السبت , 21 يناير 2017
خبر عاجل
أنت هنا: الرئيسية » أراء و أقلام (صفحة 30)

أرشيف القسم : أراء و أقلام

الإشتراك في الخلاصات<

الديموكتاتوريّون

الديموكتاتوريّون

محمود صالح عودة

لماذا يصرّ معظم قادة التيّار العلمانيّ في مصر على عرض أنفسهم وكأنّهم ضدّ الديمقراطيّة التي نادوا بها منذ قرن من الزمن؟ فلقد أشبعونا كلامًا وشعارات ومحاضرات في الديمقراطيّة وحاجتنا إليها، لكنها عندما أتت واختار الشعب من يريد انقلبوا عليها، ووضعوا أيديهم بأيدي بقايا الديكتاتوريّة، وصبّوا كلّ طاقتهم في محاولات إفشال التجربة الديمقراطيّة لأنّها أتت بخصومهم السيّاسيّين.

في حدود علمي إنّه من حقك أن تخالف النظام الحاكم وتعارضه سلميًا في الدولة الديمقراطيّة، أمّا أن تسعى لإسقاطه ولو باستخدام العنف والبلطجة وتشويه الحقائق فهذا من مظاهر الديكتاتوريّة، لإنّك حينئذ تسعى لفرض رأيك ومشروعك بالقوّة على خيار أغلبيّة الشعب، وإن كانت أغلبيّة مؤقّتة.

لم تقف القوى العلمانيّة المصريّة – المتستّرة خلف شعار “المدنيّة”- عند محاربة الديمقراطيّة الوليدة، بل ذهبت إلى حدّ فرض الوصاية على المجتمع؛ فقد أعلن قادتها وعلى رأسهم حمدين صباحي أنهم “لن يسمحوا بإجراء استفتاء شعبي على الدستور”، أو بلغة أبسط: نحن ضدّ قرار الشعب وحكم الشعب ورأي الشعب طالما لن يسير على أهوائنا. بعد الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس والذي سبب في انقسام أعضاء “جبهة الإنقاذ الوطني” خفت حدّة الخطاب لا سيما بعد الانقسامات داخل “الجبهة” واتخذ القرار بالمشاركة في التصويت على الدستور بشروط معيّنة والتصويت بـ”لا”.

لم يكتف قادة التيّار العلماني بمحاولات عرقلة مشروع الدستور، فقد طالب علاء الأسواني بمنع تصويت “الأميّين” لأنّ الإسلاميّين يستغلّون أصواتهم وفق ادّعائه، في طعن وإهانة مخزيين للشعب المصري وللمسلمين عامّة، كأنّ نقابات الأطباء والمعلمين والمحامين في مصر لا يشكل أغلبيتها التيّار الإسلاميّ “الأمّي”، وكأنّ العلمانيّين لا يتاجرون بشعارات التقدميّة والحداثة وهي منهم براء. إلّا أنّ ضعف الحجّة وانعدام الشعبيّة في الشارع تجعل هؤلاء القوم يلجؤون إلى ترويج الأكاذيب والشائعات، وتزييف الحقائق وغسل الدماغ بدعم من إعلام فاسد ينتمي إلى العصر الاستبداديّ البائد.

الملفت للنظر في المشهد المصريّ الحالي أنّ الذين نادوا بالديمقراطيّة والحداثة والتقدميّة من العلمانيّين أثبتوا أنّهم لا يفقهون منها شيئًا، أو على أقلّ تقدير لا يحسنون ممارستها ولا حتى القبول بها وبنتائجها. على الجهة الأخرى، أثبت التيّار الإسلامي أنّه يمارسها على أرض الواقع وإن لم يُحسن التنظير حولها ولا يتغنّى بها كما يتغنّى الفريق الآخر، وعلى رأس هؤلاء التيّار السلفيّ الذي شارك حديثًا في الانتخابات برغم أنّه كان يعتبرها كفرًا، وأثبت أنّه أكثر مرونه وقابلية للتجديد من التيّار العلمانيّ، بالرغم من التحفظات على ممارسات بعض السلفيّين.

في مقالة نشرتها له صحيفة “فاينانشل تايمز”، كتب المنسق العام لما يسمّى “جبهة الإنقاذ الوطني” محمّد البرادعي إنّه “من المثير للسخرية أن الثوّار الذين أطاحوا بالسيد مبارك يتلقون الآن الدعم من أعضاء حزبه القديم، إذ اتحدوا من أجل مواجهة “مشروع إسلامي” غامض يسعى لتنفيذه السيد مرسي ومؤيدوه”!.وهو اعتراف خطير في الوقت الذي يقوم به الفلول ومن معهم بأعمال عنف وقتل وتخريب، ويسعون بكلّ جهدهم لإدخال البلد في حرب أهليّة، بينما تواصل الجهة الأخرى كظم الغيظ إلى أقصى حدّ. كما أنّ هذا القول يضع البرادعي وجماعته في خانة الاتهام المباشر للجرائم التي قام بها هؤلاء.

لم تكتف “جبهة الإنقاذ” بالوقوف مع الفلول ضد السلطة المنتخبة والشرعيّة الوحيدة في البلاد، بل رفض أعضاؤها الحوار المفتوح الذي دعا إليه الرئيس مرسي، بينما كانوا في السابق يهرولون لمقابلة حسني مبارك وأركان نظامه في ذروة استبدادهم وطغيانهم.

ليست الخلافات السياسيّة حول الإعلان الدستوري هي المشكلة الوحيدة في مصر الآن، إنّما هناك ملفات فساد كبيرة من المرجح أنها سوف تنكشف فيما بعد، بعد خلع النائب العام عبد المجيد محمود الذي عيّنه حسني مبارك، ولهذا “الخلع” صلة مباشرة بالأحداث الدامية التي شهدتها مصر في الأيّام الماضية، كون الذين يدورون في هذا الفلك الفلولي من نفس صنف مبارك.

كما أنّه بعد استدعاء المنسق العام لـ”جبهة الإنقاذ” محمد البرادعي لتدخل الجيش بطريقة ملتوية وطلبه الإدانات من أمريكا وأوروبا حول ما يجري في مصر، وتحريضه على الجمعيّة التأسيسيّة للدستور بقوله إنّها “كافرة” بالهولوكوست – وفق الرواية الصهيونيّة – ولا تشمل ضمان حقوق “البوذيين”، يثبت هو ومن معه أنّ مشكلتهم ليست مع مرسي وأنصاره بل مع الشعب المصري “الكافر”، وأنّ مهمّتهم إجهاض التجربة الديمقراطيّة في ظلّ حكم التيّار الإسلاميّ.

بعدما تراجع مرسي عن الإعلان الدستوري المثير للجدل بقيت “الجبهة” على ذات الموقف الرافض، حتى في ظلّ إمكانية انتخاب جمعيّة تأسيسيّة للدستور بشكل مباشر في حال رفض الشعب الدستور الحالي في استفتاء 15 ديسمبر، وهو ما يؤكّد بوضوح خوف هؤلاء بل معارضتهم ولو بالعنف الاحتكام للشعب حول أيّ قضيّة.

إنّ بعض الذين كانوا يبشروننا بالديمقراطيّة طيلة الوقت أثبتوا أنّهم خصومها بل ألدّ أعدائها، على الأقل حينما تكون عندنا وليس في أمريكا أو دول الغرب. وإن كان منهم “الأمريكوقراطيّون” كما سمّيتهم في مقال سابق فإنّ هؤلاء اليوم يستحقّون لقب “الديموكتاتوريّون”؛ ديمقراطيّون في الظاهر، ودكتاتوريّون فاشيّون في الباطن. وما لم يحترموا إرادة شعوبهم ويسعون إلى توعيتها بدلاً من تضليلها لمصالح أنانيّة، فإنّهم سيبقون كما كان حالهم في عهد الاستبداد؛ معارضو فنادق يجيدون الظهور على شاشات التلفزيون لكن بلا رصيد شعبي حقيقيّ، ولا قيمة تذكر.

ليبرمان أحمق لا يرى إلا تحت قدميه

ليبرمان أحمق لا يرى إلا تحت قدميه

بقلم المختص في الشأن الاسرائيلى : رأفت حمدونة**

لم أتفاجأ من تصريحات ليبرمان الحاقد بعدم تحويل أموال السلطة كعائدات الضرائب والرسوم الجمركية للسلطة الفلسطينية ، فشخص بلا مثيل من مستوى الحقد واللانسانية على مستوى العالم يجب أن يعرى كوجه حقيقى للاحتلال ، هذا الوجه نفسه الذى دعا ” لضرب السد العالى وقت توتر مع مصر ، وضرب غزة بقنبلة نووية ليرتاح ،  والالقاء بالأسرى الفلسطينيين في البحر الميت كعقاب ، ويدعو لهجرة فلسطينيي ال 48 من بيوتهم لتبقى اسرائيل يهودية خالصة ، ولقتل شخصيات كنصر الله وسط جمهور ولو ادى الأمر لقتل المئات من الأبرياء ” لذا فأقل ما يمكن توقعه فى ظل هزيمة دبلوماسية لوزارته على مستوى العالم هو القول ” السلطة لن ترى أغورة واحدة خلال الأشهر الأربعة المقبلة ” .
أعتقد أن شخص كليبرمان عار على الانسانية واليهودية ، وعار على العمل الدبلوماسى الدولى ، وعار على اسرائيل قبل أن يكون عار على البشرية بكاملها ، فمثل هذه الشخصيات لا ترى إلا تحت أقدامها ولا تفقه أدنى العمل السياسى .
وأذكر ليبرمان بأن هذه التهديدات لن ترعب الفلسطينيين وأن الشعب الفلسطينى عاش منذ قرون بلا أموال ضرائب ، ولكنه عاش عزيزاً كريماً ، وستتحمل اسرائيل وقف المستحقات الفلسطينية لأنها ليست مساعدة خارجية تمنحها منها للسلطة الفلسطينية ولا صدقة منوطة بإرادة المتصدق” كما قالت صحيفة “معاريف” الاسرائلية ، وعلى ليبرمان أن يتذكر كلمات الكاتب الإسرائيلي اوري مسجاف في مقاله أن نتيجة منع الضرائب هو “دفع الفلسطينيين للمقاومة والعمل العسكرى وإلى إشعال انتفاضة ثالثة” مؤكداً أنه لا يوجد مجال أخلاقى أو منطق يبرر هذا الجنون الإسرائيلي .
كما عليه أن يعيد النظر في وصية وزير الحرب إيهود باراك قبل رحيله النهائى ” أن منع الضرائب سيؤدى إلى عدم قدرة السلطة على دفع مرتبات موظفيها العساكر الأمر الذي سيؤدي لاندلاع إنتفاضة في الضفة الغربية.
وعلى ليبرمان أن يدرك أن الشعب الفلسطينى بحياته وبمواقفه وبكرامته وكبرياءه ليس مرهون بموقفه وعليه أن يتذكر كلمات الشاعر الفلسطينى الكبير محمود درويش والذى يعرف روح الفلسطينيى بما لن يعرفه ليبرمان لو عاش طول الدهر بالقول ” اذا ما جعت سآكل لحم مغتصبى ” وعليه أن يدرك أنه ليس وحيداً في هذا العالم الملىء بالأحرار ، وأن للفلسطينيين أشقاء باذن الله تعالى لن يخذلوه .
________________________________________
** ماجستير دراسات اسرائيلية

المصريون يسحقون “عاموس يادلين”

