الثلاثاء , 17 يناير 2017
خبر عاجل
أنت هنا: الرئيسية » تراجم و سير (صفحة 2)

أرشيف القسم : تراجم و سير

الإشتراك في الخلاصات<

محمد فروانة.. أعَزَّ أبناء شعبه ومرّغ أنف جيش الاحتلال في التراب

الاستشهادي محمد فروانة.. أعَزَّ أبناء شعبه ومرّغ أنف جيش الاحتلال في التراب

مثل كثيرٍ من أمّهات شهداء فلسطين، استقبلت والدة الاستشهادي محمد فروانة (25 عاماً)؛ ابن ألوية الناصر صلاح الدين المهنّئين بتوزيع الحلوى عليهم لاستشهاد نجلها في عملية نوعيّة أربكت قادة جيش الاحتلال الصهيوني.

أم محمد التي بدَتْ صابرةً في عرس ولدها الشهيد تستقبل السيّدات اللواتي قدِمْنَ من أنحاء مختلفة لتهنئتها باستشهاد محمد، قالت: ‘أهنّئ نفسي وعائلتي باستشهاد ابننا محمد’.

الفخر الذي تشعر والدة محمد بابنها لم يكنْ عبثياً، فالعملية التي نفّذها على معبر ‘كرم أبو سالم’ شرق قطاع غزة اعتزّ بها جميع الفلسطينيّين، فقد مرّغت أنف جيش الاحتلال وقادته في التراب. فمنذ اللحظة التي استعدَّ فيها محمد للقاء ربه لم يقبَل الصمت والقبول بواقع جرائم الاحتلال الصهيوني التي أسفرت عن قتل الأطفال والمدنيين الفلسطينيين في الآونة الأخيرة، فقام بتنفيذ عملية نوعية كان من بين فرسانها أيضاً أخيه الشهيد المجاهد حامد الرنتيسي من أبطال ألوية الناصر صلاح الدين وبمشاركة كتائب القسام.

نشأته:

وُلِد الشهيد محمد فروانة في منزلٍ يقع بين أزقّة مدينة خان يونس عام 1983، وهو الثاني بين إخوته ومن أسرةٍ ملتزمة أسمت يوم شهادة ابنها بـ’عرس فلسطين الجديد’. تلقّى محمد تعليمه في المدينة التي يُكِنّ لها كلّ حبٍّ واحترام، والتحق بجامعة الأقصى ليدرس التربية.

ذهبنا إلى مكان العرس فوجدنا فعلاً عرساً جميلاً في خضمّ مشاعر عارمة بالفرحة بالعملية. وتقول والدته ‘أم محمد’: ‘إني أقدّم نفسي وروحي وزوجي وكلّ أهل بيتي وما أملك فداء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله’. وتابعت: ‘فلسطين ما زالت تنجب الرجال وما زال الرجال يجيبون صرخات الطفلة هدى ومحمد وكلّ أطفال فلسطين الذين ذاقوا الويلات من جرائم الاحتلال’.

واسترسلت والدة الاستشهادي بقولها: ‘اليوم أزفّ محمد لأغلى شيءٍ في الوجود، وهو الله ربّ العالمين، ويأتي الناس ليباركوا لي استشهاد ولدي محمد.. فأنا قدّمت لله فلذة كبدي.. والله إنّي راضية من كلّ قلبي.. وأنا صادقة بما أقول.. وهو قال لي سامحيني’.

ومضت والدة الاستشهادي: ‘قلت له أريد أنْ أزوّجك، قال لي: (لا.. فهل تختاري لي عروسةً في الدنيا وأترك 72 من الحور العين في الجنة.. أريدك أن تزفّيني إليهنّ). فقلت له

: )أودعتك عندي أمانة).. واليوم أهنّئ نفسي بمحمد الغالي الذي اصطفاه ربه’، داعيةً الله أنْ يعوّضها فيه عوضَ خير.

ويقول شقيق الشهيد، الشاب علي عزمي فروانة 25)  عاماً)، وهو متبسم: ‘نحن نحتسب أخانا محمداً شهيداً عند الله، وهذه رسالة أولى للعدو رداً على جرائمه البشعة’.

صفات مجاهد..

الصفات التي أخبرنا بها شقيقه علي توحي بأنّ محمداً وُلِد ومعه العمل الجهادي ويتّسم بها، فليس غريباً أنْ يشترك في عملية جهادية نوعية كهذه.

أوضح علي أنّ أخاه محمداً كان يتّصف بالهدوء والكتمان والسرية التامة، فلم يكنْ يبوح بشيءٍ ولا يوحي لأحد أنّه منظّمٌ في تنظيمٍ فلسطيني يقارع الأعداء عن طريقه.

وأشار إلى أنّ كلّ حديثه كان حول الجنة وملاقاة الصحابة الكرام، وأنّ الآخرة أفضل من الدنيا. ويشير إلى أنّه كان مولَعاً بمشاهدة العمليات الجهادية وسماع أخبارٍ عن المجاهدين، وكان كلّما سمع بمجزرةٍ صهيونية كان يغمّ ويحزن.

مشاعر الأهل:

وأكّد علي فروانة أنّ مشاعر الوالديْن جيّدة، وهما فرحان بسماع نبأ استشهاده خاصةً أنّه شارك في عمليةٍ ضدّ الاحتلال وأوقع فيهم القتلى والجرحى، واصفاً حياته معهما بأنّها كانت حياة أصدقاء ويسعى الشهيد لإرضائهما ونيل حبّهما لكيْ ينجح في حياته.

ويقول شقيقه ‘أبو المجد’: ‘نحمد الله أنْ أكرمنا باستشهاد شقيقي محمداً في عملية (الوهم المتبدّد) التي شفَتْ غليل كلّ إنسانٍ غيور على وطنه، وكل إنسانٍ يرى دماء أبناء فلسطين على شاطئ البحر، ودماء قادة المقاومة والمجاهدين، لينصر راية الإسلام والحق والدين’.

وتابع أبو المجد قائلاً: ‘نسأل الله أنْ يكون هذا هو بداية الطريق السليم والصحيح للردّ على جرائم الاحتلال المتواصلة، وأنْ تكون رسالةً مطمئنة لكل قلبٍ يتعطّش للشهادة في سبيل الله، ونسأل الله لكلّ أبناء شعبنا والأمة العربية والإسلامية البعد عن الفتنة’.

وعبّر أهل الشهيد وأقرباؤه بمشاعر الفرحة العارمة وكذا أصحابه. المواطن رائد فروانة أوضح أنّ شهادة ابن عمومته شرفٌ كبير للعائلة. فيما أكّد المواطن محمود (20 عاماً) أنّ عائلة فروانة تفخر بهذا العمل البطولي الذي كانت تنتظره على أحرّ من الجمر. وتوافد الأهل والأحبة إلى بيت عائلة الشهيد لتهنِئتهم باستشهاد ابنهم، كما أقيم سُرادق الفرح لتقبل التهاني من القادمين.

حان الانتقام..

