إليها بصورة تفصيلية الواقعة التي أدت إلى وصف المرشح بأنه غير لائق اجتماعيًا، أو مدى اتصال تلك الواقعة بشخصه وقدرته على أداء الوظيفة القضائية.

الطاعنون يتحدثون عن أخطاء في البيانات والتحريات

في ردودهم على تقارير هيئة مفوضي الدولة، تمسك بعض الطاعنين بوجود أخطاء في البيانات الواردة بشأنهم، بينها نسبة تخرج أحد المدعين إلى جامعة غير الجامعة التي حصل منها على مؤهله، أو اختلاف التقدير الدراسي المثبت في المستندات عن التقدير الوارد في بعض المذكرات.

كما نفى عدد من الطاعنين وجود مشكلات أمنية تحول دون تعيينهم، وتمسكوا بأن التحريات المتعلقة بهم وبأسرهم لم تتضمن وقائع تمنع تعيينهم، مطالبين المحكمة بفحص المستندات والتحريات التي استندت إليها جهة الإدارة.

ولا تزال هذه الدعاوى منظورة أمام محكمة القضاء الإداري، ولم تصل، وفق المعلومات الواردة في التقرير، إلى أحكام نهائية تفصل في مشروعية قرارات التعيين محل الطعن. 

من جانبها، نشرت الناشطة نسرين نعيم @nesrinnaem144 في 30 مايو 2026 تعليقًا تناول واقعة رفض الأكاديمية العسكرية تعيين 105 ممن قالت إنهم كانوا مرشحين من المجلس الأعلى للقضاء، وربطت بين استبعاد بعض أبناء القضاة وبين الجدل حول دور الأكاديمية العسكرية في مراحل التعيين.

وأضافت “..  فكرت إن الأكاديمية العسكرية هي اللي بتقبل القضاة وترفضهم، فزعلت..   لكن افتكرت إن كدا هتتحل مشكلة توريث المناصب القضائية ففرحت.. لكن افتكرت إن السلطة القضائية “المدنية” وقعت تحت سلطة السلطة التنفيذية “العسكرية” فزعلت….. لكن افتكرت إن الاتنين مش مستنيين رأيي ولا موقفي فضحكت”.

وتناول المنشور بصورة ساخرة ومتدرجة التناقضات التي تراها الكاتبة في انتقال بعض مراحل اختيار أعضاء السلطة القضائية إلى جهة تتبع السلطة التنفيذية، معتبرة أن الواقعة تثير في الوقت نفسه قضية توريث المناصب القضائية وعلاقة السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية.

نسب أبناء القضاة والقيادات

وفي 26 يناير 2026، كشف عن تعيينات معاوني النيابة العامة دفعة 2022، قال فيه إن أكثر من 60% من المقبولين كانوا من أبناء رؤساء محاكم وقيادات في الشرطة والجيش والمخابرات وأعضاء مجلس الشيوخ.

وفي أغسطس 2025 تقريرًا حصل أبناء القضاة على 34% من التعيينات الجديدة للمندوبين المساعدين بمجلس الدولة من خريجي دفعتي 2020 و2021.

وتبقى هذه النسب والادعاءات منسوبة إلى الجهات التي نشرتها، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها أرقامًا رسمية نهائية ما لم تؤيدها بيانات رسمية أو مصادر مستقلة قابلة للتحقق.

ملف واحد ومساران متداخلان

وتكشف التطورات الحالية عن مسارين متوازيين في ملف التعيينات القضائية؛ أولهما يتعلق بأوائل الخريجين الذين يطعنون على قرارات تخطيهم ويتمسكون بالكفاءة والتفوق الدراسي وتكافؤ الفرص، والثاني يتعلق بالمرشحين الذين اجتازوا مراحل التعيين القضائية ثم واجهوا اختبارات ودورات مرتبطة بالأكاديمية العسكرية، ومن بينهم عدد من أبناء القضاة الذين جرى استبعادهم، بحسب ما أوردته متصدقش.