المصريون يسحقون “عاموس يادلين

د. فايز أبو شمالة

الذي يجري على أرض مصر في هذه الأيام مؤامرة على الشرعية، والتفاف على الديمقراطية، مؤامرة أبدعتها عقول الإسرائيليين، فهم أكثر المتضررين من نهوض مصر، وهم أصحاب المصلحة في بقائها مقيدة الخطى، وللتأكيد على صحة إدعائي هذا، سأرجع مع القارئ إلى حديث “عاموس يادلين، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بتاريخ 30 أكتوبر 2010، أثناء تسليمه مهام منصبه لخلفه “أفيف كوخفي”، لقد تفاخر “عاموس يادلين” بإنجازات جهاز الاستخبارات الإسرائيلية في بلاد العرب بشكل عام، ولما وصل إلى مصر قال: أما في مصر، الملعب الأكبر لنشاط الاستخبارات الإسرائيلية، فإن العمل تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام 1979، فلقد أحدثنا الاختراقات السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية في أكثر من موقع، ونجحنا في تصعيد التوتر والاحتقان الطائفي والاجتماعي، لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً، ومنقسمة إلى أكثر من شطر في سبيل تعميق حالة التفسخ داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية، لكي يعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر.
هذا الاعتراف الصهيوني بالمسئولية عن اختراق الوضع الأمني والعسكري والاقتصادي لمصر لا يأتي من باب التفاخر فقط، وإنما جاء من باب طمأنة اليهود الخائفين، وللتأكيد بأن جهاز الاستخبارات لا يكتفي بالتجسس، بل نجح في تأسيس بنية إعلامية وثقافية وأمنية تأتمر بأمره، وجاهزين للتخريب متى طلب منهم العمل، ولكن الأسوأ من كل ما سبق هو نجاح الاستخبارات الإسرائيلية في تربية بعض النخب السياسية العربية التي تنتظر الأمر للبدء بالتخريب، وأزعم أن هذا ما دفع “عاموس يادلين” للقول: سيعجز أي نظام يأتي بعد حسني مبارك في معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشي في مصر.
لقد جاء اعتراف المستشار أحمد الزند، رئيس نادي القضاة، مؤكداً لما ذهبت إليه، فقد قال: إنه تلقى مكالمات دولية من عدة دول عربية وأوروبية ـ لم يسمها ـ تحثه على مواصلة إضراب القضاة، والثبات على موقفهم، وعدم الإشراف على الاستفتاء.
إن اعتراف المستشار أحمد الزند لا يتعارض مع حديث المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، حين كشف عن رصد لقاءات بين اطراف دولية وإقليمية مع شخصيات في مصر لإعاقة وصول الاسلاميين أو أي قوى ثورية للسلطة في مصر، ولكن في حالة فشل هذه الخطة، فإن البديل هو ارباك الدولة في ظل حكم الإسلاميين.
لا شك أن التحريض على الدستور إرباك لمصر، وأن حشد البسطاء في الميادين العامة إرباك لاقتصاد مصر، وإن تهرب البعض من مواجهة الحقيقة في صناديق الاقتراع إرباك لثقة مصر بنفسها، ولكن من عاش في مصر واختلط بالمصريين يثق بعظمة الشعب المصري، ويثق بقدرته على قطع الطريق على كل المتآمرين، وقدرته على سحق مخطط “عاموس يادلين”.

العنزة والقرد فى الدستور الجديد

العنزة والقرد فى الدستور الجديد

الكاتب : محمد يوسف عدس

اشترى الرجل عنزةً حلوبًا لعلها تساعد زوجته المريضة على إرضاع مولودها الجديد، وبينما هو عائد إلى منزله رآه ثلاثة لصوص أعجبتهم العنزة فقرّروا الاستيلاء عليها بحيلة ذكيّة: وقف اللص الأول فى بداية الطريق، وقال له: كيف تسمح لنفسك وأنت العاقل الرّاشد أن تمشى فى الطريق ممسكًا بقرد فى يدك..؟! فقال الرجل مستنكرًا: ولكنها عنزة..! وفى منتصف الطريق جاء إليه اللص الثانى وهو يقرع طبلة فى يده ويردّدّ: الْعَبْ يا قرد.. ارْقص يا قرد.. ثم قال للرجل: قردك جميل جدًّا.. كم أنت محظوظ…! وانصرف إلى حال سبيله.. ولكن الرجل فى هذه المرة أخذ يعاود النظر إلى عنزته وقد بدأ الفأر يلعب فى صدره.. ويشعر بشيء من الشك فى عنزته.. فما إن اقترب من نهاية الطريق حتى فاجأه اللص الثالث، يقول له وهو يخرج حافظة نقوده من جيبه: بكم تبيع هذا القرد..؟ أنا معجب به وسأدفع لك كل ما تطلبه ثمنًا له..!

أخذ العَرَقُ يتصبّب غزيرًا من جبين الرجل المسكين، وقد تمكنت منه الحيرة والشكوك، فقال وهو يتلجلج: “ولكن هذه…”، وقبل أن يكمل جملته اقترب اللص من العنزة وأخذ يتحسس رأسها ويداعبها منتشيًا وهو يردد: يالك من قرد رائع.. يالك من قرد رائع..! سأشتريك بكل ما عندى من مال..

اضطرب عقل الرجل وفقد السيطرة على أفكاره وانهارت ثقته بنفسه، فلا يمكن أن يتفق ثلاثة بالصدفة المحضة على أن ما اشتراه من السوق كان قردًا وليس عنزة كما تصوّر.. كاد الشك أن يزلزل كيانه، فترك العنزة وفرّ هاربًا..!

فهل كانت العنزةُ عنزةً حقًّا..؟ أم أنها كانت قردًا كما أصرّ اللصوص على تسميتها..؟ أم أن فى الأمر خدعة ولها تفسير غير مفهوم..؟ أعتقد أن فى الأمر خدعة تنطلى على أكثر الناس الذين يعانون ما يسميه علماء النفس بـ”القابلية للاستهواء”، ويدرسون مجالات هذه القابلية عند أفراد البشر فى مختلف المستويات العُمْرية، كما يدرسونها على المستوى الاجتماعي، ويتتبعون آثارها فى تحريك الجماهير لخدمة أهداف وطموحات بعض الزعماء السياسيين، الذين يستغلون احتياجات الجماهير ورغبتها فى تحسين حياتها وأوضاعها المعيشية، فيصورون لهم أنهم يعرفون أيسر السبل إلى ذلك، وأنه ليس عليهم إلا أن يسلّموا قيادهم ويستسلموا لتوجيهاتهم…!

يحدّد علماء النفس القابلية للاستهواء، بأنها: تَقَبُّلُ وتصديق ما يقدِّمه الغير من معلومات أو أفكار، دون نقد أو تمحيص.. ويتميز صاحبها بحالة من الكسل العقلى إذ يكتفى بالتّلقّى متجنِّبًا عناء التفكير، كما يتميز بضعف الإرادة، حيث يستسلم بسهولة للأفكار الشائعة فى أوساط النخبة الأكثر نفوذًا وانتشارًا وأعلى صوتًا.. وهذه حالة لا بد أن تربك عقل الإنسان وتجعله عرضة للخطأ فى التفكير والتقدير. ولكنك ستجد دائمًا قلّةً من المفكرين -فى كل مجتمع- هم الأكثر استعصاء على الاستهواء.. تمرّسوا بفكر نقدي ومنطق قويّ، ولديهم قدرة متميزة على حشد الحقائق والأدلة وتحليلها ومقارنتها بعضها ببعض ونبذ المتناقض منها، والتثبت من صحتها بطريقة منهجية.. وعلى عاتق هؤلاء تقع مسئولية البيان والتنبيه والإنذار. هؤلاء لا يمكن أن يتخلّوْا عن رسالتهم، أو يتنصّلوا من واجبهم لأنهم إن فعلوا هذا يسقط المجتمع كله فى مستنقع الضلالات..

باختصار شديد مَثَلُ العنزة الحلوب كمَثَلِ الدستور الجديد الذى سيعرض على الشعب للاستفتاء عليه، بينما يسعى اللصوص الأفّاقون.. لا يهمّ إن كانوا ثلاثة أو ثلاثين أو ثلاثمائة.. فلهم جميعًا هدف واحد واضح محدّد هو تشويه الدستور، ليرى فيه الناس صورة القرد بشع الوجه.. وليحشدوا أكبر عدد من المضلّلين المشحونين بالكراهية والعداء ضده، وضد أنصاره والمدافعين عنه، ولا يأبهون أن يتطوّر هذا الشحن العدائى إلى اقتتال وإسالة دماء بريئة.. مطمئنين إلى أن وراءهم آلة إعلامية ضخمة، تستخدم صورًا مفبركة وتعلق عليها بأكاذيب وتحشد لها شهود زور من ترسانتها الدعائية المكتظة بمئات المنتفعين المضللين من أصحاب الهوى، وأصحاب الجرائم الذين يستميتون فى إخفاء جرائمهم عن أعين العدالة، وأصحاب المال المنهوب من طعام الشعب وثروته، ومن السياسيين المرعوبين من صناديق الانتخاب.

ولولا اطمئناهم لهذه الآلة الجهنميّة التى تمرّست بقلب الحقائق، والتعتيم على جرائم الحرق والقتل، وإبراز المجرمين فى صورة الضحايا، لكان لهم موقف آخر أكثر حذرًا وأقلّ تهوّرًا وتعَنُّتًا ضد شرعية الرئيس المنتخب، و ضد شرعية صندوق الانتخابات.. يتصورون بغبائهم أنهم يمكن أن يسقطوا الرئيس بالمظاهرات والعنف والأكاذيب، ويستطيعون أن يمنعوا الشعب من ممارسة حقه فى الاختيار الحر لدستوره.. فلما شعروا بقرب عملية الاستفتاء، بعد النجاح الساحق للحوار الوطنى الذى دعا إليه الرئيس والتزم بكل نتائجه بلا استثناء. وأن هناك إجراءات جادة لحماية وتأمين الاستفتاء على الدستور.. كشفوا عن أنيابهم وتوالت تهديداتهم الغوغائية بتهييج الشارع، إذ يعلنون بلا خجل أنهم لن يسمحوا بعرض الدستور للاستفتاء، وكأنهم سلطة فوق سلطة الشعب، وفوق سلطة رئيس الجمهورية.. فمن أين جاءوا بهذا الوهم! وكيف تسلّط على عقولهم..؟ هذه قضية أخرى يمكن إحالتها إلى علم النفس المرضى ليشرحها لنا..

دعنى أستعرض باختصار شديد خريطة مؤامرة متعددة الأطراف تستهدف القضاء على الثورة المصرية ووقف آثارها المتوقعة فى الداخل والخارج؛ مؤامرة أصبح أطرافها يعبرون عن أنفسهم باستعلاء وصلفٍ لم يعد خافيًا على أحد:

الطرف الأول- تراه فى تصريحات خلفان رئيس شرطة الإمارات، الذى يتوعد الثورة والسلطة والإخوان المسلمين جميعا بالويل والثبور.. هنا مركز القيادة ومصدر التمويل الأساسيّ..!

الثانى- الجنرال أحمد شفيق الهارب فى الإمارات – نقلًا عن جريدة الشرق الأوسط- يقول: إن المخرج الوحيد من الأزمة فى مصر، يتمثّل فى إنهاء حكم الرئيس محمد مرسى وجماعة الإخوان المسلمين [فى الحال]، وأنكر حديث الرئيس مرسى عن وجود جهات خارجية تدعم الفوضى فى مصر فقال: “لا يوجد أى إثباتات على صحته..!” لاحظ أن شفيق لا ينكر وجود مؤامرة ولكنه ينكر إثبات وجودها.. ويمكن الرد على غبائه ببساطة فأقول: هل هناك دليل إثبات على التآمر أقوى من وجودك فى مركز التوجيه والتمويل فى إمارات خلفان..؟! وهل هناك دليلٌ أقوى من تهديداتك وهجومك المتواصل.. على الشرعية المصرية؟!