وكان الشهيد محمد فروانة قد استُشْهِد خلال تنفيذه عملية استشهاديّة مع إخوة له مجاهدين في ألوية الناصر صلاح الدين وكتائب القسام، الجناح العسكريّ لحركة المقاومة الإسلاميّة ‘حماس’،

وكانت العملية قد استهدفت نقطةً صهيونية شرق مدينة رفح بالقرب من معبر كيرم شالوم الصهيوني، فجر يوم الأحد الموافق 25/6/2006، وتمكّن المجاهدون من اقتحام المنطقة واختراق السلك الإلكتروني على الحدود الفلسطينية والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48، وبدأ المجاهدون بتفجير دبابة ‘ميركافا’ وناقلة جندٍ، ومن ثمّ تمّ تدمير برج مراقبةٍ لثكنة عسكرية لجيش الاحتلال وبرج اللاسلكي التابع لأجهزة الاستخبارات الصهيونية. وأسفرت العملية عن مقتل وإصابة عشرات الصهاينة حسب اعتراف العدو

سيد قطب : عملاق فى زمن الأقزام

سيد قطب : عملاق فى زمن الأقزام

الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – هو سيد بن الحاج قطب بن إبراهيم ولد في أحضان عائلة موسرة نسبيا في قرية ” قها” الواقعة في محافظة أسيوط سنة 1906 ، كان والده رجلا متدينا مرموقا بين سكان القرية وعضوا في لجنة الحزب الوطني الذي كان يرأسه مصطفى كامل … يهتم بزراعة أراضيه ويعطف على الفقراء ويبر بهم مما اضطره على ما يبدو إلى أن يبيع قسما كبيرا من أطيانه .. أما أمه فكانت سيدة متدينة تنتسب إلى عائلة معروفة وقد عنيت بتربيته فحنت عليه وزرعت في نفسه الطموح وحب المعرفة..

كانت له أختان وأخ اصغر منه سنا هم حميدة وأمينة ومحمد.

فقد والده وهو لم يزل يتابع دراسته بالقاهرة فأحس بثقل المسؤولية التي ورثها إزاء أمه واخوته وكرهت نفسه الإقامة في مسقط رأسه فاقنع أمه بالانتقال إلى القاهرة وكان لموت أمه المفاجئ عام 1940 اثر كبير في نفسه إلى درجة انه أحس نفسه وحيدا في الحياة غريبا عنها ..

كان سيد رجلا اسمر اللون مجعّد الشعر لا هو بالبدين ولا هو بالنحيل . أميل إلى القصر منه إلى الطول بغير قماءة. رقيق الإحساس لطيف المعشر متواضعا شجاعا حاضر البديهة سليط اللسان في نقده شغوفا إلى حب المعرفة ميالا إلى مساعدة الآخرين.

ولم يكن سيد يتمتع بصحة جيدة منذ صغره وقد ساعد على تدهور حالته الصحية عوامل القلق التي داهمته بعد وفاة والديه وفي المدة الأخيرة من حياته كان يعاني من أمراض شتى في معدته . اضطرته إلى أن يحمل معه أينما ذهب الأدوية اللازمة لعلاجه.

أتم قطب دراسته الابتدائية فى قريته فى ١٩٢٠ وسافر إلى القاهرة ، والتحق بمدرسة المعلمين الأوّلية، ونال شهادة الكفاءة ثم التحق بتجهيزية دار العلوم فى ١٩٣٢، وحصل على البكالوريوس فى الآداب من دار العلوم.

وعمل مدرسا لست سنوات، ثم شغل عدة وظائف فى الوزارة، وعين بعد سنتين فى وزارة المعارف بوظيفة «مراقب مساعد» بمكتب وزير المعارف آنذاك إسماعيل القبانى، ثم قدّم استقالته ، وفى ١٩٣٣ أنهى دراسته فى دار العلوم، وعُيّن مفتشاً للتعليم، وزاد شغف «سيد» بالأدب العربى، وقدم مؤلفات شعرية وروائية ونقدية، ثم تحول إلى الكتابة الإسلامية وحصل على بعثة دراسية لأمريكا عام ١٩٤٨، ومن هناك تعرف على حركة الإخوان المسلمين ومؤسسها حسن البنا، وبالأخص بعد الدوى الذى أحدثه اغتيال البنا، وفى ١٩٥٢، عاد من أمريكا ليعمل فى مكتب وزير المعارف.

ونقلته الوزارة أكثر من مرة فقدم استقالته فى أكتوبر ١٩٥٢.

وفى ١٩٥٤ وعلى خلفية محاولة الاغتيال الفاشلة المزعومة  التى استهدفت عبدالناصر فى المنشية تم اعتقال قطب لمدة ١٥ عاماً، وفى سنوات الاعتقال أتم كتبه الثلاثة (فى ظلال القرآن) و(معالم فى الطريق) و(المستقبل لهذا الدين).

واعتقل مجددا فى ١٩٦٥. وحُكم عليه بالإعدام مع ٦ آخرين، تم تنفيذ الحكم فى فجر الاثنين فى مثل هذا اليوم ٢٩ أغسطس ١٩٦٦ ..

المساومة قبل العدام

تقول الداعية زينب الغزالي ׃ “… طلب الطغاة حميدةَ قطب ليلة تنفيذ الحكم بالإعدام. فقالت׃ استدعاني حمزة البسيوني إلى مكتبه واراني حكم الإعدام والتصديق عليه ثم قال لي إن الحكومة مستعدة أن تخفف هذا الحكم إذا كان شقيقي يجيبهم إلى ما يطلبونه ثم أردف قائلا إن شقيقك خسارة لمصر كلها وليس لك وحدك… إننا نريد أن ننقذه من الإعدام بأي شكل وبأي وسيلة . إن بضع كلمات يقولها ستخلصه من حكم الإعدام ولا أحد يستطيع أن يؤثّر عليه إلا أنت . أنت وحدك مكلفة بأن تقولي له هذا … نريد أن يقول إن هذه الحركة كانت على صلة بجهة ما.. وبعد ذلك تنتهي القضية بالنسبة لك. أما هو فسيفرج عنه بعفو صحي.

قلت له ولكنك تعلم كما يعلم عبدالناصر أن هذه الحركة ليست على صلة بأي جهة من الجهات . قال حمزة البسيوني ׃ أنا عارف وكلنا عارفون أنكم الجهة الوحيدة في مصر التي تعمل من اجل العقيدة… نحن عارفون أنكم احسن ناس في البلد .. ولكننا نريد أن نخلص سيد قطب من الإعدام.

فقلت له إذا كان سيادتك عاوز تبلغه هذا فلا مانع.

وذهبت إلى سيد شقيقي وسلمت عليه وبلغته ما يريدون منه فنظر إلي ليرى اثر ذلك على وجهي وكأنه يقول׃ أأنت التي تطلبين أم هم ؟ واستطعت أن افهمه بالإشارة انهم مه الذين يقولون ذلك . وهنا نظر إلي وقال ׃ ولله لو كان هذا الكلام صحيحا لقلته ولما استطاعت قوة على وجه الأرض أن تمنعني من قوله. ولكنه لم يحدث وأنا لا أقول كذبا أبدا.

… وأفهمت أخي بالحكاية من أولها وقلت له إن حمزة استدعاني واراني تنفيذ حكم الإعدام وطلب مني أن اطلب منك هذا الطلب.

