السبت , 18 نوفمبر 2017
خبر عاجل
أنت هنا: الرئيسية » أراء و أقلام (صفحة 30)

أرشيف القسم : أراء و أقلام

الإشتراك في الخلاصات<

الثائرون على الديمقراطية

الثائرون على الديمقراطية

د. مصطفى يوسف اللداوي

اعتدنا أن نسمع عن ثوراتٍ وثائرين على الظلم والجوع والفقر، وعلى القهر والاستبداد وكبت الحريات ومصادرة الحقوق، وعن ثائرين من أجل العزة والكرامة، وباحثين عن الحرية والعدالة والديمقراطية.
لكننا لم نسمع يوماً عن ثائرين على الديمقراطية، ورافضين لخيارات الشعوب ونتائج الانتخابات الديمقراطية، بحجة سذاجة الشعب وعدم أهليته وقدرته على الحكم والاختيار، اللهم إلا في الدول الشمولية العسكرية، التي ترفض الديمقراطية وتنقلب على الفائزين، وتصادر حقوقهم وتزج بهم في السجون والمعتقلات، وتتهمهم بالتخربب والفساد والإرهاب، والإضرار بمصالح الدولة والشعب، والارتباط بأنظمة وأجنداتٍ أجنبية، وتلقي مساعداتٍ ورشى من دولٍ وحكومات، وأنظمةٍ وأجهزة، ما يبرر لها الانقلاب على الديمقراطية، والتنكب لنتائج صناديق الانتخابات، أو العمل على إفشال الفائزين وإظهار عجزهم، وبيان ضعفهم، رغم يقينهم أن الفائزين قد ورثوا عن المخلوعين تركةً عفنةٍ فاسدة، وأنهم يتعاملون مع ميراثٍ هائلٍ من الخراب والفساد والسرقة والنهب والتآمر والارتباط والارتهان.
ومع ذلك فإن الناقمين على نتائج الانتخابات على اختلافهم، كونهم لم يفوزوا ولم يختارهم الشعب، إذ لم يؤمن بهم ولم يقتنع بشعاراتهم، وقد جرب أكثرهم وعرف حقيقتهم، فإنهم والخاسرين يتألبون ويجتمعون، ويتآمرون ويحركون الفتن والقلاقل لإفشال الفائزين، والحيلولة دون اطمئنانهم واستقرارهم لتطبيق برامجهم، والمضي في إصلاحاتهم، وتحسين ظروف عيش شعبهم، وإصلاح ما أفسدته الطغمة الحاكمة السابقة، وإعادة ما نهبته من ثرواتٍ ومقدرات، ومحاكمة من ثبت فساده وظلمه وتعديه.
إلا أن فئةً من الأمة كنا نظن بعضها خيرةً صادقةً، وطنيةً قوميةً ثورية، كانت يوماً معنا، واصطفت إلى جانبنا، وأيدت مواقفنا، واكتوت معنا بظلم الأنظمة ونير الحكام، وكانت شعاراتها البراقة تسبقها وتصقل شخصيتها، وتقودها إلى قلوب الشعب ووعيه، إلا أنها استشاطت غضباً كونها لم تنجح في الانتخابات، ولأن الشعب اختار غيرها، وآمن في سواها، فقررت ألا تعطي الفائزين فرصة، وألا تنتظر عليهم برهةً لتمكنهم من النجاح، وهي أكثر من يعرف عظم المسؤولية، وعفونة التركة، وأمانة الواجب، إلا أنها انقلبت وانتفضت وثارت بغير وجه حق، فلا صدق ولا براءة، ولا وطنية ولا ثورية، وقد كان الأجدر بها أن تقف إلى جانب شركائها في الثورة، وإخوانها في النصر والمعاناة، إيماناً منها باحترام نتائج الديمقراطية، ونزولاً عند خيارات الشعوب، التي كانت تحلم كثيراً أن يكون قادتها من بينها، وأن تكون هي التي تختار وتنتخب، وهي التي تراقب وتحاسب، وهي التي تعزل وتحاكم.
ما يحدث في مصر الآن من بعض القوى التي كنا نظن أنها قوىً ثوريةً وطنيةً قومية أمرٌ معيب ومشين، فقد شوهوا الثورة، وأوهنوا الشعب، وأفرحوا الحاقدين، وأسروا المبغضين، وأعادوا الأمل إلى أعداء الأمة التي أيقنت بأن مصر قد ذهبت وحلقت بعيداً عنهم، وأنها أصبحت إطار العرب وسوار الأمة، وعقدها الفريد، ولكن هذه القوى التي تظن أنها تحسن صنعاً قد أعادت لهم الأمل، بعودة مصر إلى حظيرتهم ضعيفةً كسيرةً ذليلةً حائرة القوى، لا تملك خيارتها ولا قوت يومها، ولا تعرف مسيرها ولا تقدر على اتخاذ قرارها.
لعلي في خطابي هذا أتوجه إلى حمدين صباحي أكثر من غيره، وقد عرفناه وطنياً ثائراً، وقومياً مناضلاً، وشهدناه في المؤتمرات والمنتديات يحمل هم مصر، ويتحدث باسم الفقراء والبسطاء وعامة أهل مصر، وعليه علقنا الكثير من آمالنا، وقد كنا به سنرضى لو فاز في الانتخابات الرئاسية المصرية، وحظي بأصوات الشعب وثقته، إذ أن هذه هي أصول اللعبة الديمقراطية التي ارتضيناها حكماً ووسيلةً للحكم بالتراضي، وقد كان لزاماً على غيره لو فاز برئاسة مصر أن يساعده وأن يقف إلى جانبه، وأن يناصره ويؤيده.
لكننا اليوم نراه في الموقع الآخر، وفي المربع المناهض للعدل والحق، متحالفاً مع فلولٍ أساؤوا إليه، وظلموا أتباعه ومؤيديه، وقد كان لبعضهم دورٌ ومهمة في النظام السابق، شاركوا في الظلم أو سكتوا عنه، مارسوا الاعتداء أو سهلوا له، استفادوا وبه استظلوا.
ومتعاوناً مع رجالٍ ليسوا مصريين وإن حملوا جنسيتها، وليسوا منا وإن نطقوا بلساننا، ولا يعبرون عن طموحاتنا وإن نادوا ببعض الشعارات النبيلة كذباً وزيفاً، فهم أكثر المصريين بعداً عن الشعب والميدان والحارة والحتة والشارع، ممن لا يعرفون شبرا ولم يدخلوا العتبة، وممن لم يأكلوا الفول ولا الطعمية، ولا يعرفون طعم الكشري ولا مذاق لحم ودجاج الجمعية، ممن كان لهم تاريخٌ مسيئ وسمعةٌ غير مشرفة، وتاريخٌ أسودٌ في المؤسسات والمنتديات الدولية، ممن يعترفون بإسرائيل، ويحرصون على انصافها والاعتراف بمحرقتها، والعمل من أجل راحتها وسلامة مستوطنيها.
أيها الوطنيون المصريون الكبار، حافظوا على إرثكم ونصاعة ماضيكم، وانفضوا عن أنفسكم غبار الفلول، وتطهروا من رجس المتآمرين المارقين، وكونوا كباراً عظاماً، رجالاً أطهاراً، اصطفوا إلى جانب بعضكم، وكونوا مع خيارات شعبكم، وأماني وآمال أمتكم، ومكنوا إخوانكم الذين كانوا معكم في الشارع والميدان، وفي السجن والمعتقل، الذين حرموا لسنواتٍ من حقوقهم، وعانوا أكثر من غيرهم، فهم أكثر من يعرف الشعب وحقوقه، وأكثر من يحس بآلامه وأحزانه، وهم اليوم في سدة الحكم مختارين منتخبين، وغداً قد يكون غيرهم فيكونون مكانكم، وقد يختار شعبكم سواهم، فامنحوهم الفرصة، ومدوا إليهم يد النصرة، وكونا لبعضكم إخواناً في مواجهة المبتسمين بخبث، والساخرين بحقد، فهذه مصر محط آمال الأمة تتوقع منكم وقفة الرجال، وعقل الحكماء، وحرص الأمهات والآباء.