وبينما ينظر القضاء الإداري في الطعون المتعلقة بقرارات التعيين، يستمر الجدل حول حدود السلطة التقديرية للجهات المختصة، ومدى مشروعية الاستناد إلى الاعتبارات الأمنية والاجتماعية والأسرية، وكذلك مدى توافق إدخال اختبارات ذات طبيعة بدنية وعسكرية في مسار اختيار المرشحين للوظائف القضائية مع القواعد المنظمة للتعيين في الهيئات القضائية.

*توفيق عكاشة يعلن “استخدموني ثم رموني” وبداية معارضة من الكواليس

توفيق عكاشة يظهر عبر منصة التواصل الاجتماعي ليعلن بغضب وعدم رضاه صراحة معارضة إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا متخليا عن تاريخ طويل من دعم عبد الفتاح السيسي منذ صعوده عام 2013 وسط مفاجآت متتالية ومسار متقلب وثوثيق تام لتفاصيل السقوط والانكفاء خلف الكواليس والشاشات المغلقة.

كواليس الانقلاب اللفظي واعتراف الفوطة

ينطلق توفيق عكاشة عبر حساب رقمي ليؤكد تكرارا برفضه القاطع سياسات الإدارة الحالية والحكومة الموالية متبنيا نبرة حادة تتعالى على من يصفهم بالجهلاء ممن تصوروه داعما للترتيبات القائمة بينما يقر علانية بصحة مقولة أحد متابعيه بشأن استخدامه كالقطعة القماشية المرمية بعد أداء الغرض دون احتجاج أو غضب معلنا طلاق الشاشات والاكتفاء بالمنشورات الرقمية البحتة في تطور يكسر قواعد الولاء المبدئي ويفتح أبواب التأويل الواسع لمستقبل الخطاب الإعلامي المثير للجدل.

تذكر السجلات التاريخية صعود توفيق عكاشة البرلماني عقب دورة عام 2013 مدافعا بشراسة عن خطوات عبد الفتاح السيسي قبل انكسار المد المدني والنيابي إثر استقبال السفاح الدبلوماسي الإسرائيلي حاييم كورين في منزله بشهر مارس من عام 2016 لتسقط العضوية وتبطش الجهات المعنية بقناة الفراعين غلقا وتجميدا وعرضا للبيع المباشر بغية طي صفحة الرجل الأكثر صخبا في نشرات الأخبار آنذاك.

رحلة الغياب والاشتراطات التلفزيونية الصارمة

تسرد الكواليس عودة مؤقتة لمديح التوجهات الرسمية قبل الخفوت التام والانكفاء في عام 2025 مقيدا عودته حصرا بشاشة التلفزيون الرسمي أو عودة قناته المحجوبة الفراعين بينما يستقر الواقع الراهن على بلايا منصة إكس الرقمية وحدها مع إصرار غريب على نفي مجاملة السلطة ووصف الذات بكونها ضحية مسار براجماتي انتهى بالإلقاء بعيدا عن دائرة القرار والضوء الفضائي الساطع.

تبلغ حصيلة السرد تطورات مشهد يراوح مكانه بين قناعة متولدة عن إخفاقات إدارية مشاهدة عن كثب وبين محاولة للتموضع الاحتجاجي الرمزى حين تضيق مساحات التأثير وتغيب أدوات الظهور التقليدي في معادلة صفرية لا تترك للرجل سوى صدى الكلمات الرقمية المعلقة فوق جدار الذاكرة السياسية المتقلبة على مدار عقد كامل من التحولات الباهظة.

*هشام عبد الحميد يكشف موقفه من العودة إلى مصر: “لن أعتذر عن خطأ لم أفعله”

عاد اسم الفنان المصري هشام عبد الحميد إلى الواجهة مجددًا، بعد منشور أثار جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وأوحى بأن الفنان الذي غاب عن مصر لسنوات عاد أخيرًا إلى بلاده.