الثالث- محمد البرادعى يعترف للفايناشيال تايمز: بأنه مع جبهة إنقاذه والثوريين –فى زعمه- اضطروا للتحالف مع فلول النظام المخلوع من أجل التصدى للأحزاب الإسلامية. ويزعم -كاذبًا- أن مصر الآن منقسمة بين فريقين: الإسلاميون من جهة، وباقى الشعب من جهة أخرى، وكذبه واضح فالخصومة قائمة بين أحزاب إسلامية وبين أحزاب جبهة الإنقاذ ومعها حزب مبارك وفلوله، وليس هؤلاء هم بقية الشعب كما يزعم، أما حديثه عن احتمالات: تدخل الجيش، أو اندلاع ثورة الفقراء، أو حتى اندلاع حرب أهلية؛ فهو الذي يحلم ويحرّض على هذا ويدعو إلى العنف والصدام.. ولا يتحدث عن حلول سياسية سلمية.. ولا يتطرق إلى الحل الديمقراطي، بل ينتقد دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإفساد المرحلة الانتقالية.. تصوّر لماذا..؟ يقول البرادعى: لأنه سمح بإجراء انتخابات برلمانية أسفرت عن فوز الإسلاميين بأغلبية ساحقة.. ثم يفصح عما فى صدره من كراهية للديمقراطية أكثر عندما أثْنى على المحكمة الدستورية لأنها ألغت مجلس الشعب المنتخب، لأنه فى نظرته –الاستعلائية- لا يمثل الشعب المصري..

هذه هى الحقيقة الصارخة التى لا يجب أن تغيب عن الأذهان؛ فهؤلاء يكرهون الإسلاميين ويريدون استئصالهم من السياسة، إنها فى نظرهم قضية حياة أو موت، قضية وجودية لا سياسة فيها ولا ديمقراطية..!

الطرف الرابع- يمثله الكُتّاب والإعلاميون من أمثال- علاء الإسوانى الذى أسفر عن وجهه القبيح ونزعته الاستعلائية العنصرية، برفضه اسفتاء الشعب على الدستور لأنه شعب فقير وأمِّيّ، ومن ثم يدعو إلى استبعاد ٤٠% من الناخبين المصريين، ويشترط توقيع عقوبة الحبس لمن يشترى الأصوات بالزيت والسكر.. انظر إلى أى مدى يحتقر المصريين ويعيّرهم بالفقر والأمية، ويتهمهم بأن تأييدهم للإسلاميين لم يكن إلا نتيجة شراء أصوات بالزيت والسكر..ّ! الأسوانى لا يتحدث عن شراء البلطجية والهاربين من السجون والمسجلين “خطرًا”، إذا تم شراؤهم بالمال وتزويدهم بالأسلحة وتحريضهم على الاندساس فى المظاهرات لقتل الأبرياء وإشاعة الإرهاب والفوضى فى البلاد.. ولكنه يروّج لكذبة الزيت والسكر…!

هناك طرف خامس مستفيد من إشعال الفوضى والحرائق فى المجتمع، يتمثل فى عدد من القيادات المتطرفة فى الكنيسة الأرثوذكسية، لهم توجّهات خطيرة لن أخوض فيها الآن نظرًا لحساسية الموضوع.. وأقرّر أن لخريطة المؤامرة أبعاد أوسع ولها مراكز توجيه وتمويل أخرى تشمل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ولكنى أكتفى بهذه الخريطة المصغّرة لسهولة الاستيعاب والتفكير فى أساليب المواجهة الفاعلة.. وأنبّه إلى أن هذه الأطراف تجمعها مصالح متباينة ولكنها تشترك فى هدف واحد هو القضاء على الثورة وحصر امتداداتها وآثارها فى دول المنطقة، والثمن هو تمكين الأقلية المنبوذة من القفز إلى السلطة فوق صناديق الانتخاب…!

وأختم بكلمة سريعة أقولها للمخدوعين بشهرة علاء الأسواني؛ أقول عن يقين وخبرة طويلة مع البسطاء الذين يسخر من فقرهم وأميّتهم: إن هؤلاء البسطاء أكثر منه وعيًا، وأكثر حكمة ووطنية وبعد نظر.. فهو يعانى من نوع أخطر من الأمية الفكرية الإسلامية، يسترها فى أردية من شهرة مصطنعة، اقترنت بالهَوَى وسوء استخدام القدرات التى وهبها الله له فى التضليل وتزييف الحقائق على الناس

المال السياسي العربي . .  مصر نموذجاً

المال السياسي العربي . .  مصر نموذجاً

علي سعادة

تفوح من ميدان التحرير ومن أمام قصر الاتحادية رائحة المال السياسي العربي وغير العربي، فجميع المعلومات التي رشحت منذ بدء الأزمة بعد إعلان الرئيس المصري محمد مرسي عن الإعلان الدستوري، وحتى اللحظة تشير إلى ضخ ملايين الدولارات من مصادر متعددة بعضها عربي، لإبقاء التوتر في مصر مشتعلا إلى أعلى درجة الغليان حتى لو تطلب ذلك سفك مزيد من  دماء الأخوة المصريين.
ورغم أن أعداد الذين يخرجون في مسيرات ضد مرسي قليلة ولا تقارن بالأعداد الضخمة التي تخرج مؤيدة ومؤازرة لمرسي، إلا أنها هذه الفئة “المعارضة” تحظى بتغطية إعلامية غير مسبوقة بوسائل الإعلام العربية والغربية الناطقة بالعربية. وفيما يتحول مرسي الرئيس المصري المنتخب بشكل ديمقراطي إلى عدو للشعب، يظهر محمد البرادعي وعمرو موسى وآخرون، في الإعلام العربي الموجه، بمظهر الأبطال الذين يقودون الجماهير نحو الحرية والانعتاق من عبودية “الإخوان”.
وتبدو الحملة على مرسي بشكل خاص، وعلى الإخوان بشكل عام، مبرمجة بعناية وذكاء وكأنها رسمت في دهاليز دوائر استخباراتية، فالتصعيد المتدرج من رفض الإعلان الدستوري، إلى عدم الاعتراف بشرعية مرسي نفسه هو انقلاب وانكفاء إلى الوراء وعودة للارتماء في أحضان النظام السابق.
وفيما شككت صحيفة «ذي غارديان» البريطانية بنوايا ما يسمى «جبهة الإنقاذ الوطني» المصرية في موقفها تجاه الأزمة التي تشهدها مصر، فهي تؤكد أنه بات من الواضح بصورة متزايدة أنها ليست حول مسودة الدستور المقترح، الذي حمل توقيعات العديد من أعضاء المعارضة، قبل أن يغيروا رأيهم وينسحبوا من اللجنة.
ولم يعد مفهوما ما الذي تريده المعارضة “الأقلية” من الرئيس مرسي ومن معه “الأغلبية” ؟ هل تريد استفزاز مرسي و”الإخوان” للقيام برد فعل غاضب، هل تسعى إلى مزيد من الدم العربي المصري، هل تدفع الجيش للتدخل، هل تريد ترك الباب مواربا أمام القوى الخارجية التي تنتظر الفرصة للتدخل في الشأن المصري، وبالتالي تؤدي إلى مزيد من الانهيار في الجدار العربي، هل قادة “المعارضة” الذي فشلوا في جميع المناصب التي تبوّؤوها يمتلكون عصا الحل السحرية؟!
وفي حال إسقاط مرسي ما هو البديل؟ الخيار الوحيد المتاح هو الذهاب إلى انتخابات برلمانية ورئاسية جديدة، يبدو أن الإسلاميين يمتلكون فرصاً جيدة للفوز بها.
لقد قال محمد البرادعي، وهو يحرض المعارضة بعدم الذهاب إلى الحوار، إن مرسي فقد شرعيته؛ إذن فهدف “جبهة الإنقاذ الوطني” ليس الدستور ولا الإعلان الدستوري، وليس مصر، ولكن مرسي نفسه، المنصب.
المعركة في مصر، من جهة “المعارضة” هي على السلطة، وانقلاب على الديمقراطية، محاولة للإطاحة برئيس منتخب بشكل ديمقراطي، فيما المال يأتي من دول تفتقد إلى الديمقراطية، ولم تعرف بعد صناديق الاقتراع الحقيقة!