الحكم الشرعي في التصويت على الدستور المصري

الحكم الشرعي في التصويت على الدستور المصري

بقلم/ محمد نظمي الأثري

ما أن دعا رئيس الجمهورية للتصويت على الدستور إلا واختلف علماؤنا في الحكم الشرع في التصويت عليه، وذلك على قولين( ):
القول الأول: التصويت بـ “نعم” وممن ذهب إلى هذا القول الجمهور والأكثر من العلماء، منهم: الشيخ الدكتور  وجدي غنيم، الشيخ أبو إسحاق الحويني، د. محمد بن إسماعيل المقدم، د. أحمد فريد، الشيخ وحيد بالي، د. محمد عبد المقصود، الشيخ محمد حسين يعقوب، الشيخ فوزي السعيد، د. مازن السرساوي، الشيخ نشأت أحمد، د. محمد يسري إبراهيم، د. علي السالوس، د. عبد الله شاكر، د. سعيد عبد العظيم، د. نصر فريد واصل، الشيخ حسن أبو الأشبال، الشيخ محمد حسان، د. السيد العربي، د. صلاح سلطان، د. جمال عبد الهادي، د. ياسر برهامي، الشيخ أبو بكر الحنبلي، الشيخ أحمد حطيبة، العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك.
القول الثاني: حرمة التصويت بـ “نعم” وممن ذهب إلى هذا القول من العلماء: الشيخ مصطفى العدوي، د. أحمد النقيب، ونقل الدكتور محمد عمارة على قناة الحافظ أمس أن الشيخ مصطفى العدوي بعد اجتماعه مع مجلس شورى العلماء تراجع عن فتواه.
هذا وقد استدل أصحاب القول الأول على قبول الدستور والتصويت له بـ “نعم” بعدة تعليلات:
التعليل الأول: أن هذا من باب ارتكاب أخف الضررين.
التعليل الأول: أن التصويت بنعم يدرأ المفسدة ويجلب المصلحة.
التعليل الثالث: موافقة لسنة التدرج.
التعليل الرابع: لابد من التفريق بين المتاح والمأمول.
وقد رد أصحاب القول الثاني بعدة أدلة على فساد أدلة الفريق الأول، هي:
أولاً: يقولون: “ما بالكم تقررون قاعدة ((ارتكاب أخف الضررين)) وتتركون قاعدة ((الضرر يزال))؟ فإذا ارتكبتم الضرر الأخف في تقديركم وهو كتابة دستور غير شرعي فيه تأليه غير الله فأخبرونا ما هو الضرر الأشد الذي جعلتم الأمة تتجنبه بارتكابكم هذا الضرر الأخف؟ إن الدستور مضاد لكتاب الله الحاكم ووضع الدستور كله مفسدة لا خير فيها، والقاعدة تقول: ((درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)) فالدستور مفسدة كله والمصلحة في تحقيق التوحيد كما فعل الأنبياء بمفاصلتهم أهل الكفر وعدم تقريرهم لقوانينهم ودساتيرهم الجاهلية الكفرية، بل كان دينهم هو دين المفاصلة التامة التي لا تقبل الكفر وأهله، قال تعالى: ((قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)) عليه يجب علينا أن نعلم أن قاعدة ارتكاب أخف الضررين التي يستدلون بها ليست في محلها لأن هذا الدستور الشركي هو الأشد ضرراً وليس الأخف” أ.هـ
التعليل الثاني: لا يشرع فعل الشرك أو قوله لمصلحة أبداً، فـ: “لا عذر لك بتأويل تأتي به الكفر مهما كانت المصلحة، فلم يستثن الله عز وجل إلا المكره، قال تعالى: ((مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ))”.
التعليل الثالث: القول بالتدرج في تحكيم الشريعة كفر: “فقولكم بجواز التدرج معناه جواز الحكم بغير ما أنزل الله مرحلياً، أي أنه لن يحكم بما أنزل الله في بعض المسائل، فيدخل تحت آية ((ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ))، فهل يجوز تطبيق بعض أحكام الكفر مرحلياً للوصول إلى تطبيق أحكام الإسلام كاملة؟! أم أنه ينطبق علينا حينذاك قوله تعالى: ((أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض))؟!” و”ثبت بالتواتر أن الخلفاء الأربعة وولاتهم وقضاتهم كانوا يطبقون الإسلام كاملاً ولا يتدرجون في تطبيقه، ولما كانوا يفتحون الأمصار كانوا يقيمون فيها شريعة الله بلا تدرج”أ.هـ
العلة الرابعة: الموافقة على هذا الدستور يدخل الموافق في شرك الطاعة: ” تلا النبي صلى الله عليه وسلم  على عدي بن حاتم: ((اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ)) فقال عدي: يا رسول الله ما عبدناهم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألم يحلوا لكم الحرام ويحرموا لكم الحلال فأطعتموهم؟)) قال بلي: قال: ((تلك عبادتكم إياهم)) انظر: وصف النبي لهم طاعتهم لعلمائهم ورهبانهم وعلمهم بأنهم أحلوا ما حرم الله بأن ذلك عبادة العلماء، وأثبت النبي للعلماء والرهبان صفة الربوبية لأنهم أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله وكان هذا هو مناط الكفر لكليهما، يقول ابن تيمية: (ومعلوم بالاضطرار من دين الإسلام وباتفاق جميع المسلمين؛ أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب)”أ.هـ
الترجيح
إنه وقبل الترجيح العلمي بين قولي العلماء أنبه إلى:
1ـ أنني هنا إنما أعالج حالة استثناء بفتوى لا أؤسس لحالة أصل بحكم، فهو اجتهاد ناتج عن ممارسة عملية لعلمي الأصول والقواعد الفقهية في المحاكم الشرعية، فلم أطلقه دون عنان بل ألجمته بلجام القواعد الأصولية والفقهية لا سيما طريقة (المقدمة والتالي).
2ـ أنني جاريتهم لأبعد مدى ذهبوا إليه من أن هذا الدستور هو دستور كفري، فأقول: الراجح من القولين في حكم التصويت على هذا الدستور المشتمل على بعض الكلمات الكفرية، هو ما ذهب إليه الجمهور من العلماء وذلك للأدلة التالية:
أولاً: إعمالاً لقاعدة ((ارتكاب أخف الضررين)) كما قال الجمهور، وذلك لسببين: أولهما: أن الضرر الأكبر: هو سقوط الدستور بما قد يمكن للسطو على البلاد من خلال العلمانيين فيأتون بدستور بوذا. والضرر الأقل: هو قبول هذا الدستور المشتمل على كلمات كفرية والسير في طريق الاستقرار وإتمام عملية التغيير. فليست المقارنة بين الضررين ما ذكره أصحاب القول الثاني، من أن الضرر الأكبر: الدستور الكفري. والضرر الأقل: دخول السجون وغيرها. ثانيهما: يصح قولهم بأن رفض الدستور هو إعمال لقاعدة ((الضرر يزال)) إذا لم يكن ثم دستور بعد ذلك؛ لأنك بذلك تكون أزلته بالكلية، أما مع وجود ما يرجح الإتيان بدستور آخر هو شر من الموجود فلا سبيل لتطبيق هذه القاعدة ولا يكون لنا إلا إعمال ((إرتكاب أخف الضررين)، قال ابن تيمية (الفتاوى 15/325) في تناوله لقصة يوسف وطلبه أن يكون على خزائن الأرض عند الكفار: “وكذلك ما ذكره عن يوسف الصديق وعمله على خزائن الأرض لصاحب مصر لقوم كفار، وذلك أن مقارنة الفجار إنما يفعلها المؤمن في موضعين: أحدهما أن يكون مكرها عليها والثاني: أن يكون ذلك في مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال المفسدة المرجوحة وفي الحقيقة فالمكره هو من يدفع الفساد الحاصل باحتمال أدناهما وهو الأمر الذي أكره عليه”أ.هـ وقال في موضع آخر عن تدرجه الدعوي معهم في أمر التوحيد: “ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله؛ فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: {فاتَّقوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ}(1). فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما؛ لم يكن الآخر في هذه الحال واجباً، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة. وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما؛ لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة، وإن سمى ذلك ترك واجب وسمى هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم”أ.هـ     
ثانياً: ما علل به أصحاب القول الثاني من عدم مشروعية فعل الشرك أو قوله لمصلحة صحيح النظر، ولكن هل يجوز قول الكفر لدرء مفسدة؟ يبين لنا حديث عمار بن ياسر جواز قول الكفر لحفظ النفس فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((إن عادوا فعد)) هذه واحدة… ثانياً: أوليس تقليل القوانين الكفرية مطلب شرعي؟ أوليست مصلحة شرعية؟… فهؤلاء يلبسون على الناس حين يصورون لهم أن قول نعم للدستور هو قول نعم لكفر ورضا به، وهذا تضليل إنما الأمر: (آلت إلينا دولة مسلمة تعلوها قوانين كافرة… ليست لدينا المكنة ولا القوة والتمكين لوضع القرآن دستوراً وأكرهنا على مثل هذا الدستور، فينظر فيه: هل يقلل الكفر ويتحرك بنا نحو تطبيق الشريعة فإن كان نعم قلنا صوتوا بنعم، وإن كان لا قلنا صوتوا بلا. فكيف إن كان في تأخير البلاد عن مصلحة الاستقرار سيؤدي إلى ضياع الشريعة وإدخال البلاد في أتون حرب مستعرة؛ فإن قالوا: هذا ليس طريق تغيير والتغيير إنما يكون بالسيف الذي ينصر، قلنا لهم: هذا طريق آخر يحتاج لبحث بيننا ونقاش لا سيما أن السيف الذي ينصر لا يكون لأفراد الناس إنما يكون لمتمكن بقوة وقهر وهو ما ليس في أيدينا اليوم فافقهوا، فالقوم  يخلطون بين ما يجب فعله بعد تمكين وما يستطاع فعله ونحن نؤسس لتمكين.
أيها المسلمون: إن الفتاوى الشرعية إنما تبنى على العلل من حيث التأسيس وعلى المصالح من حيث المقاصد: أما العلل فقد قعدها العلماء بقولهم: ((الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً)) وأما المقاصد فقد قعدها العلماء بقولهم: ((الأمور بمقاصدها)) من هنا فالفتاوى إنما يصرح بها بعد الموازنة بين المصالح والمفاسد، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فدرء مفسدة سقوط البلاد وتشريد العباد وإجاعة الناس وإلجائهم إلى الكفر بالمنهج الإسلامي هو أولى في هذه المرحلة من تنقية الدستور مما فيه من أمور لا نريدها ولا نرغبها ولكنه الإكراه؛ إن النصوص الشرعية إنما تبنى في مثل هذه الأحوال على ما يقوي الأمة فالإعداد للجد جد، والتجهز للجهاد جهاد… ولأنه لما كان لا سبيل لتحقيق القاعدة الفقهية ((الضرر يزال)) فنحن مضطرون إلى العمل بقاعدة (ارتكاب أخف الضررين) فالضرر الأعلى من عدم التصويت ضياع البلاد والعباد والدين بينما الضرر الأخف التصويت على ما يفتح الباب لتطبيق الشريعة لا سيما أن الدستور لا علاقة له بتشريع القوانين (تحكيم الشريعة) إلا فتح الباب أو غلقه ـ لا سيما أن كان هذا الدستور وإن اشتمل على طوام إلا أنه لا يضاد الشريعة بل يفتح الباب لتطبيقها وهذه حقيقة قانونية يعرفها كل من درس القانون… نعم قد يقال: ليس هناك في الشريعة ما يسمى كفر وكفر أعظم فالكفر هو الكفر ومن ثم لا محل هنا للنظر في قاعدة أخف الضررين واعتباره أخف الكفرين… فنقول: التصويت بلا لن يخرج هذه الطوام  ويؤدي بالدستور إلى ما نريده، بل الموازنة هنا هي بين الفوضى التي يضيع معها الدين أو الاستقرار الذي نتمكن من خلاله من إتمام الوصول بالدستور إلى الوضع المنشود.
ثالثاً: لم يصب أصحاب القول الثاني في تعليلهم الثالث والذي نحو فيه إلى رفضهم للدستور بدعوى أن التدرج في تحكيم الشريعة كفر وقولهم عن أصحاب القول الأول: “فقولكم بجواز التدرج معناه جواز الحكم بغير ما أنزل الله “مرحلياً”بما ينطبق عليه قوله تعالى: ((أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)) فهذا القول لعمر الحق وضع للأمر في غير موضعه، وتلبيس صريح، إذ تقول على أصحاب القول الأول بأنهم يرون التدرج في تطبيق الشريعة وهذا كذب لم يقل به أحد من العلماء، وألزمهم بهذا اللازم بأنهم يقبلون بأحكام الكفر مرحلياً!!!!!  وهذا الكلام غير صحيح وقد أؤتي هؤلاء من سوء فهمهم لا من نقلهم، وللرد على هذا أقول:
1ـ أصحاب القول الأول لا يقولون بالتدرج في التحكيم إنما بالتدرج في التمكين الذي هو سبيل التحكيم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطبق الشريعة إلا بعد تمكنه بسلطان القوة والغلبة، فإن كان لدينا سلطان القوة والغلبة فعندها يجوز لقائل هذا القول أن يعلل به، هذا وقد أشار ابن تيمية إلى إمكانية التدرج حيث قال ابن تيمية ( مجموع الفتاوى 15/60): “فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما، كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً. ومعلوم أن الرسول لا يبلّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأتِ الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يُستطاع. فكذلك المجدد لدينه والمحيي لسنته لا يبلّغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقَّن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداءً، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان؛ كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت بيانه”.
2ـ حقيقة الحال التي نحن عليها ((أمة مسلمة تعلوها قوانين كافرة)) فإن أتيت أنا وقللت القوانين الكافرة وسعيت لإزالتها بما لدي من قوة لا تمكني الآن إلا لذلك قالوا لنا: أنتم ترضون بالكفر وبقبول الأحكام الكفرية مرحلياً فألزمونا بما ليس بلازم وهذا حال الذين لم يمارسوا أصول الفقه عملياً ستجد إلزامهم بما ليس بلازم هو أصل ما يقعون فيه من شبهات. وهنا نقول لهم: التمكن شرط تطبيق.
3ـ فيما استدل به أصحاب القول الثاني من أن الخلفاء وولاتهم وقضاتهم كانوا يطبقون الإسلام كاملاً ولا يتدرجون في تطبيقه بعد فتح الأمصار!!!  دليل لأصحاب القول الأول: إذ فتح الأمصار أيها المغيبون يعني أنه أصبح لأهل الإسلام القوة والغلبة والقهر والمنعة والسلطان فهل للمسلمين في مصر اليوم القوة و والغلبة والقهر والمنعة والسلطان؟!! إنكم تريدون أن تأخذونا إلى نفس مصير الصومال وما يحدث فيها من قتال منذ عشرين سنة بسبب مثل هذه العلل العليلة، فلا لهم لشريعة أقاموا ولا لباطل أسقطوا.
رابعاً: قولهم: استدلالهم بحديث عدي بن حاتم وأن الموافقة على الدستور الحالي يدخل المرء في كفر الطاعة مجازفة كبيرة تدل على فهم سقيم وحق أن يقال له: ما هكذا تورد الإبل، إذ الدستور الذي بين أيدينا لا يتضمن تحليل لحرام ولا تحريم لحلال، وإلا فأخرجوه لنا، فحاصل الأمر أن فيه كلمات تحتمل كفراً وغيره أما أنه يعارض معلوماً من الدين بالضرورة أو يحرم ما ثبت حله ويحلل ما ثبتت حرمته فهذا ضرب من الخيال.
خامساً: صحة التفريق بين الممكن والمأمول مسلك شرعي في العقائد والأحكام بشرطين: الأول: إفراغ الوسع في تحصيل المأمول. الثاني: التحرك نحو المأمول. ويدل لذلك: قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)… وقوله: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)… وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)… وقوله: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم))… قال ابن تيمية (أحكام المرتد 2/318): “وكل ما أمر اللّه به أو نهى عنه، فإن طاعته فيه بحسب الإمكان، كما قال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم))، فهذه القواعد هي الكلمات الجامعة والأصول الكلية التي تبني عليها هذه المسائل”أ.هـ
