الأربعاء , 26 يوليو 2017
خبر عاجل
أنت هنا: الرئيسية » درسات و أبحاث (صفحة 2)

أرشيف القسم : درسات و أبحاث

الإشتراك في الخلاصات<

الحرب الأفغانية كلفت بريطانيا 37 مليار جنيه و 500 قتيل

الحرب الأفغانية كلفت بريطانيا 37 مليار جنيه و 500 قتيل

الحرب الأفغانية كلفت بريطانيا 37 مليار جنيه و 500 قتيل

الحرب الأفغانية كلفت بريطانيا 37 مليار جنيه و 500 قتيل

 

شبكة المرصد الإخبارية

 

 
كشفت دراسة أكاديمية أميركية جديدة أمس، أن عدد القتلى من الجنود البريطانيين الذين سقطوا في أفغانستان منذ بداية مشاركتها العام 2006 في الحرب على الإرهاب التي بدأت في 2001، يصل إلى 500 قتيل، غير الجرحى، في حين أن وزارة الدفاع البريطانية لم تعترف سوى بمقتل 444 جندياً فقط، وفقاً لآخر الإحصائيات التي وزعتها الوزارة.

جاء ذلك في كتاب جديد أعلن صدوره أمس بعنوان «استثمار في الدم» لمؤلفه البروفيسور الأميركي فرانك لدويغ والصادر عن دار نشر جامعة «ييل» الأميركية المرموقة، حيث استند المؤلف فيه على أرقام متوفرة لدى الأمم المتحدة ومجموعة من الجمعيات غير الحكومية المعنية بأفغانستان وإحصائيات متنوعة عن الأضرار التي نتجت عن الغارات الجوية والمعارك التي خاضتها قوات الحلف الأطلسي في أفغانستان.

 

ويقول لدويغ الذي عمل مستشاراً لدى الحكومة البريطانية فيما يتعلق بمشاركة بريطانيا في ثلاث حروب في أفغانستان والعراق وليبيا، أن الحرب في أفغانستان كلفت موازنة الدولة البريطانية 37 مليار جنيه إسترليني، وأن التكلفة ازدادت في السنوات الأخيرة لتصل إلى 15 مليون جنيه في اليوم الواحد، الأمر الذي يُرهِق الاقتصاد البريطاني المأزوم أصلاً. وأضاف لدويغ أن بريطانيا صرفت في المعدل نحو 25 ألف جنيه على المواطن الواحد في إقليم هلمند الأفغاني البالغ عدد سكانه 1.5 مليون نسمة. وبمقارنة أخرى قال لدويغ أن ما صرفته بريطانيا على حملتها العسكرية في أفغانستان يكفي لتوظيف 5 آلاف شرطي وعدد مماثل من الممرضات لمدى الحياة، أو تمويل التعليم العالي لجميع طلبة الجامعات البريطانيين على مدى عشر سنوات.

 

ووصف لوديغ مشاركة بريطانيا في الحملة على أفغانستان بأنها «آخر الحروب الإمبريالية» التي تخوضها المملكة المتحدة. وقال أنه إضافة إلى الجنود الذين قتلوا في هذه الحرب، أصيب نحو 2600 جندي آخر بإصابات متنوعة، علاوة على 5000 جندي آخر ممن يعانون من انهيارات عصبية وحالات نفسية نتيجة مشاركتهم في تلك الحرب.

 

وكانت وزارة الدفاع البريطانية أبلغت مجلس العموم أنها غير قادرة على تقديم أرقام دقيقة عن تكلفة مشاركة بريطانيا في الحرب على الإرهاب واقتصرت الأرقام التي أعلنتها الوزارة على تقديرات عامة، وقالت أن التكلفة وصلت إلى 25 مليار جنيه حتى الآن، في حين وجد لدويغ أن التكلفة الحقيقية أكبر من هذا الرقم بكثير وتصل إلى 37 مليار جنيه، يذهب معظمها لدفع رواتب أو رسوم للمستشارين بالإضافة إلى شركات صناعة الأسلحة.

 

ويشير لدويغ إلى أن الوضع في إقليم هلمند حالياً أسوأ بكثير مما كان عليه قبل دخول القوات البريطانية إليه العام 2006، وأن إنتاج الأفيون الذي انخفض في ظل حكم «طالبان» عاد وانتعش ليصل إلى معدلات كبيرة تغري المسؤولين الأفغان على الفساد وقبول الرشوة من تجار الأفيون. وينهي لدويغ كتابه بالتأكيد أنه، بعد خروج القوات البريطانية من إقليم هلمند، سيقع الإقليم تحت سيطرة أمراء الحرب وتجار الأفيون الأفغان، معتبراً أن المشاركة في الحرب الأفغانية جاءت متسرعة من دون دراسة معمقة لطبيعة الوضع في أفغانستان ومن دون استراتيجية واضحة.

 

من جهة أخرى تراجعت وزارة الدفاع البريطانية أمس، على أثر الكشف عن احتفاظها بسجن سري في قاعدة «كامب باسشن» في إقليم هلمند وقررت تسليم ما يزيد عن 85 معتقلاً أفغانياً محتجزين لديها في هذا السجن إلى السلطات الأفغانية.

وجاء قرار الوزارة ليمنع صدور قرار من المحكمة العليا في لندن يأمر بتسليم المعتقلين للحكومة الأفغانية.

 

وساعد في اتخاذ الوزارة قرارها إعلان سفير أفغانستان في لندن محمد داود ياعر، بناء على توجيه خاص من حكومته، بأن السلطات الأفغانية تتعهد تقديم معاملة خاصة للمعتقلين الذين ستتسلمهم من الجيش البريطاني.

الفيدرالية خطر كبير وأُمنية إمريكية يراد تنفيذها بأيد يمنية

د. عبدالملك حسين التاج

د. عبدالملك حسين التاج

الفيدرالية خطر كبير وأُمنية إمريكية يراد تنفيذها بأيد يمنية

شبكة المرصد الإخبارية

يدور الحديث اليوم في الأروقة السياسية و يطرح المقترح في الغرف المغلقة بمباركة أمريكية الاتفاق على إنشاء نظام فيدرالي يتم فيه تقسيم اليمن إلى أقاليم بعد وحدة إندماجية ، مقترح سيكون مآله وصمة عار في جبين كل من أقره أو وافق عليه في ظل وضع مهترئ وضعيف وقابل للتمزق والتشظي يحقق أهدافا لجهات خارجية تجعل من تقسيم هذا البلد المسلم بؤرة صراع وتوتر داخلية دائمة لا يأمن فيها الشعب على نفسه ولا ينعم بخيراته، وإنما تأمن فيها الدول الكبرى على مصالحها بإضعاف هذا الكيان وتتفرغ لنهب ثروات الشعوب كما هو حاصل في العراق الذي يجثم على ثروة بترولية كبيرة لا يستفيد منها أهلها نتيجة الشقاق والتنازع والتناحر والاختلاف.

من خلال بؤرة الصراع هذه تُؤمِن فيها إسرائيل محيطها بانشغال كل دولة بمشاكل أقاليمها وصراعاتها الداخلية المناطقية والطائفية كما هو حاصل أيضا في العراق ولبنان، وتبقي السياسة الاستعمارية على كيانات طائفية ومناطقية خارج نفوذ الدولة وسيطرتها لتبقى الدولة مفككة وضعيفة في ظل قوى متصارعة يحافظ الأجنبي على تكافئها حتى يستمر الابتزاز والتدخل من خلالها، وأما إذا أضيف إلى هذا الوضع المهترئ إقامة النظام الفيدرالي فهو بمثابة صب الزيت على النار لتتم خطوات التقسيم والتفتيت والتمزيق للجسد الواحد ولكن بأيدي يمنية سيسجلها التاريخ ولكن في الصفحة السوداء.

لماذا استهداف اليمن بالفيدرالية ؟

كما أنَّه ليس بخافٍ أنَّ يمنًا موحَّدًا بكثافة سكانية كبيرة، وأرض شاسعة، وسواحل طويلة تمتد إلى 2400 كم، على بحر العرب، وخليج عدن، والبحر الأحمر، متنوّع الثروات، تتنامى فيه الحالة الإسلامية، وتزداد يومًا بعد يوم، وتتحكم بالحالة الاجتماعية فيه، أعرافٌ قبلية ذات نزعة محافظة، وداعمة لقضايا الأمة الإسلامية، وتنطلق منه مواقف مؤثرة إقليميًّا وعالميًّا مناهضة للمشروع الصهيوأمريكي.. إنَّه لا يمكن أن يُطمئن المشروع الغربي المخرّب في المنطقة، ولا الجهات الإقليمية الدائرة في فلكه؛ ولهذا التقى الهدف الصهيوأمريكي مع المخطط الصفوي في مؤامرة تقسيم اليمن والبدء بالخطوة الأولى (الفيدرالية).

ولهذا فالواجب على العلماء، والمفكّرين، والحركات الإسلامية الدعوية،.. أن يحولوا دون نجاح هذه المخططات التقسيميّة، بل أن يعملوا بضدها، فهو جزء أساس من مشروع توحيد الأمة الإسلامية، في إطار نهضتها الشاملة. المصدر: موقع الشيخ حامد العلي بتصرف .

مالذي يجري في اليمن:

إن ما يجري اليوم في بلادنا من بعض القوى في الداخل أو الخارج إما تصفية حسابات سياسية قديمة عبر طرق ملتوية وظفت لها مطالب حقوقية وتم تجييش الشارع المسكين لها واستغلال المظالم لا لرفعها ولكن لإثارة العاطفة وتحقيق مكاسب سياسية ضيقة تضر بالبلاد والعباد كانت قد دفنت في مقبرة التاريخ، ويتم من خلالها العودة لتقسيم البلاد وتمزيقها.

هل الحل تمزيق البلاد وتقسيمها ؟

لقد جرب اليمنيون قيام دولتين مستقلتين في اليمن فكانت ويلات الألغام وحروب المناطق الوسطى والتي تشبه في هولها الأساطير ، مضافا إليها ماحدث من انقلابات واقتتال داخلي وصراع على السلطة ونهب للحقوق وتأميم للممتلكات والقتل بالبطاقة وعملية السحل والدفن في رؤوس الجبال ، كل هذا يحدث والشعب اليمني يتفرج ويؤمل الفرج بوضع حد للصراعات وعودة الأمن والاستقرار، لتأتي بعد ذلك بارقة أمل وفرحة كبرى لليمنيين خصوصا وللمسلمين عموما هيأها الله سبحانه وتعالى ببعض الظروف الإقليمية والدولية ليفاجئ اليمنيون العالم بيوم إعلان الوحدة وإنهاء التشطير والتقاء الأخوة وعودة الأمل للأمة لأن تكون وحدة اليمن خطوة وبارقة أمل في طريق الوحدة العربية والإسلامية الشاملة بعد أن نُكبت الأمة وفُجعت بفشل تجارب سابقة كوحدة مصر وسوريا .

ونحن اليوم في اليمن لا نريد أن نُفجع مرة أخرى بالتراجع عن هذا المكسب الكبير وبالعودة إلى الخلف بعد وحدة إلتقت فيها القلوب وانتهى فيها التشطير وتوحدت فيها التشريعات والكيانات والمؤسسات وسادها ما سادها من الأخطاء والمظالم التي يجب على أبناء اليمن جميعا الاتجاه لإزالتها وتصحيح الوضع وفتح صفحة جديدة وبناء دولة يمنية يسودها العدل والحق والتقدم والرخاء والأمن والاستقرار واستقلال القرار ويكون لها دور مؤثر على المحيط الإقليمي والدولي لا أن تظل رهينة للهبات والمساعدات المشروطة. وتتعدد فيها الحكومات والبرلمانات المحلية لكل إقليم وتختلف التشريعات والدساتير من إقليم لآخر، وتحيا فيها العصبيات المناطقية وتسود روح الأنانية .

خطوات الدول نحو القوة والتأثير :

إن الدول التي تريد أن يكون لها دور مؤثر في محيطها الإقليمي والدولي تخطو الخطوات التالية :

1ـ توحيد مواقف في قضايا معينة في المحافل الدولية والإقليمية .

2ـ الانتقال إلى الكونفدرالية بتوحيد بعض المؤسسات المالية أو العسكرية أو غيرها مع بقاء الشخصية الدولية مستقلة لكل دولة من تلك الدول .

3ـ الانتقال إلى الفيدرالية بحيث تذوب شخصية كل دولة من تلك الدول في شخصية دولية واحدة مع بقاء آثار داخلية لشخصيات تلك الدول من برلمانات وحكومات ودساتير محلية على مستوى كل إقليم .

4ـ الانتقال إلى الوحدة الاندماجية المرحلة، وهي المتقدمة التي تنتهي معها كل آثار الانقسام فيصبح فيها الدستور واحدا والتشريعات موحدة والحكومة واحدة والبرلمان واحدا والعلم فيها واحدا، ويعتبر فيها الوطن واحدا بالنسبة لجميع موظفيها الذين كانوا ممنوعين من التوظيف وتولي المسؤوليات خارج أقاليمهم .

فنحن في اليمن قد خطونا في ذلك خطوة متقدمة اختصرنا فيها المراحل وهي الوحدة الاندماجية ساعدنا في ذلك عوامل كثيرة من أهمها وحدة الدين واللغة والقيم والعودة باليمن إلى ما كان عليه ، ولكن رغم هذه الخطوة المتقدمة إلا أنه أعترى هذه الوحدة أخطاء ومظالم نتيجة السياسات الخاطئة وسوء الإدارة كان علاجها الآن هو الاتجاه لرفع المظالم ورد الحقوق وتصحيح الأخطاء وليس علاجها تقسيم اليمن وتمزيقه بالفيدرالية والتراجع خطوة إلى الخلف ستتبعها خطوات تكون لها ضريبة باهضة سيدفعها الجميع ، لا نجد مبررا لمشروع الفيدرالية في اليمن والتراجع عن الوحدة الاندماجية ، فاليمن ليست دولة مترامية الأطراف كالولايات المتحدة الإمريكية ، ولا متعددة الديانات والأعراق واللغات مثل الهند وسويسرا وغيرها بحيث يُعطى كل صاحب ديانة وأقلية أو عرق خصوصيته في التشريعات، ولاهي إمارات ودول مستقلة تريد أن تنتقل إلى اتحاد فيدرالي كالإمارات العربية المتحدة التي لم تتراجع من وحدة اندماجية إلى الفيدرالية وإنما تقدمت وانتقلت من إمارات مستقلة إلى دولة فيدرالية واحدة .

ما حاجتنا للفيدرالية ؟

إن أبناء اليمن في أمس الحاجة لخطوات جادة لإصلاح أوضاعهم الأمنية والمعيشية وبناء دولة العدل، وليسوا محتاجين لعودة الأوضاع السابقة تحت أي مسمى من أنواع الأنظمة ، ولذا فنحن نستغرب مما يحدث اليوم ويتم طرحه من المشاريع التي لا تجلب قوة ولا تحقق أمنا ولا استقرارا ومنها الفيدرالية.

إن الفيدرالية في بلاد العالم الثالث وفي بلاد المسلمين على وجه الخصوص هي خطوة لتفريق المجتمع بخلاف الفيدرالية في الغرب التي هي لتجميع المتفرق، فنحن في وضع يسعى فيه العالم للتوحد والتكتل وتكوين الكيانات الكبيرة إذ لا مكان اليوم للكيانات الصغيرة والضعيفة التي تتناوشها النزاعات والمشاكل الداخلية على حدود الأقاليم كما يحدث الآن في العراق مع إقليم كردستان ، وكما يحدث في السودان الذي بدأ بالفيدرالية لعلها تحل مشاكله ورفع شعار “الوحدة الجاذبة ” فانتهى به الأمر بالتقسيم ولكن مشاكله وصراعاته الحدودية لم تنته .

نحن اليوم محتاجون لنظام إداري يصلح الأوضاع ويعطي كل محافظة حقها من الاهتمام والعدل وتنال نصيبها من ثروة البلاد ، ويغلق باب الصراع ويحافظ على النسيج الاجتماعي وعلى الأمن والاستقرار ويقلل التبعات ويحافظ على وحدة البلاد ووحدة التشريعات المستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء ، بعيدا عن العصبيات الجاهلية المناطقية والحزبية والطائفية والمذهبية ، والمكاسب السياسية الضيقة وبعيدا عن روح الانتقام والتشفي التي تريد أن توصل البلاد إلى وضع وإلى قناعة عنوانها ” ليس بالإمكان أحسن مما كان “، نحن نحتاج إلى نظام إداري يفوض الصلاحيات ويخفف من المركزية التي تخفف على المواطنين الأعباء ويحافظ على مكسب اليمنيين الكبير ورمز قوتهم وهي الوحدة الاندماجية التي لم تكن هي السبب ولم تكن هي الجريمة في المظالم وإنما كان السبب هو من مارس الظلم وأساء في حق أبنا الشعب اليمني عموما وأبناء المحافظات الجنوبية خصوصا.، ليس علاج مشاكلنا بالتمزيق وتقطيع أوصال البلاد ، ولا بالخطوة الأولى للتمزيق وهي الفيدرالية .

إن ماتكلم به أ .د / صالح باصرة الذي كان يجلس على كرسي أعلى وزارة لنخبة المثقفين في المجتمع وهم أساتذة الجامعات كلام مؤلم، وما كنا نتوقع أن يصدر من مثقف وعاقل مثله فما لذي جرى للناس وهل بقي عقلاء في هذا البلد وهل العبرة بالمناطقية أم بالكفاءات حتى يصرح ويقول : ” أن كل إقليم يحكمه أبناؤه عبر صندوق الانتخابات ولا يحق لأحد من خارج المحافظة الواحدة أن يحكم محافظة أخرى ، وإذا لم يتوفر في أي محافظة كادر فعليها أن تستعين بتوفير كادر من المحافظة المجاورة أو أي إقليم قريب منها وأردف قائلاً: نجد 22 مديراً عاماً من محافظة يأتون إلى محافظة غير محافظتهم وهذه المحافظة لها كادر قيادي من حقه أن يعمل بمحافظته ” .

و نحن نقول له والله لو كانت كل الكفاءات من محافظة حضرموت أوعدن وهي مؤهلة لرضينا أن تتولى كل المسؤوليات لأن العبرة في الإسلام هي بالكفاءة والأمانة والدين ، وأما المناطقية فهي مظهر جاهلي وداء عضال يصادم أخوة الإسلام وي صادم معيار الكفاءات يجب اجتثاثه من النفوس، ولذا هل كان تصرف النبي صلى الله عليه وسلم صحيحا عندما أرسل إلى البلدان ولاة من غير أهلها كعتاب بن أسيد الذي استعمله على مكة، ومعاذ بن جبل الذي أرسله قاضيا على اليمن.

وعندما ولّى الصديق ـ رضي الله عنه ـ عتاب بن أسيد واليا على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، والمهاجر بن أبي أمية على صنعاء، وزياد بن أبيه على حضرموت، ويعلى بن أمية على خولان، والعلاء بن ثور الحضرمي على زبيد و زمع، ومعاذ بن جبل على الجند، وعبد الله بن ثور على جرش، فهل احتج أهل هذه البلدان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه ولوا عليهم ولاة ومسؤولين من غيرهم ومن خارج بلدانهم .

عيوب الفيدرالية :

إن للفيدرالية عيوب وسلبيات من أهمها :

أولا: زيادة في معاناة المواطن: نظرا لاختلاف التشريعات المحلية من إقليم لأخر فإنه يصعب استقرار المواطن خارج إقليمه وذلك بما قد ينتج من صعوبات، مثل الذي يحدث للطلبة والموظفين ذات الطبيعة الخاصة.

ثانيا: زيادة في النفقات المالية : إن تكلفة البرلمانات والحكومات والإدارات وازدواجها في الفيدرالية، هي اكبر من تلك التي يتم الصرف عليها في الدولة المركزية.