رسالة عربية إلى مصر وشعبها

رسالة عربية إلى مصر وشعبها

د. مصطفى يوسف اللداوي

بقلوبٍ حزينة يعتصرها الألم ويسكنها الخوف والقلق، يتابع العرب والمسلمون جميعاً ما يجري في أرض مصر الكنانة، أم دنيا العرب، مهد الثورة العربية الأكبر، وساحة التغيير الأهم، ومناط الأمل ومنتهى الرجاء، الأكثر سكاناً والأعظم تاريخاً، التي كان لسقوط نظامها دويٌ هائل، وهزاتٌ ارتدادية لم تنتهِ، فهي مارد العرب النائم، وعملاق الأمة الغافل، وسيفها المسكون في غمده، ولكنها وقد هبت من سباتها، وانطلقت من عقالها، وحطمت أغلالها، وأسقطت أصنامها، واستبدلت شعاراتها، وغيرت أهدافها، بثورةٍ صنعها خيرةُ شبابها، وعيون رجالها ونسائها، فقد باتت تهدد المحيط والجوار، والإقليم والعالم، وكل من له مصلحة بغيابها، وغاية بضياعها، ومنفعة ببعدها وغربتها، فخشيت الدول الكبرى والكيان الصهيوني من مصر الجديدة، التي استعدت لتكون الحاكمة والرائدة والقائدة، صاحبة المبادرات، وصانعة الانتصارات، موئل الرجال، وأرض الأجناد، وكنانة العرب التاريخية في كل الحروب، فهم أكثر من يدرك أن العرب مع مصر يختلفون، وفي ظل قيادتها يتقدمون، وتحت راياتها ينتصرون، وبغيرها يتشتتون ويتفرقون، وتسقط راياتهم وتذوي شعاراتهم، فتذهب ريحهم وينقسمون وينهزمون، وهذا ما يتمناه أعداء الأمة وخصومها.
كلنا نحن العرب والمسلمين قد علقنا آمالنا على ثورة مصر، وتابعناها بشغفٍ وقلق، وجلسنا الساعات الطوال أمام المحطات الفضائية نتابع يوميات الثورة، وتفاصيل الأحداث، واستمعنا إلى مختلف التصريحات والتوقعات والتحليلات، وعرفنا أسماء الشوارع والميادين، وحفظنا أسماء الشهداء وأعداد الجرحى والمصابين.
بنجاح الثورة وسقوط النظام، حلمنا في ظل مصر بمستقبلٍ واعد، ومجدٍ قادم، وعدلٍ شامل، وتضامنٍ عربيٍ أكيد، ومنينا أنفسنا أن التاريخ سيكتب من جديد، وستكون في سجل العرب صفحاتٌ جديدة، وأيامٌ خالدة، فالثورة المصرية كانت أحداثها تجري في مصر، ولكن رجالها كانوا كل العرب والمسلمين، وساحاتها وميادينها لم تقتصر على ميدان التحرير بالقاهرة، بل كانت ميادين العرب كلها تنتظر بفارغ الصبر، تتابع وتترقب وتتربص، وإليها خرج مئات الآلاف من الجماهير العربية تحتفل بسقوط الصنم، وانتهاء زمن الاستخداء، وبداية عصر الثورة والعزة والكرامة، فقد نجحت ثورة العرب، وانتصرت شعارات الأمة، وأصبح لنا جميعاً دولةً عربية كبرى وقوية، قادرة على الفعل والتأثير والتغيير، وبإمكانها أن تكون القدوة والمثال، والرائد والقائد وحادي الركب وطليعة المسيرة.
اليوم أحلام العرب تتطوح، وآمالهم تكاد تتمزق، وطموحاتهم التي تطلعوا إليها تكاد تهوي وتسقط، ومثالهم الكبير يتراجع، وكبيرهم الذي يركنون إليه ويعتمدون عليه قد أصابه الضعف والوهن، أو حل في صفوفه الفرقة والاختلاف، فهدد وحدة النسيج، وسلامة الصف، وسمو الشعارات، ونبل الغايات والأهداف، فكان الاختلاف المدمر الذي نفخ في صدور الحاسدين والمارقين روحاً جديدة، وبعث فيهم الأمل من جديد، فمصر التي كانت لهم يوماً سنداً ومعيناً فغابت لتكون خصماً ونداً عنيداً، ها هي تحاول العودة إلى القفص من جديد، وتتمايل لتدخل الحظيرة التي اعتادت على العيش فيها سنين طويلة، فبعض أهلها قد أغضبهم وأزعجهم عودة مصر القديمة، صاحبة التاريخ والحضارة، فلم يرضهم أن يكون لرئيسهم دورٌ ومهمة، وانجازاتٌ وطنية وجهودٌ قومية، وأن يتطلع إليه القادة والزعماء، وأن يتصل به الملوك والرؤوساء، يطلبون منه النصرة والعون، والنجدة والمساعدة، فأصابتهم الغيرة على عدوهم، خوفاً عليه وحرصاً على مستقبله، فانتفضوا نيابةً عنه، أو بأمرٍ منه، ليحولوا دون استمرار الثورة، ومواصلة التغيير، فهذا أمرٌ لا يروق لكثيرين، ولا يرضي الأعداء والمتربصين.
أيها المصريون يا صناع الثورة، يا جند الحق، ويا كنانة العرب المجيدة، أيها الأجناد المباركة والشعب الأصيل، اسمعو واعوا، وأنصتوا وأصيخوا السمع لأبناء أمتكم، فلا تقتلوا أنفسكم وأمتكم ارضاءاً لعدوكم، وحرصاً على زيفٍ صنعه شيطانٌ لكم، وسول به لكم مارقون ومضللون، فاسدون محتالون، فهذه الثورة المجيدة ليست ملكاً لكم وحدكم، فنحن وإياكم فيها شركاء، فقد كنتم على الأرض جنوداً وفي الميادين ثائرين ومحتجين، وكنا لكم خارج مصر مساندين وداعمين، مناصرين ومدافعين، فلا تفجعونا بسقوط الثورة، ولا تعجلوا بتفكيك ملككم، وضياع مجدكم، فهذه الثورة هي خير ما صنعته أرواحكم، وحققته سنوات معاناتكم، واعلموا أن الزمان لا يجود علينا بمثلها، ولا يكرر منحته لنا، فاحفظوا ثورتكم وكونوا لها خير جندٍ وحراس، ولا تسمحوا لأحدٍ بأن يستغل اختلافاتكم، وأن يعمق تبايناتكم، إذ هذا حلمهم وغاية أمانيهم، وله يعملون ومن أجله يخططون، واعلموا أن الاختلاف هو من طبائع البشر وسمات الخلق، لأنه الطريق إلى التميز، والوسيلة إلى الصفاء والنقاء واعتماد الأصلح والأجود، ولكنه لا يقود بحالٍ إلى نكث الغزل وتدمير البيت، والقضاء على الحلم، والانقلاب على دماء الشهداء ومعاناة الجرحى والمصابين.
أيها المصريون رئاسةً وحكومة ومعارضة وشعباً، نستحلفكم الله العظيم ألا تفجعونا في ثورتنا المباركة، وألا تجهضوا آمالنا، وألا تقتلوا أحلامنا، وألا تستعجلوا الخطى، وألا تحكموا على بعضكم بالفشل أو بالغدر والخيانة والاستئثار، وألا تنجروا وراء المؤامرات، وألا تستجيبوا للنصائح المشبوهة والانتقادات الملغومة، فالوقت ما زال مبكراً لفرض الأحكام وإطلاق المواقف، إذ لم يمض وقتٌ طويل على ثورتكم، ولم يتسنَ لقيادتكم المنتخبة أن ينفذ وعوده، وأن يطبق الإصلاحات المرجوة، رغم أنه ماضٍ في جهوده، وعازمٌ في خطواته، وصادقٌ في نواياه لجهة الإصلاح والتغيير واحترام الرأي الآخر، وتقدير المعارضة والتسليم بخيارات الشعب ومطالبه، فأمهلوه ولا تستعجلوه، وأعينوه ولا تربكوه، وأمنوه ولا تخيفوه، وساعدوه وناصروه، واحتكموا معه إلى رأي الشعب وحكمه، فالاستفتاء خيرٌ حاكماً وأصدق قيلاً، إن كانت غايتنا رضاه وسعينا لصالحه، وضابطنا الحق وشعارنا العدل.

المعارضة المصرية واللعب المشبوه

المعارضة المصرية واللعب المشبوه

الكاتب علاء الريماوي

لم يكن الدور المصري في حرب غزة الأخيرة عاديا ، ولم يكن سلوكها مألوفا في التعاطي مع الملف الفلسطيني للمجتمع الدولي الذي تعود من مصر مساندة المخططات الغربية في المنطقة دون تحفظ بل بشراكة فيها إلى أبعد مدى .
راسم السياسة في (إسرائيل) ظل يرقب حراك المكتب الرئاسي بعيون مفتوحة وباتصالات على أعلى مستوى لمعرفة التوجهات المصرية التي كانت خطواتها سريعة في الفعل ، وفي سقف الخطاب الذي أربك المستوى الأمني خاصة بعد نجاح مصر في جر العرب إلى مربع نصرة غزة من خلال زيارة وفد الجامعة العربية في ظل الهجوم على غزة .
في حديثنا عن دور مصر في حرب غزة يكفي إحالة القارئ إلى ما كتبته صحيفة معاريف ، هآرتس ، يدعوت أحرنوت ، ثم لغير قارئ العبرية يمكن استشفاف ماكتب من صحيفة جورزليم بوست والتي أجمع كتاب الاعمدة فيها على  أن دور مصر بقيادة الرئيس محمد مرسي من وفر الحماية لغزة ، وشجع نارها ، بل شبه فيها بالقبة الحديدية التي كفلت لغزة إعادة ترميم مقاومتها والاستعداد لجولة نار جديدة أشد أثرا وأعمق في الفعل من حيث الوسائل المستخدمة ,
المحلل السياسي للقناة العبرية العاشرة والمختص في الشؤون الشرق أوسطية وفي لقاء  مطول حول دور مصر في حرب غزة خلص إلى نتيجة مفادها ” أن حماس وغزة فهمت معادلة المنطقة فأدارت معركتها وفق هذا الفهم الذي ساندها في تحقيق صورة المنتصر في معركة لم تنهي بعد ”
ذات المحلل تحدث في اليوم التالي الذي شهدت فيه الشوارع المصرية تظاهرات قادتها بعض قوى المعارضة ضد الرئيس مرسي ” من أن إسرائيل يمكن لها التأمل جيدا في الوضع المصري وثبات القيادة الجديدة التي وضعت حكومة نتنياهو في أزمة وقف إطلاق النار التاريخي ” .
هذا الحديث عن الدور ، لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى نقاش عميق في المؤسسات البحثية الإسرائيلية حول دور مصر في المنطقة بعد نجاح الرئيس محمد مرسي في حرب غزة العودة بمصر كدولة قادرة على الفعل والتحرك بحيوية أجبرت الرئيس الأمريكي رفع هاتفه طالبا الرئيس المصري في ست مكالمات مطولة مناقشا ، ومستمعا لتصورات مصر الجديدة عن الحرب على غزة .
هذا الحال لمن يفهم طبيعة المنطقة وملف إسرائيل وحساسيته شكل إختراقا واضحا لكل الخطوط الحمر المألوفة في السياسة التي دجن  عليها العرب طوال العقود الماضية .
هذا الإنجاز لمصر تهدمه اليوم معارضة يقودها البرادعي حامل لواء الغرب في الحرب على العراق ورئيس الوكالة الذرية التي عملت على شرعنة تفكيك الوطن العربي وحرقه في مجزرة سيظل أثرها على الأمة طويلا .
ثم يضاف إليه السيد عمرو موسى ربيب النظام السابق والوجه الأجمل الذي ساند نظام مبارك طيلة ثلاثين عاما كوزير للخارجية ، كمنظر بارع في تنميق توجهات مصر وسياستها .
مدعوما توجههم من خلال لعب على الطائفية ومستميلين جموعا محسوبة على النظام السابق تعودت على مصر مزرعة لشهواتهاومآربها الخاصة .
هذه الحقائق لا تحتاج إلى كثير إمعان للتوصل إليها ،لكن ما وجب الوقوف عليه هو :  هل يمكن إغفال عنف التحرك المعارض للرئيس مرسي من حيث التوقيت الذي يجيئ بعد نصر سياسي للأمة ضد إسرائيل ؟
سأزعم وأنا مطمئنا أن ضجيج ما يحدث اليوم في مصر يطرب كثيرا نتنياهو الذي يتمنى كيانه رحيل الرئيس مرسي اليوم قبل الغد .
لذلك على المعارضة المصرية فهم دور مصر في مرحلة لم يعد العرب قادرين على إنتكاسة جديدة بعد أمل بات راسخا في التغير في منطقة لا يحمل عبئها سوى مصر شاءت هي ذلك أم أبت .
لذلك بات الواجب على الشعب المصري تعرية كل الجهات المشبوهة التي تدعي كذبا أنها سليلة ثورة ماجدة نعشقها أكثر من المصريين أنفسهم ، فإن لم  يفعل ذلك شعب مصر فسيتحمل وزر إرتكاسة سيطول بعدها أمل النهوض إلى قرن آخر او يزيد لا سمح الله .