سادساً: الفتاوى الشرعية إنما تؤسس على حقائق واقعية لا افتراضات خيالية: فقد أجمع الأصوليون من العلماء على أن العبرة في الفتوى الحقائق الواقعية لا الافتراضات الخيالية؛ فالذين يعيبون على الدستور الحالي هو أحد رجلين: إما رجل يرده رداً مبدئياً فهو لا يرى شرعية وجود دستور أصلاً وهذا القول باطل شرعاً وعقلاً وواقعاً وسياسة شرعية والرد عليه أسهل من شرب الماء لكن ليس محله هذا البيان. ورجل يرى مشروعية وجود الدساتير ولكن الدستور الحالي يشتمل على مخالفات شرعية وكلمات كفرية، وأرى هنا أن هذا القول صحيح في التفصيل خطأ في الجملة… نعم يجب رد هذا الدستور في حالة استجماع الأمة لأمرها وامتلاك زمام قيادها، أما الحقيقة الواقعية أننا مهددون تهديداً لن يسقط هذا الدستور فحسب بل سيسقط الدولة كلها من هنا كان الواجب على المفتين بغير “لا” الجلوس مع العالمين بالحقائق الواقعية للاطلاع على حجم المخاطر بالأرقام… إن ما يقوم به العلمانيون اليوم هو إسقاط لمشروع الإسلام حتى لو أدى الأمر إلى ضياع البلاد والعباد، من هنا كان المحافظة على هذا القدر الموجود هو أولى من طلب المفقود. وتصريح النبي صلى الله عليه وسلم  لعمار بقول الكفر الصريح لأنه في حقيقته صريخ… صريخ ضجت به نفسه المعذبة، ولكنه إن قالها في غير هذا الموضع وهو في سعة من أمره لكفر بها..  ولعمر الحق ما أشبه وضعنا اليوم بوضع هذا الصحابي الجليل… أيها الكرام: هذا الدستور فيه العديد من المخالفات الشرعية والكلمات الكفرية.. ولكنها مخالفات المضطرين وكلمات المعذبين المضطهدين بضياع البلاد والعباد ومن ثم فنحن مع جماهير العلماء إذ فتاوى التعليل تقوى بقوة وكثرة القائلين بها وهو أحد أهم الفوارق بينها وبين فتاوى الدليل.
سابعاً: لا يصح الحكم الشرعي إلا بصحة التصور واكتماله: وهنا أقول لكل من يفتي بغير القول بـ “نعم” لا تصح منك الفتوى لأنك لم تطلع على معلومات وحقائق إذ صورة خروج هذا المنتج والعلة في الأخطاء التي فيه إنما هي لأسباب قهرية حقيقية لم تطلع عليها … ثم إن الحكم على المنتج دون النظر إلى ملابسات خروجه لا يمكن أن يصح اجتهاده لا لعدم صحة تعليل المخالف بل لعدم اكتمال الصورة لديه إذ نصف الصورة موجود في الرئاسة المصرية والجهات السيادية التي لديها الأدلة على حجم المؤامرة التي قام بها عملاء يهود والتي قادها الهولوكوستي واللي خمنا والفلولي بتغطية إعلام الفلول من قنوات “الحياة” و “دريم” و “cbc”  و”القاهرة والناس” وغيرها. إن شيخنا النقيب أخطأ الاجتهاد لخطأ التصور ومن هذه الأخطاء الواضحة: 1ـ معيار القوة عند شيخنا النقيب مضطرب، فقوله: المسلمون يمثلون في دولة كذا نسبة كذا ولكن الدساتير لم تؤبه لهم والرد هنا: أن العبرة بالتمكن لا بكثرة العدد وعلو النسبة وانخفاضها هؤلاء الكفار متمكنون في بلادهم ونحن هنا لم نتمكن بعد بل نسير في طريق التمكين… كلام الدكتور النقيب على المحكمة الدستورية المصرية يدل على أنه لا يعرف الواقع حقيقة فهو ينفي أن تكون المحكمة الدستورية ليست من تعيين سوزان، مع أن العالم كله يعرف أن نائب رئيس المحكمة الدستورية المستشارة تهاني الجبالي كانت محامية والتي عينتها هي سوزان مبارك، ثم كلامه على حل المحكمة لمجلس الشعب هو كلام غير قانوني كذلك لأننا درسنا في الحقوق أن المحكمة الدستورية لا تملك حق الحل إنما تملك حق النظر في دستورية القوانين من عدمها فكيف تجرأت في سابقة لم يعرف العالم لها مثيلاً، يبدو أن الشيخ لم يسمع الدكتور الكتاتني وهو يصرح بأن كمال الجنزوري قال له: حل المجلس في درج المكتب!!
ثامناً:ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب: لا يجادل كل من درس القانون ومارسه أن هذا الدستور فتح الباب لتحكيم الشريعة؛ وذلك من خلال مادتيه الثانية والتاسعة عشر بعد المئتين وما فيه من خلل سواء كانت كلمات كفرية، أو من كان لديه اعتراض أو تعديل يمكنه إدراجه من خلال المادة 217 منه. 
تاسعاً: إن القدر المتفق عليه بين العلماء ـ وهو ما يمثل المقدمة الأولى ـ: (يباح للمرء فعل الكفر أو قول الكفر في حال الإكراه) ودليل ذلك:
1ـ قوله تعالى: ((مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)).
2ـ عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما وراءك؟)) قال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: ((كيف تجد قلبك؟)) قال : مطمئنا بالإيمان قال إن عادوا فعد.
3ـ قال ابن تيمية (الفتاوى الكبرى 6/86): ” ثم إنه لا خلاف بين المسلمين أنه لا يجوز الأمر ولا الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، بل من تكلم بها فهو كافر إلا أن يكون مكرهاً فيتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان”أ. هـ وقال ابن القيم (إعلام الموقعين 3/178): ” ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان” أ.ه وتأسيساً على هذا الاتفاق: قال ابن تيمية (الاختيارات الفقهية 1/569): (فإن الأسير إن خشي الكفار أن لا يزوجوه أو أن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر)أ.هـ وقال في “إبطال التحليل” (4/477): “والرجل لو تكلم بكلمة الكفر لمصالح دنياه من غير حقيقة اعتقاد صح كفره باطناً وظاهراً “أ.هـ  وقال رحمه الله (الفتاوى 14/470ـ471): “إن المحرمات منها ما يُقطع بأن الشرع لم يُبح منه شيئا لا لضرورة ولا غير ضرورة كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض، وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون} فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم يُبح منها شيئا قط ولا في حال من الأحوال ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية”أ.هـ
يلي ذلك مقدمة ثانية وهي: الإكراه إنما يخضع لتقدير المكره ودليل ذلك حديث عمار السابق.
هذا التأصيل العلمي يدفعنا إلى السؤال التالي: هل الأمة المصرية بحالتها الراهنة ووضعها الظاهر لكل ذي عينين مكرهة على إخراج مثل هذا الدستور الذي يشتمل على كلمات شركية؟ فإن كانت الأمة مكرهة كما هو واضح جلي قبل منها هذا الدستور وقلنا له “نعم” وإن كانت الأمة غير مكرهة وفي سعة من أمرها ولا إكراه فهذا الدستور لا يجوز التصويت عليه ووجب أن نقول له “لا”.. وهذا هو الحق الذي لا يجوز أن يختلف فيه آحاد الناس فضلاً أن يكون عالماً كشيخنا النقيب، قال ابن تيميمة (أحكام المرتد1/66): “اتفق الفقهاء على أن من أكره على الكفر فأتى بكلمة الكفر , لم يصر كافراً”أ.هـ
عاشراً:: إن في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: ((إن عادوا فعد)) فتوى حال من النبي محمد صلى الله عليه وسلم يبيح له فيها قول الكفر، وهذا يدل لما هو مستقر عند العلماء من التفريق بين (فتوى القوة والاقتدار) و((فتوى الضعف والإكراه والاقتهار) ومن غريب النظر هنا أن بعضاً من طلبة العلم يجعل كثرة المسلمين ورغبتهم في الشريعة معياراً يدل للقوة والاقتدار ودليلاً على انتفاء وصف الضعف والاقتهار وهو بذلك يجافي الحقيقة ويجاوز الواقع ويخالف الوقائع فنحن الآن في مرحلة مجالدة الكافرين من العلمانيين المعارضين للشريعة وينبغي أن يكون شغلنا الشاغل إخراج الأمة من أسر هؤلاء العلمانيين… إن مصر ومنذ سقوط الخلافة الإسلامية وإلى اليوم تعيش علمنة في كل شيء… من هنا يعمل بنو علمان على إسقاط الحكم الحالي بأي وسيلة حتى لو كان تنفيذاً لمؤامرة، فإن فشلت فحرب أهلية، فإن فشلت فثورة جياع… وهذا المخطط أشار إليه العلماني محمد البرادعي في مقال له في جريدة “الفايننشل تايمز”… وما أظن أن الناس إذا جاعت ستفكر في دينها وعقيدتها بل ستنقض على كل ما هو إسلامي لوأده… من هنا أقول: هذه فتوى ضعف واقتهار لا قوة واقتدار… فلا تنحو بالناس إلى جوع لن يبقى معه من الدين شيء.  ومن عجيب ما نرى هنا أن بعض طلبة العلم لا يتصور الإكراه الوارد في قوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ… لا يتصور أن حالة إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ يمكن أن تتعلق بأمة، فالإكراه هنا يرد على حال معين ينسحب على حال الفرد كما ينسحب على حال الأمة، وهذا المعنى يقابل حال الضرورة التي تبيح أكل الميتة المحرمة، وهما  ـ أي حالتي الإكراه في العقيدة والاضطرار في الفقه ـ مستمدتان من مَعِين: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)… (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)…(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ)… ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم))… فنحن يا معاشر المسلمين لسنا مضطرين بل مكرهين.
الحادي عشر:: اتفق المحققون من العلماء على: (مجرد قول الكفر أو إتيانه لا يعني تكفير صاحبه كما لا يدل  لرضا أو قبول): ذلك أن هناك جماعة من الناس امتلأت كتبهم بتلازم الموافقة على الكفر بالرضا به، وهذا استلزام ما ليس بلازم، يدل لذلك: حديث عمار السابق، وحديث معاذ لما سجد للنبي صلى الله عليه وسلم، وحديث ذات أنواط. كما يدل لذلك من ناحية العقل: أن المرء  يكفر إن اعتقد أن شريعة غير الله أكمل من شريعة الله وإن لم يحتكم في حياته لغير شريعة الله، والذي يخالف قولي هنا ويقول بعكس القاعدة المذكور بعاليه بين أمرين: إما أن يقول بتكفير عين من وقع في الكفر العملي وهو ما لم يقل به أحد إلا باستفصال وإلا فأصوله العلمية التي بنى عليها اجتهاده أصولاً ضالة فهماً واستدلالاً.
مما سبق يتضح لي أن الراجح من القولين والله أعلى وأعلم: هو قول الجمهور بل أزيد عليهم: الخروج للتصويت على هذا الدستور السيء الذي احتوى كلمات كفر فرض عين وقول (نعم) واجب شرعاً يأثم تاركه. ، فشددت في الفتوى وذهبت إلى العنوان أعلاه اتساقاً مع منهج الطحاوي عندما عد “المسح على الخفين” في بابة العقيدة، وهو منهج فريد يعلم طالب العلم أنه ينبغي التشديد في الفتوى وإعلاء قيمة الأمر إذا تجاسر على نفيه أو كان على فواته مفاسد كثيرة.
إنه في نهاية هذا البيان ما أحب لأحد من المسلمين ـ بعلم أم بجهل ـ لا سيما السائرين على السنة أن يكونوا سهاماً في كنانة المتآمرين على عقيدة بلادنا ودينها، ولقد ساءني جداً ما أخبرني به بعض آكابر العلماء من أن الكنيسة قامت بتفريغ وطبع فتوى شيخنا مصطفى العدوي وتوزعها الآن، فما أسوأ أن تفيق وقد ناصرت علمانياً كافراً أو نصرانياً حاقداً، والله من وراء القصد.
وما أن انتهيت من هذا الرد الذي كتب على جناح السرعة إلا أخبرني بعض الطيبين أن للعلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك فتوى هذا نصها: ((الحمد لله وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه، أما بعد: فقد بلغني ما وقع من اختلاف بين إخواننا أهل السنة في مصر حول مسألة التصويت على «الدستور» الذي سيطرح للاستفتاء؛ واختلافهم في حكمه: تحريماً وجوازاً ووجوباً، ومعلوم أن لكل منهم استدلالات يؤيد بها ما ذهب إليه، وقد نظرت فيما وقفت عليه من استدلالاتهم فوجدتها كلها استدلالات قوية في تأييد مذهب المستدل، يحار الناظر فيها، ومنشأ النزاع:
1ـ  ما في الدستور من المواد الكفرية التي لا يختلف إخواننا في بطلانها وتحريم وضعها اختياراً.
2ـ  ما في الدستور من المواد الحسنة المقربة لتحكيم الشريعة، والتي من أجلها لا يرضى المعارضون لتحكيم الشريعة بهذا الدستور.
والذي ظهر لي بعد الوقوف على وجهات نظر إخواننا أهل السنة أن التصويت على هذا الدستور إن لم يكن واجباً فهو جائز، وليس في ذلك إقرار بالكفر ولا رضا به، فما هو إلا دفع شر الشرين واحتمال أخف الضررين. وليس أمام المستفتَين من المسلمين إلا هذا أو ما هو أسوء منه، وليس من الحكمة عقلاً ولا شرعاً اعتزال الأمر بما يتيح الفرصة لأهل الباطل من الكفار والمنافقين من تحقيق مرادهم. ولا ريب أن الطامحين والراغبين في تحكيم الشريعة ـ وهو مطلب كل مسلم يؤمن بالله ورسوله ـ  مع اختلافهم في هذه النازلة؛ مجتهدون، فأمرهم دائر بين الأجر والأجرين، ولكن عليهم أن يجتهدوا في توحيد كلمتهم أمام العدو الذي لا يريد أن تقوم للإسلام في بلادهم قائمة. ولا أجد كبير فرق بين التصويت في انتخاب الرئيس والتصويت لهذا الدستور؛ فإنه يعلم كل عاقل مدرك للواقع أن الرئيس المسلم المنتخب غير قادر على تحكيم الشريعة بقدر كبير، فضلاً عن تطبيقها بالقدر الذي يطمح إليه المخلصون الصالحون، لما يُعلم من قوة وتمكن رموز الفساد في البلاد، ولما يُعلم من حال المجتمع الدولي الذي تديره الأمم المتحدة بقيادة أمريكا. فالرئيس المصري المنتخب -حفظه الله ووفقه-  ليس له في المجتمع الدولي من يناصره، فناصروه على مقدوره من تحكيم الشريعة، وأمِرُّوا هذا الدستور الذي لا يقدر الرئيس أن يصنع في الوقت الحاضر أفضل منه. وأنتم تعلمون أن ترك التصويت للدستور مما يسر العدو في الداخل والخارج فكلهم يرتقبون ذلك منكم؛ فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. ومعلوم أن أحداً منكم لا يقر ما في الدستور مما يناقض الشريعة ولا يرضاه، ولكن يُمِرُّه ضرورة؛ لدفع ما هو أسوء. ولو خيِّر واحد منكم أن يحكم البلاد إما شيوعي وإما نصراني؛ فالشرع والعقل يقضي باختيار أخفهما شراً وعداوة للمسلمين. ومن المعلوم أن ما يعجز عنه المكلف من الواجبات فهو في حكم ما ليس بواجب. والمسلمون معكم بقلوبهم وجهودهم؛ فلا يكن اختلافكم سبباً في خيبة آمالهم، أسأل الله أن يلهمكم الرشد، وأن يألف بين قلوبكم. وإذا قُدر أن يبقى الاختلاف بينكم؛ فيجب الحذر من تثبيط الناس من التصويت له، ومن البغي بالتكفير والتخوين والتجهيل؛ فليس الإثم باختلاف المجتهدين وإنما الإثم بالبغي، أعاذكم الله منه، وأصلح قلوبكم ونياتكم، وسدد رأيكم، ونصر بكم دينه. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه. أملاه: عبدالرحمن بن ناصر البراك في 28/1/1434 هـ))
أخوكم محمد نظمي الأثري (الذي لا يتبع حزباً ولا جماعة)