سأل ׃ وهل ترضين ذلك ؟ قلت لا . قال انهم لا يستطيعون لأنفسهم ضررا ولا نفعا … إن الأعمار بيد الله وهم لا يستطيعون التحكم في حياتي ولا يستطيعون إطالة الأعمار ولا تقصيرها.. كل ذلك بيد الله والله من ورائهم محيط…

..وبعد أيام سمعنا عن تنفيذ الحكم وقد ضرب أفراد من الجيش اعتمروا الخوذات الفولاذية وتزودوا بالرشاشات الثقيلة حصارا حول سجن القاهرة حيث تم تنفيذ حكم الإعدام بعد أن منع الصحفيون من دخول السجن وطلب منهم مغادرة المنطقة… أما من ناحية الدفن فإنه قد تم من قبل السلطات الرسمية وبصورة سرية في إحدى مدافن القاهرة.

  في ظلال القرآن …. تجربة رجل
(1)

لعل من ابرز بركات الصحوة الإسلامية المعاصرة إلى جانب فضلها ودورها الريادي في رفع الغبن عن الذاتية الإسلامية أنها أعادت الاعتبار لكتاب الله كدستور خالد لهذه الأمة وكمنهاج عامل وفاعل وشامل للحياة الإسلامية المنشودة.

وقد كان هذا القرآن الكريم كذلك في عصر التنزيل وما بعده في أيام الراشدين والتابعين إلا أن الأعاصير التي انطلق هديرها منذ “صفين” قويا مدمرا قد أحدثت شروخا وجروحا حادة في العقل المسلم والحياة الإسلامية بصفة عامة وكان لها الدور البارز والمؤثر في تمييع الرابطة المقدسة والمتينة بين المسلمين وكتابهم المنزل وكذلك في تبليد الفهم وتجميد الوعي المطلوب والضروري للإبقاء على الوصال المقدس بين المسلم ودستوره الخالد.

(2)

ولولا قوة المسك لهذا الكتاب وألوهية الحفظ له لضاع في أتون الصراعات والغارات التي حلت بالأمة الشاهدة وهذا فضل من المولى ونعمة على الإسلاميين تدبرها والتشمير الجاد لأداء شكرها..

(3)

ولقد زامل القرآن العظيم أجيال المسلمين المختلفة منذ أربعة عشر قرنا ولا يزال فحفظه كثيرون عن ظهر قلب وبرع في ترتيله كثيرون وعكف على تفسير آياته كثيرون ونسخه بخط اليد كثيرون وكتبه بماء الذهب كثيرون…

ولكن قليلون هم الذين جربوا الحياة في ظلال هذا القرآن الحياة بكل ما في هذه الكلمة من معنى ذلك أننا عرفنا كثيرا ممن حفظوا هذا القرآن الكريم حفظ الخزن فهم يرددونه صباح مساء في خوف من تحريف حركاته أو سهو في ترتيب آياته وسوره … فتعيه ذاكرتهم ولا تعيه قلوبهم…وهذه ليست حياة ولا تجربة حياة في ظلال هذا القرآن و إن كانت ولابد فهي في تقديري جافة كل الجفاف وباهتة كل البهت وساكنة كل السكون

(4)

إن الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه … والحمد لله . لقد منّ عليّ بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي . ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر فتباركه وتزكيه لقد عشت اسمع الله سبحانه . يتحدّث إلي بهذا القرآن أنا العبد القليل الصغير … أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل ..أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل.. أي مقام جليل يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم ؟

وعشت في ظلال القرآن انظر من علوّ إلى الجاهلية التي تموج في الأرض والى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة … انظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال واهتمامات الأطفال… كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال ومحاولات الأطفال ولثقة الأطفال واعجب.. ما بال هذا الناس ؟؟ ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئية ولا يسمعون النداء العلوي الجليل .. النداء العلوي الذي يرفع العمر ويزكيه.

غاية الوجود الإنساني…. وحركة الإنسان

الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن عشت أتملى ذلك التصور الكامل الشامل الرفيع النظيف للوجود… لغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنساني وأقيس إليه تصورات الجاهلية التي تعيش فيها البشرية في شرق وغرب وفي شمال وجنوب … وأسأل كيف تعيش البشرية في المستنقع الآسن وفي الدرك الهابط وفي الظلام البهيم وعندها ذلك المرتفع الزكي وذلك المرتقى العالي وذلك النور الوضيء ؟

وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله وحركة هذا الكون كما أبدعه الله ثم انظر فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تملى عينا وبين فطرتنا التي فطرنا الله عليها وأقول في نفسي أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم .. يا حسرة على العباد…

وعشت في ظلال القرآن أرى الوجود اكبر بكثير من ظاهره المشهود. اكبر في حقيقته واكبر في تعدد جوانبه . انه عالم الغيب والشهادة لا عالم الشهادة وحده. وانه الدنيا والآخرة لا هذه الدنيا وحدها والنشأة الإنسانية ممتدة في شعاب هذا المدى المتطاول والموت ليس نهاية الرحلة وإنما هو مرحلة في الطريق وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه كله. إنما هو قسط من ذلك النصيب وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك فلا ظلم ولا نجس ولا ضياع . على أن المرحلة التي يقطعها على ظهر هذا الكوكب إنما هي رحلة حيّ مأنوس وعالم صديق ودود . كون ذي روح تتلقى وتستجيب وتتجه إلى الخالق الواحد الذي تتجه إليه روح المؤمن في خشوع (( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال )) ..(( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن و إن من شيء إلا يسبح بحمده)) أي راحة وأي سعة وأي انس وأي ثقة يفيضها هذا التصور الشامل الكامل الفسيح الصحيح ؟؟

المؤمن… من ذلك الموكب الكريم
في ظلال القرآن عشت أرى الإنسان اكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل للإنسان ومن بعد. انه إنسان بنفخة من روح الله (( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين )) وهو بهذه النفخة مستخلف في الأرض (( وسخر لكم ما في الأرض جميعا)) و لأن الإنسان بهذا القدر من الكرامة والعلو جعل الله الآصرة التي يتجمع عليها البشر هي الآصرة المستمدة من النفخة الإلهية الكريمة.. جعلها آصرة العقيدة في الله. فعقيدة المؤمن هي وطنه وهي قومه وهي أهله ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها لا على أمثال ما يتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج..

والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان انه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم ׃ نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام (( و إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)) هذا الموكب الكريم الممتد في شعاب الزمان من قديم يواجه كما يتجلى في ظلال القرآن مواقف متشابهة وأزمات متشابهة وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكرّ الدهور وتغيّر الزمان وتعدد الأقوام يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى والاضطهاد والبغي والتهديد والتشريد ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو مطمئن الضمير واثقا من نصر الله متعلقا بالرجاء فيه متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد (( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنّكم من لرضنا أو لتعودنّ في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكنّ الظالمين ولنسكنّنكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيدي)) موقف واحد وتجربة واحدة وتهديد واحد ويقين واحد ووعد واحد للموكب الكريم… وعافية واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف وهم يتلقون الاضطهاد والتهديد والوعيد.

استشعار الهدوء النفسي … الاطمئنان إلى رحمة الله
في ظلال القرآن تعلمت تنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء ولا للفلتة العارضة (( إنا كل شيء خلقناه بقدر)) .. (( وخلق كل شيء فقدره تقديرا)) وكل أمر بحكمة ولكن حكمة الغيب العميقة قد لا تنكشف للنظرة الإنسانية القصيرة (( فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا)) ..(( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون)) .