ثالثا: تفتيت الوحدة الوطنية : يؤدي النظام الفيدرالي تفتيت الوحدة الوطنية خاصة إذا كثرت الأصوات الداعية للانفصال في الأقاليم. بالإضافة إلى أن الفيدرالية ستؤدي إلى زيادة ارتباط المواطن بإقليمه على حساب اليمن مما يوجد فرقة بين أبناء اليمن بسبب التنافس على الموارد والمصالح والتي ممكن إن تؤدي إلى صراعات، فلا نعمل على تفتيت الوحدة الوطنية ، ولا نهدر مال الشعب الذي يسببه تعدد الهيئات وازدواج السلطات ( وطبعا سيتحمل المواطنون هذه النفقات عن طريق فرض المزيد من الضرائب ) ! .

رابعا: ضياع الوقت: لا يمكن تنفيذ قرارات البرلمانات والحكومات في الفيدرالية إلا بعد انتظارهم وانخراطهم في مفاوضات طويلة من قبل البرلمانات والحكومات في الأقاليم المختلفة.

خامسا: حدوث الكثير من المنازعات والمشاكل وخاصة تلك المتعلقة بممارسة القضاء وذلك بسبب تعدد السلطات واختلاف التشريعات.

كما أن الصراعات بين الأقاليم سيجعل من اليمن تحت الوصاية الأجنبية الدائمة وتحت التهديد والاحتلال ، بالإضافة إلى أن تعدد السلطات واختلاف التشريعات يؤدي إلى ازدواجية في القوانين ومنازعات في توزيع الاختصاصات بين الدولة الفيدرالية والأجزاء التابعة لها .

وغالبا ما يؤدي الازدواج التنفيذي والتشريعي إلى نشوء مشاكل بين الأجزاء المشكّلة للاتحاد أو بين هذه الأجزاء وبين الدولة الاتحادية . مع بقاء خطر تفتّت الدولة الفيدرالية إلى دويلات كلما قويت سلطات الأجزاء على حساب سلطة الحكومة الاتحادية، فلأي سبب إذن نؤسس دولة اتحادية ( فيدرالية ) ؟

أين مطبخ الفيدرالية؟ وما الهدف ؟

عقد لقاء في قاعة لنكولن بفندق ديربورن الواقع على شارع اوك وود ضم عددا محدودا فتح السفير الأمريكي بحضور المنسق في الخارجية الأمريكية باب النقاش مع اشتراط الإيجاز والاختصار. أحد أعضاء ما يسمى مجلس التنسيق الأعلى للمؤتمر الجنوبي وفي هذا اللقاء قدم شرحا استمع إليه السفير الأمريكي بصنعاء ومنسق الخارجية الأمريكية حول القضية الجنوبية وعن مخرجات المؤتمر الجنوبي الأول المنعقد في القاهرة, مقدما له سؤال ما رأيه برؤية القاهرة التي تدعو إلى حل القضية الجنوبية من خلال إقليمين بين الجنوب والشمال تتوج بالاستفتاء ليقرر شعب الجنوب مصيره بنفسه ولماذا لا تكونوا انتم الداعمون لهذا المشروع؟

أجاب: السفير الأمريكي السيد جيرالد فايرستاين مبتسما … أتمنى أن أرى اليمن دولة فيدرالية بين الشمال والجنوب وأنا أرى أن هذا هو الحل المناسب للخروج من الأزمة الحالية التي يعيشها اليمن .

لم تعجب هذه الإجابة بعض الحاضرين من أبناء المحافظات الشمالية الذي أابدوا امتعاضهم

وقالت مجلة “فورين بوليسي”: في تقرير نشرته الخميس الماضي لأستاذ العلوم السياسية في جامعة ستيتسون الأمريكية ستيفن جورج بعنوان “هل سيبقى اليمن موحدا”، وأضافت الصحيفة: أن الحل المقترح لتذليل الانقسامات الإقليمية اليمنية يكمن في إصلاح الدستور اليمني على أسس فيدرالية، لكنها توقعت أن تكون مسألة الفيدرالية معرقلة في نهاية المطاف، وتؤدي إلى تعثر مؤتمر الحوار الوطني وسترفضها القوى القبلية والعسكرية في الشمال تماما .

إن الفيدرالية مخطط تم تجريبه في العراق فظهرت نتائجه واليوم يطرحه السفير الأمريكي وغيره في اليمن، فقد دخل الأمريكان والعراق واحد ، وخرج وهو ممزق الأوصال بعد أن أكد بول بريمر إبان توليه الحكم الأميركي للعراق أن مشروع الفيدرالية هو من الأولويات التي تسعى واشنطن لتحقيقها في العراق، وبالتأكيد فإن هذه الفيدرالية لا يقصد منها في حقيقة الأمر إلا تقسيم العراق وتمزيقه بحيث يظل متصارعا متناحرا كما هو حاصل اليوم، والكيان الصهيوني آمنا.

والسؤال هنا هو : لماذا يشجع السفير الأمريكي على الفيدرالية في اليمن؟ ولماذا تريد الولايات المتحدة أن تفكك أو تقسم الدول الإسلامية كما حدث في العراق والسودان ؟

الإجابة عن ذلك تتضح من خلال خمسة أهداف، اثنان منها يتعلقان بالدولة الصهيونية، ويتحددان وفق مصالح دينية وسياسية مختلطة، وهذه الأهداف هي غاية ما يريده الأمريكيون، وليست أهدافاً مرحلية:

1ـ تدشين القوة الأمريكية كإمبراطورية معاصرة تسيطر على دول العالم التي لا تعتنق الحضارة الغربية.2ـ ضمان أن تفقد الدول الإسلامية أي قدرة اقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو ثقافية على مواجهة أو تهديد أمن «إسرائيل» وسلامتها، والفقد هنا ينبغي أن يكون شاملاً ودائماً.

3ـ التهيئة لدولة «إسرائيل» الكبرى وإقامتها وفق الحدود والتعاليم التوراتية، أو قوة «إسرائيل» العظمى وفق الحدود الحالية، وفي النطاق العربي والإسلامي.

4ـ الوصول بالدول الإسلامية إلى حالة العجز الكامل والتجزئة بما يمنع أي احتمال لانبعاث إسلامي يهدد المصالح الأمريكية.

5ـ ضمان استمرار الدول الإسلامية مصدراً مأموناً للمواد الأولية وفي مقدمتها البترول، وسوقاً استهلاكية مفتوحة للمنتجات الأمريكية.

هل نعتبر مما حل بغيرنا ؟!

إن الخطة التي تحدث في اليمن هي نفس الخطة التي حدثت في العراق إنشاء كيانات طائفية ومناطقية، فمناطق للأكراد ومناطق للشيعة وتمثيل على أساس طائفي ومناطقي ، ليصب عليها نار الفيدرالية بعد ذلك.

نريد أن نوجد حلا للمظالم و رد الحقوق ولا نمزق البلاد ولا تخدم الأعداء من حيث لا نشعر ، ويكفينا درسا ما حدث ويحدث في العراق، فالعراق الآن يواجه ما يشبه مقدمات الحرب الأهلية المقبلة بسبب ما أرساه الاحتلال من تطبيقات لنظام الحصص حسب الطوائف والأعراق فهذا النظام الذي وضع في البداية ـ في فترة بريمر الحاكم الإمريكي للعراق في ذلك الوقت، كان مقدمة للبعض للمطالبة بالفيدرالية، وهذا ما تم وضعه في مسودة الدستور بعد الاحتلال، ووضع العراق في المستقبل على هاوية الفوضى والتمزق الطائفي.

كما أن مسودة الدستور ـ عندما صدرت آنذاك ـ كانت أحد العوامل المساهمة للانفصال، ومن هذه العوامل فقرات مثل الفيدرالية وخصوصية كردستان، والأخطر في هذه المسودة هي الفيدرالية التي ستكون في ظل الأوضاع المتفاقمة وحالة عدم الاستقرار، مقدمة لتفكيك العراق إلى كيانات وكانتونات صغيرة متناحرة لأسباب أثنية وعرقية ومذهبية، والغريب أن الاحتلال شجع مثل هذه الفيدرالية، هذه الخطط في العراق وفي غيرها ستساهم في تدمير المجتمع ونسيجه القائم إلى كيانات هامشية متناحرة وتقوم باسمه دولة جديدة مسيّرة لا تملك من الأمر شيئاً ـ وباسم هذه الدولة أيضاً يتشرعن وجودها التفكيكي، ففي التساؤلات تلك ـ كما يشير عبد الإله بلقزيز ـ ” بيان صريح لعملية التفكيك … وهو تفكيك ينصرف إلى تمزيق نسيج هذا المجتمع، وقطع كل آصرة تشد بين أفراده وجماعات، والعودة بالبنية الاجتماعية العراقية من بنية المجتمع الوطني الموحّد إلى البنية العصبوية، حيث لا يتعرف فيها العراقيون على أنفسهم من حيث تقوم بينهم رابطة توحيدية تصنع منهم شعباً، … وبالجملة هم عصبيّات فرعية صغيرة وميكروسكوبية، لا من حيث هم شعب!”.

مشروع التمزيق صهيوني :

تشير إحدى الوثائق الإسرائيلية ـ أن وثيقة إسرائيلية صدرت في الثمانينيات ونشرتها مجلة ” كيفونيم ” في عام 1982 التي ” تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية باللغة العبرية، وتمت ترجمتها إلى اللغة العربية، وأهم ما ورد فيها أنها شرحت بالتفصيل خططاً تتعلق بالعالم العربي الإسلامي والرغبة في تفتيت دول مثل العراق ومصر وفصل جنوب السودان، واللعب على وتر الطائفية في لبنان، واللعب على وتر الأقليات في العالم العربي عموماً، الوثيقة الثالثة كتبها ضابط الموساد السابق العميد المتقاعد موشى فرجي حول التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي في التعامل مع العالم العربي ودول الجوار ونشرها في كتاب يلخص كيف تتدخل إسرائيل في إفريقيا لإحاطة السودان وفصل جنوبه عن شماله ـ وهذا تحقق بالفعل ـ وبالتالي إضعاف مصر، والتي أصدرها في كتاب مركز ديان للأبحاث التابع لجامعة تل أبيب في أواخر التسعينيات ويشرح فيها خلفيات مساندة الحركة الانفصالية في جنوب السودان، ويذكر فيه المؤلف صراحة أن الإستراتيجية الإسرائيلية إزاء المنطقة تقوم على تشجيع وحث الأقليات في المنطقة للتعبير عن ذاتها، للحصول على حق تقرير المصير والانفصال عن الدولة الأم.

وخطورة هذه الوثيقة أنه في إطار تلك الإستراتيجية قامت عناصر الموساد بفتح خطوط اتصال مع تلك الأقليات بالفعل كما سرد العميد “فرجي” بالتفصيل الممل، وفي مقدمتها عناصر من الأكراد في العراق والموارنة في لبنان والجنوبيون في السودان، وكانت جبهة السودان هي الأهم، لأسباب عدة في مقدمتها أنها تمثل ظهيراً وعمقاً استراتيجياً لمصر، التي هي أكبر دولة عربية، وطبقاً للعقيدة العسكرية الإسرائيلية فإنها تمثل العدو الأول والأخطر لها في المنطقة، ولذلك فإن التركيز عليها كان قوياً للغاية.

الإسلام والفيدرالية:

ـ الأصل في السياسات والعاديات الإباحة ويكون التصرف فيها مشروط بتحقيق المصلحة الشرعية ، وأعظمها الحفاظ على الضروريات الخمس والذي لن يتم إلا بحراسة الدين وسياسة الدنيا به ، ولذا فإن شكل الدولة يدخل في السياسات والعاديات التي الأصل فيها الإباحة بحيث ينظر الناس إلى ما يحقق المصلحة الشرعية بشروطها المعتبرة، وهي:

1 – عدم معارضة دليل أقوى منها من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس .

2 – اعتبار الشارع لجنس المصلحة ، فتكون المصلحة المرسلة ملائمة لتصرفات الشرع . وإن لم يكن لها أصلا معينا .

3 – أن يكون المحدد للمصلحة مجتهدا ؛ لأن تقدير المصالح من باب الاجتهاد وشروط الاجتهاد لا بد من توفرها فيه .

4 – أن تكون المصلحة حقيقة لا وهمية ، ويعرف ذلك بإنعام النظر والبحث والاستقراء .

5 – أن تكون المصلحة عامة لا شخصية .

6 – أن لا يكون للأهواء والشهوات فيها مدخل .

7 – أن لا تكون في العبادات ولا في المقدرات .

أما بالنسبة للفيدرالية فسينظر إليها على أنها من باب السياسات والعاديات في الشريعة كما أسلفنا، والحكم عليها سيكون بحسب تحقق شروط المصلحة المذكورة آنفا، ومن خلال عرض الفيدرالية على شروط المصلحة الشرعية يلاحظ ما يلي:

1ـ الفيدرالية تصادم نصوص الشرع التي تأمر بوحدة الصف واجتماع الكلمة ، فأكثر النصوص بعد نصوص التوحيد هي نصوص الوحدة واجتماع الكلمة ، بينما الفيدرالية ليست توحيدا للصف وإنما تمزيقا له .

2ـ الفيدرالية هي من باب السياسات والعاديات المتروك النظر فيها للمصلحة وليست من باب العبادات والمقدرات .

3ـ الفيدرالية في الحالة التي نحن عليها لا تعتبر من جنس المصالح الملائمة لتصرفات الشرع، إذ الشرع يدعو لوحد الصف واجتماع الكلمة بينما الفيدرالية وسيلة للفرقة وتمزيق الصف .

4ـ أن الفيدرالية ليست من باب المصالح الحقيقية ولا المظنونة ولا حتى المتوهمة ، بل هي تعتبر اليوم في اليمن من باب تكثير المفاسد وتقليل المصالح على خلاف مقصد الشرع الذي جاء لتحقيق المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها .

5ـ أنها ليست من باب المصالح العامة ولا الشخصية ، فلو كانت من باب المصلحة الشخصية لكانت غير معتبرة في الشرع لأنها لا بد أن تكون من باب المصلحة العامة، فكيف وهي من باب المفاسد العامة التي ينعكس ضررها من الفرقة وشق الصف على عموم الشعب اليمني .

6ـ أن الناظر فيها لا بد أن يكون مجتهدا؛ لأن تقدير المصالح من باب الاجتهاد وشروط الاجتهاد لا بد من توفرها فيه ، والناظر فيها هنا هم الأمريكان والغرب الذين لا يرون إلا تحقيق مصالحهم وأهدافهم ولا يريدون الخير للأمة كما قل تعال : (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). [البقرة:105] .

7ـ أن للأهواء فيها مدخل ونصيب كبير إذ أن المطالبة بها مبناه على العصبية المناطقية وليست على المصلحة المعتبرة شرعا .

وبناء على ما سبق وإعمالا لقاعدة سد الذرائع فإن القول بالفيدرالية والأخذ بها لا يجوز شرعا لما يترتب عليه من المفاسد وفوات المصلحة الشرعية المؤدي إلي تمزيق البلاد وذهاب القوة وإعانة للأعداء على انتهاك حمى المسلمين ونهب ثرواتهم وأموالهم ، ولأنه يمكن تحقيق مصلحة البلاد والعباد بشكل من أشكال أنظمة الحكم أو شكل الدولة أو التقاسيم الإدارية الأخرى التي تحقق مصلحة البلاد والعباد بالحفاظ على وحدة البلاد والعباد وإمكانية رفع المظالم ورد الحقوق بالوسائل المشروعة ، لأن الوسائل في الشريعة لها حكم المقاصد .، وهذا بخلاف ما لو كانت هناك دولا منقسمة ومستقلة فأرادت تكوين تعاون فيما بينها عبر اتحاد كونفدرالي أو فيدرالي فإن ذلك أمر مشروع لأنه من باب تكثير المصالح ودرء المفاسد بخلاف التراجع عن الوحدة الاندماجية إلى الفيدرالية فإنه من باب تقليل المصالح وتكثير المفاسد وهو أمر غير جائز شرعا ؛ لأن من شروط التغيير المعتبر شرعا في إزالة المنكرات ألا يؤدي إلى منكر مساو أو إلى ما هو أعظم منه ، فكيف بالتغيير الذي يؤدي إلى تقليل المصالح وتكثير المفاسد .

هل الفيدرالية تشبه نظام الأقاليم في الدولة الإسلامية ؟

إن الدولة في الإسلام هي دولة واحدة لا تعرف الحدود فيما بينها توحدها العقيدة وتحكم بشرع الله تعالى وتجمع أبناءها أخوة الإسلام ولا تختلف مصادر التشريع فيها الولاية فيها على أساس الكفاءة والدين لا على أساس المناطقية ، ولو كانت المناطقية هي المقياس في الولاية لما ولى صلى الله عليه وآله وسلم على البلدان من غير أهلها ولما أرسل عليا ومعاذا وأبا موسى إلى اليمن ، وأما من يقارن الفيدرالية اليوم بنظام الأقاليم في الدولة الإسلامية الأولى فهو مخطئ وقد جانب الصواب ويجب ألا يخدعه تشابه المصطلحات عن معرفة حقائق الأشياء والفرق بينها ، وكذلك الفرق بين واقعنا اليوم الذي يختلف عن واقع الدولة الإسلامية الأولى التي لم بكن مقترح التقسيم من الروم أو الفرس ولم يكن ذلك التقسيم ذريعة لتمزيق الدولة الإسلامية ولم تكن هناك قيادات مصطنعة متصلة بفارس والروم تنادي بتمزيق البلاد وتفتيتها ، ولم تكن ـ أيضا ـ تسمية الأقاليم تعني اختلاف الدساتير وبذا اختلاف التشريعات لكل إقليم ، ولم تمنع تسمية التقسيم الإداري بالأقاليم النبي صلى الله عليه وسلم من إرسال معاذ بن جبل قاضيا على اليمن بحجة أنه من خارج الإقليم كما هي طبيعة النظام الفيدرالي المفتت ، ولا منعت الصديق رضي الله عنه من تولية عتاب بن أسيد واليا على مكة، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، والمهاجر بن أبي أمية على صنعاء، وزياد بن أبيه على حضرموت، ويعلى بن أمية على خولان، والعلاء بن ثور الحضرمي على زبيد وزمع، ومعاذ بن جبل على الجند، وعبد الله بن ثور على جرش، هل احتج أهل هذه البلدان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءه ولوا عليهم ولاة ومسؤولين من غيرهم ومن خارج بلدانهم .

إن الملاحظ اليوم أن الدولة ضعيفة وعاجزة عن بسط نفوذها على كل أراضيها وهي لازالت دولة بسيطة ، فكيف سيصبح الحال بعد تقسيم اليمن إلى أقاليم فيدرالية لها دساتيرها وحكوماتها وبرلماناتها وشرطتها المحلية ستكون أكثر قابلية للتقسيم والتمزق، وإذا عجزت الدولة عن بسط نفوذها قبل الفيدرالية فكيف سيصبح حالها بعد استقلال الأقاليم ، حتما ستكون أضعف وستقود الفدرالية حتى على مستوى الإقليم نفسه إلى تغذية الصراع التنافسي على المصالح والمناصب على مستوى القبائل والشخصيات وتؤجج الصراع وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي .

هل يوجد مبرر لقيام الفيدرالية في اليمن ؟!

تنشأ الفيدرالية للأسباب الآتية :

الأول : أن تكون هناك عدة دول مستقلة ،يوجد بينها مجموعة من العناصر المشتركة كوحدة اللغة أو التاريخ أو أن يكون هناك وحدة خطر خارجي يهدد كيان كل دولة من هذه الدول فتتجه في مثل هذه الحالات إلى إقامة اتحاد فيدرالي فيما بينها مستفيدة من العناصر المشتركة . لتقوية موقفها في مواجهة الأخطار الخارجية وتحقيق اكبر قدر ممكن من مصالحها . وهذا ما حصل عند تشكيل الاتحاد الفيدرالي للولايات المتحدة الأمريكية مثلاً ، فبعد أن كانت عبارة عن مستعمرات تابعة للحكومة البريطانية قام مواطنو ورعايا هذه الولايات بحركات مناهضة للتاج الملكي البريطاني والبرلمان الانكليزي واستمرت وتكللت بإعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا في المؤتمر العام الذي عقد في ولاية فيلاديفيا في الثاني من يوليو من سنة 1776 م وتم وضع دستور اتحادي في سنة 1781 والذي أرسى في مواده أركان النظام الفيدرالي إذ أعطى الكثير من الصلاحيات والسلطات لحكومة الولايات في مقابل تسلم القليل من سيادتها وسلطاتها للحكومة المركزية مما ساعدها على مواجهة الخطر البريطاني آنذاك وسارت قدما مستفيدة من كل عناصر القوة والارتقاء العلمي في ولاياتها حتى أصبحت أمريكا القوة الأولى في العالم ( القوة والهيمنة الأمريكية ). فهل ينطبق هذا على اليمن؟ فمن أجل مواجهة الأخطار الخارجية نمزق البلاد ونتراجع خطوة إلى الخلف عن الاندماجية إلى الفيدرالية كخطوة أولى من خطوات التقسيم ؟!!