الديموكتاتوريّون

الديموكتاتوريّون

محمود صالح عودة

لماذا يصرّ معظم قادة التيّار العلمانيّ في مصر على عرض أنفسهم وكأنّهم ضدّ الديمقراطيّة التي نادوا بها منذ قرن من الزمن؟ فلقد أشبعونا كلامًا وشعارات ومحاضرات في الديمقراطيّة وحاجتنا إليها، لكنها عندما أتت واختار الشعب من يريد انقلبوا عليها، ووضعوا أيديهم بأيدي بقايا الديكتاتوريّة، وصبّوا كلّ طاقتهم في محاولات إفشال التجربة الديمقراطيّة لأنّها أتت بخصومهم السيّاسيّين.

في حدود علمي إنّه من حقك أن تخالف النظام الحاكم وتعارضه سلميًا في الدولة الديمقراطيّة، أمّا أن تسعى لإسقاطه ولو باستخدام العنف والبلطجة وتشويه الحقائق فهذا من مظاهر الديكتاتوريّة، لإنّك حينئذ تسعى لفرض رأيك ومشروعك بالقوّة على خيار أغلبيّة الشعب، وإن كانت أغلبيّة مؤقّتة.

لم تقف القوى العلمانيّة المصريّة – المتستّرة خلف شعار “المدنيّة”- عند محاربة الديمقراطيّة الوليدة، بل ذهبت إلى حدّ فرض الوصاية على المجتمع؛ فقد أعلن قادتها وعلى رأسهم حمدين صباحي أنهم “لن يسمحوا بإجراء استفتاء شعبي على الدستور”، أو بلغة أبسط: نحن ضدّ قرار الشعب وحكم الشعب ورأي الشعب طالما لن يسير على أهوائنا. بعد الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس والذي سبب في انقسام أعضاء “جبهة الإنقاذ الوطني” خفت حدّة الخطاب لا سيما بعد الانقسامات داخل “الجبهة” واتخذ القرار بالمشاركة في التصويت على الدستور بشروط معيّنة والتصويت بـ”لا”.

لم يكتف قادة التيّار العلماني بمحاولات عرقلة مشروع الدستور، فقد طالب علاء الأسواني بمنع تصويت “الأميّين” لأنّ الإسلاميّين يستغلّون أصواتهم وفق ادّعائه، في طعن وإهانة مخزيين للشعب المصري وللمسلمين عامّة، كأنّ نقابات الأطباء والمعلمين والمحامين في مصر لا يشكل أغلبيتها التيّار الإسلاميّ “الأمّي”، وكأنّ العلمانيّين لا يتاجرون بشعارات التقدميّة والحداثة وهي منهم براء. إلّا أنّ ضعف الحجّة وانعدام الشعبيّة في الشارع تجعل هؤلاء القوم يلجؤون إلى ترويج الأكاذيب والشائعات، وتزييف الحقائق وغسل الدماغ بدعم من إعلام فاسد ينتمي إلى العصر الاستبداديّ البائد.

الملفت للنظر في المشهد المصريّ الحالي أنّ الذين نادوا بالديمقراطيّة والحداثة والتقدميّة من العلمانيّين أثبتوا أنّهم لا يفقهون منها شيئًا، أو على أقلّ تقدير لا يحسنون ممارستها ولا حتى القبول بها وبنتائجها. على الجهة الأخرى، أثبت التيّار الإسلامي أنّه يمارسها على أرض الواقع وإن لم يُحسن التنظير حولها ولا يتغنّى بها كما يتغنّى الفريق الآخر، وعلى رأس هؤلاء التيّار السلفيّ الذي شارك حديثًا في الانتخابات برغم أنّه كان يعتبرها كفرًا، وأثبت أنّه أكثر مرونه وقابلية للتجديد من التيّار العلمانيّ، بالرغم من التحفظات على ممارسات بعض السلفيّين.