لكن سرعان ما ظهرت تفاصيل أخرى قلبت الرواية، فبحسب ما نُشر، فإن هشام عبد الحميد لم يعد إلى مصر حتى الآن، فيما أوضح صديقه مصطفى عبد الحميد أن المنشور المتداول لم يكن إعلانًا عن عودة فعلية، وإنما جاء في إطار جس نبض الشارع ومعرفة ردود الفعل على فكرة عودته.

ومع تصاعد الجدل، خرج هشام عبد الحميد ببيان من كندا، حيث يقيم، ليوضح موقفه من الجدل الدائر ومن الاتهامات التي قال إنها وُجهت إليه خلال سنوات غيابه.

من مصر إلى كندا ثم إسطنبول

وقال هشام عبد الحميد إنه غادر مصر عام 2010 متوجهًا إلى كندا، قبل أن ينتقل في عام 2016 إلى إسطنبول، حيث قدم برنامجًا فنيًا وثقافيًا. وفي عام 2022، غادر تركيا وعاد إلى كندا، حيث يقيم حتى الآن.

وخلال سنوات وجوده خارج مصر، ارتبط اسم الفنان بالظهور عبر قناة الشرق التي كانت تبث من تركيا، وهي قناة عُرفت بتغطيتها المعارضة للسلطات المصرية، الأمر الذي جعل نشاطه الإعلامي ومواقفه محل نقاش وجدل.

لكن عبد الحميد يقدم رواية مختلفة لطبيعة ظهوره الإعلامي، إذ يقول إن برنامجه كان فنيًا وثقافيًا، كما تحدى أن يُنسب إليه أي تصريح موثق أساء فيه إلى الدولة المصرية أو الرئيس عبد الفتاح السيسي أو مؤسسات الدولة.

«كل الدعم للدولة المصرية»

وفي بيانه الأخير، أعلن هشام عبد الحميد دعمه للدولة المصرية والنظام المصري والرئيس عبد الفتاح السيسي، في موقف جاء بالتزامن مع الجدل حول إمكانية عودته إلى البلاد. لكن العبارة التي حظيت بأكبر قدر من الاهتمام كانت مرتبطة بفكرة الاعتذار.

وقال الفنان إنه يريد العودة إلى مصر محبًا وعاشقًا، وليس مهزومًا أو متوسلًا أو معتذرًا، مؤكدًا أنه «لم ولن يعتذر عن خطأ لم أفعله»، وفق ما ورد في بيانه. وتكشف هذه العبارة أن عودة الفنان، إذا حدثت، لا تبدو بالنسبة إليه مجرد عودة جغرافية إلى بلده، وإنما ترتبط أيضًا بروايته الخاصة لما جرى خلال سنوات غيابه والجدل الذي رافق ظهوره الإعلامي خارج مصر.

هل يعود هشام عبد الحميد إلى مصر فعلًا؟

حتى الآن، لا تشير المعطيات المتداولة إلى أن هشام عبد الحميد عاد بالفعل إلى مصر. فالفنان لا يزال في كندا، بينما تشير التصريحات المنشورة إلى وجود نية للعودة، من دون إعلان موعد نهائي أو تأكيد وصوله إلى القاهرة.

وهكذا تحوّل منشور واحد إلى موجة من الجدل، بدأت بخبر عن عودة الفنان، ثم تحولت إلى حديث عن «جس نبض» الشارع، قبل أن تتطور إلى بيان شخصي وسياسي أعاد إلى الواجهة تفاصيل أكثر من عقد من الغياب.

وبينما لم تُحسم العودة فعليًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون الخطوة المقبلة هي عودة هشام عبد الحميد إلى مصر، أم أن إعلان العودة سيظل مجرد اختبار لردود الفعل؟

*الدولار يلامس 52.22 جنيه وخروج 544 مليون دولار من الأموال الساخنة يفضح هشاشة الجنيه

يكشف صعود الدولار إلى 52.22 جنيه للبيع في عدد من البنوك استمرار الضغوط على الجنيه، رغم الاحتفاء الرسمي بقفزات الاحتياطي وتحويلات العاملين بالخارج، لتعود الأسر إلى مواجهة الغلاء والقلق من موجة أسعار جديدة.