الثاني : أن تكون هناك دولة واحدة ولكنها بسبب تعدد الديانات والأعراق يصعب التوصل معها إلى مشروع سياسي يحفظ لجميع هذه التنوعات خصوصيات بشكل تفصيلي مما يهدد الدولة بالتفكك الذي لا ترغب هذه القوى والمكونات الدينية والعرقية بحدوثه فتعمد الى البقاء ضمن ارتباط قانوني يسمى ( الاتحاد الفيدرالي )،كالهند التي يوجد فيها أكثر من 1500ديانة تريد كل ديانة أن تحافظ على خصوصياتها، فهل ينطبق هذا على اليمن، وكم عدد الديانات ولأعراق في اليمن؟! .

الثالث: أن تكون مساحة الدولة شاسعة ومترامية الأطراف كالولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر خامس دول العالم من حيث المساحة، فمساحتها (تسعة مليون ونصف مليون كم2 تقريبا بعد روسيا الاتحادية والصين وكندا والبرازيل؛ أي تبلغ مساحة الولايات المتحدة الأمريكية 1.9 مليار فدان تقريباً ، وقد بلغ عدد سكانها نحو 309 مليون نسمة في عام 2013م .، وولاية كاليفورنيا وحدها عدد سكانها يبلغ 37 مليون نسمة تقريبا أكثر من سكان اليمن ب12مليون نسمة ،

فهل اليمن بنفس المساحة وعدد السكان وتعدد الأعراق والقوميات حتى نقارن فيدرلة اليمن بفيدرالية أمريكا ـ عجيب أمركم ـ، فسكان اليمن ما يقارب 25 مليون , ومساحتها حوالي (نصف مليون كيلو متر مربع )؛ أي 1ـــ 19 من مساحة أمريكا .

وقد يقول قائل: سويسرا دولة مساحتها صغيرة وهي فيدرالية ، والإجابة لأنها تتكون من إيطاليين وفرنسيين وألمان ورومان فليست شعبا متجانسا ومتحد الديانة والثقافة والأعراق فلا بد فيها من تقسيم يحافظ على خصوصيات كل فئة ، وأما الإمارات العربية المتحدة فليست كاليمن، فهي لم تتراجع عن وحدة اندماجية وإنما تكونت من دول وإمارات كانت مستقلة بخلاف اليمن .

وجاء الدور على اليمن … لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد: .

مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعلنته كوندليزا رايس سابقا الذي يهدف إلى إدماج الكيان الصهيوني كعضو طبيعي في المنطقة مع مراعاة التفوق العسكري له والذي لن يتم إلا بإعادة ترتيب الخارطة بتقسيم الدول العربية وتفتيتها وتدمير وحدتها ومقدراتها وإمكانياتها ، فالعراق أخذ حظه الكبير من التفتيت والتقسيم وإثارة الفوضى الخلاقة الطائفية والمناطقية وتم تدمير إمكانياته ومقدراته الاقتصادية والعسكرية والتمكين للمشروع الطائفي الذي يعمق من الشرخ الاجتماعي والسياسي ، وكذلك السودان الذي تم فيه المشروع الغربي الأمريكي الصهيوني بدءًا بالدعم لجيش تحرير السودان الجنوبي عبر الجار القريب أوغندا والضغط لإقرار اتفاقية نيفاشا وإقرار الفيدرالية بين شمال السودان وجنوبه لتنتهي المؤامرة الأمريكية بحق تقرير المصير للجنوب وانفصال الجنوب وبقاء جذوة الصراع واحتدامها واختلاق بؤر صراعات في شمال السودان في دارفور وكردفان وغيرها والتجاوز إلى توجيه مذكرة من ما يسمى بمحكمة الجنايات الدولية للقبض على رئيس الدولة دون حياء أو خجل والتهديد بفرض عقوبات واختراق الطائرات الصهيونية للأجواء السودانية والضرب للمصالح السودانية ، ونحن اليوم في اليمن لسنا بعيدين ولا في مأمن عن مخطط الشرق الأوسط الجديد لتمزيق البلاد وتفتيتها والذي يراد تنفيذه ـ وكما هي العادة ــ بأيادٍ محلية يمنية من خلال خطوة التقسيم الأولى (الفيدرالية ) التي لا يوجد أي مبرر داخلي لها لا تنوع ديني ولا عرقي ، ولا نحن عدد من الدول المستقلة التي أحاطت بها الأخطار من كل جانب فتنازلت عن جزء من سيادتها لبعضها واتجهت للفيدرالية لحماية مصالحها وسيادتها كما حدث في سويسرا، بل يراد لنا التقسيم والتمزق والعودة إلى الوراء من أجل إضعافنا أمام الأخطار الخارجية لتنفيذ مخططاتها .

كيف ستتم الخطوات لتقسيم اليمن ؟

1ـ الإبقاء على كيانات طائفية أو مناطقية خارج نفوذ الدولة ومنع الدولة من التوجه لبسط نفوذها حتى تستكمل الخطوات ، كما حدث في كيان كردستان العراق وكما حدث في جنوب لبنان مع حزب حسن نصر .

2ـ إطالة عمر الفتنة والصراع وإنهاك الجميع والإبقاء على تكافؤ القوى المتصارعة وتخويف كل قوة من الأخرى حتى تستمر عملية الابتزاز للجميع والتدخل بالحلول ولكن بالصورة التي يراها وتحقق مصالحه .

3ـ جعل التمثيل في الحوارات الوطنية على أساس طائفي ومناطقي لتغذية الطائفية والمناطقية التي ستمزق النسيج الاجتماعي ، وليس على أساس التقسيم الإداري أو الدوائر الانتخابية .

4ـ إنشاء نظام فيدرالي يكون هو الخطوة المهمة بعد التمثيل الطائفي والمناطقي لتقسيم اليمن إلى دويلات مستقلة وصغيرة.

5ـ جعل المحافظات الجنوبية في إقليمين ليتماسكا حتى موعد إعلان توحيدهما وبذا انفصال الجنوب و عودته على ما كان عليه مع زيادة نتف من بعض المحافظات الجنوبية التي تم ضمها مع الإقليمين .

مخطط تقسيم اليمن

يذكر الكاتب :رمزي الفقيه : مخطط تقسيم اليمن فيقول في مقال له في موقع يمن ستريت :

حذرت منذ أكثر من عام أن بلادنا مستهدفة ضمن مخطط يهدف إلى تقسيم الدول الإسلامية إلى دويلات صغيرة مختلفة في توجهاتها السياسية والمذهبية .. ويبدأ ذلك التقسيم بتقسيم الدولة إلى أقاليم .. لكل إقليم عاصمة وميناء وموارد اقتصادية مستقلة .. بما يسهل تحول كل إقليم إلى دولة مستقلة في المستقبل .. وفكرة هذا المخطط هي عبارة عن تعديل لمخطط الشرق الأوسط الجديد الذي أعلنه برنارد لويس في ثمانينات القرن الماضي .. ثم في بداية عام 2005م تم تعديل المخطط الخاص باليمن وفقاً لأبحاث وتقارير تم إعدادها من قبل عدد من المراكز المتخصصة في الدراسات السياسية والإستراتيجية وأهمها مركز الدراسات الإستراتيجية في دمشق .. ليصل المخطط إلى صورته (قبل النهائية) والتي تتمثل بتقسيم اليمن إلى أربعة أقاليم (الموضحة في الصورة) .. – إقليم صعدة ويضم محافظات مأرب والجوف وصعده وعمران وحجه .. عاصمة الإقليم صعدة أوعمران وميناء الإقليم ميناء مـيــدي – إقليم صنعاء ويضم مدينة صنعاء ومحافظات صنعاء وذمار والبيضاء وإب والحديدة وتعز والمحويت وريمه .. عاصمة الإقليم صنعاء وميناء الإقليم ميناء الحديدة – الإقليم الشرقي (محمية حضرموت الشرقية .. ويضم شبوة وحضرموت والمهرة) – والإقليم الجنوبي (الجنوب العربي) .. ويضم عدن وأبين ولحج والضالع المخطط الأخير .. يبدو أنه نتيجة للأحداث والتطورات التي شهدتها بلادنا خلال العام المنصرم .. تم تعديل المخطط ..إلى صورته النهائية بحيث يتم إلغاء إقليم صنعاء ليكون هناك أربعة أقاليم .. هي .. الإقليم الغربي (تعز وإب والحديدة) والإقليم الجنوبي (عدن وأبين ولحج والضالع) الإقليم الشرقي (شبوة وحضرموت والمهرة) والإقليم الشمالي (ويضم بقية المحافظات وعاصمته عمران أو صنعاء وميناءه ميدي) .. ملاحظات مهمة .. – مخطط تقسيم اليمن .. لن يتم إجبار اليمنيين على تنفيذه .. بل سيتم جعله يظهر وكأنه اختراع يمني بحت سيأتي نتيجةً لمؤتمر حـــــوار سـيشارك فيه اليمنيون بكل أطيافهم. – لا يمكن أن يتم تقسيم اليمن .. طالما وجيشها موحد ..

لماذا تأخرت هيكلة الجيش ؟!

إمريكا تشرف على هيكلة الجيش ، وتم تأخير الهيكلة أو التقسيم على الواقع ليتناسب مع نظام الأقاليم .. – أهم خطوة لتنفيذ المخطط بصورته النهائية .. هي أن يتم إصدار قرار رئاسي يقضي بنـقـل العاصمة من صنعاء إلى عدن .. بحجة أن ذلك سـ يحافظ على الوحدة .. أخيراً .. أرجو من الجميع قراءة الموضوع بعين محايدة .. وأترك لكم حرية التعليق .. وأسأل الله أن يختار لبلادنا ما فيه الخير والصلاح ..

مناشدة للعقلاء في المحافظات الجنوبية :                                     

إننا نناشد الأخوة في المحافظات الجنوبية بأن يكونوا عقلاء ويكونوا أداة لتحقيق الخير وتعميق روح الأخوة بين أهل الدين الواحد والبلد الواحد ونتعاون على إصلاح أوضاعنا، وأما من سيكون سببا في إشعال نار الأحقاد والفتنة وإيغار الصدور وفي سفك الدماء وإزهاق الأرواح فإنه سيتحمل مسؤوليتها يوم القيامة ، ولاندري أمام من رُفع شعار الجمعة التي أقامها الحراك (أنا الشهيد القادم )، وكيف سيقابل الخطباء المولى جل وعلا في عرصات يوم القيامة وهم يدفعون بالفتاوى الشرعية إلى ساحات إزهاق الأرواح وهم يعرفون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِي مُوسَى ـ رضي الله عنه ـ قَالَ :

( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) ، ويجب ألا تأخذ الناس نشوة الشارع ونشوة العصبية المناطقية فيؤدي ذلك إلى البغي والظلم وتمزيق الجسد اليمني وحلول التنازع والاختلاف، فبالتنازع والاختلاف والفرقة والبغي ترتفع النعم وتنزع البركة ويحل الفشل وتكثر الفتن فلا يهنأ أحد بعيش ولا يهنأ بأمان مهما توفرت الموارد، فإن من يبغى يحول الله النعم وبالا عليه كما قال تعالى : (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( الأنفال – 46).) فإخوانكم في كل المحافظات الشمالية تجمعهم بكم أخوة الدين والعقيدة ويكنون لكم كل حب واحترام ولا يبالون أن يكونوا جميع المسؤولين من المحافظات الجنوبية مادامت المسؤولية مبنية على الكفاءة والأمانة والدين ، فعامة الناس لم يكونوا هم من أخذوا الأموال ولا هم الذين نهبوا الأراضي ، ونأمل ألا تحملوا الوحدة الجريمة وما حدث من مظالم في المحافظات الجنوبية فإن كان قد حدث ذلك فالآن الفرصة مواتيه للتصحيح ، وقد حدث قبل الوحدة ما هو أعظم من ذلك: فقد بلغ عدد القتلى في يناير 86م أكثر من اثني عشر ألف قتيل ، وحدث تأميم للممتلكات من مزارع وبيوت وأراضي لا زالت آثارها إلى اليوم واعتداء على الدين وغير ذلك وإن كنا لا نريد أن نذكرها اليوم وننبش جراح الماضي، لكننا مضطرون لذلك حتى لا نحمل الوحدة ما لا تحتمل، واليوم وقد تبنى البعض ما يسمى بالتسامح والتصالح ، كنا نريد أن تتوسع التسامح والتصالح بين جميع أبناء اليمن وفتح صفحة جديدة وليس في إطار محدود فقط .

ومناشدة لعقلاء اليمن ورجالاتها :

يا عقلاء اليمن ورجالاتها في الأحزاب وفي كل المحافظات تداركو المسألة واصطلحوا فيما بينكم وتناسوا الأحقاد ولا تجعلوا للتدخلات الخارجية ولا للإمريكان ولا للغرب عليكم سبيلا، فأنتم تستطيعون بإذن الله تعالى الصبر على بعضكم وتصحيح أخطاء الماضي وتصفية النفوس، فأدركوا الأمر قبل فوات الأوان، وقبل أن تأتي مرحلة تكون فيها الضريبة أضعافا مضاعفة ولا ينفع معها الندم، فالأعداء لايريدون لنا الخير ويكفي مامضى ، قال تعالى: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، فالمرحلة خطيرة والمؤامرة كبيرة من وقع فيها وشارك في تنفيذها فهي تأشيرة خروج وبوابة مغادرة من رضا الله ومن التاريخ لا بطاقة دخول ، تتبعها بعد ذلك لعنة الأجيال .

ونقول مؤخرا هل كان من أهداف الثورة الشبابية تمزيق اليمن وإلغاء الوحدة الاندماجية واعتماد الكوتا النسائية وغيرها من مشاريع التآمر ؟ أم كانت الأهداف إصلاح الأوضاع في جميع المجالات وتحسينها ؟ اتقوا الله في هذا الشعب وفي دينه ووحدته …

د. عبدالملك حسين التاج  الناطق الرسمي بإسم هيئة علماء اليمن

مشروعية الإضراب عن المشارب والمطاعم من أجل رفع المظالم

مشروعية الإضراب عن المشارب والمطاعم من أجل رفع المظالم

مشروعية الإضراب عن المشارب والمطاعم من أجل رفع المظالم

مشروعية الإضراب عن المشارب والمطاعم من أجل رفع المظالم

 

شبكة المرصد الإخبارية

 

إن التجربة الفلسطينية في معركة الأمعاء الخاوية ثرية وتحتاج مراجعة واستخلاص العبر ومعرفة خطوات ومراحل الإضراب وهي تفيد كل مظلوم وأسير في كل مكان وزمان من أرض الله .

ويذكر المرصد الإعلامي الإسلامي بوجوب التضامن مع الأسرى بالدعاء لهم، ونشر قضيتهم، والدفاع عنهم، ومساعدتهم، ومساعدة عوائلهم بالمال وما يحتاجون إليه، نسأل الله أن ينصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، وأن يفرِّج كربهم، ويفك أسرهم ويخذل عدوهم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

مشروعية الإضراب عن المشارب والمطاعم من أجل رفع المظالم

-الإضراب عن الطعام-

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلفنا المصلحين ومن تبعهم بإحسان وإصلاح إلى يوم الدين وبعد :

 

فإن من نوازل الفقه في العصر الحاضر حكم الامتناع عن الأكل والشرب مدة معينة لا تضر بصحة الممتنع لمصلحة راجحة له كرفع ظلم عن نفسه أو عن غيره وهو ما يسمى بالإضراب عن الطعام وهذه الوسيلة من وسائل التعبير عن الرأي وعادة ما يلجأ إليها المعتقلون والمسجونون والمأسورون عند وقوع الظلم عليهم أو عند تعذيبهم أو حرمانهم من حقوقهم من اجل فضح الظلم والتشهير به وتعريته أمام الرأي المحلي والعالمي، وبما أن اختلاف الرأي من الطبائع البشرية وينتج بسبب التباين في فهم الأدلة وذلك من السنن الكونية والاختلاف بين الناس لا يفسد للود قضية، وقد اختلف سلفنا المصلحين في مسائل مهمة من الدين قبل أن يتدخل كثير من فراعنة السلاطين في تسيس الفتوى في الدين وتوجيه مفتي الحكام بالفتوى حسب شهوة ورغبة الظالمين المظلين ، فكيف في وقت أصبح فيه كثير من الناس لا يستطيع أن يبوح بما يعلم به بالدليل الناصع المبين خوفاً من تغول المفسدين.

 

وإن كان قد بقي من العلماء الصالحين المصلحين ممن ثبتهم الله ليكونوا حصناً حصينا لهذا الدين، حصن يجلي عنه تحريف المحرفين ويزيل عنه غبار المبتدعين .مما سوغ الخلاف في مسائل الشرع المطهر بين الفقهاء والعلماء الربانيين

وحيث إن الله قد حرم الظلم وذم مرتكبيه فإنه قد شرع للناس بل وأوجب عليهم بذل الأسباب المعينة على رفعه عن أنفسهم وعن غيرهم حتى ولو كانوا كفاراً – فضلاً عن المسلمين – ولذلك قال الله تعالى في الحديث القدسي : (( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا )) وتحريم الظلم يفيد وجوب العدل ووجوب فعل جميع الوسائل والأسباب المانعة منه وذلك لان تحريم الشي يفيد وجوب ضده.

 

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( انصر أخالك ظالماً أو مظلوماً )) ثم بيّن صلى الله عليه وسلم أن نصرة الظالم بمنعه عن الظلم ، أما نصرة المظلوم فإنها واضحة متجلية لا ريب فيها ويكون بالوقوف معه وشد أزره والمطالبة له برفع الظلم عنه.

 

وأمر النبي صلى الله عليه وسلم هنا بالنصرة للمظلوم يفيد وجوبه على جميع المسلمين كل بحسب قدرته واستطاعته قال الله تعالى(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها…. الآية ) البقرة الآية (286) ، والقول بوجوب ذلك بناءً على القاعدة الأصولية التي ذكرها علماء الأصول وهي : أن الأصل في الأمر أنه للوجوب إلا بصارف يصرفه من الوجوب إلى الندب ولا صارف هنا فيبقى على أصله وهو الوجوب .

 

وإذا علم حرمت الظلم ونهى الله عنه مما يوجب نصرة المظلوم ووجوب رفع الإنسان له عن نفسه وعن غيره، ونصرة الظالم في منعه من إيقاع الظلم أدركنا جميعاً أن الأصل في المسلم أن يمتنع عن الظلم لنفسه ولغيره وأنه كبيرة من كبائر الذنوب وأن من فعله فقد أباح لنفسه ما حرم الله على نفسه ، ولذلك فإن الظالم جعل له على عباد الله ما لم يجعله الله لنفسه على عباده ، وهذا ما جعل عقوبة الظالم كبيرة في الدنيا والآخرة .