أمريكا عدو العرب اللدود

أمريكا عدو العرب اللدود

د. فايز أبو شمالة

هل يتشكك عربي في عداء أمريكا له، وفي احتقارها لشأنه الشخصي، ولنشأته الأخلاقية؟ هل يجهل عربي حجم البذاءة الأمريكية التي تصبها على رأسه؟ ألا يشعر العربي بالاستخفاف الأمريكي بمستقبله؟ ألا يحس بوجع الأنياب الأمريكية في لحم أبنائه؟
سأضرب لكم مثلاً بالقضية الفلسطينية التي تعتبرها الشعوب العربية محور وجدانها، ومركز تفكيرها السياسي، ولاحظوا أن أمريكا العملاقة، وأقوى قوة على وجه الأرض، توظف قدراتها الإلكترونية في مواجهة المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وتنصب القبة الحديدية للدفاع عن اليهودي المدجج بالسلاح الأمريكي الفتاك، وحين تنهزم القوة الصهيونية الغاشمة، يرسل الرئيس الأمريكي وزير خارجيته للتوسط في وقف إطلاق النار !.
ثم لاحظوا أن أمريكا العملاقة التي دمرت بصورايخها عراق العرب، واعتدت على لبنان، ودمرت بلا رحمة أفغانستان، وتضرب صواريخها بلاد باكستان، وتقصف طائراتها أرض اليمن، وتهدد بسلاحها الوحشي بلاد إيران، أمريكا هذه لا تقوى على صفع يهودي واحد يغتصب أرض فلسطين، وهي أصغر من أن تقنع “نتانياهو” بوقف مؤقت للاستيطان؟
أي أمريكا هذه التي تحمي الطغيان، وتطالب الطرفين بضبط النفس حين يعلن “نتانياهو” عن بناء 3000 وحدة سكنية فوق أرض القدس؟ أي أمريكا هذه التي تحتقر العرب في الأمم المتحدة، وتستخدم حق النقض ضد قرار إدانة الاستيطان؟ أي أمريكا هذه التي تحرض في الأمم المتحدة ضد قيام دولة فلسطينية لها صفة مراقب؟ وهل ما زال هنالك عربي يصدق أن أمريكا التي هددت باستخدام حق النقض ضد الإعلان عن قيام دولة فلسطينية في أروقة الأمم المتحدة، هل ستؤيد أمريكا هذه قيام دولة فلسطينية مستقلة عن طريق المفاوضات؟
أمريكا التي ترعى الديمقراطية، وتدعي احترامها لحرية الشعوب في تقرير مصيرها، لا تعترف بحق الشعوب العربية في الحياة السياسية الكريمة، أمريكا تعترض علانية على تطبيق الديمقراطية في بلاد العرب، وتبدي قلقها من لجوء الرئيس محمد مرسي للشعب المصري، ليستفتيه على الدستور، فأمريكا ما زالت تفرض نفسها وصياً على العقل العربي، ولا ترى في العربي إنساناً جديراً بالعيش حراً فوق أرضه، ولا تأذن للعربي أن يمارس حقه في اختيار قيادته بنزاهة، وأن يرسم معالم مستقبله بحرية.
أمريكا عدو العرب اللدود، ولا جلال لقدر تلك البلاد التي نكست رأسها لقادة اليهود، وارتضت لنفسها أن تصير بأمرهم مستوطنات حقد وكراهية، وهم يسومونها ذل القيود.

الشعب التعيس مغرم بحكومة أبليس

الشعب التعيس مغرم بحكومة أبليس

علي الكاش كاتب ومفكر عراقي

عندما طالعت موقف رئيس وزراء العراق نوري الماكي تجاه اغتصاب جنده الميامين وشرطته الصفويين لعدد من حرائر العراق المعتقلات في السجون العلنية- والله أعلم بما يجري في السجون السرية- خطر على بالي فورا قول محمد بن علي بن الفضيل” ماكنت أعلم أمور الرعية تجري على عادة ملوكها، حتى رأيت الناس في أيام الوليد بن عبدالملك قد أشتغلوا بعمارة الكُرم والبساتين، واهتموا ببناء الدور وعمارة القصور، ورأيتهم في زمان سليمان بن عبدالملك قد اهتموا بكثرة الأكل وطيب الطعام، حتى كان الرجل يسأله صاحبه: أي لون اصطنعت، وماالذي أكلت؟ ورأيتهم في أيام عمر بن عبدالعزيز قد اشتغلوا بالعبادة، وتفرغوا لتلاوة القرآن وأعمال الخيرات وإعطاء الصدقات، لتعلم أن في كل زمان تقتدي الرعية بالسلطان، ويعلمون بأعماله ويقتدون بأفعاله من القبيح والجميل، واتباع الشهوات، وإدراك الكمالات”. فعلا كلام مأثور يصلح لكل زمان ومكان، فطباع الشعوب من طباع حكامها. وربما زاد عليها الإمام الغزالي بعض الشيء في نصيحته إلى محمد بن ملكشاه “متى كان السلطان بلا سياسة، وكان لا ينهى المفسد عن فساده، ويتركه عن مراده، أفسد سائر أموره في بلاده”. لذا عندما يكون الحاكم فاسد فالرعية يَفسدون ويُفسدون.
الفساد الفردي والجمعي هو تركة ثقيلة تتوارثها الأجيال وهنا تكمن خطورتها. فالفساد جنة الكافر، بابها عام وواسع ومتاح للجميع، يُغني ويُثري بسرعة البرق ويرفع منزلة الوضيع في الأرض بنفس مستوي إنحطاطها في السماء، باب عام كل ما يتطلبه مقابل ما يقدمه من مزايا هو أن ينزع المرء جلباب الدين والشرف والمواطنة قبل ان يطأ عتبة الباب، ويرتدي جلباب الكفر وعمامة العهر ومداس العمالة، مرتكزا على عصا الغدر والرياء. يستعيذ من الرحمن الرحيم ويتوكل على الشيطان الرجيم.
العراق كدولة حاليا لها حظوة في الفشل والفساد الحكومي على المستوى العالمي، ولها ميزة إضافية وهي المنافسة المحمومة بين السلطات الثلاثة للتربع على عرش الفساد. هذا يعني عدم وجود بصيص من نور يهدي الشعب الخائب للخروج من الدهليز المظلم، اللهم إلا بنهوض ثوري يقلع الفساد من جذوره. وهذا كما يبدو أحدى المستحيلات على أقل تقدير خلال عقد أو عقدين قادمين. بسبب تنامي الروح الطائفية والعنصرية والعشائرية وتجذرها في نفسية المجتمع، علاوة على تفشي معالم الجهل والتخلف، والركون إلى عقيدة المخلص، على أساس إن شدة الجور والظلم ستفتح باب السرداب وتعجل بخروج المنقذ الذي سيننشر العدل في ربوع الوطن والأمة، بدلا من الشعب الذي يفترض به أن يقوم بهذه المهمة دون الحاجة الى الإتكالية على المهدي أو غيره.
كل المؤشرات الدولية والأقليمية والمحلية تؤكد بأن العراق في عهده الصفوي الحالي يتدحرج إلى هاوية عميقة يصعب الخروج منها سيما إن سبل الرجاء قد تقطعت. وممن ترتجي من الحكومة الفاسدة أم الشعب المنوم مغناطيسيا بفعل مردة الحوزة؟ وماذا ترتجي من شعب لا يثور وهو يفتقر الى الماء الصالح للشرب والكهرباء والخدمات التربوية والبلدية والصحية، وأزمة وقود مستمرة رغم ان البلد طافٍ على بحر من النفط؟ وماذا ترتجي من بلد بلا صناعة ولا زراعة وكل شيء فيه مستورد؟ حتى أعضاء حكومته وبرلمانه، هم صناعة غير وطنية(ساخت طهران وواشنطن وبريطانيا). ومع هذا تراه قابلا بهم، راضيا عن فسادهم، مدافعا عن بقائهم، لذلك إنتخبهم مرتين وسينتخبهم ثالثة ورابعة؟
وماذا ترتجي من بلد يفتقر إلى القضاء العادل، والبرلمان الشريف، والحكومة النزيهة؟ تتلاعب به رياح الفساد والإرهاب والعنف والتشذرم من جميع الإتجاهات، علاوة على التقوقع في الصدفة الطائفية والعنصرية والقبلية. وتفاقم ظواهر التزوير والبطالة والتخلف الثقافي والمعرفي. مع هذا لا ينتفض على واقعه المرير.
ماذا ترتجي من بلد يتربع على عرش الفشل والفساد العالمي؟ ويقتات شعبه من المزابل في دولة يزيد دخلها القومي عن(100) مليار سنويا؟ دون أن يسأل الشعب عن حقوقه المهدورة في ثروته المنهوبة! وماذا ترتجي من بلد تُملأ فيه السجون بالإبرياء من طائفة احدة دون مذكرات قانونية ودون السماح لهم بتوكيل محامين ولا حتى الإتصال بذويهم كي يعرفوا مصيرهم؟ وتجري في دهاليزه اساليب تعذيب وحشية تتواضع عنها وتأنفها محاكم التفتيش في العصور الوسطى. كثقب الأجساد بالدريل وإنتهاك شرف السجينات من قبل المحققين والشرطة، والغريب أن بعض الشرطيات يشغلن وظيفتين(الحراسة والقوادة) بنفس الوقت وهذا يخالف القانون!
وماذا ترتجي من بلد كل مسؤول فيه يمتلك فايلات ضد خصومه تؤدي بهم الى الإعدام في حال كشفها ابتداءا من رئيس الحكومة حتى المدراء العامين؟ كل منهم يهدد الآخر بما لديه فيخرسه! والشعب لا يسأل عن توضيحات بشأنها ولا يطالب بالتعريف بأسماء الفاسدين فالأمر لا يهمه مطلقا!
وماذا ترتجي من بلد يديره مستشارون لرئيس الوزراء عنوانهم العلمي(يقرأ ويكتب) ويتحكمون بكل مفاصل الدولة وشؤونها فيعبثون بمقدرات الأمة دون رادع ولا ضمير؟ وماذا ترتجي من بلد يتصرف فيه كل فرد من عائلة رئيس الوزراء كأنه نوري المالكي ويمارس الفساد الحكومي بحرية وحرفية تامة في دولة القانون، لأنه بمنأى عن القانون في دولة القانون؟
وماذا ترتجي من بلد ترك فيه القضاء شريعة الله وتمسك بشريعة المخبر السري؟ ونزع فيه رئيس السلطة القضائية عباءة القانون وارتدى البكيني؟ مستعرضا مفاتنه لرئيس السلطة التنفيذية وحزبه الفاسد، معلنا بلا حياء إستعداده الدائم لإشباع نزواتهم الشخصية؟ وماذا ترتجي من بلد أخس وأرذل ابنائه هم من يتولى حراسه أمن المواطن وممتلكاته؟ يسهرون كالذئاب! لكن ليس لحمايته وإنما للإنقضاض على فرائسهم الضعيفة. وماذا ترتجي من بلد يترك جيشه النظامي تقاليده العريقة من أخلاق وتدريب وإنضباط في ساحات العرضات ليقوم باللطم على إمام شهيد منصبه في الآخرة سيد شباب الجنة، ويهز رأسه حزنا وأسفا عما يجري على حسابه ويجير بإسمه؟
وماذا ترتجي من بلد يتفاخر بمدارسه الطينية مع وجود(5) مليون أمي(أي خمس الشعب)؟ ويتولى وزير صفوي مهمة تعليم وأرشاد الطلاب! وأول ما يعلمهم إياه لعن الصحابة وسب أمهات المؤمنين وإن إسم الخليج العربي هو الخليج الفارسي، وإن العراق جزءا من الامبرطورية الفارسية السابقة والقادمة. بل وتوزع في أرقى وأهم جامعاته العلمية (الجامعة التكنولوجية) صكوك غفران لدخول الجنة مدفوعة الحساب من جيب الإمام علي لشيعته فقط- حاشاه من هذا الإفتراء- مهما بلغت ذنوبهم وكبائرهم.
وماذا ترتجي من بلد يرتهن حاضره ومستقبله بمرجع أجنبي، هو ضيف ثقيل الظل على البلد؟ ورفض بإصرار وغطرسة فارسية مكرمة الحكومة العميلة له (منحه الجنسية العراقية)! إعتزازا بجنسيته الفارسية وبلده الأم. مرجع ضيف وأجنبي ولا يحسن اللغة العربية ومع هذا يتحكم بمصير أهل البلد، ويسيطر على وارداته النفطية والخُمسية(الخمس) ويصرفها على بلده الأم ايران.
ماذا ترتجي من بلد يتحول فيه الشهداء الذين سقوا بدمائهم الزكية رياض الوطن إلى مجرد قتلى؟ وتُزال كل النصب والتماثيل التي تذكرالأجيال القادمة برموزهم الإستشهادية وأمجادهم! والطامة الكبرى أن تُرفع صور الذين قتلوهم وكانوا السبب في إستمرار نزيف الدم المسلم ثماني سنوات، والسبب المباشر في إستمرار سجن الأسرى في المعاقل الصفوية لعقدين وثلاثة بعد إنتهاء الحرب.
وماذا ترتجي من بلد يدعي رفع مشاعل الديمقراطية ومتى ما وجد الفرصة مناسبة أنزل المشاعل ليحرق كل أسسها الورقية؟ ويجعل بلد – حرية الصحافة المزعوم- أول بلد في العالم بعدد القتلى من الإعلاميين والصحفيين. وماذا ترتجي من بلد يمسك رئيس الوزراء كل خيوط لعبة العرائس التشريعية والتنفيذية والقضائية بيده؟ يحركها كما يشاء وحينما يشاء. والمصيبة هو نفسه احدى العرائس التي يمتد خيطها إلى خارج الحدود، تحركه دولة تحمل من البغض والعداء للعروبة والإسلام ما تتواضع عنده كراهية اليهود لهما.
ماذا ترتجي من بلد يظهر فيه رئيس البرلمان ويقول بكل خزي وعار إن (47) مليار دولار قد فقدت من خزينة الدولة وغير معروف مصيرها(كلنا نعرف إن مصيرها هو جيوبكم يا مجرمين)؟ وحكومة متعجرفة ترفض تزويد الرقابة المالية بمستندات صرف المليارات من الدولارات؟ في ظل صمت وزارة المالية كأن الأمر لا يعنيها. وماذا ترتجي من بلد فيه برلمان يترك كل هذه البلاوي جانيا ليناقش مسلسل الامام الحسين ليقرر عرضه من عدمه؟ وماذا ترتجي من بلد يحكمه حملة الجنسيات المتعددة وما أن تُعمر جيوبهم بالملايين حتى يغادروه الى حيث تقيم عوائلهم في بلاد الإستكبار العالمي. جاءوا شحاذين وعملاء، ورجعوا وطنيين وأغنياء! وماذا ترتجي من بلد شعبه غارق في الذل لحد الرقاب ويرفع شعار “هيهات منا الذلة”!