وتظهر حركة السوق أن خروج 544 مليون دولار من أدوات الدين الحكومية خلال أسبوع واحد كان كافيًا لهز سعر الصرف، بما يفضح اعتمادًا خطيرًا على أموال سريعة الهروب بدل بناء اقتصاد منتج يحمي العملة.

وفيما سجلت بنوك كبرى 52.12 جنيه للشراء و52.22 جنيه للبيع، بلغ السعر الرسمي لدى البنك المركزي 52.08 جنيه للشراء و52.22 جنيه للبيع، وهي مستويات تعكس اتساع التوتر داخل سوق النقد.

كما لا يغير اختلاف الأسعار بين البنوك من الحقيقة الأساسية، وهي أن كل ارتفاع للدولار ينتقل سريعًا إلى فاتورة الاستيراد والدواء والغذاء والمواد الخام، ثم يستقر في جيب المواطن كعبء جديد.

أموال ساخنة تبتز الجنيه

فبدل أن يمثل الاستثمار الأجنبي دعمًا مستدامًا للإنتاج وفرص العمل، تحولت أدوات الدين إلى باب واسع لتدفقات تبحث عن عائد مرتفع ثم تغادر فور ظهور اضطراب عالمي أو فرصة أكثر ربحًا.

ويصف ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي والمنتقد لسياسات الاقتراض الحكومية، هذا النموذج بأنه اقتصاد هش، لأن الدولة تربط استقرار العملة بمضاربين لا يلتزمون ببناء مصنع أو تشغيل عامل أو نقل معرفة حقيقية.

ومن ثم، يصبح خروج الأموال الساخنة حدثًا قادرًا على رفع الطلب على الدولار خلال ساعات، بينما تظل الدولة مكشوفة أمام المستثمر القصير الأجل الذي يدخل بشروطه ويخرج حين تتغير حساباته.

وبحسب الأرقام المعلنة، سجلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي صافي بيع بقيمة 544 مليون دولار خلال الأسبوع الماضي، بعد تقلبات حادة بين البيع والشراء في أيام متتالية.

كما أن صافي بيع 267.5 مليون دولار في جلسة واحدة، بعد تخارجات سابقة، يثبت أن الحديث عن استقرار راسخ يصبح مضللًا حين تعتمد السيولة الأجنبية على عوائد الدين لا على صادرات قوية.

لكن الحكومة تواصل تقديم ارتفاع الاحتياطي باعتباره شهادة نجاح كاملة، متجاهلة أن جزءًا من قوة الأرقام يظل عرضة لتغيرات الأسواق العالمية، ولأي موجة خروج مفاجئة تضغط على الجنيه.

وفي المقابل، لا يملك المواطن رفاهية انتظار تحسن المزاج الاستثماري، لأنه يدفع فورًا ثمن تقلب الدولار في أسعار السلع، بينما تتأخر الأجور وتظل القدرة الشرائية تتراجع كل يوم.

لذلك، فإن معالجة الأزمة لا تبدأ برفع الفائدة لاسترضاء المستثمر العابر فقط، بل بإعادة توجيه الموارد إلى الإنتاج الصناعي والزراعي وتقليل فاتورة الواردات التي تستنزف الدولار باستمرار.

احتياطي مرتفع بلا أمان

ورغم وصول صافي الاحتياطيات الأجنبية إلى نحو 57.22 مليار دولار في أغسطس، فإن الرقم وحده لا يكفي لإعلان الأمان، ما دام الدولار يرتفع عند أول موجة خروج من أدوات الدين.

ويؤكد الدكتور عبد الخالق فاروق، الباحث الاقتصادي والمعارض لسياسات الاعتماد على الاقتراض، أن تقييم الاحتياطي يجب أن يرتبط بمكوناته والتزامات الدولة وقدرته الفعلية على حماية الاقتصاد من الصدمات.