 

ومن هنا ندرك وجوب بذل الإنسان قصارى جهده ووسعه وجوباً شرعياً ، في عمل جميع الأسباب والوسائل المعينة له على رفع الظلم عن نفسه وعن غيره وانه لا يجوز له السكوت عن المظالم الواقعة على نفسه وعلى غيره حتى ولو أدى ذلك إلى فوات نفسه ،ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم )من قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد )، وأما مسالة الرضا بالظلم والاستكانة له والركون إلى الظالم فإنها ليست من ثقافة الإسلام ، بل هي من الثقافات الغريبة عليه والتي أسهم في نشرها في المجتمعات الإسلامية علماء السلاطين وفقهاء الاستبداد، حتى تستقيم الحياة والمعيشة للحكام الظالمين وتقنع الشعوب الإسلامية بما يرميه لها أمراء النهب والسلب من فتات ماينهبوه من ثروات الأمة، بل ويقنعوهم أن هذا هو الأصل في دين الله العظيم ، وان الصبر على الظلم هو شرع رب العالمين ، وهذا غير صحيح على الإطلاق وهو ما تسبب في تأخر المسلمين وفقرهم ، وتقدم الكافرين وغناهم وتسلطهم على الشعوب الإسلامية.

 

ولعل من أهم الوسائل المعينة على رفع الظلم والتشهير بالظالمين وفضحهم أمام العالمين وسيلة الامتناع عن الطعام والشراب لفترة محددة وهي ما يسمى في وقتنا الحاضر (الإضراب عن الطعام )،وهي وسيلة يقوم بها عادة المعتقلين والمسجونين والمظلومين حينما يبلغ بهم الأذى مبلغه، فلا يبقى أمامهم إلا التقاتل مع معتقليهم وسجانيهم، أو الإضراب عن الطعام والشراب، وهذه الوسيلة وسيلة سلمية مأمونة للإبلاغ عن المظالم والاعتقالات وفضح التعذيب وانتهاك الحقوق والحريات وهي تشابه وسيلة النطق بكلمة الحق أمام السلطان الجائر إلا أنها اقل ضرراً ونتيجة.

 

ومما يجلي مشروعية الامتناع عن الأكل والشرب للإبلاغ عن المظالم ، عموم الأدلة الآمرة برفع المظالم عن نفس الإنسان وعن غيره ، دون تحديد للوسائل التي ينبغي سلوكها لذلك مما يدل على تغيرها بتغير الزمان والمكان وان الذي يحددها هو الظروف والإمكانات المتوفرة في كل زمان ومكان وهي من أمور الدنيا الموكلة للناس في تقدير المصلحة منها من عدمها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (انتم اعلم بأمور دنياكم) وحيث توافرت الأدلة الشرعية الكثيرة على ذلك ومن أهمها:

 

الدليل الأول :

 

أن الله عز وجل قد نهى عن الظلم وحرمه على نفسه كما حرمه بين الناس وذمه وبين صفات الظالمين في نصوص كثيرة من القران والسنة منها :

 

قال الله تعالى:(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) المائدة :الآية( 45)وقال الله تعالى( إنه لايفلح الظالمون ) الإنعام: الآية(21 ) وقال الله تعالى )هل يهلك إلا القوم الظالمون ( الأنعام: الآية( 47) وقال الله تعالى) :ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار )إبراهيم: الآية(42)

وقال تعالى في الحديث القدسي:(( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا ))

 

وجه الدلالة:

 

أن الظلم أمر محرم شرعا والأمر المحرم شرعاً يجب على الإنسان اجتنابه والبعد عنه ،ويجب عمل جميع الأسباب والوسائل المعينة على اجتنابه، والامتناع عن الطعام والشراب من اجل رفع الظلم والاعتراض عليه وفضح ممارسيه من أهم الوسائل الحديثة المعينة على ذلك في العصر الحاضر فتكون مشروعة.

 

الدليل الثاني:

 

قول الله تعالى : ( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤف بالعباد )البقرة الآية (207) ،

وجه الدلالة :

 

يظهر وجه الدلالة في هذه الآية من ماورد عند بن أبي شيبة والبيهقي عما فعله هشام بن عامر الأنصاري لما حمل بنفسه بين الصفين على العدو الكثير فأنكر عليه بعض الناس وقالوا : ألقى بنفسه إلى التهلكة ، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة رضي الله عنهما وتليا قوله تعالى)ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله .. ) الآية(46)ولذلك فإن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم أنزلوا هذه الآية على من حمل على العدو الكثير لوحده وغرر بنفسه في ذلك ودخل في صفوف الكفار مقاتلاً لهم ، كما ورد ذلك عن عمر بن الخطاب وأبي أيوب الأنصاري وأبي هريرة رضي الله عنهم فيما رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان والحاكم.فإذا كان من دخل صف العدو وحمل عليه لوحده ولو أدى ذلك لهلاكه في سبيل الله ولإعلاء كلمته ورفع الظلم عن الناس ممن يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله فإن هذا يدل على أن الحكم يشمل أيضاً من امتنع عن الطعام والشراب إذا لم تذهب نفسه من باب أولى من اجل رفع الظلم عنه أو عن غيره.

 

الدليل الثالث:

 

قال الله تعالى (‏إن الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ …الآية) التوبة الآية (111)

 

وجه الدلالة:

 

إن الله عز وجل قد اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بثمن غالي هو الجنة إذا قاتلوا فإما أن يقتلوا المشركين أو يقتلون قبل ذلك. وذلك من اجل رفع الظلم (وهو الشرك والكفر ) وغيرها من المظالم ، قال ابن كثير رحمه الله : حمله الأكثرون على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله ، ولا فرق عند من باع نفسه لربّه ، بين أن يموت بسيف يقطع عنقه أو رصاصة تخترق صدره ، أو جوع أو عطش يقضي عليه ، مادام أن الهدف هو إعلاء كلمة الله وتحرير خلق الله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد فإذا جاز أن يتسبب الإنسان بذهاب نفسه من أجل رفع الظلم عن العباد فإن ماكان دون ذلك فجوازه من باب أولى وهذا يدل على جواز الامتناع عن الطعام والشراب الذي لا يصل إلى فوات النفس من باب أولى.

 

الدليل الرابع :

 

ما رواه مسلم في صحيحه و أحمد في مسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ : «‏ مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رفيقي في الْجَنَّةِ »‏ .‏ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضاً فَقَالَ : «‏ مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ أَوْ هُوَ رفيقي في الْجَنَّةِ »‏ .‏ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْع .

 

وجه الدلالة:

 

أن كل واحد من هؤلاء الصحابة تقدم لوحده أمام جيش الكفار لصد الظلم والقتل عن رسول الله مع انه يغلب على الظن انه لن يستطيع بمفرده أن يقضي عليهم وهذا يدل على انه يجوز للمسلم أن يتقدم لأمر فيه مصلحة ظاهرة وراجحة للإسلام والمسلمين ولو أدى ذلك لفوات نفسه . وإذا جاز هذا مع فوات النفس فإن جوازه مع بقاء النفس وعدم حصول الضرر من باب أولى، لذلك قال الإمام الشافعي رحمه الله ( لا أرى ضيقاً على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسراً ، أو يبادر الرجل و إن كان الأغلب أنه مقتول )وقال الإمام الغزّالي ( لا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار و يقاتل ، و إن علم أنه يقتل …. و إنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يُقْتل حتى يَقْتل ، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته ، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة ، وحبهم للشهادة في سبيل اللّه ، فتكسر بذلك شوكتهم ) . لم يَرَ مُعظم أهل العلم المتقدمين بأساً في الاقتحام و لو أدى إلى مهلكة.

 

الدليل الخامس:

 

ما رواه أبو داوود و الترمذي بإسناد صحيح عَنْ أَسْلَمَ أَبِى عِمْرَانَ التُّجِيبِىِّ قَالَ كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّومِ (القسطنطينية)فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيماً مِنَ الرُّومِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُمْ أَوْ أَكْثَرُ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفِّ الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ فَصَاحَ النَّاسُ وَقَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ يُلْقِى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الأنصاري فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ هَذَا التَّأْوِيلَ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ أَمْوَالَنَا قَدْ ضَاعَتْ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الإِسْلاَمَ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ فَلَوْ أَقَمْنَا في أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا .‏ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ عَلَيْنَا مَا قُلْنَا (‏ وَأَنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ )‏ [ البقرة : 195 ] فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الإِقَامَةَ عَلَى الأَمْوَالِ وَإِصْلاَحَهَا وَتَرَكْنَا الْغَزْوَ فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوبَ شَاخِصاً فِى سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّومِ .‏ قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ

 

وجه الدلالة:

 

أن بعض الناس يستدل بقول الله تعالى : (وَأَنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) استدلالاً خاطئاً حيث يفهم من الآية أن الدخول في صف الكفار ومقاتلة الأعداء والنكاية بهم وفضح الظالمين والتشهير بأفعالهم مما قد يؤدي إلى فوات النفس بأنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة وقد أوضح الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري أن الركون إلى الدنيا وعدم مجابهة الأعداء، ومقارعة الكفار وفضح الظالمين والتشهير بالطغاة والمستبدين هو الإلقاء بالنفس إلى التهلكة.أما مجابهة الكفار ومقارعة الظالمين وفضح المستبدين باي طريقة كانت فإنه يعتبر من الجهاد في سبيل الله، ومن هذه الطرق التي يمكن أن يفضح بها الظلم هي الامتناع عن الطعام والشراب فتكون مشروعة مثل بقية طرق رفض الظلم القولبة والفعلية.

 

الدليل السادس:

 

قصة حلف الفضول والتي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : (( لقد حضرت حلفاً في دار ابن جدعان ما أود أن لي بها حمر النعم ، ولو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت )) .

 

وجه الدلالة :

 

من المعلوم أن حلف الفضول الذي حصل قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كان حلفاً عقد في دار عبد الله بن جدعان لنصرة المظلومين ورد الحقوق لأصحابها وقد حضره النبي صلى الله عليه وسلم مع أعمامه وبعض وجهاء قريش في ذلك الوقت ، واتفقوا على أنه لا تقع مظلمة في مكة إلا رفعوها وأزالوها وتعاهدوا على ذلك ثم توجهوا فوراً وأعادوا حق الرجل اليماني إليه ، واستمر هذا الحلف معمولاً به حتى عهد يزيد بن معاوية كما ذكر بعض أهل الحديث والتاريخ .

 

فهذا الحلف- والذي كان النبي صلى الله عليه وسلم أحد أطرافه- اتفاق على إزالة الظلم بجميع الطرق والأساليب وإزالة لآثاره ولم يحددوا وسيلة خاصة بذلك، ولقناعة النبي صلى الله عليه وسلم بعدالة المقصد وصحة التوجه ومشروعية رفع الظلم حتى عن الكفار . قال : (( ما أواد أن لي به حمر النعم )) . ولمعرفته بمشروعية هذا الفعل وحسن المقصد منه قال : (( لو دعيت لمثله – وفي رواية بمثله – في الإسلام لأجبت )) .

 

ولا أظن أحداً يعلم بهذا الحديث ثم يقول إن رفع الظلم عن جميع الناس – مسلمهم وكافرهم – ليس بمشروع .وإذا كان واجباً رفع الظلم عن الكافر بأي وسيلة مباحة كالكلام و المناصحة أوالامتناع عن الطعام والشراب ونحوها فان رفعه عن المسلم بأي وسيلة مباحة أيضاً أشد وجوباً.

 

الدليل السابع:

 

ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف (9745) والطبري 9 / 46 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد ص (214) حديث (841). أن أبا لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قُرَيْظة لينـزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك – وأشار بيده إلى حلقه – أي:إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيا عليه من الجهد، حتى أنـزل الله توبته على رسوله. فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله صلى الله عليه [ وسلم ] بيده، فحله، فقال:يا رسول الله، إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة، فقال يجزيك الثلث أن تصدق به.

 

وجه الدلالة :

 

أنه ثبت في قصة أبي لبابة رضي الله عنه مشروعية تقييد النفس وحبسها والامتناع عن الأكل والشرب وهذا يدل دلالة قطعية على مشروعية الامتناع عن الأكل أو عن الشرب أو عنهما معاً لمصلحة مشروعة، وذلك لان ابا لبابة فعل ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد علم النبي به ولم ينكر عليه ولو كان هذا الفعل منكرا او محرما لبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في وقت الحاجة لانه كما هو معلوم لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

 

الدليل الثامن :

 

حادثة رمي المسلم بين صفوف الكفار وداخل حصونهم .

 

وهذا ما حصل في بعض الفتوحات الإسلامية(اليمامة) حينما طلب بعض الصحابة وهو البراء بن مالك أن يحمل في تُرس على الرماح ثم يرمي بين صفوف الكفار داخل حصونهم ليقوم بفتحها ، وقصته مذكورة في سنن البيهقي في كتاب السير باب التبرع بالتعرض للقتل ( 9 / 44 ) وفي تفسير القرطبي ( 2 / 364 ) أسد الغابة ( 1 / 206 ، وغيرها

 

وجه الدلالة

أنه من المعلوم أن الرمي بهذه الصفة فيه خطورة عظيمة بذاته ويترتب عليه خطورة شبة مؤكدة حينما يسقط المسلم بين جموع الكفار ، والخطورة المترتبة على الرمي والسقوط بين الكفار أشد خطراً وأعظم ضرراً من امتناع الإنسان عن الأكل أو الشرب أو عنهما معاً عدة أيام ، وذلك أن الضرر في الرمي داخل حصون الكفار والسقوط عندهم مؤكد أو شبه مؤكد، بينما الضرر في الامتناع عن الأكل أو عن الشرب أو عنهما معاً غير مؤكد بل فيه احتمال استفادة الإنسان من ذلك في صحته .

 

ومع أن حمل المسلم في تُرس على الرماح ثم رميه على الكفار داخل حصونهم لم يحصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به مع إمكانيته في ذلك الوقت خاصة أنه من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر كثير من الحصون مدة طويلة كما حصل في غزوة تبوك وغيرها ولم يرد عنه انه فعل ذلك أو انه طلب من أحد من صحابته فعل ذلك.

 

ومع ذلك لم ينكر الصحابة رضوان الله عليهم على من طلب أن يرمي بحصن الكفار لتحصيل منفعة فتح الحصن وانتصار المسلمين، ولم يقل الصحابة رضي الله عنهم إن هذا لم يحصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به وذلك لأنهم علموا المصلحة المترتبة على ذلك ، وكذلك القول في الامتناع عن الأكل أو الشرب لمصلحة رفع الظلم عن النفس أو عن غير النفس.

 

الدليل التاسع :

 

ما جاء في قصّة أصحاب الأخدود التي رواها مسلم و الترمذي و أحمد عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه في الحديث الطويل، و فيها قَول الغلام للملك : « إِنَّكَ لَسْتَ بقاتلي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ .‏ قال : وَمَا هُوَ قال : تَجْمَعُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ وتصلبني عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ خُذْ سَهْماً مِنْ كنانتي ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ في كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قُلْ بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ .‏ ثُمَّ ارمني فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قتلتني .‏ فَجَمَعَ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ ثُمَّ أَخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ في كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ قال : بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلاَمِ .‏ ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ في صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ في صُدْغِهِ في مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ فَقَالَ : النَّاسُ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلاَمِ »‏ الحديث.

 

وجه الدلالة

 

حيث إن هذا الغلام قد أرشد الملكَ إلى الطريقة التي يتحقق بها قتله، ثم نفذها الملكُ، وتحقق بها ما رمى إليه الغلام من المصلحة العظيمة العامة من إيمان الناس كُلِّهم بالله بعدما بلغهم خبره، وما أجرى الله له من الكرامة. حيث قتلوه شهيدا في سبيل الله ، وهذا نوع من الجهاد ، مع أن هذا الغلام المجاهد غرر بنفسه وتسبب في ذهابها حينما علّمهم كيف يقتلونه من أجل مصلحة المسلمين ، بل لم يستطيعوا قتله إلا بطريقة هو دلهم عليها فكان متسبباً في قتل نفسه ، لكن أُغتفر ذلك في باب الجهاد ، وهذا في شرع من قبلنا وشرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يرد في شرعنا ما يعارضه ، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله بعد ذكر قصّّّة الغلام هذه : ( و فيها أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين و لهذا أحب الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين ) ( مجموع الفتاوى : 28 /540) ومثل ذلك الممتنع عن الأكل والشرب لمصلحة رفع الظلم عن نفسه وعن غيره ،فيما لو تسبب ذلك في ذهاب نفسه لمصلحة المسلمين المظلومين فضلاً عن لو لم يتسبب الامتناع عن الطعام والشراب في ذهاب النفس فإن جوازه من باب أولى ،وهذا الفعل له أصل في شرعنا ، إذ لو أن رجلاً قام محتسباً فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقال كلمة الحق أمام سلطان جائر حتى قتله بسبب فعله ذلك لكان مجاهدا شهيدا ، وهو ماثبت في قوله عليه الصلاة والسلام :( سيد الشهداء حمزة ورجل قام أمام سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله) ، وقوله صلى الله عليه وسلم :( أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

 

الدليل العاشر :

 

روى الإمام أحمد في المسند عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ قُلْتُ لِلْبَرَاءِ بن عازب رضي الله عنه : الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَهُوَ مِمَّنْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ ؟ قَالَ : لاَ لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : (‏ فَقَاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ )‏ النساء :84 إِنَّمَا ذَاكَ في النَّفَقَةِ

 

وقد ورد هذا الأثر عند الإمام ابن حزم [ في المحلى : 7/294 ] عن أبي إسحاق السبيعي قال : سمعت رجلاً سأل البراء بن عازب : أرأيت لو أن رجلاً حمل على الكتيبة ، وهم ألف ، ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال البراء : لا ، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقي بيده ، ويقول : لا توبة لي .

قال ابن حزم : و لم ينكر أبو أيوب الأنصاري ، و لا أبو موسى الأشعري أن يحمل الرجل وحده على العسكر الجرار ، و يثبت حتى يقتل .

 

وجه الدلالة :

 

حيث فهم بعض الناس أن حمل الرجل لوحده على الجيش الكبير يعتبر من رمي الإنسان بنفسه في التهلكة وقد بين البراء بن عازب رضي الله عنه أن هذا الفهم غير صحيح وإنما التهلكة أن يقع الإنسان في الذنب ويترك التوبة لأنه يظن أن لاتوبة له.كما أن أبا أيوب وأبا موسى الأشعري لم ينكرا على من حمل لوحده على جيش الكفار فثبت حتى قتل.وإذا كان يشرع للإنسان المسلم مثل هذا الفعل وهو يعلم انه مقتول لامحالة فإن جوازه في حق من امتنع عن الأكل والشرب لرفع الظلم عن نفسه أو عن غيره وهو يعلم بعدم فوات نفسه من باب أولى.

 

الدليل الحادي عشر:

 

ما ورد في الصحيحين من قصّة حملِ سلمة ابن الأكوع و الأخرم الأسدي و أبو قتادة لوحدهم على عيينة بن حصن و من معه ، و ثناء الرسول صلى الله عليه و سلم عليهم بقوله : «‏ كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ ) متفق عليه.

 

وجه الدلالة

 

جواز إقدام الإنسان على العدو لوحده إن علم انه يوقع فيهم النكاية، قال ابن النحاس وفي الحديث الصحيح الثابت : أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده وان غلب على ظنه انه يقتل إذا كان مخلصا في طلب الشهادة كما فعل سلمة بن الأخرم الأسدي ، ولم يعب النبي عليه الصلاة والسلام عليه ذلك، ولم ينه الصحابة عن مثل فعله ، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله فإن النبي عليه الصلاة والسلام مدح أبا قتادة وسلمة على فعلهما كما تقدم ، مع أن كلاً منهما قد حمل على العدو وحده ولم يتأنّ إلى أن يلحق به المسلمون .وقال محمد بن الحسن الشيباني في السير (1/163): أما من حمل على العدو فهو يسعى في إعزاز الدين، ويتعرض للشهادة التي يستفيد بها الحياة الأبدية، فكيف يكون ملقياً نفسه إلى التهلكة؟ ثم قال: لا بأس بأن يحمل الرجل وحده، وإن ظن أنه يقتل، إذا كان يرى أنه يصنع شيئاً، فيقتل أو يجرح أو يهزم، فقد فعل ذلك جماعة من الصحابة بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد، ومدحهم على ذلك.