في هكذا بلد وبمثل هذا الشعب لا يرتجى خيرا.
لذا لم أستغرب مطلقا ما أعلنه رئيس الوزرء من إصدار مذكرات إعتقال بحق المتحدثين عن حالات التعذيب والإغتصاب في السجون العلنية خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في مبنى مجلس الوزراء مطلع هذا الإسبوع! فبدلا من أن ينتخي لشرف مواطنيه ويشرع سيفه للذود عن الحرائر، ويشكل فورا لجنة نزيهة – خارج إطار حزبه – المتهم بالتعذيب- ويشرف بنفسه على التحقيق في الجرائم أصدر مذكرات إلقاء قبض على المدافعين عن شرف المعتقلات! لربما وجدها المالكي فرصة ثمينة لتوجيه الرأي العام الى موضوع آخر ينسيه- أي الشعب- ملف صفقة الأسلحة الروسية الفاسدة سيما إن إبنه هو أحد الضالعين في الصفقة!
لكن من الذي تحدث عن هذه الإنتهكات المخزية؟ هنا تكمن العبرات وتسخن الزفرات. إنهم ممثلين الشعب، وأعضاء اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان! فإن كان في بلد الحرية الي يتشدق به المالكي ويتباهى به في مؤتمراته الصحفية، يوجد حظر رسمي على أفواه النواب! فما بالك بالصحفيين والناشطين في مجالات حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني والكتاب، وكيف سيتعامل معهم؟
لو كان خبر مذكرات إعتقال النواب صادر من قبل وزير الظلم(العدل) لقلنا الأمر منوط بالسلطة القضائية، أما ان يتسلل المالكي بين فخذي الوزير الشمري ويتطابق الفمان لينطقا بلسان واحد، فهذا يثبت حقيقة واحدة. وهي ان السلطة القضائية هي فعلا مطية السلطة التنفيذية. لكن الأغرب منه إن المالكي “لا يستبعد وجود أشخاص سيئين في جهازي الشرطة والجيش” على حد قوله. كأنك يا أبو زيد ما غزيت!
مناقشات أعضاء البرلمان لتقرير لجنة حقوق الإنسان عن أوضاع السجينات والإنتهاكات التي يتعرضن لها أفرزت وضعا مؤلما تعدت فيه المشادات الكلامية بين نواب التحالف الشيعي من جهة ونواب القائمة العراقية لتصل الى السب والشتم والعراك بالأيادي وربما بالأحذية؟ ولا عجب فهذا هو مستوى وثقافة ممثلي الشعب! هبت العاصفة بعد تلاوة تقرير اللجنة البرلمانية التي أكد بأن ما يتعرض لهنٌ السجينات “أفضع من الإغتصاب”! وأشارت النائبة الفاضلة(انتصار علي) بأن(وزارة شمر للعدل) تمنع اللجنة البرلمانية للمرأة والطفل من دخول السجون للإطلاع ميدانيا على أوضاع السجينات ولم تجدِ نفعا الإتصالات المباشرة مع وزيرها الشمري!
لماذا المنع والجهة الزائرة هي لجنة برلمانية تمثل الشعب؟ الا يعني هذا شيئا مريبا لمن يتمعن قليلا في المسألة؟
النائبة أضافت بأن “لجنة حقوق الإنسان توصلت إلى معلومات جديدة حول وجود حالات إغتصاب تعرضن لها السجينات. وإن مسألة حدوث حالات إغتصاب أمر خطير وحساس للغاية”. إنتهت الجلسة بالطبع بضربة من مطرقة رئيس البرلمان. وكم كان بودنا لو وجهت ضربات المطرقة على الرؤوس العفنة التي أنكرت حالات التعذيب والإغتصاب. لكن من له المصلحة في حبس الحقيقة وإطلاق سراح الباطل؟ ولماذا السكوت على الظلم وذبح الحقيقة على عتبة الولاء الحزبي؟ سؤال يصعب التنصل من إجابته! لذا سنتحدث بكل صراحة ونسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، وليس برموز وطلاسم كما يفعل البعض. فقد وصل الألم إلى العظم، وبلغ اليأس مرامه، وتربع الباطل على عرشه، ووصل الظلم إلى ذروته.
التحالف الشيعي هو من رفض وأنكر كل تلك الإنتهاكات الجسيمة، لأن الجهات التي تقف ورائها(وزارات العدل والداخلية والدفاع) هي من حصته. مؤسف جدا أن يختزل المرء الوطن كله بوزارة حزبه، وينظر لشعبه كله بمنظور طائفي. مؤسف جدا أن تقف برلمانيات مع ينتهك شرف نساء مثلهن كالنائبة هدي سجاد التي صورت لنا السجون بأنها رياض من الجنة، والحراس ملائكة يحرصون على راحة السجينات بقولها “القائمون على السجون متعاونون مع السجينات بطريقة إنسانية، ويجلبون الحليب للأطفال الرضع”! نائبات أخريات من التحالف قدمن طلب لإنهاء عضويتهن في لجنة المرأة بسبب إصرار البعض على تثبيت وقائع التعذيب والإغتصاب في السجون وليس بسبب تفرد رئيسة اللجنة بقراراتها كما إدعينٌ الكاذبات. هؤلاء النائبات النكرات بدلا من مناصرة بنات جنسهن المستضعفات، إذا بهٌن ينسحبن من المهمة، لأن الوزارات ضمن حصص التحالف الشيعي الذي ينتمين له. فلا قيمة للشرف والغيرة والمروءة أزاء المنصب والحزب. ولا عجب أن يتخذنٌ مع النواب من أشباه الرجال في التحالف هذا الموقف المشين.
الدين، الوطن والشرف هم الثلاثي المقدس الذي لا يخضع للمساومة على مستوى الفرد والجماعة. لكن الدين يتقاطع مع الكفر. والعمالة تتناقض مع المواطنة. والشرف يتعارض مع المتعة والإغتصاب. والحليم تكفيه الإشارة. ولا نقول سوى حسبنا الله ونعم الوكيل.
العجيب في هذا الأمر إن النواب الكرد وقفوا متفرجين وربما فرحين بالعراك بين نواب التحالف الشيعي والقائمة العراقية. فالمغتصبات عربيات ولسنٌ كرديات. وتيمنا بالقول “بأسهم بينهم”. والأعجب منه إن وزارتي حقوق الإنسان وشؤون المرأة العراقية لا علاقة لها البتة بموضوع الإغتصاب في السجون! وهذه حالة فريدة جدا. فهما إما ينطلقا من منطلق إن السجينات ليس من صنف البشر وبالتالي المسألة خارج حدود مسؤلياتهما. أو إن عناصر الشرطة والجيش الذين إغتصبوا السجينات جاءوا من كوكب آخر وغادروا الأرض بعد أن أشبعوا رغباتهم من نساء الأرض. أو إن الإغتصاب لا يعد جريمة ولا عار! وهو مقبول ومعمول به ونافذ المفعول في الوزارتين. أو إن الإغتصاب يمثل حالات فردية تضيع أمام ملفات الفساد الكبرى ولا تستحق كل هذا الضجيج. أي كان من الأسباب فهو أشد مرارة من الآخر. أما مرارة العلقم فهي في فم الشعب الصامت الذي يرفع شعار “هيهات منا الذلة”!
فعلا هيهات منكم الذلة! فقد عرفناكم حق المعرفة، وشهدنا صولاتكم في ميدان الشرف والمواطنة. مبروك عليكم مغادرة قافلة الذلة لدياركم المقفرة، وأنتم لا تدركون بأنكم راكبون فيها.

رداً على مزاعم عمرو موسى حول الحكم الوطني في العراق- الجزء الأول

رداً على مزاعم عمرو موسى حول الحكم الوطني في العراق- الجزء الأول

شبكة المرصد الإخبارية

في الحلقة الثالثة من حواره مع السيد غسان شربل والمنشور في صحيفة الحياة اللندنية في 27 تشرين ثاني (نوفمبر) 2012، تحدَّث السيد عمرو موسى المرشح الرئاسي الفاشل والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية ووزير خارجية نظام حسني مبارك البائد، تحدَّث عن العراق أيام العهد الوطني.
وتضمن حديثه آراء ومعلومات عن أحداث عديدة، وقد أثارت الآراء التي قدَّمها عن العراق في العهد الوطني وعن بغداد الجميلة، موئل الحضارة العربية والإسلامية وقلعة الصمود والنصر، أثارت استغراب الكثيرين ممن كانوا يظنون أنه أكثر حصافة وحكمة واحتراماً لنفسه من الإنحدار الى مستوى قريب من جوقة المصفقِّين والمطبّلين والمزمّرين لعهد الخراب والانحطاط والفساد والدمار الذي جاء به الإحتلال الأميركي- الإيراني للعراق.
ومع اننا سنرجىء، الى وقت آخر، التعليق على هذه الآراء، وسنركِّز هنا على الأحداث التي أتى على ذكرها السيد موسى مما له صلة بالقضايا التالية:
•      ما دار في لقائه بالرئيس الشهيد صدام حسين ببغداد في اثناء زيارته الى العراق كانون ثاني (في يناير) 2002.
•      تفاصيل الزيارة وأولياتها وما تمخَّض عنها.
•      علاقة مصر بالعراق قبيل أزمة الكويت عام 1990.
•      مواقف العراق ازاء جامعة الدول العربية.
•      علاقة العراق بالأمم المتحدة.