كما يلفت فاروق إلى أن الاحتياطي الذي يرتفع مع استمرار الضغوط على الجنيه لا ينبغي تقديمه كإنجاز منفصل، لأن الناس تقيس الاقتصاد بسعر الغذاء والدواء والسكن لا بالبيانات المجردة.

وبينما سجلت حيازة الذهب ارتفاعًا ملحوظًا ضمن الاحتياطي، تراجعت حيازات العملات الأجنبية خلال أغسطس، وهو تفصيل كاشف يضعف الخطاب الاحتفالي ويكشف ضرورة فحص جودة الموارد لا حجمها وحده.

ثم إن التوسع في عرض أرقام الاحتياطي دون شرح كافٍ لالتزامات الدين وخدمة القروض يترك الرأي العام أمام صورة منقوصة، ويحول المؤشرات الاقتصادية إلى أداة دعاية بدل أن تكون حقًا للمجتمع.

وعلاوة على ذلك، لا يمكن تجاهل أن الدولار يظل مطلوبًا لسداد التزامات الاستيراد والديون وتمويل احتياجات السوق، وهي ضغوط لا تختفي لمجرد تسجيل مستوى قياسي في الاحتياطي.

لكن أخطر ما في المشهد هو التناقض بين الاحتياطي المرتفع والقلق المتصاعد في سوق الصرف، إذ يكشف ذلك أن الاقتصاد لم يتحرر بعد من هشاشة التمويل الخارجي وتقلبات رأس المال.

ومن هنا، يصبح واجبًا نشر تفاصيل أكثر وضوحًا عن مصادر الاحتياطي واستخداماته، لأن الشفافية الاقتصادية ليست ترفًا، بل حماية ضرورية للأسر التي تتحمل نتائج أي قرار نقدي خاطئ.

التحويلات لا تنقذ المعيشة

وفي الوقت الذي ارتفعت فيه تحويلات العاملين بالخارج إلى 47.3 مليار دولار خلال العام المالي 2025-2026، تظل المفارقة قاسية لأن هذا التدفق الكبير لم يمنع استمرار الضغط على الجنيه.

ويرى إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي والناقد لسياسات الحكومة، أن التحويلات مورد مهم لكنه لا يعفي السلطة من بناء قاعدة إنتاجية، لأن أموال المغتربين لا يمكن أن تبقى بديلًا دائمًا للتنمية.

كما أن نمو التحويلات يكشف تضحيات ملايين المصريين الذين غادروا بحثًا عن دخل كريم، بينما تُستخدم أموالهم في سد فجوات اقتصادية متراكمة بدل خلق ظروف تقلل الحاجة إلى الهجرة أصلًا.

وبالتالي، لا يصح تصوير زيادة التحويلات باعتبارها نجاحًا إداريًا خالصًا، لأنها في جانب كبير منها ثمرة جهد المغتربين وتعبهم وقلقهم على أسر تعاني ارتفاع الأسعار داخل البلاد.

وفي السياق نفسه، ينعكس ارتفاع الدولار مباشرة على تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، فيحصل التاجر على مبرر جديد لرفع الأسعار حتى لو كانت بعض السلع قد دخلت السوق قبل أيام.

كما يتضرر أصحاب الدخول المحدودة مرتين، الأولى عند شراء احتياجاتهم بسعر أعلى، والثانية عندما تتآكل مدخراتهم بالجنيه دون أي زيادة عادلة تحميهم من آثار التقلبات المتواصلة.

ثم إن الحديث عن مرونة سعر الصرف لا يمكن أن يصبح ستارًا لإلقاء الخسائر على الناس، لأن المرونة الحقيقية تحتاج سوقًا منتجًا ورقابة تمنع الاحتكار وسياسات تحمي الفئات الأضعف.

 وفي النهاية، يضع بلوغ الدولار 52.22 جنيه وخروج 513 مليون دولار من الدين الحكومي السلطة أمام اختبار واضح، إما تغيير نموذج الاقتصاد الهش أو ترك الجنيه والأسر رهائن للمضاربين.

عن Admin