والأسباب التي تعارف عليها الناس قد تتبعها آثارها وقد لا تتبعها والمقدمات التي يراها الناس حتمية قد تعقبها نتائجها وقد لا تعقبها . ذلك انه ليست الأسباب والمقدمات هي التي تنشئ الآثار والنتائج وإنما هي الإرادة الطليقة التي تنشئ لاثار والنتائج كما تنتج الأسباب والمقدمات سواء (( لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)) .. ((وما تشاؤون إلا أن يشاء الله )). والمؤمن يأخذ بالأسباب لأنه مأمور بالأخذ بها والله هو الذي يقدر آثارها ونتائجها والاطمئنان إلى رحمة الله وعدله وحكمته وعلمه هو وحده الملاذ الامين والنجوة من الهواجس والوساوس ((الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم )).

ومن ثم عشت في ظلال القرآن هادئ النفس مطمئن السريرة قرير الضمير. عشت أرى يد الله في كل حادث وفي كل أمر .

عشت في كنف الله وفي رعايته. عشت استشعر إيجابية صفاته تعالى وفاعليتها (( أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)) . (( وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير)). (( والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون)) . (( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه)) . (( فعّال لما يريد))… إن الوجود ليس متروكا لقوانين آلية صماء عمياء فهناك دائما وراء السنن الإرادة المدبرة والمشيئة المطلقة والله يخلق ما يشاء ويختار.. كذلك تعلمت أن يد الله تعمل ولكنها تعمل بطريقتها الخاصة وانه ليس لنا أن نستعجلها ولا أن نقترح على الله شيئا فالمنهج الإلهي موضوع ليعمل في كل بيئة وفي كل مرحلة من مراحل النشأة الإنسانية وفي كل حالة من حالات النفس البشرية الواحدة وهو موضوع لهذا الإنسان الذي يعيش في هذه الأرض أخذ في الاعتبار فطرة هذا الإنسان وطاقاته واستعداداته وقوته وضعفه وحالاته المتغيرة التي تعتريه . إن ظنّه لا يسوء بهذا الكائن فيحتقر دوره في الأرض أو يهدر قيمته في صورة من صور حياته سواء وهو فرد أو وهو عضو في جماعة. كذلك هو لا يهيم مع الخيال فيرفع هذا الكائن فوق قدرته وفوق طاقته وفوق مهمته التي أنشأه الله لها يوم أنشأه ولا يفترض في كلتا الحالتين أن مقومات فطرته سطحية تنشأ بقانون أو تكشط بجرّة قلم.

الإنسان… والارتفاع إلى الكمال
الإنسان هو هذا الكائن بعينه بفطرته وميوله واستعداداته يأخذ المنهج الإلهي بيده ليرتفع به إلى أقصى درجات الكمال المقدر له حسب تكوينه ووظيفته ويحترم ذاته وفطرته ومقوماته وهو يقوده في طريق الكمال الصاعد إلى الله ومن ثم فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل الذي يعلمه خالق هذا الإنسان ومنزل هذا القرآن ومن ثم لم يكن متعسفا ولا عجولا في تحقيق غاياته العليا من هذا المنهج. إن المدى أمامه ممتد فسيح لا يحده عمر فرد ولا تستحثه رغبة فان يخشى أن يعجله الموت عن تحقيق غايته البعيدة . كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذين يعتسفون الأمر كله في جيل واحد ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصرون على الخطو المتزّن . وفي الطريق العسوف التي يسلكونها تقوم المجازر وتسيل الدماء وتتحطم القيم وتضطرب الأمور ثم يتحطمون هم في النهاية وتتحطم مذاهبهم المصطنعة تحت مطارق الفطرة التي لا تصمد لها المذاهب المتعسفة.. فأما الإسلام فيسير هيّنا ليّنا مع الفطرة يدفعها من هنا ويردعها من هناك ويقوّمها حين تميل ولكنه لا يكسّرها ولا يحطّمها انه يصبر عليها صبر العارف البصير الواثق من الغاية المرسومة والذي لا يتم في هذه الجولة يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو المائة أو الألف. فالزّمن ممتد والغاية واضحة والطريق إلى الهدف الكبير طويل وكما تنبت الشجرة الباسقة وتضرب بجذورها في التربة وتتطاول فروعها وتتشابك . كذلك ينبت الإسلام ويمتد في بطء وعلى هيّنة وفي طمأنينة ثم يكون دائما ما أراده الله أن يكون … والزرعة قد تسقى عليها الرمال وقد يأكل بعضها الدود وقد يحرقها الظمأ وقد يغرقها الري.. ولكن الزارع البصير يعلم أنها رزعة للبقاء والنماء وأنها ستغالب الآفات كلها على المدى الطويل فلا يعتسف ولا يقلق ولا يحاول إنضاجها بغير وسائل الفطرة الهادئة المتزنة السمحة الودود.. انه المنهج الإلهي في الوجود كله (( ولن تجد لسنّة الله تبديلا )).

أصالة الحق في هذا المنهج
والحق في منهج الله أصيل في بناء هذا الوجود ليس فلتة عابرة ولا مصادفة غير مقصودة . إن الله سبحانه هو الحق ومن وجوده تعالى يستمد كل موجود وجوده ((ذلك بأن الله هو الحق و أن ما تدعون من دونه هو الباطل و أن الله هو العلي الكبير )) وقد خلق الله هذا الكون بالحق لا يتلبس بخلقه الباطل (( ما خلق الله ذلك إلا بالحق)) .

((ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك)) والحق هو قوام هذا الوجود فإذا حاد عنه فسد وهلك (( ولو اتبع الحق أهوائهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن)) ومن ثم فلا بد للحق أن يظهر ولا بد للباطل أن يزهق ومهما تكن الظواهر غير هذا فإن مصيرها إلى تكشف صريح (( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ))

والخير والصلاح والإحسان أصيلة كالحق باقية بقاءه في الأرض .

  لا صلاح …إلا في الرجوع إليه
انتهيت من فترة الحياة في ظلال القرآن إلى يقين جازم حاسم.. انه لا صلاح لهذه الأرض ولا راحة لهذه البشرية ولا طمأنينة لهذا الإنسان ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله.

والرجوع إلى الله .. له صورة واحدة وطريق واحد. واحد لا سواه . انه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم .. انه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها والتحاكم إليه وحده في شؤونها وإلا فهو الفساد في الأرض والشقاوة للناس والارتكاس في الحمأة والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله(( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون الهوى ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله . إن الله لا يهدي القوم الظالمين ))

  صورة:إيمان أو لا إيمان
إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس تطوعا ولا نافلة ولا موضع اختيار إنما هو الإيمان أو فلا إيمان (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )) فالأمر إذن جدّ . انه أمر العقيدة من أساسها. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها.

إن هذه البشرية وهي من صنع الله لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتح من صنع الله ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يديه سبحانه وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق وشفاء كل دواء. ((وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين )) . (( إن هذا القرآن ليهدي للتي هي أقوم.)) ولكن هذه البشرية لا تريد أن ترد القفل إلى صانعه ولا أن تذهب بالمريض إلى مبدعه ولا تسلك في أمر نفسها وفي أمر إنسانيتها وفي أمر سعادتها أو شقائها ما تعودت أن تسلكه من أمر الأجهزة والآلات المادية الزهيدة التي تستخدمها في حاجاتها اليومية الصغيرة. وهي تعلم أنها تستدعي لإصلاح الجهاز مهندس المصنع الذي صنع هذا الجهاز ولكنها لا تطبق هذه القاعدة على الإنسان نفسه فترده إلى المصنع الذي منه خرج ولا أن تستفتي المبدع الذي أنشأ هذا الجهاز العجيب. الجهاز الإنساني العظيم الكريم الدقيق اللطيف الذي لا يعلم مساربه ومداخله إلا الذي أبدعه و أنشأه ((انه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير))

اصل الشقوة العامة
ومن هنا جاءت الشقوة للبشرية الضالة البشرية المسكينة البشرية التي لن تجد الرشد ولن تجد الهدى ولن تجد الراحة ولن تجد السعادة إلا حين ترد الفطرة البشرية إلى صانعها الكبير كما ترد الزهيد إلى صانعه الصغير.

ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها ونكبة قاصمة في حياتها . نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألمّ بها من نكبات. لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدت الأرض فأسنت الحياة وتعفّنت القيادات وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس))

تسلم الإسلام القيادة بهذا القرآن وبالتصور الجديد الذي جاء به القرآن وبالشريعة المستمدة من هذا التصور. فكان ذلك مولدا جديدا للإنسان اعظم ف حقيقته من المولد الذي كانت به نشأته .

لقد أنشأ هذا القرآن للبشرية تصورا جديدا عن الوجود والحياة والقيم والنظم كما حقق لها واقعا اجتماعيا فريدا . كان يعز على خيالها تصوره مجرد تصور قبل أن ينشأه لها القرآن إنشاء .. نعم.. لقد كان هذا الواقع من النظافة والجمال والعظمة والارتفاع والبساطة واليسر والواقعية والإيجابية والتوازن والتناسق .. بحيث لا يخطر للبشرية على بال . لولا أن الله أراده لها وحققه في حياتها في ظلال القرآن ومنهج القرآن وشريعة القرآن.

ثم وقعت تلك النكبة القاصمة ونحيّ الإسلام عن القيادة . نحيّ عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى في صورة من صورها الكثيرة . صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان. عصابة المضللّين

إن هناك عصابة من المضللين الخادعين أعداء البشرية يضعون لها المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى ثم يقولون لها اختاري.. اختاري إما المنهج الإلهي في الحياة والتخلي عن كل ما أبدعته يد الإنسان في عالم المادة وإما الأخذ بثمار المعرفة الإنسانية والتخلي عن منهج الله وهذا اخداع لئيم خبيث فوضع المسألة ليس هكذا أبدا. إن المنهج الإلهي ليس عدوا للإبداع الإنساني إنما هو مشرّع لهذا الإبداع وموجّه له الوجهة الصحيحة ذلك لكي ينهض الإنسان بمقام الخلافة في الأرض هذا المقام الذي منحه الله له وأقدره عليه ووهبه من الطاقات المكنونة ما يكافئ الواجب المفروض عليه فيه وسخر له من القوانين الكنية ما يعينه على تحقيقه ونسق بين تكوينه وتكوين هذا الكون ليملك الحياة والعمل والإبداع على أن يكون الإبداع نفسه عبادة لله ووسيلة من وسائل شكره على آلائه العظام والتقيد بشرطه في عقد الخلافة وهو أن يعمل ويتحرك في نطاق ما يرضي الله فأما أولئك الذين يضعون المنهج الإلهي في كفة والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى فهم سيّئو النية شرّيرون يطاردون البشرية المتعبة الحائرة كلما تعبت من التيه والحيرة والضلال وهمت أن تسمع لصوت الحادي الناصح و أن تؤوب من المتاهة المهلكة و أن تطمئن إلى كنف الله.

وهناك آخرون لا ينقصهم حسن النية ولكن ينقصهم الوعي الشامل والإدراك العميق هؤلاء يبهرهم ما كشفه الإنسان من القوى والقوانين الطبيعية وتروعهم انتصارات الإنسان في عالم المادة فيفصل ذلك البهر وهذه الروعة في شعورهم بين القوى الطبيعية والقيم الإيمانية وعملها وأثرها الواقعي في الكون وفي واقع الحياة ويجعلون للقوانين الطبيعية مجالا وللقيم الإيمانية مجالا آخر ويحسبون أن القوانين الطبيعية تسير في طريقها غير متأثرة بالقيم الإيمانية وتعطي نتائجها سواء آمن الناس أم كفروا ابتغوا منهج الله أم خالفوا عنه حكموا بشريعة الله أم بأهواء الناس.

هذا وهم .. انه فصل بين نوعين من السنن الإلهية هما في حقيقتهما غير منفصلين فهذه القيم الإيمانية هي بعض سنن الله في الكون كالقوانين الطبيعية سواء بسواء ونتائجها مرتبطة ومتداخلة ولا مبررّ للفصل بينهما في حسّ المؤمن وفي تصوره.

  التصور الصحيح
وهذا هو التصور الصحيح الذي ينشئه القرآن في النفس حين تعيش في ظلال القرآن ينشئه وهو يتحدث عن أهل الكتب السابقة وانحرافهم عنها واثر هذا الانحراف في نهاية المطاف. (( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفّرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنّات النعيم ولو انهم أقاموا التوراة والإنجيل وما انزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم )) وينشئه وهو يتحدث عن وعد نوح لقومه (( فقلت استغفروا ربكم انه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا )) وينشئه وهو يربط بين الواقع النفسي للناس والواقع الخارجي الذي يفعله الله بهم (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))

إن الإيمان بالله وعبادته على استقامة وإقرار شريعته في الأرض كلها إنفاذ لسنن الله وهي سنن إيجابية نابعة من ذات المنبع الذي تنبثق منه سائر السنن الكونية التي نرى آثارها الواقعية بالحسّ والاختبار. في غياب هذا التصور

… لقد تأخذنا في بعض الأحيان مظاهر خادعة لافتراق السنن الكونية حين نرى أن اتباع القوانين الطبيعية يؤدي إلى النجاح مع مخالفة القيم الإيمانية. هذا الافتراق قد لا تظهر نتائجه في أول الطريق ولكنها تظهر حتما في نهايته وهذا ما وقع للمجتمع الإسلامي نفسه . لقد بدأ خط صعوده من نقطة التقاء القوانين الطبيعية في حياته مع القيم الإيمانية وبدأ خط هبوطه من نقطة افتراقهما . وظل يهبط ويهبط كلما انفرجت زاوية الافتراق حتى وصل إلى الحضيض عندما أهمل السنن الطبيعية والقيم الإيمانية جميعا.

وفي الطريق الآخر تقف الحضارة المادية اليوم كالطائر الذي يرف بجناح واحد جبار بينما جناحه الآخر مهيض فيرتقي في الإبداع المادي بقدر ما يرتكس في المعنى الإنساني ويعاني من القلق والحيرة والأمراض النفسية والعصبية ما يصرخ منه العقلاء هناك. لولا انهم لا يهتدون إلى منهج الله وهو وحده العلاج والدواء.