في مقالة نشرتها له صحيفة “فاينانشل تايمز”، كتب المنسق العام لما يسمّى “جبهة الإنقاذ الوطني” محمّد البرادعي إنّه “من المثير للسخرية أن الثوّار الذين أطاحوا بالسيد مبارك يتلقون الآن الدعم من أعضاء حزبه القديم، إذ اتحدوا من أجل مواجهة “مشروع إسلامي” غامض يسعى لتنفيذه السيد مرسي ومؤيدوه”!.وهو اعتراف خطير في الوقت الذي يقوم به الفلول ومن معهم بأعمال عنف وقتل وتخريب، ويسعون بكلّ جهدهم لإدخال البلد في حرب أهليّة، بينما تواصل الجهة الأخرى كظم الغيظ إلى أقصى حدّ. كما أنّ هذا القول يضع البرادعي وجماعته في خانة الاتهام المباشر للجرائم التي قام بها هؤلاء.

لم تكتف “جبهة الإنقاذ” بالوقوف مع الفلول ضد السلطة المنتخبة والشرعيّة الوحيدة في البلاد، بل رفض أعضاؤها الحوار المفتوح الذي دعا إليه الرئيس مرسي، بينما كانوا في السابق يهرولون لمقابلة حسني مبارك وأركان نظامه في ذروة استبدادهم وطغيانهم.

ليست الخلافات السياسيّة حول الإعلان الدستوري هي المشكلة الوحيدة في مصر الآن، إنّما هناك ملفات فساد كبيرة من المرجح أنها سوف تنكشف فيما بعد، بعد خلع النائب العام عبد المجيد محمود الذي عيّنه حسني مبارك، ولهذا “الخلع” صلة مباشرة بالأحداث الدامية التي شهدتها مصر في الأيّام الماضية، كون الذين يدورون في هذا الفلك الفلولي من نفس صنف مبارك.

كما أنّه بعد استدعاء المنسق العام لـ”جبهة الإنقاذ” محمد البرادعي لتدخل الجيش بطريقة ملتوية وطلبه الإدانات من أمريكا وأوروبا حول ما يجري في مصر، وتحريضه على الجمعيّة التأسيسيّة للدستور بقوله إنّها “كافرة” بالهولوكوست – وفق الرواية الصهيونيّة – ولا تشمل ضمان حقوق “البوذيين”، يثبت هو ومن معه أنّ مشكلتهم ليست مع مرسي وأنصاره بل مع الشعب المصري “الكافر”، وأنّ مهمّتهم إجهاض التجربة الديمقراطيّة في ظلّ حكم التيّار الإسلاميّ.

بعدما تراجع مرسي عن الإعلان الدستوري المثير للجدل بقيت “الجبهة” على ذات الموقف الرافض، حتى في ظلّ إمكانية انتخاب جمعيّة تأسيسيّة للدستور بشكل مباشر في حال رفض الشعب الدستور الحالي في استفتاء 15 ديسمبر، وهو ما يؤكّد بوضوح خوف هؤلاء بل معارضتهم ولو بالعنف الاحتكام للشعب حول أيّ قضيّة.

إنّ بعض الذين كانوا يبشروننا بالديمقراطيّة طيلة الوقت أثبتوا أنّهم خصومها بل ألدّ أعدائها، على الأقل حينما تكون عندنا وليس في أمريكا أو دول الغرب. وإن كان منهم “الأمريكوقراطيّون” كما سمّيتهم في مقال سابق فإنّ هؤلاء اليوم يستحقّون لقب “الديموكتاتوريّون”؛ ديمقراطيّون في الظاهر، ودكتاتوريّون فاشيّون في الباطن. وما لم يحترموا إرادة شعوبهم ويسعون إلى توعيتها بدلاً من تضليلها لمصالح أنانيّة، فإنّهم سيبقون كما كان حالهم في عهد الاستبداد؛ معارضو فنادق يجيدون الظهور على شاشات التلفزيون لكن بلا رصيد شعبي حقيقيّ، ولا قيمة تذكر.

ليبرمان أحمق لا يرى إلا تحت قدميه

ليبرمان أحمق لا يرى إلا تحت قدميه

بقلم المختص في الشأن الاسرائيلى : رأفت حمدونة**

لم أتفاجأ من تصريحات ليبرمان الحاقد بعدم تحويل أموال السلطة كعائدات الضرائب والرسوم الجمركية للسلطة الفلسطينية ، فشخص بلا مثيل من مستوى الحقد واللانسانية على مستوى العالم يجب أن يعرى كوجه حقيقى للاحتلال ، هذا الوجه نفسه الذى دعا ” لضرب السد العالى وقت توتر مع مصر ، وضرب غزة بقنبلة نووية ليرتاح ،  والالقاء بالأسرى الفلسطينيين في البحر الميت كعقاب ، ويدعو لهجرة فلسطينيي ال 48 من بيوتهم لتبقى اسرائيل يهودية خالصة ، ولقتل شخصيات كنصر الله وسط جمهور ولو ادى الأمر لقتل المئات من الأبرياء ” لذا فأقل ما يمكن توقعه فى ظل هزيمة دبلوماسية لوزارته على مستوى العالم هو القول ” السلطة لن ترى أغورة واحدة خلال الأشهر الأربعة المقبلة ” .
أعتقد أن شخص كليبرمان عار على الانسانية واليهودية ، وعار على العمل الدبلوماسى الدولى ، وعار على اسرائيل قبل أن يكون عار على البشرية بكاملها ، فمثل هذه الشخصيات لا ترى إلا تحت أقدامها ولا تفقه أدنى العمل السياسى .
وأذكر ليبرمان بأن هذه التهديدات لن ترعب الفلسطينيين وأن الشعب الفلسطينى عاش منذ قرون بلا أموال ضرائب ، ولكنه عاش عزيزاً كريماً ، وستتحمل اسرائيل وقف المستحقات الفلسطينية لأنها ليست مساعدة خارجية تمنحها منها للسلطة الفلسطينية ولا صدقة منوطة بإرادة المتصدق” كما قالت صحيفة “معاريف” الاسرائلية ، وعلى ليبرمان أن يتذكر كلمات الكاتب الإسرائيلي اوري مسجاف في مقاله أن نتيجة منع الضرائب هو “دفع الفلسطينيين للمقاومة والعمل العسكرى وإلى إشعال انتفاضة ثالثة” مؤكداً أنه لا يوجد مجال أخلاقى أو منطق يبرر هذا الجنون الإسرائيلي .
كما عليه أن يعيد النظر في وصية وزير الحرب إيهود باراك قبل رحيله النهائى ” أن منع الضرائب سيؤدى إلى عدم قدرة السلطة على دفع مرتبات موظفيها العساكر الأمر الذي سيؤدي لاندلاع إنتفاضة في الضفة الغربية.
وعلى ليبرمان أن يدرك أن الشعب الفلسطينى بحياته وبمواقفه وبكرامته وكبرياءه ليس مرهون بموقفه وعليه أن يتذكر كلمات الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش والذى يعرف روح الفلسطينيى بما لن يعرفه ليبرمان لو عاش طول الدهر بالقول ” اذا ما جعت سآكل لحم مغتصبى ” وعليه أن يدرك أنه ليس وحيداً في هذا العالم الملىء بالأحرار ، وأن للفلسطينيين أشقاء باذن الله تعالى لن يخذلوه .
________________________________________
** ماجستير دراسات اسرائيلية

المصريون يسحقون “عاموس يادلين”

المصريون يسحقون “عاموس يادلين

د. فايز أبو شمالة

الذي يجري على أرض مصر في هذه الأيام مؤامرة على الشرعية، والتفاف على الديمقراطية، مؤامرة أبدعتها عقول الإسرائيليين، فهم أكثر المتضررين من نهوض مصر، وهم أصحاب المصلحة في بقائها مقيدة الخطى، وللتأكيد على صحة إدعائي هذا، سأرجع مع القارئ إلى حديث “عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بتاريخ 30 أكتوبر 2010، أثناء تسليمه مهام منصبه لخلفه “أفيف كوخفي”، لقد تفاخر “عاموس يادلين” بإنجازات جهاز الاستخبارات الإسرائيلية في بلاد العرب بشكل عام، ولما وصل إلى مصر قال: أما في مصر، الملعب الأكبر لنشاط الاستخبارات الإسرائيلية، فإن العمل تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979، فلقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة التفسخ داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر.
هذا الاعتراف الصهيوني بالمسئولية عن اختراق الوضع الأمني والعسكري والاقتصادي لمصر لا يأتي من باب التفاخر فقط، وإنما جاء من باب طمأنة اليهود الخائفين، وللتأكيد بأن جهاز الاستخبارات لا يكتفي بالتجسس، بل نجح في تأسيس بنية إعلامية وثقافية وأمنية تأتمر بأمره، وجاهزين للتخريب متى طلب منهم العمل، ولكن الأسوأ من كل ما سبق هو نجاح الاستخبارات الإسرائيلية في تربية بعض النخب السياسية العربية التي تنتظر الأمر للبدء بالتخريب، وأزعم أن هذا ما دفع “عاموس يادلين” للقول: سيعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر.
لقد جاء اعتراف المستشار أحمد الزند، رئيس نادي القضاة، مؤكداً لما ذهبت إليه، فقد قال: إنه تلقى مكالمات دولية من عدة دول عربية وأوروبية ـ لم يسمها ـ تحثه على مواصلة إضراب القضاة، والثبات على موقفهم، وعدم الإشراف على الاستفتاء.
إن اعتراف المستشار أحمد الزند لا يتعارض مع حديث المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، حين كشف عن رصد لقاءات بين اطراف دولية وإقليمية مع شخصيات في مصر لإعاقة وصول الاسلاميين أو أي قوى ثورية للسلطة في مصر، ولكن في حالة فشل هذه الخطة، فإن البديل هو ارباك الدولة في ظل حكم الإسلاميين.
لا شك أن التحريض على الدستور إرباك لمصر، وأن حشد البسطاء في الميادين العامة إرباك لاقتصاد مصر، وإن تهرب البعض من مواجهة الحقيقة في صناديق الاقتراع إرباك لثقة مصر بنفسها، ولكن من عاش في مصر واختلط بالمصريين يثق بعظمة الشعب المصري، ويثق بقدرته على قطع الطريق على كل المتآمرين، وقدرته على سحق مخطط “عاموس يادلين”.