وقد توجهنا إلى أحد مسؤولي الدائرة السياسية في ديوان رئاسة الجمهورية وإلى مسؤول سابق في الدائرة العربية في وزارة خارجية العهد الوطني العراقي للتعليق على هذه النقاط، فكانت لنا هذه الحصيلة:
أولا: علَّق المسؤول في الدائرة السياسية في ديوان الرئاسة، والذي كان يتولى إدارة شعبة الشؤون العربية على ما ورد في حديث السيد موسى حول لقائه بالرئيس الشهيد، قائلا:
1. تشير سجلاتنا في الدائرة السياسية حسب المحضر الرسمي للقاء إلى ان السيد عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، التقى السيد الرئيس الشهيد صدام حسين بحضور وزير الخارجية الدكتور ناجي صبري الحديثي، وسكرتير رئيس الجمهورية الفريق المرحوم عبد حميد المحمود، والسكرتير الصحفي لرئيس الجمهورية الدكتور علي عبد الله.

2. ابتدأ اللقاء بتأكيد السيد موسى موقف الجامعة الرسمي بالحرص على سيادة العراق واستقلاله ومصالح شعبه الوطنية، ووقوف الجامعة مع حكومة العراق وشعبه بوجه كل ما من شأنه إنتهاك سيادته واستقلاله، ودعم توجهات العراق في السعي لإنهاء الأوضاع الصعبة التي يعيشها في ظل قرارت الحصار.

3. ثم طرح السيد موسى على الرئيس الشهيد استعداد الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لمساعدة العراق في السعي لإيجاد مخرج للأزمة التي تمر بها علاقة العراق بالأمم المتحدة ولمعالجة المشكلات الكبيرة التي يعاني منها العراق تحت وطأة قرارات الأمم المتحدة التي فرض بموجبها الحصار وشتى القيود على العراق وشعبه.
وطرح أيضاً مقترحا لعودة الحكومة العراقية إلى طاولة الحوار مع الأمانة العامة للأمم، وأعرب عن استعداد الأمانة العامة لدعم التوجه العراقي في هذا المجال، سعياً للبحث عن حل للأزمة في العلاقة مع الامم المتحدة.
وقال أنه في حالة موافقة الحكومة العراقية على ذلك سيقوم بالإتصال بالأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، لضمان موافقته، والاتفاق على ترتيبات إعادة الحوار بين الجانبين في أسرع وقت.

4. ردَّ الرئيس الشهيد على مقترح السيد موسى، شارحاً له موقف العراق من موضوع العلاقة مع الأمم المتحدة، واستعرض ما مرَّرته الولايات المتحدة وبريطانيا من مجلس الأمن من قرارات ظالمة حافلة بالتعسف والانتهاك الصارخ لسيادة العراق وحقوقه الوطنية ولحقوق الإنسان في العراق التي يكفلها القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وعن ممارسات فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة المنتهكة لكل إعتبارات السيادة والأمن والكرامة الوطنية في العراق.

5. بعد مناقشة مستفيضة امتدَّت نحو ساعة، أعرب الرئيس الشهيد عن عدم ممانعة العراق من العودة للحوار مع الأمانة العامة للأمم المتحدة.
واختتم اللقاء بتعهد السيد موسى بالإتصال بالأمين العام للأمم المتحدة لإبلاغه ذلك ولضمان موفقته على المقترح.
ولم يتطرَّق الرئيس الشهيد صدام حسين ولا السيد موسى الى أي موضوع آخر.
وفي إطار مسؤوليتي حضرت بصحبة مدير دائرة المراسم في ديوان الرئاسة، الذي أشرف على ترتيب اللقاء، حضرت إجراءات التهيئة والإعداد للقاء، حتى نهايته ومغادرة الضيف قاعة الإستقبال.

وأود أن أشير الى أن سكرتير رئيس الجمهورية المرحوم الفريق عبد حميد المحمود التقى بالسيد عمرو موسى ووزير الخارجية في أحد مباني الإستقبال التابعة لرئاسة الجمهورية في منطقة كرادة مريم بوسط بغداد، واصطحبهما من هناك بسيارته الى أحد القصور الرئاسية في منطقة الرضوانية جنوب غرب بغداد.
وبعد الدخول الى القصر ترك المرحوم سكرتير رئيس الجمهورية وزير الخارجية وضيفه الأمين العام في إحدى غرف الاستراحة، وذهب الى قاعة الإستقبال حيث كان الرئيس الشهيد، وبعد أقل من 10 دقائق عاد إليهما ودعاهما لمرافقته الى قاعة الإستقبال ففعلا.
وبعد انتهاء المقابلة خرج وزير الخارجية والأمين العام ومعهما سكرتير السيد الرئيس الذي اصطحبهما الى سيارته، وعاد بهما، عبر شوارع بغداد، الى حيث انطلقا في الصباح، أي إلى مبنى الإستقبال الرئاسي في منطقة كرادة مريم.
وكان سكرتير الرئيس الشهيد يقود السيارة بنفسه ولم تكن هناك أية سيارة عسكرية أو مدنية ترافقها ولا حرساً أو مرافقين لا في الذهاب ولا في الإياب. وهذه هي الطريقة التي كان يتبعها السكرتير في كل مقابلات الضيوف للرئيس الشهيد والتي كنت أحضر التهيؤ لها، بحكم مسؤوليتي، خصوصاً تلك المتعلقة بالضيوف العرب.
وكل ما قاله السيد عمرو موسى عما حصل بعد انتهاء اللقاء لا صحة له.
وأود أن أشير الى نقطة بروتوكولية مهمة يعرفها كل الضيوف الذين زاروا العراق واستقبلهم الرئيس الشهيد في أحد قصور الرئاسة، وهي ان الرئيس الشهيد في جميع مقابلاته مع الضيوف العرب والأجانب، ممن هم أقل منصباً من رئيس دولة، كان ينتظر الضيف في نهاية قاعة الإستقبال واقفاً، وبعد مصافحته والترحيب به يدعوه للجلوس، ويجلس معه، وبعد إنتهاء المقابلة يودِّع الضيفُ السيدَ الرئيس ويخرج من القاعة مع من يرافقه، من وفده، بصحبة السكرتير ومن يحضر من الجانب العراقي، أما الرئيس الشهيد فيبقى في القاعة ولا يغادرها إلا بعد مغادرة الوفد الضيف قصر الإستقبال.
ولم يتغير هذا التقليد إلا في زيارات رؤساء الدول، وهذه هي تقاليد المراسم (البروتوكول) التي تسير عليها رئاسة الجمهورية فيما يخص مقابلات السيد رئيس الجمهورية مع الضيوف طيلة 35 عاماً من العهد الوطني.

ثانيا: تحدَّث المسؤول السابق في الدائرة العربية بوزارة الخارجية في العهد الوطني عن أوليات زيارة السيد موسى لبغداد، فأفادنا بما يأتي:
1. أثناء انعقاد الدورة السنوية الجمعية العامة للأمم المتحدة في أواخر شهر أكتوبر/تشرين أول عام 2001 بعد أن تأجلت، عن موعدها المقرر في سبتمبر/أيلول من كل عام، بسبب وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، التقى وزير الخارجية الدكتور ناجي صبري الحديثي بالأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى، وبحث معه ملف علاقة العراق مع الأمم المتحدة، وأبلغ الدكتور الحديثي السيد موسى انه يعتزم العمل على إعادة الحوار مع الأمانة العامة للأمم المتحدة، للبحث في إمكانية إيجاد حلول للأزمة التي كانت تتحكم بعلاقة العراق بالأمم المتحدة بعد أزمة الكويت وما صدر من قرارات متعسفة من مجلس الأمن تنتهك سيادة العراق ومصالحه وحقوق شعبه.

2. وخلال اللقاء طلب وزير الخارجية دعم جامعة الدول العربية لهذا المسعى، ووجَّه له دعوة رسمية لزيارة العراق لتأكيد هذا الدعم، والمساعدة في تأمين موافقة الأمين العام للأمم المتحدة على ذلك.

3. وقد وافق السيد عمرو موسى على دعوة السيد وزير الخارجية لزيارة العراق، ووعد بدعم المسعى الدبلوماسي العراقي مع الأمانة العامة للأمم المتحدة.

4. وصل السيد عمرو موسى الى بغداد في 19 يناير/كانون الثاني 2002 على رأس وفد من الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، وفريق كبير من الصحفيين المصريين وبعض المراسلين العرب.

5. أقيمت للضيف العربي دعوتان تكريميتان، الأولى مأدبة عشاء في مطعم برج الإتصالات بمنطقة المأمون، في بغداد، أقامها نائب رئيس الوزراء السيد طارق عزيز وحضرها وزير الخارجية السيد ناجي صبري وأعضاء الوفد الرسمي المرافق للسيد موسى، ولم يتأكد لديَّ حضور نائب رئيس الجمهورية المرحوم طه ياسين رمضان، حسب ما ذكر السيد موسى.
لم يطرح السيد موسى في جلسة العشاء أي موضوع عن أزمة الكويت أو الحرب مع إيران، أو عن السياسات العراقية، ولم يطرح المسؤولون العراقيون معه أي موضوع تفصيلي، وإنما اشتمل الحديث على نتفٍ من أحاديث عامة عن الوضع العربي وأحاديث مجاملات مما هو معتاد أن يطرح في جلسة عشاء لضيف.
ومما يثير الإستغراب أن يقع السيد عمرو موسى، وهو الدبلوماسي المتمرِّس والمحترف، في خطأ شنيع عندما قال إنه وهو ضيف على الحكومة العراقية وأمام عدد من كبار المسؤولين العراقيين انتقد سياسات الحكومة العراقية!! فهل يُعقَل أن ينتقد ضيف من عامة الناس مضيفيه وعلى مائدتهم وفي دارهم؟ فما بالك بدبلوماسي كان ذات يوم رئيساً للدبلوماسية المصرية العريقة! هل يُعقل أن يتصرف ضيفٌ من كبار الدبلوماسيين على هذا النحو مع مضيفيه بانتقاد حكومة مضيفيه أمامهم وفي جلسة يقيمونها تكريماً له؟ وهل يُعقل أن يشكو له كبار المسؤولين العراقيين عدم قدرتهم على الكلام مع رئيسهم وقائدهم، وأنهم طلبوا منه أن يقول للرئيس ما لا يستطيعون قوله لأنهم يخافون ذلك؟!