الشريعة والإنسان وبناء المجتمع
إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون فإنقاذ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثره الإيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون . والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان لا تقوم وحدها بغير اصلها الكبير فهي موضوعة لتنفذ في مجتمع مسلم كما أنها موضوعة لتساهم في بناء المجتمع المسلم وهي متكاملة مع التصور الإسلامي كله للوجود الكبير وللوجود الإنساني ومع ما ينشئه هذا التصور من تقوى في الضمير ونظافة في الشعور وضخامة في الاهتمامات ورفعة في الخلق واستقامة في السلوك وهكذا يبدو التكامل والتناسق بين سنن الله كلها سواء ما نسميه القوانين الطبيعية وما نسميه القيم الإيمانية فكلها أطراف من سنة الله الشاملة لهذا الوجود. والإنسان كذلك قوة من قوى الوجود وعمله وإرادته وإيمانه وصلاحه ونشاطه . هي كذلك قوى ذات آثار إيجابية في هذا الوجود . وهي مرتبطة بسنة الله الشاملة لهذا الوجود و كلها تعمل متناسقة وتعطي ثمارها كاملة حين تتجمع وتتناسق بينما تفسد آثارها وتضطرب وتفسد الحياة معها وتتشتت الشقوة بين الناس والتعاسة حين تفترق وتتصادم . (( ذلك بأن الله لم يك مغيّرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )) فالارتباط قائم وثيق بين عمل الإنسان وشعوره وبين مجريات الأحداث في نطاق السنة الإلهية الشاملة للجميع ولا يوحي تمزيق هذا الارتباط ولا يدعو إلى الإخلال بهذا التناسق ولا يحول بين الناس وسنة الله الجارية إلا عدو للبشرية يطاردها دون هدى وينبغي لها أن تطارده وتقصيه من طريقها إلى ربها الكريم.

قالوا عنه
عندما سمع المفكّر الإسلامي الكبير أبو الحسن الندوي نبأ إعدامه بكى وقال: إن هذه الشهادة ليست شهادة الأفراد، وإنها ليست هدراً للدماء، وعبثاً بالحقوق البشريّة والكرامة الإنسانيّة فحسب، وإنها ليست همجيّة وعداءاً سافراً للإسلام فحسب، بل إنها خسارة فادحة للدعوة الإسلاميّة والعلم والأدب، والدراسة والبحث والنقد، ومأساة علميّة ضخمة. وقال: إن سيد من أولئك الأفذاذ الذين يسعد بهم العالم الإسلامي، وهو من الطراز الأوّل، من صفوة الدعاة ورجال الفكر والأدب الذين تحظى بهم الأمم. وقال الزعيم المغربي علال الفاسي: إن قضيّة سيّد قطب هي قضية داعية مسلم تتشح الرؤية وتستقيم أمام ناظريه، ويعرف السبيل إلى قلوب الناس بعد أن ثبت نور الإيمان في قلبه، واستقامت معالم الفهم في ذهنه، واستحال الإيمان والفهم والتطبيق في دنيا الواقع، وسطر الكلمة لتشق سبيلها ممهّداً إلى مجالها في القلوب والأذهان والنفوس.

ورثاه قائلا:

اترك الحزن والألــم
واحبس الدمع كالنعم
استوى الخطب عندنـا

وسوى الخطب إذ ألم
أي أمر يروعنــــا

بـعد سيل من الأزم

وتحدّث الشيخ محمد الفاضل بن عاشور لأحد محرّري (تونس أفريقيا للأنباء) فقال: إنّ تنفيذ الحكم بالإعدام على سيّد قطب يعتبره الموقنون بحقيقة جهاده الإسلامي تتويجاً لحياته الماجدة، لأن الشهادة في سبيل الله هي أقصى ما يتطلّع إليه أصحاب النفوس الإسلاميذة المؤمنة المطمئّنة، ولذلك فإن موت سيّد قطب أفرحنا وأحزننا: أفرحنا بما رزقه الله من مقام الشهادة، ونرجو الله أن يجزيه أجر العاملين المستشهدين في سبيله، وأحزننا للفراغ العظيم الذي يتركه في محيط الفكر الإسلامي.

وقال الدكتور عبد الصبور شاهين في مقدمة كتاب (عبقري الإسلام سيّد قطب) تمنيت أن يعيش العبقري سيّد قطب ظروف الحرية والتكريم، وأن تجد الدعوة طريقها إلى بناء المجتمع الصالح، وإنشاء الدولة الإسلاميّة دون هذا البحر من الدماء الذي يراق على أيدي من يدّعون الإسلام زوراً وبهتاناً.

وقال: إنّ ما واجهه سيّد من اضطهاد حاقد مجنون، لم يثنه عن تقديم ما قدّمه من بيان وتأصيل وتنظير إلى الأمة.

فقد كان رجلا سامي القيمة متعدّد نواحي العظمة، فهو زيادة على كونه مجاهداً كاملاً في قضيّة الإسلام، كان إلى جانب ذلك شاعراً، وكاتباً خيالياً، وقصصياً، وناقداً أدبياً، وحكيماً إسلامياً وباحثاً في الثقافة والاجتماع، ودارساً قرآنياً.

كتبت في سيرته عشرات الكتب والدراسات منها: (رائد الفكر الإسلامي المعاصر الشهيد سيّد قطب) يوسف العظم و(عبقري الإسلام سيّد قطب) لسيّد بشير أحمد كشميري و(سيّد قطب الأديب الناقد) لعبد الله الخبّاص و(سيّد قطب الشهيد الحي) لصلاح الخالدي و(نظريّة التصوير الفني عند سيّد قطب) لصلاح خالدي و(سيّد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد) لصلاح خالدي و(أمريكا من الداخل بمنظار سيّد قطب) لصلاح خالدي أيضاً و(سيّد قطب بين العاطفة والموضوعية) لسالم البهنساوي و(سيّد قطب أو ثورة الفكر الإسلامي) لمحمد علي قطب و(مع سيّد قطب في فكره السياسي والديني) لمهدي فضل الله و(سيد قطب من القرية إلى المشنقة) لعادل حموده و(سيد قطب: الخطاب والأيديولجيا) لمحمد حافظ دياب و(سيّد قطب والأصوليّة الإسلاميّة) لشريف يونس و(سيّد قطب حياته وأدبه) لعبد الباقي محمد حسن و(سيد قطب ومنهجه في التفسير) لإسماعيل الحاج أمين و(التيار الإسلامي في أدب سيّد قطب) حسيني علي رضوان و(المنهج الفني في النقد عند سيذد قطب) لمحمد أديب عبد الرحمن و(سيّد قطب) لأحمد البدوي و(فلسطين في فكر سيّد قطب وأدبه) لأحمد الجدع و(أعراس الشهادة) وهي مسرحيّة شعرية كتبها محمد المنتصر الرسيوني في محنة الشهيد سيّد قطب.

إعدام سيد قطب
هناك أشياء لم نكن نتصورها هي التي أدخلت التغيير الكلي على حياتنا..

في السجن الحربي كنا نستقبل كل ليلة أفرادا أو جماعات من الشيوخ والشبان والنساء ، ويقال لنا : هؤلاء من الخونة الذين يتعاونون مع اليهود ولابد من استخلاص أسرارهم ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأشد العذاب ، وكان ذلك كافيا لتمزيق لحومهم بأنواع السياط والعصي ، كنا نفعل ذلك ونحن موقنون أننا نؤدي واجبا مقدسا ، إلا أننا ما لبثنا أن وجدنا أنفسنا أمام أشياء لم نستطع لها تفسيرا ، لقد رأينا هؤلاء ” الخونة ” مواظبين على الصلاة أثناء الليل وتكاد ألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله ، حتى عند البلاء !

بل إن بعضهم كان يموت تحت وقع السياط ، أو أثناء هجوم الكلاب الضارية عليهم ، وهم مبتسمون ومستمرون على الذكر .