العنزة والقرد فى الدستور الجديد

العنزة والقرد فى الدستور الجديد

الكاتب : محمد يوسف عدس

اشترى الرجل عنزةً حلوبًا لعلها تساعد زوجته المريضة على إرضاع مولودها الجديد، وبينما هو عائد إلى منزله رآه ثلاثة لصوص أعجبتهم العنزة فقرّروا الاستيلاء عليها بحيلة ذكيّة: وقف اللص الأول فى بداية الطريق، وقال له: كيف تسمح لنفسك وأنت العاقل الرّاشد أن تمشى فى الطريق ممسكًا بقرد فى يدك..؟! فقال الرجل مستنكرًا: ولكنها عنزة..! وفى منتصف الطريق جاء إليه اللص الثانى وهو يقرع طبلة فى يده ويردّدّ: الْعَبْ يا قرد.. ارْقص يا قرد.. ثم قال للرجل: قردك جميل جدًّا.. كم أنت محظوظ…! وانصرف إلى حال سبيله.. ولكن الرجل فى هذه المرة أخذ يعاود النظر إلى عنزته وقد بدأ الفأر يلعب فى صدره.. ويشعر بشيء من الشك فى عنزته.. فما إن اقترب من نهاية الطريق حتى فاجأه اللص الثالث، يقول له وهو يخرج حافظة نقوده من جيبه: بكم تبيع هذا القرد..؟ أنا معجب به وسأدفع لك كل ما تطلبه ثمنًا له..!

أخذ العَرَقُ يتصبّب غزيرًا من جبين الرجل المسكين، وقد تمكنت منه الحيرة والشكوك، فقال وهو يتلجلج: “ولكن هذه…”، وقبل أن يكمل جملته اقترب اللص من العنزة وأخذ يتحسس رأسها ويداعبها منتشيًا وهو يردد: يالك من قرد رائع.. يالك من قرد رائع..! سأشتريك بكل ما عندى من مال..

اضطرب عقل الرجل وفقد السيطرة على أفكاره وانهارت ثقته بنفسه، فلا يمكن أن يتفق ثلاثة بالصدفة المحضة على أن ما اشتراه من السوق كان قردًا وليس عنزة كما تصوّر.. كاد الشك أن يزلزل كيانه، فترك العنزة وفرّ هاربًا..!

فهل كانت العنزةُ عنزةً حقًّا..؟ أم أنها كانت قردًا كما أصرّ اللصوص على تسميتها..؟ أم أن فى الأمر خدعة ولها تفسير غير مفهوم..؟ أعتقد أن فى الأمر خدعة تنطلى على أكثر الناس الذين يعانون ما يسميه علماء النفس بـ”القابلية للاستهواء”، ويدرسون مجالات هذه القابلية عند أفراد البشر فى مختلف المستويات العُمْرية، كما يدرسونها على المستوى الاجتماعي، ويتتبعون آثارها فى تحريك الجماهير لخدمة أهداف وطموحات بعض الزعماء السياسيين، الذين يستغلون احتياجات الجماهير ورغبتها فى تحسين حياتها وأوضاعها المعيشية، فيصورون لهم أنهم يعرفون أيسر السبل إلى ذلك، وأنه ليس عليهم إلا أن يسلّموا قيادهم ويستسلموا لتوجيهاتهم…!

يحدّد علماء النفس القابلية للاستهواء، بأنها: تَقَبُّلُ وتصديق ما يقدِّمه الغير من معلومات أو أفكار، دون نقد أو تمحيص.. ويتميز صاحبها بحالة من الكسل العقلى إذ يكتفى بالتّلقّى متجنِّبًا عناء التفكير، كما يتميز بضعف الإرادة، حيث يستسلم بسهولة للأفكار الشائعة فى أوساط النخبة الأكثر نفوذًا وانتشارًا وأعلى صوتًا.. وهذه حالة لا بد أن تربك عقل الإنسان وتجعله عرضة للخطأ فى التفكير والتقدير. ولكنك ستجد دائمًا قلّةً من المفكرين -فى كل مجتمع- هم الأكثر استعصاء على الاستهواء.. تمرّسوا بفكر نقدي ومنطق قويّ، ولديهم قدرة متميزة على حشد الحقائق والأدلة وتحليلها ومقارنتها بعضها ببعض ونبذ المتناقض منها، والتثبت من صحتها بطريقة منهجية.. وعلى عاتق هؤلاء تقع مسئولية البيان والتنبيه والإنذار. هؤلاء لا يمكن أن يتخلّوْا عن رسالتهم، أو يتنصّلوا من واجبهم لأنهم إن فعلوا هذا يسقط المجتمع كله فى مستنقع الضلالات..

باختصار شديد مَثَلُ العنزة الحلوب كمَثَلِ الدستور الجديد الذى سيعرض على الشعب للاستفتاء عليه، بينما يسعى اللصوص الأفّاقون.. لا يهمّ إن كانوا ثلاثة أو ثلاثين أو ثلاثمائة.. فلهم جميعًا هدف واحد واضح محدّد هو تشويه الدستور، ليرى فيه الناس صورة القرد بشع الوجه.. وليحشدوا أكبر عدد من المضلّلين المشحونين بالكراهية والعداء ضده، وضد أنصاره والمدافعين عنه، ولا يأبهون أن يتطوّر هذا الشحن العدائى إلى اقتتال وإسالة دماء بريئة.. مطمئنين إلى أن وراءهم آلة إعلامية ضخمة، تستخدم صورًا مفبركة وتعلق عليها بأكاذيب وتحشد لها شهود زور من ترسانتها الدعائية المكتظة بمئات المنتفعين المضللين من أصحاب الهوى، وأصحاب الجرائم الذين يستميتون فى إخفاء جرائمهم عن أعين العدالة، وأصحاب المال المنهوب من طعام الشعب وثروته، ومن السياسيين المرعوبين من صناديق الانتخاب.

ولولا اطمئناهم لهذه الآلة الجهنميّة التى تمرّست بقلب الحقائق، والتعتيم على جرائم الحرق والقتل، وإبراز المجرمين فى صورة الضحايا، لكان لهم موقف آخر أكثر حذرًا وأقلّ تهوّرًا وتعَنُّتًا ضد شرعية الرئيس المنتخب، و ضد شرعية صندوق الانتخابات.. يتصورون بغبائهم أنهم يمكن أن يسقطوا الرئيس بالمظاهرات والعنف والأكاذيب، ويستطيعون أن يمنعوا الشعب من ممارسة حقه فى الاختيار الحر لدستوره.. فلما شعروا بقرب عملية الاستفتاء، بعد النجاح الساحق للحوار الوطنى الذى دعا إليه الرئيس والتزم بكل نتائجه بلا استثناء. وأن هناك إجراءات جادة لحماية وتأمين الاستفتاء على الدستور.. كشفوا عن أنيابهم وتوالت تهديداتهم الغوغائية بتهييج الشارع، إذ يعلنون بلا خجل أنهم لن يسمحوا بعرض الدستور للاستفتاء، وكأنهم سلطة فوق سلطة الشعب، وفوق سلطة رئيس الجمهورية.. فمن أين جاءوا بهذا الوهم! وكيف تسلّط على عقولهم..؟ هذه قضية أخرى يمكن إحالتها إلى علم النفس المرضى ليشرحها لنا..

دعنى أستعرض باختصار شديد خريطة مؤامرة متعددة الأطراف تستهدف القضاء على الثورة المصرية ووقف آثارها المتوقعة فى الداخل والخارج؛ مؤامرة أصبح أطرافها يعبرون عن أنفسهم باستعلاء وصلفٍ لم يعد خافيًا على أحد:

الطرف الأول- تراه فى تصريحات خلفان رئيس شرطة الإمارات، الذى يتوعد الثورة والسلطة والإخوان المسلمين جميعا بالويل والثبور.. هنا مركز القيادة ومصدر التمويل الأساسيّ..!

الثانى- الجنرال أحمد شفيق الهارب فى الإمارات – نقلًا عن جريدة الشرق الأوسط- يقول: إن المخرج الوحيد من الأزمة فى مصر، يتمثّل فى إنهاء حكم الرئيس محمد مرسى وجماعة الإخوان المسلمين [فى الحال]، وأنكر حديث الرئيس مرسى عن وجود جهات خارجية تدعم الفوضى فى مصر فقال: “لا يوجد أى إثباتات على صحته..!” لاحظ أن شفيق لا ينكر وجود مؤامرة ولكنه ينكر إثبات وجودها.. ويمكن الرد على غبائه ببساطة فأقول: هل هناك دليل إثبات على التآمر أقوى من وجودك فى مركز التوجيه والتمويل فى إمارات خلفان..؟! وهل هناك دليلٌ أقوى من تهديداتك وهجومك المتواصل.. على الشرعية المصرية؟!

الثالث- محمد البرادعى يعترف للفايناشيال تايمز: بأنه مع جبهة إنقاذه والثوريين –فى زعمه- اضطروا للتحالف مع فلول النظام المخلوع من أجل التصدى للأحزاب الإسلامية. ويزعم -كاذبًا- أن مصر الآن منقسمة بين فريقين: الإسلاميون من جهة، وباقى الشعب من جهة أخرى، وكذبه واضح فالخصومة قائمة بين أحزاب إسلامية وبين أحزاب جبهة الإنقاذ ومعها حزب مبارك وفلوله، وليس هؤلاء هم بقية الشعب كما يزعم، أما حديثه عن احتمالات: تدخل الجيش، أو اندلاع ثورة الفقراء، أو حتى اندلاع حرب أهلية؛ فهو الذي يحلم ويحرّض على هذا ويدعو إلى العنف والصدام.. ولا يتحدث عن حلول سياسية سلمية.. ولا يتطرق إلى الحل الديمقراطي، بل ينتقد دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإفساد المرحلة الانتقالية.. تصوّر لماذا..؟ يقول البرادعى: لأنه سمح بإجراء انتخابات برلمانية أسفرت عن فوز الإسلاميين بأغلبية ساحقة.. ثم يفصح عما فى صدره من كراهية للديمقراطية أكثر عندما أثْنى على المحكمة الدستورية لأنها ألغت مجلس الشعب المنتخب، لأنه فى نظرته –الاستعلائية- لا يمثل الشعب المصري..

هذه هى الحقيقة الصارخة التى لا يجب أن تغيب عن الأذهان؛ فهؤلاء يكرهون الإسلاميين ويريدون استئصالهم من السياسة، إنها فى نظرهم قضية حياة أو موت، قضية وجودية لا سياسة فيها ولا ديمقراطية..!

الطرف الرابع- يمثله الكُتّاب والإعلاميون من أمثال- علاء الإسوانى الذى أسفر عن وجهه القبيح ونزعته الاستعلائية العنصرية، برفضه اسفتاء الشعب على الدستور لأنه شعب فقير وأمِّيّ، ومن ثم يدعو إلى استبعاد ٤٠% من الناخبين المصريين، ويشترط توقيع عقوبة الحبس لمن يشترى الأصوات بالزيت والسكر.. انظر إلى أى مدى يحتقر المصريين ويعيّرهم بالفقر والأمية، ويتهمهم بأن تأييدهم للإسلاميين لم يكن إلا نتيجة شراء أصوات بالزيت والسكر..ّ! الأسوانى لا يتحدث عن شراء البلطجية والهاربين من السجون والمسجلين “خطرًا”، إذا تم شراؤهم بالمال وتزويدهم بالأسلحة وتحريضهم على الاندساس فى المظاهرات لقتل الأبرياء وإشاعة الإرهاب والفوضى فى البلاد.. ولكنه يروّج لكذبة الزيت والسكر…!