 

قال الحافظ ابن حَجَر في الفتح [8/185 و ما بعدها ] : أما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو ، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته ، و ظنه أنه يرهب العدو بذلك ، أو يجرئ المسلمين عليهم ، أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن ، ومتى كان مجرد تهوّر فممنوع ، ولا سيما إن ترتّب على ذلك وهن في المسلمين ، واللّه أعلم .وإذا كانت النفس البشريّة مُلكٌ لبارئها و خالقها ، و أنّ العبد مؤتَمَنٌ عَليها ، ليس له أن يتعدّى عليها فيؤذيها أو يزهقها بغير حقّ ، فإن أداء الأمانة في أسمى صُوَرها ، يكون بِبَذلِها لصاحبها و مالكها ، فمن جاد بنفسه طواعيةً في سبيل الله فقد أدّى ما عليه و أمره إلى الله

 

فإذا كان هذا في الحمل على العدو وإقحام النفس في صفوفه ولو علم أو غلب ظنه وقوع القتل به ،فإن ماعداه من الأفعال التي يدفع فيها الظلم ويرفع فيها العذاب ويفضح فيها الإفساد والتي لاتصل إلى حد فوات النفس -كالإضراب عن الطعام ونحوها – جوازها من باب أولى.

 

الدليل الثاني عشر

 

ما نقل ابن النحاس عن المهلب قوله : قد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد ، و نقل عن الغزالي في الإحياء قوله : ولا خلاف في أن المسلم الواحد له أن يهجم على صف الكفار ويقاتل وإن علم أنه يقتل .

 

و نقل الإمام النووي رحمه الله [ في شرح مسلم : 12 / 187 ] الاتفاق على التغرير بالنفس في الجهاد .

 

و قال الإمام القرطبي : ( و الصحيح عندي جواز الاقتحام على العساكر لمن لا طاقة له بهم ، لأنّ فيه أربعة وجوه :الأول: طلب الشهادة . الثاني: وجود النكاية .الثالث : تجرئة المسلمين عليهم

 

الرابع : ضعف نفوسهم ليروا أنّ هذا صنع واحد فما ظنك بالجمع ) .

 

وفي سير السلف الصالح من لدُن الصحابة الكرام فمن بعدهم رضي الله عنهم أجمعين صورٌ رائعة ، و نماذج فريدة ، تدل على مشروعيّة إنكار المظالم والعمل على رفعها عن خلق الله أجمعين حتى ولو أدت إلى فوات النفس فكيف بالأفعال التي تقصر أضرارها عن ذلك فجوازها ومشروعيتها أولى ،، ومن أوضح الصور في ذلك موقف الإمام أحمد رحمه الله تعالى وصبره على العذاب الجسدي والجلد مقابل عدم أقراره على الظلم والتحريف في دين الله تعالى.

 

الدليل الثالث عشر:

 

أن القاعدة الفقهيّة قد ورد النص فيها على أنّ الأعمال بالنيّة ،وذلك لما ورد في الصحيحين و غيرهما عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -‏ رضي الله عنه -‏ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : «‏ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ،‏ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى »‏ .

 

وجه الدلالة

 

أن هذا الحديث يدل على أن العمل مقترن بالنية ولذلك فإنه من الظلم ومن غير العدل بل انه من مجاوزة الحق ؛ الحكم على من أراد بامتناعه عن الأكل والشرب رفع الظلم عن نفسه أو عن غيره أن عمله محرم أو انه بدعة مع انه كان يسعه السكوت عن ذلك- كما سكت غيره – لكن شعوره بوجوب إنكار هذا الظلم دفعه لمثل هذا الفعل.

 

الدليل الرابع عشر:

 

أنه من المعلوم أيضاً أن الإسلام له مقاصد كثيرة مشروعة ولعل من أهم هذه المقاصد هو حفظ حقوق الناس المادية والمعنوية ومشروعية بذل جميع الأساليب لذلك سواء على مستوى الحاكم أم على مستوى الأفراد ، والإنسان أعلم بأفضل الأساليب في وقته لرفع الظلم عن نفسه وعن غيره.

 

الدليل الخامس عشر :

 

لو أن طبيباً قال لمريض أنه يلزمك الامتناع عن الأكل والشرب فترة من الزمن لتتحسن صحتك ويزل بأسك ومرضك،لقلنا بأنه يجب على المريض أن يلتزم بذلك ، مع أن القائل بذلك طبيب واحد !فكيف لو قال بذلك أكثر من واحد أو أدرك الإنسان – الذي يريد الامتناع عن الأكل أو عن الشرب أو عنهما معاً – ذلك بنفسه

 

ومن المعلوم أن الإنسان متعبد باجتهاده أكثر من تعبده باجتهاد غيره ، وأن مصلحة مجموعة من الناس أو مجتمع كامل أهم من مصلحة فرد واحد .

 

فإذا كان الامتناع عن الأكل أو الشرب أو عنهما معاً سوف يكون سبباً في إزالة الظلم أو الضرر عن مجموعة من الناس مسلمين أو كفار فإنه أهم وأوجب وأظهر في المشروعية من أزالتها عن الشخص الواحد.

 

الدليل السادس عشر:

 

أن مسألة قياس الممتنع عن الأكل والشرب لرفع الظلم على المنتحر قياس مع الفارق ، فهناك فروق تمنع من الجمع بينهما ، فهناك فرق بين المنتحر الذي يقتل نفسه جزعاً أو تسخطاً على القدر أو اعتراضاً عليه أو تخلصاً من الآلام والجروح واستعجالًا للموت أو يأساً من الحياة بنفس قانطة ساخطة عاجزة يائسة ،وبين نفس الممتنع عن الأكل والشرب إنكارا للمنكر وفضحاً للظالم بنفس متشبثة في الحق رافضة للباطل ومتطلعة لرفع الظلم طلباً للجنة، وما عند الله ونصرة الدين والنكاية بالظالمين لا يستوون في ذلك إلا عند من أعمى الله بصائرهم فحرَّموا مثل هذه الأساليب السلمية حتى لا يتعلم الناس التعبير عن رفضهم الظلم بالوسائل السلمية ولكي يركنوا إلى الظلمة يعبثوا بمصائرهم وحرياتهم ويفسدوا بأموال الأمة ومقدراتها.

 

الدليل السابع عشر :

 

أن الامتناع عن الأكل أو الشرب أو عنهما معاً من أجل إزالة الظلم من وسائل إنكار المنكرات العملية والسلميةً وليس فيها إفتيات على احد ،والعمل بها عمل بالمرتبة الأولى من مراتب إنكار المنكر وهي أفضل المراتب وأشرفها، فإذا شاهد إنسان أو علم أوسمع باعتقال غير مشروع أو تعذيب غير مبرر أو انتهاك لحقوق الإنسان الشرعية أو المدنية أو السياسية،وظن انه بامتناعه عن الأكل أو الشرب فترة معينة يمكن أن يسهم في رفع هذا الظلم والانتهاكات أو يفضحها أو يشهرها بين الناس حتى يتوقف الظلمة والمفسدون عن مثل هذه الإعمال فإنه يشرع له القيام بذلك، من باب إنكار المنكرات، ومعلوم أن إنكار المنكرات من أوجب الواجبات.

 

الدليل الثامن عشر:

 

لا يلزم أن تكون جميع الوسائل التي يخترعها الناس أو يعملون بها لإنكار المنكرات أو للتعبير عن الرأي أن تكون موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لان هذا يعطل جميع وسائل إنكار المنكر الحديثة كالإنكار عن طريق رسائل الفاكس والجوال ، كما يعطل الاستفادة من وسائل الإعلام الحديثة المرئية والمسموعة والمقروءة وغيرها في إنكار المنكرات ، كما أن استحداث هذه الوسائل من أمور الدنيا وليست من أمور الدين . والنبي صلى الله عليه وسلم قال : (( أنتم أعلم بأمور دنياكم )).

 

الدليل التاسع عشر:

 

أن الامتناع عن الأكل والشرب من اجل المطالبة برفع الظلم بجميع أنواعه عمل مشروع وهو نوع من أنواع جهاد الظلم وهو الجهاد المعطل لأنه أفضل الجهاد في سبيل الله إذا خلصت نية صاحبه في رفع الظلم ودفع الفساد لأنه من قول كلمة الحق عند السلطان الجائر وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) فإذا كانت كلمة الحق تعتبر جهاداً فإن الامتناع عن الأكل والشرب لفضح أساليب هذا الجائر وانتهاكاته لحقوق المسلمين من باب أولى بل هو من انجح الوسائل الجهادية لرفع الظلم ومن الوسائل الفعّالة ضد المستبدين والظلمة لما لها من النكاية وإيقاع الألم النفسي بهم وفضحهم أمام العالم اجمع ،ولما فيها من تجرئة المسلمين عليهم لإنكار المنكر والتصريح بالحق وتقوية قلوبهم وكسر قلوب الظلمة والمستبدين.

 

الدليل العشرون :

 

 

أن هناك مجموعة كبيرة من القواعد الفقهية التي تفيد بمشروعية الامتناع عن الأكل والشرب والإضراب عنهما من اجل تحصيل مصالح مشروعة ومنها :

 

قاعدة: ( ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب)

 

وهذه القاعدة تفيد أنه إذا كان رفع الظلم واجبا على كل من قدر عليه بحسب طاقته فإن كل مالا يمكن أن يتم هذا الواجب الابه فهو واجب، فإذا علمنا انه لا يمكن رفع الظلم عن المظلومين أو عن المعتقلين أو عن المأسورين فإنه يكون واجباً .وإذا كان يمكن أن يتم الواجب وهو رفع الظلم بالامتناع عن الأكل أو غيره فإنه يكون في هذه الحالة مباحاً وذلك لأنه احد الطرق التي يمكن بها بيان اعتراض الإنسان على الظلم الواقع عليه أو على غيره في العصر الحاضر.

 

قاعدة : الأمر بالشيء أمر به و بما لا يتم إلا به

 

وهذه القاعدة تفيد انه إذا ورد أمر من الشارع بشي فإنه يعتبر أمر بكل ما لا يمكن أن يتم هذا المأمور إلا به، وعلى هذا فإن الظلم مأمور برفعه وتركه ، وكل مالا يمكن أن يتم رفع الظلم إلا به، فإذا لم يكن ممكناً رفع الظلم والاضطهاد المأمور به إلا بالامتناع عن الطعام والشراب فإنه يكون الامتناع عن الطعام والشراب مأموراً به وهذا يدل على مشروعيته بل وجوبه أحيانا إذا لم يمكن رفع الظلم إلا به

 

قاعدة: الضرر يزال

 

وهذه القاعدة تفيدأن الضرر ينبغي إزالته حتى لا يستفحل والإزالة للضررتكون بأي طريقة يمكن أن يزال بها مالم تكن محرمة،وبناءعلى ذلك فإنه إذا علم الإنسان انه يستطيع إزالة الظلم والاضطهاد عن نفسه وعن غيره بامتناعه عن الطعام والشراب فإنه ينبغي أن يفعل ذلك خاصة إذا لم يترتب على هذا الامتناع ضرر يلحق بجسده أو عقله.

 

قاعدة : إذا تعارضت مصلحتان تُقدَّم الأعلى، وإذا تعارضت مفسدتان تُرتكَب الأدنى

 

وهذه القاعدة تفيد أنه حينما تتعارض مصلحتان فإن المصلحة الأعلى تقدم على المصلحة الأدنى لأنها أكثر أهمية منها ، كما أنه إذا تعارضت مفسدتان فإنه ترتكب المفسدة والضرر الأدنى والأقل وتحتمل من اجل تلافي المفسدة والضرر الأكبر والأعظم ومعنى هذا انه إذا علم الإنسان أن امتناعه عن الطعام والشراب سوف يكون سبباً في إزالة الظلم و الضرر والاضطهاد عن نفسه أو عن غيره فإنه يشرع له أن يتحمل الضرر الأدنى بامتناعه عن الطعام والشراب مقابل تلافي الضرر الأعظم الواقع عليه أو على غيره ،وغير ذلك من القواعد الفقهية التي يتبين منها انه يشرع للإنسان تلافي الضرر الأعظم وهو وقوع الظلم والاضطهاد ولو وقع على الإنسان ضرر اقل منه، فضلاً عن إن لم يقع عليه ضرر أصلا مما يفيد مشروعية رفع الظلم والاضطهاد عن النفس وعن جميع المظلومين بأي وسيلة مشروعة كانت، ومن هذه الوسائل المشروعة الامتناع عن الطعام والشراب في مدة لا يقع عليه فيها ضرر جسدي بدني ، ولاعقلي نفسي

 

من كل ما سبق من الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ومن إجماع الصحابة وأقوالهم يفيد بمشروعية إزالة منكر الظلم ورفعه ورفضه والتمانع منه بأي وسيلة يمكن بها ذلك، سواء كانت الوسيلة وسيلة ايجابية أي فيها فعل أو وسيلة سلبية فيها امتناع عن فعل .

 

وهذا ما يتماشى مع النصوص الشرعية التي أجازت للمسلم تجشم المشاق من اجل إعلاء كلمة الله ورفع الظلم (الشرك والكفر ) عن عباد الله حتى ولو أدى ذلك إلى فوات نفس الإنسان ، بل إن ذلك كما جاء في النصوص الواردة في هجوم الإنسان بمفرده على صفوف العدو ومشروعيته حتى ولو أدى ذلك إلى ذهاب نفس المقاتل المسلم بان من فعل ذلك فإنه يعتبر شهيداًوله أجرالشهيد عند الله،فما كان اقل ضرراً من ذلك فإنه يدخل في حكمه من باب أولى إن كان من اجل إزالة الظلم والضرر الواقع على الإنسان أو على غيره.ومن ذلك امتناع الإنسان المسلم عن الطعام والشراب مدة معينة من الزمن لا تضر بالممتنع ولا بجسده ولا بعقله ولا بشي من ذلك.

 

كتبه في منتصف شهر صفر الخير من عام ألف وأربعمائة واثنين وثلاثين من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم .أستاذ الفقه المقارن في كلية الشريعة في جامعة القصيم

 

 

أ.د/عبد الكريم بن يوسف بن عبد الكريم بن محمد بن فهد الخضر

 

اندحار العاصفة – الحلقة الرابعة

اندحار العاصفة

اندحار العاصفة

اندحار العاصفة  – الحلقة الرابعة

 

الكتاب يتحدث عن مخططات القوى الدولية لاحتواء الثورة السورية وعن كيفية مواجهتها

 

خاص وحصري- شبكة المرصد الإخبارية

 

       جدلية الثورة السورية والانتصار القادم بإذن الله

 

كلما اشتدت وحشية العدو زاد قتله للشعب وكلما قتل الشعب أفرز عددا أكبر من المسلحين، وكلما زاد عدد المسلحين اتسعت الضربات الموجعة للعدو، وكلما اتسعت الضربات الموجعة للعدو اشتدت وحشية العدو….. وهكذا في جدلية يغذي بعضها بعضا حتى تنتهي بانتصار الشعب وهو انتصار حتمي لم يتخلف على مر التاريخ إذا استمر الشعب في المقاومة لأن الشعب هو مخزون المقدرات الكلي الذي لا ينضب (في عالم الأسباب)…. وتلك هي جدلية الثورة الشعبية للمسلمين في سوريا.

إن الثورة تستمد طاقتها من الشعب، وكذلك العدو لن يستطيع أن يستمد طاقته إلا من الشعب مهما كان مدعومًا من الخارج، ولكن الثورة في الشعب أصيلة والعدو مع الشعب متطفل، ولن يستمر العدو بين الجماهير إلا إن استمرت الجماهير في تغذية العدو ونضب إمدادها للثورة، لذلك فالخطوة الأولى الحاسمة للثورة هي تأييد الجماهير لها وكسبها وتبني طرحها لاستمرار تغذيتها فهي أدعى للقبول لأن الثورة بنت الجماهير البائسة، وسيسعى العدو جاهدًا لإسقاط الثورة وأطروحاتها بالتلبيس على الجماهير وظهوره بمظهر الحريص عليهم وعلى مصالحهم كي تستمر تغذيته من الجماهير… لذلك فالثورة والعدو في صراع على الجماهير أولًا، من كسبها كسب المخزون الحيوي الذي لا ينضب وأمّن استمراريته وقوته في حين خنق الطرف الآخر وسيستمر الخنق حتى ينتهي بالموت.

نجد مثالًا في الواقع الحالي فالكثير من السكان المحليين في مدينة حلب إثر المعركة التي تدور هناك يلومون الثورة والجيش الحر والمقاتلين على دمار منازلهم وتشريدهم وبالتالي يجافون المقاتلين الذين يبذلون دماءهم وأرواحهم لأجل حرية وكرامة الجماهير…..ثمة خطأ فاحش هناك يكرره المقاتلون اليوم (الجيش الحر والكتائب الإسلامية وغيرهم) إنهم لم يتعلموا من أخطاء التنظيمات الإسلامية الجهادية التي تفني نفسها لأجل الأمة، لكن الأمة بأكابرها وأصاغرها يلوكون المجاهدين بأردأ النعوت، والسبب…. لم يكن هناك خطابًا للأمة ولا إعدادًا لها بينما يستفرد العدو في تعبئة الجماهير ضد المقاتلين؟!….

إن التعبئة الجماهيرية ضرورة حيوية للمقاتلين، فإذا استثنى المقاتلون الجماهير من معادلة الحرب فإن المخزون الحيوي لهم سينفد من قريب، والمجاهدين سيسقط في أيديهم، وتضيع آلامهم وشهداؤهم وتتبعثر جهودهم وآمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف…. إذاً لابد من تهيئة الشعب لدفع الثمن إنهم يعتقدون أن دينهم وحريتهم وكرامتهم يمكن أن تسترد من دول المركز بهتافهم أو تضحيتهم بشيء من الرفاه، والحال هذه لابد من وضع الجماهير أمام حقيقة المعركة وخطورتها والتمهيد لدفع أغلى الأثمان للتحرر من عبوديتنا، وعندما تكون صلة المقاتلين بالجماهير حميمية فعندئذ تكون الثورة قد حققت شرطًا حيويًّا لا غنى عنه البتة.

العدو يستخدم الآن في مرحلته الأولى أبناءنا من الجنود والضباط في الصدام مع المقاتلين وهؤلاء أعدادهم بمئات الآلاف، فماذا لو نشط المقاتلون في زيارة أهالي الجنود والضباط ممن يقاتل في الجيش السوري أو قاموا بتوزيع منشورات للأهالي وتم شرح القضية من وجهة النظر الدينية والأخلاقية والسياسية …. و من ثم تم توعية الأهالي لأبنائهم لينشقوا عن جيش الأسد فهنا ستتحقق مكاسب:

تجريد العدو من أبنائنا الذين يدافعون عنه،والذخيرة من أجل المواجهة لأننا استطعنا فصل أعدادهم الكبيرة وشق صفهم،والحفاظ على أرواحهم لأنهم في النهاية من المسلمين وما منعهم من الانشقاق إلا شدة جهلهم بالواقع أو تلبيس النظام عليهم أو فتاوى رجال الدين ممن خان الله ورسوله والأمة ،أو خوفه أو عدم وجود فرصة لانشقاقه وليس حبًّا في الأسد بل إنه يلعنه كل يوم ألف مرة.و إن قتلهم يكلف عبئًا اجتماعيًّا ثقيلًا لأنهم في النهاية من مخزون الأمة وسوف نضطر لتحمل تبعات قتلهم وهم بمئات الآلاف من إعالة أهاليهم بسبب الفقر ونحو ذلك، وأكثر ما نحققه أن نجعلهم ينشقون عن العدو ويقومون بقتله ثم يهربون بعتادهم لينضموا إلينا وهذا هو ذروة الانتصار الناعم.

إذاً دعوتنا للأهالي بالأساليب الحكيمة هي الطريقة الناعمة التي ننتصر بها على عدونا، ففي هذا المستوى يكون عتادنا هو الطرح الفكري والكلام الذي سيؤدي للانشقاقات، أما الآن فإننا نقتصر على الطريق الخشن في الانتصار على الأعداء.