ومن هنا.. بدأ الشك يتسرب إلى نفوسنا.. فلا يعقل أن يكون مثل هؤلاء المؤمنين الذاكرين من الخائنين المتعاملين مع أعداء الله .

واتفقت أنا وأخي هذا سرا على أن نتجنب إيذاءهم ما وجدنا إلى ذلك سبيلا ، وأن نقدم لهم كل ما نستطيع من العون .

ومن فضل الله علينا أن وجودنا في ذلك السجن لم يستمر طويلا.. وكان آخر ما كلفنا به من عمل هو حراسة الزنزانة التي أفرد فيها أحدهم ، وقد وصفوه لنا بأنه أخطرهم جميعا ، أو أنه رأسهم المفكر وقائدهم المدبر ( هو سيد قطب رحمه الله ) .

وكان قد بلغ به التعذيب إلى حد لم يعد قادرا معه على النهوض ، فكانوا يحملونه إلى المحكمة العسكرية التي تنظر في قضيته .

  الإعدام
وذات ليلة جاءت الأوامر بإعداده للمشنقة ، وأدخلوا عليه أحد الشيوخ !! ليذكره ويعظه !! وفي ساعة مبكرة من الصباح التالي أخذت أنا وأخي بذراعيه نقوده إلى السيارة المغلقة التي سبقنا إليها بعض المحكومين الآخرين.. وخلال لحظات انطلقت بنا إلى مكان الإعدام.. ومن خلفنا بعض السيارات العسكرية تحمل الجنود المدججين بالسلاح للحفاظ عليهم..

وفي لمح البصر أخذ كل جندي مكانه المرسوم محتضنا مسدسه الرشاش ، وكان المسئولون هناك قد هيئوا كل شئ.. فأقاموا من المشانق مثل عدد المحكومين.. وسيق كل مهم إلى مشنقته المحددة ، ثم لف حبلها حول عنقه ، وانتصب بجانب كل واحدة ” العشماوي ” الذي ينتظر الإشارة لإزاحة اللوح من تحت قدمي المحكوم.. ووقف تحت كل راية سوداء الجندي المكلف برفعها لحظة التنفيذ .

كان أهيب ما هنالك تلك الكلمات التي جعل يوجهها كل من هؤلاء المهيئين للموت إلى إخوانه ، يبشره بالتلاقي في جنة الخلد ، مع محمد وأصحابه ، ويختم كل عبارة بالصيحة المؤثرة : الله أكبر ولله الحمد .

وفي هذه اللحظات الرهيبة سمعنا هدير سيارة تقترب ، ثم لم تلبث أن سكت محركها ، وفتحت البوابة المحروسة ، ليندفع من خلالها ضابط من ذوي الرتب العالية ، وهو يصيح بالجلادين : مكانكم !

  صمود الداعية
ثم تقدم نحو صاحبنا الذي لم نزل إلى جواره على جانبي المشنقة ، وبعد أن أمر الضابط بإزالة الرباط عن عينيه ، ورفع الحبل عن عنقه ، جعل يكلمه بصوت مرتعش :

يا أخي.. يا سيد.. إني قادم إليك بهدية الحياة من الرئيس – الحليم الرحيم !!! – كلمة واحدة تذيلها بتوقيعك ، ثم تطلب ما تشاء لك ولإخوانك هؤلاء .

ولم ينتظر الجواب ، وفتح الكراس الذي بيده وهو يقول : اكتب يا أخي هذه العبارة فقط : ” لقد كنت مخطئا وإني أعتذر … ” .

ورفع سيد عينيه الصافيتين ، وقد غمرت وجهه ابتسامة لا قدرة لنا على وصفها.. وقال للضابط في هدوء عجيب : أبدا.. لن أشتري الحياة الزائلة بكذبة لن تزول !

قال الضابط بلهجة يمازجها الحزن : ولكنه الموت يا سيد…

وأجاب سيد : ” يا مرحب بالموت في سبيل الله .. ” ، الله أكبر !! هكذا تكون العزة الإيمانية ، ولم يبق مجال للاستمرار في الحوار ، فأشار الضابط بوجوب التنفيذ .

  إرتقاء الروح
وسرعان ما تأرجح جسد سيد رحمه الله وإخوانه في الهواء.. وعلى لسان كل منهم الكلمة التي لا نستطيع لها نسيانا ، ولم نشعر بمثل وقعها في غير ذلك الموقف ، ” لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ..

آخِر رسالة كتبها ابن تيمية في السجن قبل موته بشهر ونصف

آخِر رسالة كتبها ابن تيمية في السجن قبل موته بشهر ونصف

وُضع في السجن بعد أن ضاقت به نفوس خصومه الذين عجزوا عن مجارته في الحجة والبرهان، فسعوا فيه كشرذمة منبوذة إلى السلاطين، بالكذب والتلبيس، وكتابة التقارير الكيديَّة، التي تنم عن رداءة في النفوس، وقذارة في الأخلاق، وسوء معدن وتربية!

لقد كان مفتاح شخصية شيخ الإسلام -رحمه الله- هو ما قاله العالم الجليل ابن فضل الله العمري عن ابن تيمية: (وكان ابن تيمية لا تأخذه في الحق لومة لائم، وليس عنده مداهنة، وكان مادحه وذامه في الحق عنده سواء).

نعم كان -رحمه الله- ما تأخذه في الله لومة لائم، ولا يأخذ بالتقيَّة خيفة من الناس على مصالحه ومدخراته الشخصية، فإنه كان يقول بالحق الذي آمنه به، ولا يتزعزع ولا يداهن أحداً، ولو أجتمع الناس كلهم لحربه، ولو سلطوا السلاطين عليه، وكتبوا في ذمه التقارير الكيدية، ومكروا به، فإنه ثابت الجنان، ناطق بالحق.

لقد بيَّن ابن تيمية الداء الذي أصاب كثير من الخواص، حيث قال: (ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه).

ومما زاد غيظ خصومه عليه، ما كانوا يقترفونه من مداهنة السلاطين على حساب الحق، فيجاملونهم على حساب دينهم، ويعاونوهم على ظلم عامة الناس تقرباً لهم وتودداً إليهم، وفي المقابل كان شيخ الإسلام صادحاً بالحق، ناطقاً بالصدق، محامياً عن حقوق فقراء الخلق، مدافعاً عن أرزاقهم، دافعاً الظلم عنهم، مفتشاً عن الفقير المحتاج، باذلاً لقمته إلى فم المساكين!

قال الحافظ البزار: (ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا رئي ساعياً في تحصيل المباحات، مع أن الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طوع أمره، خاضعين لقوله وفعله، وادّين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مظهرين لإجلاله، أو أن يؤهل كلا منهم في بذل ماله).

في المقابل كان حال مبغضيه كما يقول الحافظ البزار: (سبب عداوتهم له أن مقصودهم الأكبر طلبُ الجاهِ والرئاسة، وإقبال الخلق، ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام، من ذلك ما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وامتلأت قلوبهم بمحاسدته).

ولأنهم يعلمون أن العامة والخاصة تحبه، لذا عمدوا إلى الكذب عليه، واختلاق الباطل على لسانه، ولبس الحق بالباطل، واستعداء أهل الخرافات عليه، ومن ناصرهم من الأمراء، مع أنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنه عالم مجتهد، آخذٌ بالدليل العقلي والشرعي، لا يقول بهوى، و لا ينطلق من تشهي، ولا يكتم حقاً اعتقده.