هناك طرف خامس مستفيد من إشعال الفوضى والحرائق فى المجتمع، يتمثل فى عدد من القيادات المتطرفة فى الكنيسة الأرثوذكسية، لهم توجّهات خطيرة لن أخوض فيها الآن نظرًا لحساسية الموضوع.. وأقرّر أن لخريطة المؤامرة أبعاد أوسع ولها مراكز توجيه وتمويل أخرى تشمل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ولكنى أكتفى بهذه الخريطة المصغّرة لسهولة الاستيعاب والتفكير فى أساليب المواجهة الفاعلة.. وأنبّه إلى أن هذه الأطراف تجمعها مصالح متباينة ولكنها تشترك فى هدف واحد هو القضاء على الثورة وحصر امتداداتها وآثارها فى دول المنطقة، والثمن هو تمكين الأقلية المنبوذة من القفز إلى السلطة فوق صناديق الانتخاب…!

وأختم بكلمة سريعة أقولها للمخدوعين بشهرة علاء الأسواني؛ أقول عن يقين وخبرة طويلة مع البسطاء الذين يسخر من فقرهم وأميّتهم: إن هؤلاء البسطاء أكثر منه وعيًا، وأكثر حكمة ووطنية وبعد نظر.. فهو يعانى من نوع أخطر من الأمية الفكرية الإسلامية، يسترها فى أردية من شهرة مصطنعة، اقترنت بالهَوَى وسوء استخدام القدرات التى وهبها الله له فى التضليل وتزييف الحقائق على الناس

المال السياسي العربي . .  مصر نموذجاً

المال السياسي العربي . .  مصر نموذجاً

علي سعادة

تفوح من ميدان التحرير ومن أمام قصر الاتحادية رائحة المال السياسي العربي وغير العربي، فجميع المعلومات التي رشحت منذ بدء الأزمة بعد إعلان الرئيس المصري محمد مرسي عن الإعلان الدستوري، وحتى اللحظة تشير إلى ضخ ملايين الدولارات من مصادر متعددة بعضها عربي، لإبقاء التوتر في مصر مشتعلا إلى أعلى درجة الغليان حتى لو تطلب ذلك سفك مزيد من  دماء الأخوة المصريين.
ورغم أن أعداد الذين يخرجون في مسيرات ضد مرسي قليلة ولا تقارن بالأعداد الضخمة التي تخرج مؤيدة ومؤازرة لمرسي، إلا أنها هذه الفئة “المعارضة” تحظى بتغطية إعلامية غير مسبوقة بوسائل الإعلام العربية والغربية الناطقة بالعربية. وفيما يتحول مرسي الرئيس المصري المنتخب بشكل ديمقراطي إلى عدو للشعب، يظهر محمد البرادعي وعمرو موسى وآخرون، في الإعلام العربي الموجه، بمظهر الأبطال الذين يقودون الجماهير نحو الحرية والانعتاق من عبودية “الإخوان”.
وتبدو الحملة على مرسي بشكل خاص، وعلى الإخوان بشكل عام، مبرمجة بعناية وذكاء وكأنها رسمت في دهاليز دوائر استخباراتية، فالتصعيد المتدرج من رفض الإعلان الدستوري، إلى عدم الاعتراف بشرعية مرسي نفسه هو انقلاب وانكفاء إلى الوراء وعودة للارتماء في أحضان النظام السابق.
وفيما شككت صحيفة «ذي غارديان» البريطانية بنوايا ما يسمى «جبهة الإنقاذ الوطني» المصرية في موقفها تجاه الأزمة التي تشهدها مصر، فهي تؤكد أنه بات من الواضح بصورة متزايدة أنها ليست حول مسودة الدستور المقترح، الذي حمل توقيعات العديد من أعضاء المعارضة، قبل أن يغيروا رأيهم وينسحبوا من اللجنة.
ولم يعد مفهوما ما الذي تريده المعارضة “الأقلية” من الرئيس مرسي ومن معه “الأغلبية” ؟ هل تريد استفزاز مرسي و”الإخوان” للقيام برد فعل غاضب، هل تسعى إلى مزيد من الدم العربي المصري، هل تدفع الجيش للتدخل، هل تريد ترك الباب مواربا أمام القوى الخارجية التي تنتظر الفرصة للتدخل في الشأن المصري، وبالتالي تؤدي إلى مزيد من الانهيار في الجدار العربي، هل قادة “المعارضة” الذي فشلوا في جميع المناصب التي تبوّؤوها يمتلكون عصا الحل السحرية؟!
وفي حال إسقاط مرسي ما هو البديل؟ الخيار الوحيد المتاح هو الذهاب إلى انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، يبدو أن الإسلاميين يمتلكون فرصاً جيدة للفوز بها.
لقد قال محمد البرادعي، وهو يحرض المعارضة بعدم الذهاب إلى الحوار، إن مرسي فقد شرعيته؛ إذن فهدف “جبهة الإنقاذ الوطني” ليس الدستور ولا الإعلان الدستوري، وليس مصر، ولكن مرسي نفسه، المنصب.
المعركة في مصر، من جهة “المعارضة” هي على السلطة، وانقلاب على الديمقراطية، محاولة للإطاحة برئيس منتخب بشكل ديمقراطي، فيما المال يأتي من دول تفتقد إلى الديمقراطية، ولم تعرف بعد صناديق الاقتراع الحقيقة!

رسالة عربية إلى مصر وشعبها

رسالة عربية إلى مصر وشعبها

د. مصطفى يوسف اللداوي

بقلوبٍ حزينة يعتصرها الألم ويسكنها الخوف والقلق، يتابع العرب والمسلمون جميعاً ما يجري في أرض مصر الكنانة، أم دنيا العرب، مهد الثورة العربية الأكبر، وساحة التغيير الأهم، ومناط الأمل ومنتهى الرجاء، الأكثر سكاناً والأعظم تاريخاً، التي كان لسقوط نظامها دويٌ هائل، وهزاتٌ ارتدادية لم تنتهِ، فهي مارد العرب النائم، وعملاق الأمة الغافل، وسيفها المسكون في غمده، ولكنها وقد هبت من سباتها، وانطلقت من عقالها، وحطمت أغلالها، وأسقطت أصنامها، واستبدلت شعاراتها، وغيرت أهدافها، بثورةٍ صنعها خيرةُ شبابها، وعيون رجالها ونسائها، فقد باتت تهدد المحيط والجوار، والإقليم والعالم، وكل من له مصلحة بغيابها، وغاية بضياعها، ومنفعة ببعدها وغربتها، فخشيت الدول الكبرى والكيان الصهيوني من مصر الجديدة، التي استعدت لتكون الحاكمة والرائدة والقائدة، صاحبة المبادرات، وصانعة الانتصارات، موئل الرجال، وأرض الأجناد، وكنانة العرب التاريخية في كل الحروب، فهم أكثر من يدرك أن العرب مع مصر يختلفون، وفي ظل قيادتها يتقدمون، وتحت راياتها ينتصرون، وبغيرها يتشتتون ويتفرقون، وتسقط راياتهم وتذوي شعاراتهم، فتذهب ريحهم وينقسمون وينهزمون، وهذا ما يتمناه أعداء الأمة وخصومها.
كلنا نحن العرب والمسلمين قد علقنا آمالنا على ثورة مصر، وتابعناها بشغفٍ وقلق، وجلسنا الساعات الطوال أمام المحطات الفضائية نتابع يوميات الثورة، وتفاصيل الأحداث، واستمعنا إلى مختلف التصريحات والتوقعات والتحليلات، وعرفنا أسماء الشوارع والميادين، وحفظنا أسماء الشهداء وأعداد الجرحى والمصابين.
بنجاح الثورة وسقوط النظام، حلمنا في ظل مصر بمستقبلٍ واعد، ومجدٍ قادم، وعدلٍ شامل، وتضامنٍ عربيٍ أكيد، ومنينا أنفسنا أن التاريخ سيكتب من جديد، وستكون في سجل العرب صفحاتٌ جديدة، وأيامٌ خالدة، فالثورة المصرية كانت أحداثها تجري في مصر، ولكن رجالها كانوا كل العرب والمسلمين، وساحاتها وميادينها لم تقتصر على ميدان التحرير بالقاهرة، بل كانت ميادين العرب كلها تنتظر بفارغ الصبر، تتابع وتترقب وتتربص، وإليها خرج مئات الآلاف من الجماهير العربية تحتفل بسقوط الصنم، وانتهاء زمن الاستخداء، وبداية عصر الثورة والعزة والكرامة، فقد نجحت ثورة العرب، وانتصرت شعارات الأمة، وأصبح لنا جميعاً دولةً عربية كبرى وقوية، قادرة على الفعل والتأثير والتغيير، وبإمكانها أن تكون القدوة والمثال، والرائد والقائد وحادي الركب وطليعة المسيرة.
اليوم أحلام العرب تتطوح، وآمالهم تكاد تتمزق، وطموحاتهم التي تطلعوا إليها تكاد تهوي وتسقط، ومثالهم الكبير يتراجع، وكبيرهم الذي يركنون إليه ويعتمدون عليه قد أصابه الضعف والوهن، أو حل في صفوفه الفرقة والاختلاف، فهدد وحدة النسيج، وسلامة الصف، وسمو الشعارات، ونبل الغايات والأهداف، فكان الاختلاف المدمر الذي نفخ في صدور الحاسدين والمارقين روحاً جديدة، وبعث فيهم الأمل من جديد، فمصر التي كانت لهم يوماً سنداً ومعيناً فغابت لتكون خصماً ونداً عنيداً، ها هي تحاول العودة إلى القفص من جديد، وتتمايل لتدخل الحظيرة التي اعتادت على العيش فيها سنين طويلة، فبعض أهلها قد أغضبهم وأزعجهم عودة مصر القديمة، صاحبة التاريخ والحضارة، فلم يرضهم أن يكون لرئيسهم دورٌ ومهمة، وانجازاتٌ وطنية وجهودٌ قومية، وأن يتطلع إليه القادة والزعماء، وأن يتصل به الملوك والرؤوساء، يطلبون منه النصرة والعون، والنجدة والمساعدة، فأصابتهم الغيرة على عدوهم، خوفاً عليه وحرصاً على مستقبله، فانتفضوا نيابةً عنه، أو بأمرٍ منه، ليحولوا دون استمرار الثورة، ومواصلة التغيير، فهذا أمرٌ لا يروق لكثيرين، ولا يرضي الأعداء والمتربصين.
أيها المصريون يا صناع الثورة، يا جند الحق، ويا كنانة العرب المجيدة، أيها الأجناد المباركة والشعب الأصيل، اسمعو واعوا، وأنصتوا وأصيخوا السمع لأبناء أمتكم، فلا تقتلوا أنفسكم وأمتكم ارضاءاً لعدوكم، وحرصاً على زيفٍ صنعه شيطانٌ لكم، وسول به لكم مارقون ومضللون، فاسدون محتالون، فهذه الثورة المجيدة ليست ملكاً لكم وحدكم، فنحن وإياكم فيها شركاء، فقد كنتم على الأرض جنوداً وفي الميادين ثائرين ومحتجين، وكنا لكم خارج مصر مساندين وداعمين، مناصرين ومدافعين، فلا تفجعونا بسقوط الثورة، ولا تعجلوا بتفكيك ملككم، وضياع مجدكم، فهذه الثورة هي خير ما صنعته أرواحكم، وحققته سنوات معاناتكم، واعلموا أن الزمان لا يجود علينا بمثلها، ولا يكرر منحته لنا، فاحفظوا ثورتكم وكونوا لها خير جندٍ وحراس، ولا تسمحوا لأحدٍ بأن يستغل اختلافاتكم، وأن يعمق تبايناتكم، إذ هذا حلمهم وغاية أمانيهم، وله يعملون ومن أجله يخططون، واعلموا أن الاختلاف هو من طبائع البشر وسمات الخلق، لأنه الطريق إلى التميز، والوسيلة إلى الصفاء والنقاء واعتماد الأصلح والأجود، ولكنه لا يقود بحالٍ إلى نكث الغزل وتدمير البيت، والقضاء على الحلم، والانقلاب على دماء الشهداء ومعاناة الجرحى والمصابين.
أيها المصريون رئاسةً وحكومة ومعارضة وشعباً، نستحلفكم الله العظيم ألا تفجعونا في ثورتنا المباركة، وألا تجهضوا آمالنا، وألا تقتلوا أحلامنا، وألا تستعجلوا الخطى، وألا تحكموا على بعضكم بالفشل أو بالغدر والخيانة والاستئثار، وألا تنجروا وراء المؤامرات، وألا تستجيبوا للنصائح المشبوهة والانتقادات الملغومة، فالوقت ما زال مبكراً لفرض الأحكام وإطلاق المواقف، إذ لم يمض وقتٌ طويل على ثورتكم، ولم يتسنَ لقيادتكم المنتخبة أن ينفذ وعوده، وأن يطبق الإصلاحات المرجوة، رغم أنه ماضٍ في جهوده، وعازمٌ في خطواته، وصادقٌ في نواياه لجهة الإصلاح والتغيير واحترام الرأي الآخر، وتقدير المعارضة والتسليم بخيارات الشعب ومطالبه، فأمهلوه ولا تستعجلوه، وأعينوه ولا تربكوه، وأمنوه ولا تخيفوه، وساعدوه وناصروه، واحتكموا معه إلى رأي الشعب وحكمه، فالاستفتاء خيرٌ حاكماً وأصدق قيلاً، إن كانت غايتنا رضاه وسعينا لصالحه، وضابطنا الحق وشعارنا العدل.