أما الدعوة الأخرى التي أقيمت على شرف السيد عمرو موسى فهي مأدبة غداء أقامها مدير جهاز المخابرات العراقي الفريق طاهر جليل الحبوش في دار ضيافة خاصة بجهاز المخابرات، في منطقة العلوية ببغداد، وحضرها مرافقو السيد موسى، كما حضرها من المسؤولين العراقيين وزيرا الخارجية، الدكتور ناجي صبري، والتجارة الدكتور محمد مهدي صالح وسكرتير رئيس الجمهورية، ولم يُطرح فيها سوى موضوعات عامة ومجاملات.
يقول السيد عمر موسى ما يلي “بعد طرح العراق قيام شكل من التعاون العسكري والاستخباراتي في 1989، ساورت القيادة المصرية شكوك حول النوايا الفعلية للعراق” ويقول أن ذلك أدى الى انهيار المجلس وان “غزو العراق للكويت لم يكن ابن ساعته”.
وهو هنا يحاول في سياق تقرُّبِه وتملُّقِه حكام الكويت، أن يختلق حدثاً لكي يستند إليه في محاولته تبرئة عملاء آل صباح من اختلاق الأزمة وتصعيدها الى ما وصلت اليه يوم 2 أغسطس/آب 1990، وذلك بالزعم أن العراق كان يخطط منذ زمن بعيد لاحتلال الكويت.
ويشير في هذه المحاولة الخائبة الى مجلس التعاون العربي بين العراق ومصر والأردن واليمن الذي ولد بمبادرة من العراق وأعلن رؤساء دوله الأربع عن تأسيسه وتوقيع اتفاقيته في بغداد يوم 16 فبراير/شباط من عام 1989 بعد إجتماعهم يومي 15 و16 منه، فيحاول أن يوحي أن سبب انهيار المجلس لا يكمن في خروج نظام حسني مبارك منه في أغسطس/آب 1990 بانحيازه السافر الى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وحليفاتهما في الحملة الحربية الإستعمارية على العراق، وإنما يعود الى اكتشاف مصر نوايا عدوانية لدى العراق، ويقصد بالطبع بخصوص الكويت، منذ عام 1989!
وبخصوص قول السيد موسى إن حكومته استدعته من نيويورك وكلَّفته زيارة العراق عام 1989 لإبلاغ رسالة رسمية برغبة مصر في الخروج من مجلس التعاون العربي، فلم نسمع، نحن العاملون في الإعلام العراقي، بمثل هذه الزيارة، كما أكد المسؤول في وزارة الخارجية أنه لم يسمع هو أو أي من زملائه في وزارة الخارجية بهذه الزيارة وليس ثمة إشارة لها في وثائق الوزارة! ونحن وإياه لم نسمع بها إلا من تصريح السيد موسى لجريدة الحياة!
ولذلك يبدو أنها من صنع الخيال الخصب للسيد موسى! إلا إذا كانت زيارة سرية جداً وغير معلنة وجرى التكتم عليها، ولا تتحدث عنها أي من وثائق العراق الرسمية، سواء في رئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية، وهو أمر مستبعد حدوثه تماماً، خصوصاً أنه ليس ثمَّة مبرر لكي تَعمِد حكومة مصر لاستدعاءِ ممثلها الدائم في الأمم المتحدة في نيويورك لكي تُكلِّفه بالقيام بزيارة سرّية لغرض إبلاغ العراق رفضها التنسيق العسكري والاستخباري معه، فقد كانت القنوات السياسية والإستخبارية والدبلوماسية كلها سالكة بين البلدين آنذاك.

وأتساءل: لماذا بقيت تلك الزيارة المزعومة بعيدة عن أنظار وأسماع الجميع حتى الآن، ورغم مضيِّ 10 سنوات على إحتلال العراق، مع أنَّ معظم وثائق العراق الرسمية انكشفت لمحتلّي العراق وعملائهم.
فبالإضافة للإجتماعات المتواصلة على المستوى الرئاسي والوزاري التي كان يمكن للقيادة المصرية إستثمارها لإبلاغ القيادة العراقية بما تريد على نحو مباشر، كان هناك، في بغداد، سفير لمصر وملحق عسكري وممثل رسمي للمخابرات المصرية مثلما كان للعراق مسؤولين مماثلين في القاهرة.
ومما يلقي مزيداً من الشك على رواية السيد موسى، أنه كان للعراق تعاون عسكري ومخابراتي مع مصر، وبعض الأقطار العربية حتى منتصف عام 1990، بل ان التعاون المخابراتي مع مصر وبعض البلدان العربية تواصل، حتى في أعقاب قطع العلاقات الدبلوماسية بين العراق وبعض الدول العربية على خلفية قضية الكويت، وكان لجهاز المخابرات العراقي ممثل رسمي في مصر وأقطاراً عربية أخرى.
وفضلاً عن ذلك، فإن مصر لم تخرج من مجلس التعاون قبل انفجار ازمة الكويت في أغسطس/آب 1990، كما نوَّه بذلك السيد موسى.

فقد تواصلت اللقاءات الرباعية بين أعضاء مجلس التعاون العربي، على كل المستويات، بل أن زعماء الاقطار الأربعة عقدوا في المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية اليمنية وجمهورية مصر العربية لقاءات على مستوى القمة، في الأشهر التي تلت إعلان قيام المجلس في أعقاب اجتماعهم الرباعي في بغداد في فبراير/شباط 1989، كما أسلفنا.
ورغم أن من الطبيعي، بل من المفروض والضروري، أن يقوم تعاون عسكري وأمني بين دول عربية شقيقة، إلا أن اتفاقية المجلس ركَّزت على السعي لتحقيق التكامل الإقتصادي بين الدول الأعضاء بوصفه خطوة صلبة على طريق التضامن العربي الفعّال وصولاً الى الوحدة العربية، وهذا نص المادة الثانية من نظامه الداخلي، وهي الأهم:
((المادة الثانية: يهدف مجلس التعاون العربي إلى:
1- تحقيق أعلى مستويات التنسيق والتعاون والتكامل والتضامن بين الدول الأعضاء والارتقاء بها تدريجياً وفق الظروف والإمكانات والخبرات.

2- تحقيق التكامل الاقتصادي تدريجياً وذلك بتنسيق السياسات على مستوى قطاعات الإنتاج المختلفة والعمل على التنسيق بين خطط التنمية في الدول الأعضاء مع الأخذ في الاعتبار درجات النمو والأوضاع والظروف الاقتصادية التي تمر بها الدول الأعضاء في الانتقال بين المراحل المختلفة وتحقيق ذلك التكامل والتنسيق في المجالات التالية بخاصة :
أ – الاقتصادية المالية.
ب – الصناعية والزراعية.
ج – النقل والمواصلات والاتصالات.
د – التعليم والثقافة والإعلام والبحث العلمي والتكنولوجيا.
هـ – الشؤون الاجتماعية والصحية والسياحية.
و – تنظيم العمل والتنقل والإقامة.

3- تشجيع الاستثمارات والمشاريع المشتركة والتعاون الاقتصادي بين القطاعات العامة والخاصة والتعاونية والمختلطة.

4- السعي إلى قيام سوق مشتركة بين الدول الأعضاء وصولاً إلى السوق العربية المشتركة والوحدة الاقتصادية العربية.

5- توثيق الروابط والأواصر بين مواطني الدول الأعضاء في جميع المجالات.

6- تعزيز العمل العربي المشترك وتطويره بما يوثق الروابط العربية.))

مع ذلك لا أرى حاجة للسيد الأمين العام لكي يساوره، وأركان نظامه، الشك في نوايا العراق، وما عليه إلا أن يعود الى المادة الأولى من اتفاقية المجلس التي تشير بصريح العبارة الى اتفاقية الدفاع العربي المشترك، وهذا نصُّها:
1. ((المادة الأولى: يؤسس مجلس التعاون العربي من المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العراقية وجمهورية مصر العربية والجمهورية العربية اليمينية وفق الأحكام الواردة في هذه الاتفاقية.
ويعد المجلس أحد تنظيمات الأمة العربية يتمسك بميثاق جامعة الدول العربية وبمعاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي والمؤسسات والمنظمات المنبثقة عن جامعة الدول العربية ويقيم علاقات تعاون مع التجمعات الإقليمية العربية والدولية.))

فلو افترضنا ان العراق طلب التعاون العسكري والاستخباري مع دول المجلس أو مع أية دولة عربية أخرى، فما العيب في ذلك؟ هل يرى السيد عمرو موسى في التعاون العسكري بين مصر وأية دولة عربية أخرى عيباً، ولا يرى ذلك في تعاون نظامه، نظام حسني مبارك البائد، عسكرياً واستخبارياً مع الولايات المتحدة وبريطانيا لمحاربة وتدمير العراق؟ وهل يرى في التعاون الإستخباري بين مصر والعراق عيباً ولا يرى ذلك في تعاون نظامه البائد مع المخابرات الصهيونية والأميركية، حتى بات الكيان الصهيوني يعتبر نظام مبارك وجهاز مخابراته كنزاً استراتيجياً لها؟ ولعلم السيد موسى فإن تعاون العراق في الميدانين العسكري والاستخباري كان موجوداً مع الدول الثلاث الأعضاء في مجلس التعاون العربي ومع بعض الدول العربية الأخرى وإن بدرجات متفاوتة من حيث السعة والعمق قبل عام 1990- وهو أمر طبيعي بل واجب، ثم إنه كان حرياً به، كونه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، أن يكون أميناً على كل ما يجمع بين الدول العربية، وأن يكون أول من يدعو لمثل هذا التعاون، لا أن يرتاب، حسب زعمه، في رغبة العراق في التعاون العسكري والاستخباراتي مع مصر.
فالإرتياب ينبغي أن يكون في تعاون نظام يحكم دولة عربية عزيزة كبيرة مثل مصر عسكرياً واستخبارياً مع دولة أجنبية يحسبها معظم العرب عدواً لهم، ضد دولة وشعب شقيقين لمصر، مثل العراق، والارتياب يجب أن يكون في تعاون نظام مبارك استخبارياً مع الكيان الصهيوني ضد شعب شقيق لمصر يجاهد من أجل استعادة ارضه ووطنه المغتصب.

وقبل أن ننهي الجزء الأول من الرد على تصريحات السيد عمرو موسى، نودُّ الاشارة إلى قوله أن الهدف الثاني من زيارته للعراق في عام 2002 هو مساعدة صديق، حيث قال ما نصه “الصديق الذى كنت أريد إنقاذه هو الدبلوماسى العراقى العريق رياض القيسى، الذى كان معنا فى الأمم المتحدة. كنت أعرف أنه كان شبهَ محدد الإقامة، ومهدداً ربَّما فى حياته، وطلبت لقاءه لإعطاء رسالة أن لديه اتصالات، وأن الأمين العام للجامعة تربطه به صلة لعلها تخدمه”.
فالحقيقة التي يعرفها العاملون في وزارة الخارجية، والتي يبدو أنها قد خفيت على السيد موسى، هي أن السيد رياض القيسي أحيل على التقاعد لبلوغه السن القانونية للتقاعد، ولمخالفته توجيها من رئاسة الجمهورية بعدم السماح لمسؤولي الدولة من مدير عام فما فوق وخصوصاً في وزارة الخارجية بتشغيل أبنائهم أو ذويهم في المنظمات الدولية العاملة في العراق.. ولم يكن لإحالته على التقاعد أي بعد سياسي أو أمني أو جنائي. وأن تلك المخالفة ليست أكثر من مخالفة إدارية، وبقي يحظى باحترام وزارة الخارجية ودوائر الدولة ومسؤوليها، ولذلك عَرَضَ وزير الخارجية الدكتور ناجي صبري الحديثي على الدكتور رياض القيسي، بعد إحالته على التقاعد، العمل مستشاراً في الوزارة أسوة بالعديد من كبار الدبلوماسيين العراقيين المتقاعدين، لكنه إعتذر متعللاً بالرغبة في الراحة والإنصراف للقراءة، كما عُرِضَ عليه لاحقاً المشاركة في عمل استشاري للإعداد لواحدةٍ من جولات الحوار مع الأمم المتحدة، فاعتذر أيضا لسبب مماثل.
ومما يقدِّم دليلا آخر على خطأ معلومات السيد عمرو موسى هو استعانة إحدى الدوائر السياسية المهمة في الدولة العراقية بالسيد القيسي للعمل بوظيفة استشارية لديها.
ويبدو ان السيد موسى يناقض نفسه بنفسه، فهو من جهة يقول ان الأخير محدد الإقامة وحياته مهددة، ومن جهة أخرى يقول إن لقاءه بالسيد القيسي كان جزءاً من البرنامج الرسمي لزيارته، وإن الأخير زاره في مقر إقامته وامام الصحفيين والتقط معه الصور.
فكيف يتاحُ لمن هو محدَّد الإقامة وحياته مهددة، القيام بكل ذلك يا معالي الأمين العام؟
والى الجزء الثاني قريباً، بإذن الله تعالى…