ولم يكن ابن تيمية -رحمه الله- مزدوج الشخصية، ولا صاحب منهجين ولا وجهين، ولم يكن ممن يستغفل الجمهور هنا وهناك، ولم يكن يقول شيئاً للخاصة مختلفاً عما يقوله للعامة، بل كان القول عنده واحداً.

قال ابن تيمية: (وما كتبت شيئاً من هذا ليكتم عن أحد ولو كان مبغضاً).

وما كان يفتي ليرى مكانه، أو ليجمع جمهوره، أو ليحصد رضى القنوات الفضائية، بل كان يقف عند الحق. قال ابن تيمية: (إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تشكل عليَّ، فأستغفر الله تعالى ألف مرة، أو أكثر أو أقل، حتى ينشرح الصدر وينحل إشكال ما أشكل).

ومع كل ذلك لم يرتدع خصومه عن بغيهم وظلمهم وافترائهم على ابن تيمية، بل حشدوا رعاع الناس، من أهل الخرافات والأهواء ضده، وخاصة من يتاجرون بمراقد ومقابر الأموات، ويجنون من العامة والبسطاء الأموال الكثيرة، فاستمالوا الأمراء الذين يعظمون الخرافة، ويعمرون المقابر ويخربون العمران، وكذبوا على ابن تيمية عند بقية الناس، وألبوا السلطان عليه، حسداً من عند أنفسهم.

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالقوم أعداء لـه وخصومُ
كضرائر الحسناء قلن لوجهها *** حسدا وبغيا: إنه لدميـمُ

ثم تسببوا في سجنه مرات وكرات، وهم لا يرضون إلا بقتله بعد أن كفروه، وأهدر بعضهم دمه، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فسجن عدة مرات، ثم جاء سجنه الأخير الذي مات فيه، فأرادوا أن يُمعنوا في إيذائه وهو مسجون، فقاموا بمنعه من الكتابة، ليقفوا كلمة الحق، حيث صادروا منه أقلامه وكتبه، ووضعوه في زنزانة مظلمة، أضرت ببصره، وكانت مصادرة الأوراق والأقلام أشد شيء على نفس هذا العالم الكبير، فحرموه من كل شيء حتى من كتابة الكلمة.

وهكذا هم أعداء الكلمة الحرة في كل زمان ومكان، تفرد لهم الصفحات والجرائد والمنابر، ويحرمون منها خصومهم، ويؤلبون السلاطين على مخالفيهم في الفكر، ثم يصيحون متباكين في صحفهم الزرقاء والخضراء والبيضاء على الكلمة الحرة!!

قال ابن عبدالهادي: (فلما كان قبل وفاته بأشهر ورد مرسوم السلطان بإخراج ما عنده كله، ولم يبق عنده كتاب ولا ورقة ولا دواة ولا قلم، وكان بعد ذلك إذا كتب ورقة إلى بعض أصحابه يكتبها بفحم، وقد رأيت أوراقا عدة بعثها إلى أصحابه وبعضها مكتوب بفحم).

وهذه آخر رسالة كتبها ابن تيمية قبل وفاته بنحو شهر ونصف، كتبها بالفحم لما أخرجوا منه الأقلام والأوراق، فاضطر لغسل رسائل تلاميذه التي كانت ترسل له من قبلهم، ثم الكتابة عليه مرة أخرى.

يقول في رسالته الأخيرة: (ونحن ولله الحمد والشكر في نعم عظيمة تتزايد كل يوم، ويجدد الله تعالى من نعمه نعماً أخرى، وخروج الكتب كان من أعظم النعم، فإني كنت حريصاً على خروج شيء منها لتقفوا عليه، وهم كرهوا خروج الأخنائية -أي كتابه الذي رد فيه على الإخنائي الصوفي- فاستعملهم الله تعالى في إخراج الجميع، وإلزام المنازعين بالوقوف عليه، وبهذا يظهر ما أرسل الله به رسوله من الهدى ودين الحق.

فإن هذه المسائل كانت خفية على أكثر الناس، فإذا ظهرت: فمن كان قصده الحق هداه الله، ومن كان قصده الباطل قامت عليه حجة الله).

ثم قال: (والأوراق التي فيها جواباتكم غُسلت، وأنا طيب وعيناي طيبتان أطيب ما كانتا، ونحن في نعم عظيمة لا تحصى ولا تعد والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كل ما يقضيه الله تعالى فيه الخير والرحمة والحكمة {إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو القوي العزيز العليم الحكيم} ولا يدخل على أحد ضرر إلا من ذنوبه {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} فالعبد عليه أن يشكر الله ويحمده دائماً على كل حال، ويستغفر من ذنوبه فالشكر يوجب المزيد من النعم، والاستغفار يدفع النقم، ولا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له).

قال ابن عبدالهادي معلقاً على هذه الرسالة: (وهذه الورقة كتبها الشيخ وأرسلها بعد خروج الكتب من عنده بأكثر من ثلاثة أشهر في شهر شوال قبل وفاته بنحو شهر ونصف، ولما أخرج ما عنده من الكتب والأوراق .. أقبل الشيخ بعد إخراجها على العبادة والتلاوة والتذكر والتهجد حتى أتاه اليقين، وختم القرآن مدة إقامته بالقلعة ثمانين أو إحدى وثمانين ختمة انتهى في آخر ختمة إلى آخر اقتربت الساعة: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر}).

وهكذا أراد خصومه أن يحبسوا كلمته الحرة الصادقة، حتى لا تصل للناس فيتحرروا من سلطان الخرافة، وقيود الأوهام، وأغلال الهوى، حتى وصل بهم الأمر إلى انتزاع الأوراق والأقلام منه، كل ذلك خوفاً ورعباً من كلماته الناطقة بالحق واليقين!

لكنَّ مرادهم خاب وخسر، فهذه هي كلمات الإمام ابن تيمية تملأ العالم كله، وهذه كتبه ولله الحمد تطبع وتوزع في كل مكان، والناس مقلبة برغبة عارمة على كتبه وكلماته وفي كل فن وعلم.

وهنا أتذكر ما قاله أحد العلماء الأفاضل في زمن ابن تيمية، حينما كتب رسالة إلى تلاميذ شيخ الإسلام بعد وفاته –رحمه الله- يوصيهم بكتب الشيخ، ويحثهم على نشر علمه، ويطيب خواطرهم بأن المستقبل للحق بإذن الله.

يقول أحمد بن مري الحنبلي في رسالته: (والله إن شاء الله ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام، ونشره وتدوينه وتفهمه، واستخراج مقاصده واستحسان عجائبه وغرائبه رجالٌ هم إلى الآن في أصلاب آبائهم، وهذه هي سنَّة الله الجارية في عباده وبلاده).

فتأمل أخي القارئ الكريم كيف ظهر أمر شيخ الإسلام ابن تيمية، وطارت كتبه في الآفاق، ووصلت كلمته إلى أقاصي المشرق والمغرب، ونال مئات من الباحثين الدرجات العلمية في دراسة علمه في شتى الفنون، وكتبت فيه آلاف الكتب، وأصبح اسمه على كل لسان، وفي المقابل أصبح كثير من أعدائه لا يذكرون بأسمائهم، وإذا ذكروا فإنما يذكرون لاقترانهم بحوادث تعرض لها ابن تيمية.

ولله عاقبة الأمور..