عندما أنشأت بريطانيا في الحرب العالمية الأولى وزارة سمتها وزارة تدمير ثقة الألمان بأنفسهم علق الجنرال لودندورف في نهاية الحرب قائلا:(لقد نومتنا دعاية العدو مغناطيسيًّا كما تفعل الأفعى بالأرنب).

إن العدو إذا أراد أن يحتل الأرض وضع الخطط الأولية في تجنيد الشعب لصالحه لذلك يجب أن نضع القاعدة الأولى في الحرب وهي الشعب قبل الأرض، وهذا يتطلب منا قطع كل الشرايين الأخطبوطية التي يفردها العدو في الجماهير والتي يسعى من خلالها أن يحافظ على وجوده وحمايته وتغذيته وإمداده، وهذه الشرايين منها المادية ومنها المعنوية، في حين يتطلب منا كمقاتلين غرس شرايينا في جسد الأمة كي يستمر هذا المخزون بالتدفق، وقد نجد أحيانًا شريانًا مشتركًا بين المقاتلين والعدو مغروسًا في الجماهير ولكن قطع هذا الشريان سيكلف العدو أضعاف ما يكلفنا فيجب علينا المبادرة لقطعه. إن الدافع الأول لدخول العدو البلاد هو ممارسة النهب وسيمتص معظم خيرات الأمة ويوزع الباقي على الشعب لسد الأفواه، فلو أن لي أرضًا وقد جنيت منها محصول القمح فاستولى عليه العدو بالكلية وأعطاني منه صاعًا فمن الحكمة أن أحرم نفسي من صاع القمح وأحرم العدو من المحصول إن عجزت عن تحصيله.

قد نجد شرايين مشتركة يتغذى منها الشعب والمقاتلين والعدو، فحصرًا سنعلم أن حصة العدو هي حصة المحصول وأن الشعب والمقاتلين لهم الصاع، ولولا هذه القسمة الجائرة لم يستقر عدو في أي أرض لأنه يدخلها لامتصاص خيراتها مع أسبابه الخاصة الأخرى.

ولو تساوت القسمة بين الجماهير والمقاتلين من جهة وبين العدو من جهة أخرى أو حتى زادت قسمة الجماهير على العدو فمن الحكمة إن عجزت عن تحصيل حقي أن أبيد المحصول وأحرم نفسي والعدو لأنني أصبر على الحرمان أما العدو فلن يصبر، ولن يستمر في الحرب لأنه بحكم لصوصيته وباطله أجزع من الجماهير التي تبنت القضية، وعندها سوف أكسر رغبة العدو في الاستمرار بالحرب ويرجع لي كامل المحصول وذلك هو الانتصار.

إذا الحرب تقوم على فكرة كسر رغبة العدو في متابعته للمعركة، فإذاً هناك صراع محتدم للإرادات فمن كانت إرادته أصلب فهو وحده الذي سينتصر….يمكن أن نحرم أنفسنا مؤقتا قسطًا مهمًا من الحياة لأن العدو يعيش ضمن هذا القسط والهامش من حياتنا، فتكون هذه الطريقة سببًا في كسر إرادته في استمرار المعركة على المدى البعيد لأنه لم تبق ثمة فائدة، أو لأنه يتكلف أضعاف ما يكسب من القسط الذي أتخلى عنه، وهذه هي التضحية ببعض ما أملك كي أسترجع كل ما اغتصب مني فيرجع لي كل ما أملك.

….. إنه إنعاش بالصدمات التي تفعل فعلًا عكسيًّا في قتل العدو وإحياء الأمة.إذاً كي أستطيع أن انتصر في جدليتي على العدو وكي أستطيع قطع شرايين العدو من الشعب لابد أن أجعل الشعب يتبنى قضية عادلة وطرحا مسؤولًا وعقيدة صلبة تجعله يصبر على حرمانه من بعض ممتلكاته، وتجعله يستمر في إمداد المقاتلين بالمال والرجال واستمرار الدفع الروحي فينشط المقاتلين ويشجعهم ويصبر الشعب على الحرمان كي لا يصيب المقاتلين بالهم والجزع والإرباك، فيلعب دورًا فاعلا في المعركة بدل أن يكون منفعلًا، ويكون معطيًا بدل أن يكون آخذًا لأنه يدرك أبعاد المعركة ومستلزماتها بدل أن يكون عبئاً على المقاتلين، والحقيقة أن العدو يحاول بشتى الأساليب أن يطرح الطرح الذي يلبس على الجماهير ويميع القضية بحيث يزرع بينهم أطروحات تنتهي على المدى البعيد بالطريق المسدود، فإذاً هناك أصلًا صراع فكري تبتدئ بها الحرب ومن يتبنى الفكر الأقوى في هذه الجدلية هو الذي سيستمر بينما ينتهي الآخر، وبالتالي كلما كان الفكر المطروح صادقًا نقيًّا وصلبًا وحاملًا للحق والعدل وقادرًا على الاستمرار كلما كانت الجماهير أشد التزامًا به، وبحكم مصالح العدو سيطرح للجماهير فكرًا لكنه سيقوم على الخداع والضبابية والكذب وإضعاف النقاط القوية فينا وتقوية الضعيفة، لذلك دائما يكون الفكر الذي يقدمه المقاتلون للجماهير قويًّا بالضرورة والفكر الذي يقدمه العدو للشعب واهيًا بالضرورة ومع ذلك كثيرًا ما نجد انتصار الفكر المخادع للعدو على فكر المقاتلين والسبب إما غياب طرح المقاتلين أصلًا أو لسوئه وانحرافه في العرض أو ضعف الطريقة وسوء الأداء أو الجهل المطبق الذي يلم بالجماهير مع ضعف إعلام المقاتلين… وبالعموم يكون في هذه الأحوال الفكر الكاذب والمخادع الذي يطرحه العدو أقوى من فكر المقاتلين الصحيح الشحيح.

إذاً نحن نحتاج إلى طرح قوي وفكر ألمعي يقدر أن ينتصر على الفكر الذي يقدمه العدو…. إننا نحتاج أن تتبنى الثورة عقيدة صلبة وحيوية تقدر أن تجتاح كل العقائد التي تعترضها وكلما كانت عقيدتنا الثورية متكاملة وذات عمق روحي وأصيلة في نفوسنا وتاريخنا و تقدر أن تتغلب على عقيدة العدو وطرحه من الجولة الأولى كلما كان الانتصار على العدو أسرع وأسهل وحتميًا وسيضمن النتيجة وبطريقة سهلة… لابد من تبني العقيدة الإسلامية.” وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَو ْيَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ “ البقرة (109)…

رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ ” الحجر (2)…

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ ” المائدة (59)…

حقًّا إننا نمتلك عقيدة حية ومتكاملة وجدير أن يحسدنا عليها الأعداء.

إذاً الجدلية في الثورة السورية تتوقف على استمرارية المسلمين في الجهاد واستمرارهم في الجهاد مرهون بوقوف الجماهير إلى جانب المقاتلين ولكي نضمن هذا الوقوف يجب أن نخلق الطرح المناسب والفكر الأقوى ولن نجد طرحًا وفكرًا أقوى من الإسلام، أي أن نجاح الثورة يتوقف على مقدار تعبئة الجماهير بالإسلام أولا فمن تبنى هذه العقيدة انتصر وهذه نتيجة عقلية ومنطقية فضلًا عن كونها نقلية شرعية وكان من البديهي أن نسمع الآيات التالية في شأن كل من تبنى العقيدة الإسلامية وعمل بمقتضاها…

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ” محمد (7)…” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ” الحج (39)…

إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ  ” غافر (51)…

بينما وعد الله تعالى بالهزيمة لمن تبنى عقيدة الباطل:

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ” آل عمران(151)…

يرى الناظر في هذه الآيات أن الله تعالى ينصر أولياءه المؤمنين في كل زمن وهذا عهد مكتوب ومنقول عن الرب سبحانه وتعالى بحكم الولاية، وهذا حق وله الدور الحاسم ابتداءً وانتهاءً…

إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ” آل عمران (160)…

وإن الله تعالى أمرنا بالأخذ بأقصى أسباب النصر الممكنة…

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ” الأنفال (60)…

وأن من تراخى في أخذ الأسباب الممكنة والمتاحة فهو آثم بنص الآية السابقة التي تأمرنا أمرًا “ وَأَعِدُّواْ” ومع ذلك فإن الله لم يربط بين النصر وبين الأسباب من الناحية القدرية وليس السببية لذلك قال الله تعالى…” لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنَزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (26) ” التوبة…

قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ” البقرة (149)…

 

يمكن أن ننظر إلى كل الآيات التي بشرت بالنصر لمن يتبنى عقيدة الإسلام من منظور آخر من حيث عالم الأسباب، فالإسلام دين متكامل وفيه من النضوج والحيوية والحق والصدق ما يصلح لأن ينصر أي شعب في معركته إن تبناه فكريًّا وعمل به وبالتالي لو أن الله تعالى عز شأنه رفع ولايته عن المؤمنين ورفع وعده بالنصر ووكل المؤمنين به إلى عالم الأسباب (وحاشاه) فإن قوة الطرح وقوة الفكر المخزون في الإسلام يكفي لنصر الأمة مهما كانت ضعيفة بشرط أن تقوم بحق الإسلام من جميع الوجوه، وعلى هذا نجد أن المدد والنصر يأت لمن يتبنى عقيدة الإسلام ويعمل بها من وجهين الأول من جهة الولاية

” وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا “

 ومن جهة قوة الطرح وكمال الفكر الذي تتبناه الجماهير

” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ “.

إن الطرح الإسلامي هو طرح تعبدي ويشمل كل مناحي الحياة السياسة والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والفكرية والعسكرية الجهادية والكونية والحياتية، ونظم أمور الحياة من عظيمها إلى حقيرها، فالإسلام جمع بين الدنيا والآخرة فعندما ينظمنا الإسلام في البيوع والمعاملات والقضاء ونحوها فإن الإسلام أرشدنا فيها إلى أكمل الأفعال .

 

يقول الله تعالى (إن هو إلا ذكر للعالمين ) أي شرف وقيمة ومكانة لكم في الدنيا والآخرة إن تمسكتم به، كما يجتمع فيه العبودية لله بالسمع والطاعة لله تعالى والأجر معا.

العدو كالجرثومة وكلما تحصنا فكريًّا وتطهرنا عقائديًّا فإن العدو سينحسر ويتلاشى تدريجيًّا لأنه يعجز أن يتكاثر وينمو في بيئة الطهر….فمن كان يقدر أن يخترق سلفنا الطاهر جيل القرآن؟… لذلك ملكوا بطهارتهم مشارق الأرض ومغاربها، أما اليوم فلم يبق لكع بن لكع إلا تسلط على رقاب المسلمين بكل استحقار واستخفاف واستعباد، ولم يبق ابن رويبضة إلا نطق بلساننا لأننا أصبحنا جسدًا متسخ الروح ومن اتسخت روحه سيعجز عن أي إبداع وسيجهل قيمة المثل والمبادئ فلا يصبو إلى شيء منها، جسدًا خاليًا من المناعة، كثرت سوءاتنا وانفضح أمرنا فاخترقونا وفتتونا وشتتونا….إن مجتمعاتنا فقدت أي تماسك اجتماعي أو اقتصادي أو عقائدي… هذا حالنا قبل قيام الثورة المباركة.عندما يكون العدو كالجرثومة لن نفلح عندما نفكر بطرق قتله المباشرة فقط لأنه قد يمتلك الدفاع وبالتالي لن نحسم المعركة ،بل لابد من البحث عن طرق قتله غير المباشرة أي نحكم الخناق على شرايينه السرطانية التي تمتد كجسور من مجتمعنا حاضن الثورة وقطعها ، وسيكتمل النجاح عندما نقوم بوصل الشرايين المقطوعة بجسد المقاتلين، ولابد من تطبيق حمية غذائية على الجسد كي تضعف الجرثومة.

العدو يأخذ أموالنا تحت ضرائب شتى فينهكنا بها بينما يزداد قوة… العدو يأخذ أبناءنا ليقاتلنا بهم… العدو يستثمر الشائعات والإعلام الذي يدسه بيننا فنردده دون أي تفكير بما نقول… خزينة الدولة التي يملكها المسلمون يسخرها لقتلنا… الإمكانيات العلمية من نخبة المسلمين لازالت تخدم العدو الذي يقتل أهاليهم… جيوش المخبرين من المسلمين يغذون العدو بأخطر المعلومات التي تهدم المسلمين… علماء الإسلام ممن يخدم السلطان يسعون إلى تخدير المسلمين بشتى الوسائل واستخدام السلطة الدينية لدى العلماء لسحب البساط من تحت أقدام المقاتلين…. الكثير من النخبة الاجتماعية والمترفين من المسلمين يدعمون الشبيحة في ذبح المسلمين…. الكثير من بسطاء المسلمين يعتقد أن الطاغية بشار الأسد يريد الإصلاح وأن المقاتلين لم يدعوا له الفرصة… المشايخ يكذبون على أبنائنا في الجيش السوري بأن من قتل منهم فهو شهيد (ستكتب شهادتهم ويسألون )…. فواجع تلو أخرى وكوارث تتبعها الكوارث… فأين الفكر الناضج الذي يجب على المقاتلين أن يتبنوه وينشروه في الأمة الواقفة على منصة الإعدام؟!… وأين الحصانة الإيديولوجية التي يجب أن يحتمي بها المقاتلون والأمة، إننا نفكر بقتل الجرثومة  ونضع كل ثقلنا فيها ولم نضع أي ثقل للحمية….إننا نبادر بأقصى سرعة في مواجهة عدونا و بكل إقدام ونغفل عملية التسريب المستمرة من خلفنا لأن العدو استطاع فتح الشرايين في جبهتنا المدنية للمجتمع ليتغذى بها بشكل مستمر بينما نضع كل ثقلنا على الجبهة الأمامية فتزداد إمداداته وتضعف إمداداتنا، وهذا الذي يهدد النهاية الحتمية للجدلية الثورية لأن الثغرة كبيرة والفجوة المهملة المنسية هي الطرح الإيديولوجي الثوري الذي يجب أن تتبناه الثورة، إننا نحتاج إلى ثورة في الثورة، ثورة فكرية إسلامية تحتضنها ثورتنا المسلحة.

لقد كرر وزير الخارجية الفرنسي في 17\8\2012 تصريحات داوود أوغلو وزير خارجية تركيا قائلا: (يتعين علينا العمل من أجل هيكل جديد يحل محل نظام بشار الأسد ويجب أن يكون هذا الانتقال تحت السيطرة)، من الواضح أنهم يشيرون إلى السيطرة العالمية على النظام الجديد القادم.كل هذه الأخطاء الكارثية ستتكرر وتذهب دماء الشهداء وآلام كل السوريين قشة في مهب العاصفة… ولا جديد، إلا إن امتلكنا طرحًا ثوريًّا قويًّا واستطعنا تسليح الجماهير بهذه العقيدة، والحقيقة أن الوقت يشارف على النفاد لأن المشروع العالمي قائم فينا منذ ثمانية عشر شهرًا وإن الطرح في اللجّة سيكون بمثابة صدمة الحياة بعد مفارقة الحياة.

الحل في واقع الثورة السورية هو أحد احتمالين:

 

الأول: هو الخضوع التام لنظام البائد بشار الأسد لأن النظام الذي سيخلفه حصرًا علماني وحصرًا تركيبته طائفية وحصرًا لن يتخلوا عن هيكلية الجيش والمخابرات كما صرحوا قبل ذلك وبالتالي بقاء الهيمنة الطائفية النصيرية على رقاب المسلمين لأنها هي الأمينة على استمرارية المصالح الأمريكية والروسية والإسرائيلية والعالمية الأخرى .

الثاني: يجب أن نكون صريحين بحقيقة المأزق الذي يلف الثورة السورية من كل الجهات فليس من الإصابة الاعتقاد أن الثورة منذ بدايتها قائمة ضد النظام السوري بل هي قائمة على مواجهة النظام العالمي برأس حربته النصيرية والعلمانية في الداخل وبمعنى آخر أننا أمام مواجهة التحالف اليهودي (إسرائيل) الصليبي (دول المركز) الصفوي المجوسي (إيران والرافضة في الشرق الأوسط) هذه هي حقيقة المعركة وإن القاسم المشترك لجميع الدول هو العقيدة والمصالح، ونحن إذ نعترف بالحقيقة المرة التي علينا مواجهتها فيجب أن نعترف ونقرر أيضًا أننا لن نخرج من هذا الصدام التاريخي إلا إذا تسلحنا بالعقيدة، فإذا واجهنا قتالهم العقائدي بمصالحنا وحريتنا فالنتيجة محسومة وهي الهزيمة التاريخية لنا، وإذا واجهنا عقائدهم الباطلة بعقيدتنا الصلبة الحقة وامتلكنا خطابًا إسلاميًّا بكل نقاء واجتمعت كل التشكيلات بقيادة موحدة فلن يكون إلا نصرًا تاريخيًّا حتميًّا للإسلام والمسلمين…. وسيكون إن شاء الله..

اندحار العاصفة – الحلقة الثالثة

اندحار العاصفة

اندحار العاصفة

اندحار العاصفة  – الحلقة الثالثة

الكتاب يتحدث عن مخططات القوى الدولية لاحتواء الثورة السورية وعن كيفية مواجهتها

خاص وحصري – شبكة المرصد الإخبارية

رابعاً: الموقف السعودي والخليجي:من الواضح أن التهديدات الإيرانية قائمة على قدم وساق للمملكة العربية السعودية ودول الخليج ولئن كانت التهديدات الإيرانية لإسرائيل هي فقاقيع إعلامية فقط لمداعبة مشاعر المسلمين فإن التهديدات الإيرانية نحو كامل شبه الجزيرة العربية قائم بشكل حقيقي وله أثر كبير تعانيه المنطقة العربية من الدولة الفارسية المجوسية سواء على مستوى التصريحات الإيرانية أو على مستوى الامتداد الديمغرافي خاصة في شرق المملكة ودول الخليج وأيضا في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية (الحوثيين)، وإن مصدر القوة الخارجية الإقليمية لإيران هو النظام السوري الذي هُيئ كنظام نصيري لهذا الامتداد سواء على مستوى العراق أو سوريا أو لبنان أو حتى الفصائل الفلسطينية (حماس والجهاد).

إن مشروع الهلال الشيعي سيعيد أمجاد الإمبراطورية الفارسية وبالتالي خلق قوة عظمى مناوئة للمسلمين والعرب وبالتالي إحكام الخناق على الجزيرة العربية من الجهة الشرقية والشمالية ومن الجنوب بشكل جزئي (الحوثيين)، في حين أوجدت لها امتدادات واسعة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 سواء في اليمن أو سلطنة عمان أو السعودية أو كامل دول الخليج وإن إيران قادرة اليوم على زعزعة استقرار شبه الجزيرة العربية وضربها بشكل مؤلم لذلك فإن مصالح المملكة العربية السعودية ودول الخليج تنصهر تماما مع نجاح الثورة السورية، ولا نبالغ إن قلنا إن نجاح الثورة السورية في إسقاط المشروع الصفوي المجوسي هو انتصار سعودي خليجي على إيران، وإن سقوط الثورة السورية تعني وقوع الهيمنة الإيرانية الفارسية على السعودية والخليج، ويمكن أن نفهم وفق هذا السياق التحذير القطري للمندوب الروسي في الأمم المتحدة من استخدام الفيتو فهدد الأخير بمحي قطر من الخريطة، ولكن نفى هذا الخبر المندوب الروسي فيما بعد إلا أن الموقف تكرر في مؤتمر جنيف بتاريخ 6\7\2012 كما نقلته الصحفية راغدة درغام نقلا عن بعض المصادر التي حضرت المؤتمر وتناقلته بعض وسائل الإعلام بأن الروس بالذات استاءوا جدا من تركيا وقطر على أساس أنه لا يحق لهما التدخل في نص لمشروع قرار يخص مجلس الأمن وأن عليهما أن لا يتصرفا كأنهما عضوان في المجلس ومن هنا يمكن أن نعلم الصدق الحقيقي لدى السعوديين والخليجيين في دعم الثورة السورية، وإذا كانت جميع دول العالم قاطبة تتاجر بدماء المسلمين في سوريا فإن السعودية والخليج لن يتاجروا فينا بحكم المصالح الحيوية لهم في نجاح الثورة السورية، ومن هنا نجد أن قطر والسعودية من أولى الدول التي دعت إلى الحظر الجوي وإلى تمويل وتسليح الثورة لأن إسقاط الأسد ونظامه هو إسقاط للمشروع الصفوي برمته، وإذا كانت الخطورة بهذا الوصف فلماذا لم تقدم السعودية ودول الخليج أقصى ما لديها من التمويل والتسليح للثورة السورية؟…. علما أن إنفاق عشرات المليارات من الدولارات لنصر الثورة يغنيهم عن إنفاق مئات المليارات من الدولارات لدفع الأطماع الإيرانية الصفوية.