المعارضة المصرية واللعب المشبوه

المعارضة المصرية واللعب المشبوه

الكاتب علاء الريماوي

لم يكن الدور المصري في حرب غزة الأخيرة عاديا ، ولم يكن سلوكها مألوفا في التعاطي مع الملف الفلسطيني للمجتمع الدولي الذي تعود من مصر مساندة المخططات الغربية في المنطقة دون تحفظ بل بشراكة فيها إلى أبعد مدى .
راسم السياسة في (إسرائيل) ظل يرقب حراك المكتب الرئاسي بعيون مفتوحة وباتصالات على أعلى مستوى لمعرفة التوجهات المصرية التي كانت خطواتها سريعة في الفعل ، وفي سقف الخطاب الذي أربك المستوى الأمني خاصة بعد نجاح مصر في جر العرب إلى مربع نصرة غزة من خلال زيارة وفد الجامعة العربية في ظل الهجوم على غزة .
في حديثنا عن دور مصر في حرب غزة يكفي إحالة القارئ إلى ما كتبته صحيفة معاريف ، هآرتس ، يدعوت أحرنوت ، ثم لغير قارئ العبرية يمكن استشفاف ماكتب من صحيفة جورزليم بوست والتي أجمع كتاب الاعمدة فيها على  أن دور مصر بقيادة الرئيس محمد مرسي من وفر الحماية لغزة ، وشجع نارها ، بل شبه فيها بالقبة الحديدية التي كفلت لغزة إعادة ترميم مقاومتها والاستعداد لجولة نار جديدة أشد أثرا وأعمق في الفعل من حيث الوسائل المستخدمة ,
المحلل السياسي للقناة العبرية العاشرة والمختص في الشؤون الشرق أوسطية وفي لقاء  مطول حول دور مصر في حرب غزة خلص إلى نتيجة مفادها ” أن حماس وغزة فهمت معادلة المنطقة فأدارت معركتها وفق هذا الفهم الذي ساندها في تحقيق صورة المنتصر في معركة لم تنهي بعد ”
ذات المحلل تحدث في اليوم التالي الذي شهدت فيه الشوارع المصرية تظاهرات قادتها بعض قوى المعارضة ضد الرئيس مرسي ” من أن إسرائيل يمكن لها التأمل جيدا في الوضع المصري وثبات القيادة الجديدة التي وضعت حكومة نتنياهو في أزمة وقف إطلاق النار التاريخي ” .
هذا الحديث عن الدور ، لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى نقاش عميق في المؤسسات البحثية الإسرائيلية حول دور مصر في المنطقة بعد نجاح الرئيس محمد مرسي في حرب غزة العودة بمصر كدولة قادرة على الفعل والتحرك بحيوية أجبرت الرئيس الأمريكي رفع هاتفه طالبا الرئيس المصري في ست مكالمات مطولة مناقشا ، ومستمعا لتصورات مصر الجديدة عن الحرب على غزة .
هذا الحال لمن يفهم طبيعة المنطقة وملف إسرائيل وحساسيته شكل إختراقا واضحا لكل الخطوط الحمر المألوفة في السياسة التي دجن  عليها العرب طوال العقود الماضية .
هذا الإنجاز لمصر تهدمه اليوم معارضة يقودها البرادعي حامل لواء الغرب في الحرب على العراق ورئيس الوكالة الذرية التي عملت على شرعنة تفكيك الوطن العربي وحرقه في مجزرة سيظل أثرها على الأمة طويلا .
ثم يضاف إليه السيد عمرو موسى ربيب النظام السابق والوجه الأجمل الذي ساند نظام مبارك طيلة ثلاثين عاما كوزير للخارجية ، كمنظر بارع في تنميق توجهات مصر وسياستها .
مدعوما توجههم من خلال لعب على الطائفية ومستميلين جموعا محسوبة على النظام السابق تعودت على مصر مزرعة لشهواتهاومآربها الخاصة .
هذه الحقائق لا تحتاج إلى كثير إمعان للتوصل إليها ،لكن ما وجب الوقوف عليه هو :  هل يمكن إغفال عنف التحرك المعارض للرئيس مرسي من حيث التوقيت الذي يجيئ بعد نصر سياسي للأمة ضد إسرائيل ؟
سأزعم وأنا مطمئنا أن ضجيج ما يحدث اليوم في مصر يطرب كثيرا نتنياهو الذي يتمنى كيانه رحيل الرئيس مرسي اليوم قبل الغد .
لذلك على المعارضة المصرية فهم دور مصر في مرحلة لم يعد العرب قادرين على إنتكاسة جديدة بعد أمل بات راسخا في التغير في منطقة لا يحمل عبئها سوى مصر شاءت هي ذلك أم أبت .
لذلك بات الواجب على الشعب المصري تعرية كل الجهات المشبوهة التي تدعي كذبا أنها سليلة ثورة ماجدة نعشقها أكثر من المصريين أنفسهم ، فإن لم  يفعل ذلك شعب مصر فسيتحمل وزر إرتكاسة سيطول بعدها أمل النهوض إلى قرن آخر او يزيد لا سمح الله .

أمريكا عدو العرب اللدود

أمريكا عدو العرب اللدود

د. فايز أبو شمالة

هل يتشكك عربي في عداء أمريكا له، وفي احتقارها لشأنه الشخصي، ولنشأته الأخلاقية؟ هل يجهل عربي حجم البذاءة الأمريكية التي تصبها على رأسه؟ ألا يشعر العربي بالاستخفاف الأمريكي بمستقبله؟ ألا يحس بوجع الأنياب الأمريكية في لحم أبنائه؟
سأضرب لكم مثلاً بالقضية الفلسطينية التي تعتبرها الشعوب العربية محور وجدانها، ومركز تفكيرها السياسي، ولاحظوا أن أمريكا العملاقة، وأقوى قوة على وجه الأرض، توظف قدراتها الإلكترونية في مواجهة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وتنصب القبة الحديدية للدفاع عن اليهودي المدجج بالسلاح الأمريكي الفتاك، وحين تنهزم القوة الصهيونية الغاشمة، يرسل الرئيس الأمريكي وزير خارجيته للتوسط في وقف إطلاق النار !.
ثم لاحظوا أن أمريكا العملاقة التي دمرت بصورايخها عراق العرب، واعتدت على لبنان، ودمرت بلا رحمة أفغانستان، وتضرب صواريخها بلاد باكستان، وتقصف طائراتها أرض اليمن، وتهدد بسلاحها الوحشي بلاد إيران، أمريكا هذه لا تقوى على صفع يهودي واحد يغتصب أرض فلسطين، وهي أصغر من أن تقنع “نتانياهو” بوقف مؤقت للاستيطان؟
أي أمريكا هذه التي تحمي الطغيان، وتطالب الطرفين بضبط النفس حين يعلن “نتانياهو” عن بناء 3000 وحدة سكنية فوق أرض القدس؟ أي أمريكا هذه التي تحتقر العرب في الأمم المتحدة، وتستخدم حق النقض ضد قرار إدانة الاستيطان؟ أي أمريكا هذه التي تحرض في الأمم المتحدة ضد قيام دولة فلسطينية لها صفة مراقب؟ وهل ما زال هنالك عربي يصدق أن أمريكا التي هددت باستخدام حق النقض ضد الإعلان عن قيام دولة فلسطينية في أروقة الأمم المتحدة، هل ستؤيد أمريكا هذه قيام دولة فلسطينية مستقلة عن طريق المفاوضات؟
أمريكا التي ترعى الديمقراطية، وتدعي احترامها لحرية الشعوب في تقرير مصيرها، لا تعترف بحق الشعوب العربية في الحياة السياسية الكريمة، أمريكا تعترض علانية على تطبيق الديمقراطية في بلاد العرب، وتبدي قلقها من لجوء الرئيس محمد مرسي للشعب المصري، ليستفتيه على الدستور، فأمريكا ما زالت تفرض نفسها وصياً على العقل العربي، ولا ترى في العربي إنساناً جديراً بالعيش حراً فوق أرضه، ولا تأذن للعربي أن يمارس حقه في اختيار قيادته بنزاهة، وأن يرسم معالم مستقبله بحرية.
أمريكا عدو العرب اللدود، ولا جلال لقدر تلك البلاد التي نكست رأسها لقادة اليهود، وارتضت لنفسها أن تصير بأمرهم مستوطنات حقد وكراهية، وهم يسومونها ذل القيود.