من الواضح تماما أن السعودية ودول الخليج تتعرض لضغوط هائلة من الولايات المتحدة الأمريكية لمنع تمويل وتسليح الثورة ولذلك كانت خطة التمويل والتسليح منسجمة تماما مع الإرادة الأمريكية وهم مرغمون، وجميعنا يذكر الموجة الإعلامية الكبيرة في السعودية على مستوى رجال الدين والعلماء بالدعاء للثورة السورية في كل المساجد وبتحريم خدمة المسلمين في الجيش السوري وبوجوب الانشقاق عنه، ثم مالبثت هذه الموجة الإعلامية أن تخامدت إلى حد كبير والحقيقة أن الدعم العقائدي والبشري من المتطوعين السعوديين والخليجيين والتمويل والتسليح سوف يعطي الثورة السورية دفعًا كبيرًا يمكن أن يتحقق معه نصر سريع وساحق للمسلمين السنة، وكي لا يتم ذلك ويضمنوا عدم نجاح الثورة السورية إلا بالقدر المخطط لها أمريكيًّا قامت هذه الضغوط بمنع المساعدات، لذلك يجد المراقب أن حكام الجزيرة العربية يقومون بغض الطرف عن الدعم غير الرسمي للثورة عن طريق خلق قنوات تمويل خاصة وفردية من التجار والصناعيين ورؤوس الأموال لدعم الثورة بعيدًا عن خزائن الدولة بسبب المراقبة الأمريكية.ومما يؤكد منحى الدعم السعودي الخليجي تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بتاريخ 21\3\2011 قوله (إن الصراع يدور في المنطقة كلها، وإذا سقط النظام الحالي في سوريا فستنبثق رغبة قوية وتمارس ضغوطًا هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سني في سوريا، ولا تراودني أي شكوك في هذا الصدد)…وطبعا المراد السعودية ودول الخليج.

 ويمكن أن نفهم أن إرسال درع الجزيرة إلى البحرين لخمد الثورة الرافضية فيها هو مؤشر قوي على إحساس الجزيرة العربية كلها بالخطر المحدق بها و كما أن الإعلان السعودي عن مشروع اتحاد بين السعودية والبحرين ينفي بدون أي شك احتمالية تقاعس الجزيرة العربية على مستوى الصراع الذي يمر به الشرق الأوسط وجديتها في إسقاط المشروع الصفوي، إلا أن هذه الجدية جاءت متأخرة جدًا جدًا…..

 

خامسا: الموقف الروسي:

هناك تاريخ طويل من العلاقات الحميمة ما بين النظام النصيري في سوريا وما بين الدولة الشيوعية العظمى خاصة في مرحلة الاتحاد السوفييتي، وكانت سوريا منحازة لحلف وارسو في مواقفها المعلنة، إلا أن حافظ الأسد وفي مرحلة اكتشاف النفط السوري في مطلع سبعينيات القرن الماضي أعطى الاستثمارات النفطية للشركات الغربية وبصورة مجحفة جدا 60 % للشركات الغربية و 40 % لسوريا أي لخزينته وخزينة ابنه باسل، وهكذا فإن حافظ  الأسد قام بتقسيم الاستثمارات السورية والنهب ما بين الدول العظمى كي ينأى بنفسه ويرضى عنه الجميع في تثبيت حكمه أما نصيب الاتحاد السوفييتي آنذاك فهو تسليح الجيش السوري ووضع القاعدة البحرية الروسية في مرفأ طرطوس لذلك فإن العلاقات بين الجانبين كانت وثيقة حتى أن القوات الروسية الشيوعية كان لها دور كبير في الإشراف والتوجيه والإدارة للحرب التي شنها حافظ الأسد على المسلمين السنة وإبادتهم في فترة قيام الطليعة المقاتلة في سوريا بمقاومة الاحتلال النصيري على يد القائد المجاهد البطل مروان حديد رحمه الله.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق شعر النظام السوري بوجود خطة إسقاط له ولنظامه وتقسيم سوريا حتى أنه في افتتاحية القمة العربية في دمشق آذار 2008 قال بشار الأسد (لم تعد سوريا على حافة الخطر بل في قلب الخطر).لذلك بعد الحرب على العراق سلم نفسه وسياسته والدولة السورية بشكل كامل لروسيا وإيران وإن الدفاع الروسي الآن عن النظام يستند إلى أمور منها:

1-                 بقاء تسليح الجيش السوري من روسيا.

2-                 الحفاظ على القاعدة الروسية في طرطوس.

3-                 الحفاظ على ساحة عمل حيوية في حوض البحر الأبيض المتوسط لأن خروجها من المنطقة يعني الامتداد الغربي وإحكام سيطرته على العالم مع خنق روسيا في حدودها الجغرافية وحرمانها من الاستثمارات (فلما دعمت روسيا نظام القذافي وانتهى بالسقوط أتت الحكومة الجديدة ومنعت كل الاستثمارات الروسية في ليبيا)….. إلا ضمن حدودها الدنيا وبالتالي فإن سقوط النظام السوري سيتبعه خنق المصالح الروسية في العالم حتى على مستوى آسيا، لذلك فإن روسيا ستستمر في دعم النظام السوري حتى تصل لحد اليأس فهي تعلم أن أي حكومة سورية قادمة في المستقبل ستكون مدعومة غربيا أي ذات عمالة أمريكية وبالتالي ستفقد حصتها وحيويتها في المنطقة.

4-                 الخوف الروسي من نجاح الثورة السورية وتحولها إلى ثورة إسلامية وبالتالي انتشار مد الحركات الثورية الجهادية الإسلامية إلى جمهوريات آسيا الوسطى الموالية في حكمها لروسيا، وعلى هذا المفهوم يمكن أن نعرف مدى خدمة نظام الأسد لروسيا عن طريق قمعه للمسلمين و منع قيام أي فكر تحرري عقائدي.

سادسا : الموقف الصيني :وهو يشابه الموقف الروسي إلا أنه أقل حماسا في شأن الثورة السورية والتي يقودها في هذا الموقف روسيا وتسعى من خلال موقفها الداعم للنظام السوري إلى أمور عديدة منها:

1-                   الحفاظ على العلاقات التجارية مع سوريا واستمرارية استثماراتها وخاصة أنها فازت في السنوات الأخيرة بعقود نفط لشركاتها في سوريا ولا سيما في مرحلة انزياح النظام بعد الحرب العراقية نحو الكتلة الشرقية ليحمي نفسه من المخطط الغربي القادم،(بعد عام 2008 )فقد بنيت منشآت نفطية صينية في سوريا بمقدار 2 مليار دولار وكانت عقود النفط مع النظام السوري كبيع اللصوص حيث أن أكثر من 80% من النفط السوري من نصيب الصين وأقل من 20% لسوريا أي أن النظام يعطيهم النفط السوري دون أي مقابل المهم ربطهم بأمن واستقرار سوريا وبالتالي الوقوف مع النظام ضد أي محاولة لإسقاطه لأجل استمرار نهب الصين للنفط السوري.

2-                   خطة التطويق التي تنتهجها واشنطن لمحاصرة روسيا والصين حيث أن الصين تتقدم بسرعة نمو اقتصادي فائقة بلغت 10% وقد أزاحت من أمامها اليابان والمتوقع أنها ستحتل المرتبة الأولى عالميا في غضون عشر سنوات، وإن الصين تعلم بالامتداد الخطير الذي بلغته القواعد العسكرية الأمريكية حتى على تخومها سواء في أفغانستان أو جنوب آسيا أو دول نمور آسيا وحتى اليابان وكوريا الجنوبية،أو التدخل الأمريكي في دعم تايوان ضد الصين خاصة بعد صفقة الأسلحة الأمريكية لتايوان بمقدار 4 مليار دولار،وإذا كان للنظام السوري الآن تبعية نحو المحور الشرقي فإن الحكومة القادمة أو عملية التقسيم للمنطقة ستجعل العالم ينحاز بشكل شبه كلي في التبعية نحو القطب الأمريكي، لذلك فإن الصين لأجل الحفاظ على استمرار أمنها الاقتصادي والسياسي والجغرافي فإنها سوف تسعى جاهدة لإسقاط المشروع الأمريكي في سوريا ولن تتوقف عن دعم النظام في قتل المسلمين إلا بعد سقوطه التام، ولكن موقفها أقل قساوة من روسيا إذ أن ضمانات غربية حقيقية باستمرارية مصالحها في سوريا والمنطقة كفيل بتراجع الموقف الصيني ولكن أمريكا لن تقدم هذه الضمانات أبدا بل إنها تتستر بستار العجز أمام الشعوب والمسلمين على أن الصين وروسيا هما من يغذيان الشره الدموي للنظام السوري، أي أنها عملية تشويه عالمية لكلا الدولتين لذلك فهي منتفعة نسبيا وبشكل جزئي من هذا الموقف الروسي الصيني السيئ بحيث بدت أمريكا لصيقة بشعارات الحرية والديمقراطية للشعب السوري.

سابعا: الموقف الإيراني:اقتطفت كثيرا من الكلام التالي من مقالة ” أمة في خطر ” للدكتور أكرم حجازي .

 المشروع الإيراني:

إن إيران تتقدم بمصالح وأهداف مشتركة مع الغرب فكلاهما له مصالح في منطقتنا ولهم مشروع تبشيري بعقائدهم فينا، بل قد ساعدت إيران الغرب في احتلال العراق وأفغانستان وساندته إلى حد بعيد، وهي لازالت ترفض بشكل قاطع أن يسمى الخليج العربي على ما هو عليه فهي تصر على تسميته بالخليج الفارسي، وإن الغرب يغض الطرف عن برنامج التسلح الإيراني، إذاً لمن هذه الترسانة؟…

إنها للمسلمين العرب بل إن أمريكا تطلق الشيعة كيد ضاربة على السنة وتستعملها كورقة في يدها ومن ثم تفاوض على كفّها كما حصل في العراق.

لو فتشنا في الجذور التاريخية لما وجدنا حالة الوئام بين الدولة الصفوية المجوسية وبين المسلمين السنة ابتداء من فجر الإسلام وفتنهم في العراق ثم قيام الدولة الفاطمية والعبيدية والخيانة العظمى للمسلمين في إدخال التتار إلى بغداد فهم الخنجر المسموم في خاصرة المسلمين منذ سقوط الإمبراطورية الفارسية المجوسية فهم يتحالفون مع أعداء الأمة كدورهم الحاضر في العراق وأفغانستان، ولما قامت الخلافة العثمانية الإسلامية في محاصرة أسوار النمسا استنجد البابا بالدولة الصفوية فتحالفوا معها لأن النمسا كانت قائدة العالم المسيحي آنذاك فخانت الدولة الفارسية المسلمين من الظهر.

وعلى مدى التاريخ كانت الدولة المجوسية مع أعداء المسلمين، وقد يقال إن من السنة من هم في صف أمريكا اليوم، فنقول نعم في صف أمريكا بسبب مصالحهم وليس عداء عقائديا مثل إيران. لقد نقل الموقع الرسمي لأهل السنة والجماعة نقلا عن وكالة مهر للأنباء تصريحات سابقة للرئيس أحمدي نجاد قوله:(إن فاطمة الزهراء كانت أسوة لجميع الأنبياء والصالحين… وإن الله تعالى مع أسمائه قد تجلى في صورة فاطمة الزهراء، وإن الله تعالى يعرف نفسه إلى العالمين عن طريق فاطمةوإن مصير العالم والكون في اختيار فاطمة وهي تتصرف في العالم كيف تشاء… والظلم بالنسبة لفاطمة هو ظلم لله تعالى ) تعالى الله عن وصفهم علوا كبيرا.

إن المشروع الصفوي ضد المسلمين لم يتحرك إلا عند تحرك المشروع الغربي ضد المسلمين السنة، ولماذا تحركوا بهذا الزخم في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا ولبنان والسعودية ومصر والسودان؟… إذاً الغاية هي ضرب السنة تحالفا مع الغرب أي ضرب السنة مع الشيعة تماشيا مع المشروع الغربي، إذ كيف لنا أن نتقبل المشروع الإيراني في لبنان على أنه مشروع مقاومة ونصرة للمسلمين في حين تقوم بقتلهم في أفغانستان والعراق، وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق أطلقت أمريكا يدها للرافضة لتشكيل فرق الموت (منظمة بدر – جيش المهدي…) لقتل السنة ثم تفاوضت أمريكا مع المسلمين السنة لتشكيل الصحوات وقتل المجاهدين مقابل كف يد الرافضة وفرق الموت فلما قضت الصحوات على المجاهدين قامت الحكومة العراقية الرافضية بالقضاء على الصحوات وملاحقة رؤسائها ومشايخها.

وحتى الآن نجحت إيران في تعمية وتضليل السنة في العالم من خلال المقاومة ضد إسرائيل في حين يتم تعتيم كامل عن إجرامها في المسلمين السنة سواء في إيران نفسها أو العراق أو أفغانستان. آليات المشروع الصفوي:

إذن… هناك مشروعان يتهددان المسلمين في الشرق الأوسط  :

المشروع الصفوي والمشروع الأمريكي وقامت إيران في سياق تشكيل الهلال الشيعي بأمور:

1-                 تأسيس الحرس الثوري كقوة ضاربة وله أذرع في المناطق الباردة والحارة في العالم وسلطته أكثر من سلطة الجيش ويريدون الآن استئصال السنة من بلاد الشام والحقيقة أن أمريكا تغض الطرف عن المشروع الصفوي في بلاد الشام ريثما يتحقق لها هدفها بإبادة أهل السنة فيها ثم يتم التدخل.

2-                 الحوثيون في اليمن: وهم زيدية وكان تشيعهم هو التشدد فقط في حب أهل البيت عما سواهم دون أن يمسوا إيمان الصحابة لكن حرفتهم إيران مؤخرا ليحدث الصدام بين جماعة بدر الدين الحوثي والدولة وإن علماء الزيدية أنفسهم قد نبذوا حركة الحوثي فمن أين تستمد هذه الحركة صمودها وأموالها وأسلحتها أمام الدولة خاصة أن حركتها ليست احتجاجات سياسة أو اقتصادية بل أداة عسكرية بيد إيران تحركها وقت تشاء وتريد جرهم عقائديا لمعتقداتها عن طريق التحوير لتصبح ذراعها الصفوي المطوق للجزيرة العربية، ولماذا تدفع أمريكا بالساسة اليمنيين إلى استئصال القاعدة والجماعات الإسلامية بينما تسكت عن النشاط المسلح للحوثيين ؟……

3-                 حزب الله: نشأته وتطوره في لبنان معلومة واحتلاله لبيروت كان تحت الدعم الأمريكي وذلك خدمة للمشروع المشترك الأمريكي الإيراني في المنطقة ولأن حزب الله يعمل بينما سنة لبنان مشغولون بالإغراءات المالية التي يقدمها الحريري أو بـ ستار أكاديمي التي فتحها لهم الحريري، وبسبب تغييب مقاتلي فتح الإسلام في نهر البارد بعد أن قضى عليهم الجيش بالتواطؤ مع رموز أهل السنة. عدد النصيرية الذين تشيعوا في سورية هو 52 ألف نصيري ومن السنة تشيع 16 ألف ومن الإسماعيلية 7 آلاف .

4-                 في فلسطين ركبت حماس والجهاد موجة الترويج للتشيع والتأييد الكامل لإيران في أفغانستان والعراق، فإذا كان مشروع إيران في لبنان وفلسطين هو مقاومة فلماذا يكون مشروع احتلال إيراني في كل من أفغانستان عبر الهزارة والعراق عبر الشيعة؟ ولماذا يكون في هذين البلدين مشروع اضطرابات وفتن؟…. وما علاقة الحوثي في مشروع المقاومة؟…. وإذا نجحت كما يقولون في دعم حزب الله ومنع تقدم إسرائيل 1 كم على الحدود الإسرائيلية اللبنانية فلماذا لا تدعم بنفس الأسلوب حلفاءها في فلسطين حركتي حماس والجهاد ولماذا تعطي حزب الله الصورايخ المضادة للميركافا ولا تعطيها للفصائل الفلسطينية؟… فإذا كان أقصى ما تقدمه إيران لهاتين الحركتين هو المال فإن النهاية ستكون كنهاية تحالف الحريري مع سنة لبنان لأن المال يصنع نفوذًا إلى حين ولكنه لا يصنع مشروعًا، ومنذ أن دخلت حماس العملية السياسية خلت من المفردات الإسلامية أو الدينية وتوجهت نحو مفردات التسويات والسلام والتهدئة والوحدة الوطنية والرقم الصعب… بل أعلنت أنها لن تطبق الشريعة ولن تقيم إمارة ولن…. ولن…. ولن يضرها أن خسرت أصدقاء الأمس أو تقصي المخالفين وتعاملت مع القوى الأخرى كما لو كانوا متمردين، وهكذا عندما تصاب الأمة بالصمم ولا ترى إلا بعين فرعونية فلن تنأى عن إلحاق الأذى بنفسها .

 ثامناً: الموقف الإسرائيلي:

إسرائيل دولة توسعية ولها أطماع في المنطقة بحيث يتم إخضاع بلاد الشام تحت سيطرتها وهي تعتقد أن الخطر القادم إليها في المستقبل من جهة بلاد الشام لذلك تتفق مع المشروع الأمريكي في الفوضى الخلاقة في منطقة الشرق الأوسط والتصفيات البشرية الواسعة ومن ثم عملية التقسيم، وبالرغم من أن حافظ الأسد الأب والابن خدما المصالح اليهودية لأقصى حد إلا أن إسرائيل الآن لم تعد بحاجة لنظام الأسد لأن المشروع القادم أهم من الأسد وستنحصر عمالته الآن فقط في دعمه لقتل المسلمين السنة أي إطالة عمر النظام إلى أقصى حد ليتمكن من ذلك وعندما يحين انتهاء دوره فإن مقتل بشار الأسد سيكون من صالح الغرب لإشعال الحرب الطائفية وذلك مع ابتداء دخول المرحلة الثانية للمشروع الأمريكي وهي الحرب الطائفية في منطقة الشرق الأوسط والتي ستطفح من سوريا، لذلك كانت إسرائيل تقول أن نظام بشار الأسد يخدمنا لكن سقوطه سيخدمنا أكثر.

إن إيران هي الحليف الإقليمي الأكبر لإسرائيل فلماذا تضرب المفاعل النووي العراقي في مطلع ثمانينات القرن الماضي ولم تضرب المفاعل النووي الإيراني إن كان مصدر تهديد  حقيقي لها؟….ولماذا تعلن إسرائيل أنها ستتدخل في سوريا إذا أعطى بشار الأسد من الأسلحة الكيماوية لحزب الله وهم يعلمون أن السلاح الكيماوي قد حازه الحزب من بشار الأسد منذ سنوات؟…. الحقيقة أن تدخل إسرائيل سيكون في مرحلة لاحقة لدعم القوى المعادية للثورة عند الطوارئ، كما أن حيازة حزب الله للسلاح الكيماوي ليس لضرب إسرائيل بل لضرب المسلمين في لبنان في الوقت المناسب. وإن إسرائيل على تواطؤ تام في الوقت الحالي مع المشروع الصفوي الإيراني والمشروع الأمريكي ولكن حالما تنتهي المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية فسيقوم الغرب وإسرائيل بقطع أوصال الهلال الشيعي بسبب التنافس المحتدم في المصالح في الهيمنة على الشرق الأوسط بين إسرائيل و إيران كدول إقليمية،و قد يحدث هذا الصراع ابتداءً( هذا إن بقي لإيران أياد في منطقة الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب الطائفية بسبب كشف المجاهدين للمخطط) وتحجيم إيران في دورها الصغير بعد أن يكونوا قد استخدموها في عملية التقتيل الواسعة لأهل السنة في سوريا، فالمشروع الأمريكي الإسرائيلي سيطغى في المرحلة الثالثة والمتقدمة على المشروع الصفوي ذي الطابع التوسعي الامتدادي ولكن لن يقضوا على إيران أبدا لأنهم يعلمون أن عقيدتها على مدار التاريخ لم تكن إلا سيفا على رقاب المسلمين بينما كانوا من أخلص الحلفاء لليهود والنصارى وكل أعداء الإسلام على مر التاريخ.

وبالعموم فإن إسرائيل ضالعة لحد كبير في المخطط القادم، وإذا كانت إسرائيل بعيدة عن الانخراط في المعركة في المرحلة الأولى والثانية للخطة الأمريكية فإنها ستكون ضالعة في المرحلة الثالثة.

إن مشروع قيام دولة إسرائيل الكبرى مرحليا من الفرات إلى النيل يستحيل أن يتم في ظروف القوى العالمية الحالية ومن الوهم التفكير في هذا المشروع إذا بقيت بلاد الشام وقلبها سوريا على ما كانت عليه قبل الثورة السورية، لذلك فإن ظروف الدمار الشامل في سوريا وبلاد الشام عموما، وبحار الدماء للمسلمين سيسهم في التخلص من هذا التكتل البشري وقيام دولة إسرائيل الكبرى على أشلاء الملايين متزامنا مع اختطافها لمشروعها من يد أمريكا عن طريق اندلاع حرب عالمية ثالثة نووية تكون سببا في إبادة الجميع وتغير طبيعة النظام العالمي الحالي ومن ثم استفرادها في العالم، حتى أن المقررات في بروتوكولات حكماء صهيون أنه لا بد قبل قيام الحكومة الموحدة العالمية من انتشار الفقر و الجوع و غلاء الأسعار في العالم لقيام الثورات و من ثم تقويض النظام الدولي لقيام حكمهم، وإن هذا التفكير الجنوني ليس بعيدا عن أمة تختزن في وجدانها أنهار الحقد على البشرية.

 ولا عجب أن تدمير إسرائيل سيكون بتدبيرها بل يمكن أن نلمح بدء خراب إسرائيل من بدء سقوط النظام النصيري في سورية الذي قام على حماية إسرائيل وتطبيق أجنداتهم،حتى أن الطاغية بشار الأسد كان يذكر دول المركز في مقابلة له مع صحيفة الصندي تليغراف بتاريخ 30-10-2011 بالواقع الذي لم يختلف عليه أحد من المحاور العالمية منذ تم اختيار الطائفة النصيرية لتكون الأمينة على تطبيق أجندات النظام الدولي و أمن إسرائيل فقال :( إن سورية اليوم هي مركز المنطقة….سورية مختلفة كل الاختلاف عن مصر وتونس و اليمن …إن سورية هي الفالق الذي إذا لعبتم به تتسببون بزلزال….هل تريدون رؤية أفغانستان أخرى؟…أو العشرات من أفغانستان؟….أي مشكلة في سورية ستحرق المنطقة بأسرها….إذا كان المشروع هو تقسيم سورية،فهذا يعني تقسيم المنطقة برمتها).

واضح أنه يهدد الغرب أن سقوطه سيتسبب بقيام دولة إسلامية وبلد آمن للمسلمين يمكن أن تهدد بصعودها المصالح العالمية ،وأنه كان الضامن للنظام الدولي باستئصال الإسلام والمتبنين لعقيدته وهم في طور التبرعم بل والقيام على تحطيم كل طاقات البلد والفعاليات العلمية والثقافية و الحضارية فيها،كيف لا وهو المنتخب مع طائفته للحفاظ على المصالح والبرامج اليهودية والصليبية والصفوية،كما يهدد أن الثورة السورية لن تراوح في حدود سورية بل ستندلع بحروب نحو المنطقة الإقليمية ومن هنا نجد تمسك أمريكا وأوربا وروسيا وإيران وإسرائيل بالطائفة النصيرية مع ما تمثله من مراكز قوى وسلطة في سورية ولاسيما مؤسستي الجيش والمخابرات كما صرح بذلك وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا، وليس المشكلة في شخص بشار الأسد،أي أن الحفاظ على الطائفة هدف استراتيجي لا يمكن التنازل عنه.

 

مراحل الخطة الأمريكية في سوريا

 

لم تكن الإدارة الأمريكية تعبث بكلامها عن مشروع الفوضى الخلاقة والذي سينتهي بمشروع التقسيم وفق مخطط مشروع الشرق الأوسط الجديد حيث كانت جادة إلى أقصى حد، وإن مشروع التقسيم بدأ الدخول إلى حيز التنفيذ منذ أن أعلنت أمريكا حربها على الإرهاب وقد بدأوا مشروعهم من أقصى الشرق الإسلامي في أفغانستان بهدم الدولة الإسلامية في فترة حكم طالبان، إلا أن مشروعها هناك تعقد إلى حد كبير ولله الحمد ومنذ عام 2001 حتى الآن مازالت أمريكا تتلقى الضربات الموجعة وهي مثقلة بالجراح وستخرج منها منهزمة إن شاء الله، ثم تبعها دخول العراق عام 2003 ولكن مشروعها نجح نسبيا هناك مستعينة بالنظام الإيراني الصفوي والنظام السوري حتى تمت الهيمنة الكاملة على العراق لصالح أمريكا حيث توجد هناك أكثر من 400 قاعدة عسكرية كما في المعاهدة الأمنية التي وقعتها الحكومة الأمريكية مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الموالي لإيران (علما أنهم يعلنون أن هناك 58 قاعدة أمريكية فقط في العراق) وتم وضع حصانة للشركات الأمنية الأمريكية في العراق والتي بلغ تعداد مقاتليها بعد الانسحاب الأمريكي أكثر من 70 ألف مقاتل، وهكذا وقعت العراق بشكل كامل تحت المخطط الأمريكي الناجح وأعطيت الأوامر الأمريكية بالمتابعة والإشراف على العراق من قبل النظام الإيراني والسوري اللذين سعيا لتثبيت الهيمنة الأمريكية في العراق ولذلك كان النظام السوري يقتل ويعتقل من المجاهدين السوريين أضعاف ما تفعله أمريكا في العراق وضبطه الصارم للحدود (ليهدم بنفسه الطرح القومي لحزب البعث وانكشاف الخداع الذي استمر على المسلمين لعقود) ونجح المخطط في التقسيم الديمغرافي والهيمنة بحيث يكون المسلمون السنة في منطقة الأنبار هم الحلقة الأضعف مطلقا ولم يبق إلا طرح ترسيم الحدود الذي سيتم إثر تقسيم سوريا لترابط كلا المشروعين حسب مخططاتهم ….

إن مشروع التقسيم السوري سيتم وفق المخطط الأمريكي على ثلاث مراحل لكل منها سماته الخاصة ولكن يمكن أن تتداخل فيما بينها إلى حد كبير كأن يحدث اندماج بين المرحلة الثانية والثالثة.

المرحلة الأولى من الخطة الأمريكية:

 وهي تمتد منذ قيام الثورة السورية حتى سقوط بشار الأسد وتتصف هذه المرحلة أن الأسد ونظامه سيأخذ الدعم الكامل من كل دول العالم في قمع الثورة السورية والتغطية على المجازر والإبادات حيث ستقوم أمريكا والعالم بتحركات دبلوماسية فارغة المضمون تماما ولا قيمة لها ولا أثر على النظام السوري بينما تشمل العقوبات على بنود تنهك الشعب وبسطاء المسلمين أضعاف أثرها على النظام بحيث يكون المتضرر الأعظم هم المسلمون أما النظام فسيبقى أثر العقوبات عليه شكليا ولا قيمة لها في الواقع و ستأخذ الدول المركزية مواقف متباينة فالحلف الشرقي سيضطر لأخذ المواقف المعلنة في دعم الأسد حتى آخر مرحلة مثل روسيا والصين ودول إقليمية مثل إيران وسوف يقدمون كل المعونات في دعم النظام وتثبيته وإظهار الثوار على أنهم إرهابيين بينما يأخذ الحلف الغربي بقيادة الولايات المتحدة موقف الباكي إعلاميا فقط على حالة الإجرام التي يقوم بها النظام السوري ضد شعبه وبحيث لا تعدُ الأمور كونها مؤازرة إعلامية ضمن أضيق نطاق بينما يقومون سرًّا بدعم نظام الأسد لوجستيًّا وتقديم بعض الخطط في القضاء على الثوار ودعمه الخفي في كل المجازر التي يرتكبها ولنتذكر دور المبعوث الوزاري لجامعة الدول العربية (الدابي) ودور المبعوث الأممي لخطة عنان (روبرت مود) و تسترهم على مجزرة التريمسة لصالح النظام، وصفقة الأسلحة البريطانية مع سوريا ونحو ذلك، ثم تقوم الإدارة الأمريكية بالإعلان عن اجتماعات ولقاءات ومؤتمرات ومكالمات و…. وكلها لاشيء الغاية منها فقط خلق إحساس لدى المسلمين أن هناك تحركات دولية لصالح الشعب السوري إنها عملية إعلامية لا أكثر ولا أقل كي تبقى تغازل مشاعر المسلمين أما على مستوى الثورة فهناك دعم أمريكي محدود جدا من خلال بعض الضباط من تركيا و بريطانيا وأمريكا وقد ذكرنا مهمتهم أما الدعم الحقيقي بالمال والسلاح فهو من الجزيرة العربية، والمطلوب في هذه المرحلة تقتيل أكبر عدد من المسلمين السنة لأن في هذه المرحلة يقوم النظام السوري بوضع الجنود والضباط السنة في مقدمة جيشه كرأس حربة وبالتالي فإن الصدام الحاصل في هذه المرحلة سيستمر على مستوى الثوار من المسلمين السنة من جانب ومن جانب آخر الضباط والجنود من السنة ممن يخدم عند الطاغية في الجيش السوري على مبدأ سأقاتل المسلمين السنة حتى آخر جندي سني، لذلك فهذه المرحلة هي مرحلة تقتيل للمسلمين السنة بشكل شبه كامل سواء على مستوى المقاتلين أو المدنيين، بينما تحافظ الطائفة النصيرية ممن يخدم في جيش الأسد على نفسها إلى حد كبير.

وهذه المرحلة قد تطول لأشهر أخرى وخلالها فإن الحلف الشرقي سيدعم النظام السوري بشكل مستمر بالسلاح والمال والرجال والمعلومات الاستخباراتية بحكم ضروراته، أما جانب الثوار فإن خطة أمريكا هي الدعم السعودي الخليجي بالسلاح والمال بشكل محدود جدا كلما ضعفت الثورة وتراجعت وأظهرت الظروف خطر تهديد وجودها لأنهم يحتاجون للثورة لقطع الأذرع الإيرانية في الشرق الأوسط على يد المسلمين السنة وتحجيم دور إيران، أي إضعاف الجانبين حتى الخور، ومن أدلة هذا التوازن دخول المقاتلين الإسلاميين العرب ذوي العقيدة الصلبة إلى سوريا عبر الحدود التركية، فلو كانت أمريكا تريد إسقاط الثورة وأنها في مأزق لما سمحت تركيا بدخول هؤلاء المقاتلين، ولما دعمت الثوار بضباط أتراك وبريطانيين وأمريكيين وبأجهزة اتصالات وغيرها وكل ذلك يدل على دعم أمريكا للثورة بشكله المحدود جدا للمحافظة على حالة التوازن مع قوة النظام كي يستحكم الفناء كما أن أمريكا لو كانت جادة في استقرار سورية وعدم تفتيته وتمزيقه لما عرضت على بعض الكتائب المقاتلة قتال حزب العمال الكردستاني لتهيج الصراع الطائفي وكذلك عرضها لكتائب أخرى تزويدها بالمال والسلاح اللازم مقابل إعلان الانفصال عن سورية،فهذا الذي يجري بالخفاء عكس ما تعلنه أمريكا للشعب السوري،إلا أن الكتائب المقاتلة في وعي من هذا المنزلق.وأهم ما يميز هذه المرحلة أن الطائفة النصيرية ستسعى للحفاظ على مقاتليها تهيئة للمرحلة الثانية ولكن هذه المرحلة لن تنتهي إلا بالنصر بإذن الله كما سنبين لاحقا.

المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية:

وهي تمتد من سقوط بشار الأسد حتى دخول القوات الأمريكية تحت قيادة حلف الناتو…..

إننا نلاحظ الآن اغتيالات واسعة لرموز وأعمدة الحكم في سورية وهذا قد يمهد للانتقال التدريجي لقيادة الجيش والمخابرات في سورية تحت إمرة إيران في مرحلة الحرب الطائفية بحيث تنتقل إليها السلطة القيادية بأسلوب سلس وتدير ساحة الحرب بشكل مباشر خلافا لما عليه الآن من القيادة غير المباشرة، وبنفس الأسلوب السلس والتدريجي سيتحول الجيش السوري إلى جيش طائفي عن طريق زج دفعات متتالية من كتائبه المقاتلة لتنضوي تحت إمرة قيادة الجيش الصفوية ،وهذا يفسر لنا ثبات النظام السوري بعد كل هذه الانشقاقات والإطاحة بأعمدة الحكم وكأنه لم يفقد شيئًا.

وغالباً  سنرى الانطلاق المعلن والصريح عن الحرب الطائفية المصطنعة بعد اغتيال رأس النظام السوري المجرم بشار الأسد.

وهذه المرحلة أخطر المراحل مطلقا من حيث طبيعة العدو لأن الحرب ستكون طائفية بامتياز والمستهدف الأول هم المدنيين ومن ثم لتمتد للمنطقة الإقليمية، وإن الدول الغربية تكذب إعلاميا بأن سوريا ستدخل حربا أهلية… سوريا قد دخلت الحرب الأهلية… لإقناع المسلمين أن هناك حربا أهلية في حين أنها حرب من نظام طائفي محتل على شعب مسلم، لأن اللفظ الأخير يمكن أن يهيج مشاعر المسلمين في حين يجب أن يبقى المسلمون في حالة التخدير، أما حال الجيش السوري ففي هذه المرحلة يفترض أن تبقى بقايا من المسلمين السنة ممن يقاتل مع النظام فإذا تناقصت هذه الفئة إلى حد كبير وتمايزت الصفوف فإن هؤلاء الضباط والجنود السنة إما أن يستخدمهم الجيش الطائفي كدروع بشرية أو يأخذ فدية من أهاليهم ولكن المرجح أن يقوم بتصفيتهم جميعا ضمن وحداتهم العسكرية ويمكن أن يبلغوا عشرات الآلاف لأن هذه المرحلة ستكون مرحلة تمايز كامل للطوائف ولن يتركوا أحدا من المسلمين السنة معهم إلا إن ضمنوا ولاءه الأعمى لهم وإن كنا نستبعد ذلك ،ومما يؤكد هذا التوجه هو امتلاء معظم بيوت الروافض والنصيرية في سوريا بالأسلحة والذخائر تهيئة لهذه المرحلة، والحشد الطائفي النصيري والرافضي الوافد من الخارج إلى سورية.

أما بالنسبة للقوات الرافضية فإن الذي سيقود هذه المرحلة هي قيادة إيرانية كاملة موجودة في سوريا تدير من خلالها الحرب الطائفية الطاحنة وينضوي تحت هذه القيادة الإيرانية المجوسية جميع القوى الإيرانية والرافضية والنصيرية في المنطقة وهي مغذاه بعقيدة دينية ، وإن حربهم الطائفية الوشيكة يعتقدون أنها في سبيل الله ويؤجرون على قتل السنة (النواصب كما يسمونهم) وهذه العقيدة لا يمكن ردها إلا بتعبئة عقائدية من جانبنا. وعلى هذا نقترح الاقتصاد في الذخيرة والرجال وعدم الزج بهم في معارك تكلفنا قتلى في المرحلة الأولى لأن الآتي سيحتاج منا جهدًا أكبر، وغالبا في هذه المرحلة سيتم استخدام السلاح الكيماوي أو البيولوجي بشكل واسع وسوف يقوم العالم بالتعتيم الكبير بل سيوجهون الاتهامات للإسلاميين والإرهابيين حتى أن وزير الخارجية السوري وليد المعلم قال (أن هناك مجموعة من الإرهابيين استولت على بعض العبوات الخطيرة وتستخدمها ضد الأبرياء) يريدون من ذلك التهيئة لاستخدامهم السلاح الكيماوي ،ولكن استخدامه سيكون له أثر عظيم مدوي وتداعيات إقليمية.

إن هذه الحرب الطائفية الخطيرة هي الحرب المخطط لها منذ قيام الثورة الإيرانية بقيادة الخميني ولذلك كان الغرب يغض الطرف عن تسليحها وبرنامجها النووي وامتدادها الإقليمي، وإن مشروع امتداد الثورة الإيرانية يقصدون بها الانتصار التاريخي للصفويين المجوس على المسلمين السنة تحت الإشراف الأمريكي، والواقع أن الكل يبحث عن مصالحه، فبينما تفكر إيران بهذا الانتصار التاريخي فإن الولايات المتحدة ستفسح المجال أمام الإيرانيين لقتل المسلمين ولكن بنفس الوقت لن تمكنها من الانتصار بل سيكون هناك دعم محدود جدًا للمسلمين في سوريا من أجل الإثخان بقوة الرافضة، وبالتالي ضرب المشروع الصفوي بالمسلمين السنة،وفي نفس الوقت الذي تفكر فيه أمريكا بضرب المشروع الصفوي دونما عناء منها فإن إسرائيل تفكر في ضرب المشروع الأمريكي ومراكز القوى العالمية عن طريق اندلاع حرب عالمية نووية دونما عناء منها .

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَايَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)” سورة الأعراف.ويبدو أن هذه المرحلة قصيرة وليست طويلة كالمرحلة الأولى ويمكن أن تطول بضعة أشهر يتباكى فيها الغرب علينا تحت نفس السيناريو الإعلامي والدبلوماسي في المرحلة الأولى وقد تنشأ قوى جديدة على الساحة السورية كما ظهر من جديد حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا، وفي هذه المرحلة ستنتهي المعركة بانتصار المسلمين بإذن الله لكن بعد أن تصبح سوريا أثرًا بعد عين،يمكن خلال هذه المرحلة أن نرى التيارات الجهادية في العالم جميعًا تتوافد نحو سوريا ودخول أموال كبيرة إلى المقاتلين بغياب الحضور الأمريكي لدعم المسلمين خاصة من دول الخليج وستتوحد جميع الكتائب المقاتلة للمسلمين تحت قيادة موحدة وسوف ترفع لواء الإسلام دون أي حرج بعد أن تكون رأت بعينها حجم الفناء المطلوب للمسلمين في سورية، وسيعلمون متأخرًا أن الحرب عليهم عقائدية ،وإن هذه القيادة الإسلامية هي التي ستواجه الحرب الضروس مع أمريكا وحلفائها وهي التي ستبهر العالم بأدائها و هي التي ستقود الأمة في أشد الظروف قساوة بأسهل الطرق وأقصرها وأيسرها وهي التي ستستمر لتجني ثمار النصر…ومع أن هذه الخطوة ستأتي متأخرة لكن….

وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)” سورة البقرة.

إن الذي يرشح لهذه المرحلة استعمال السلاح الكيماوي بشكل واسع من قبل القيادة الإيرانية والنصيرية هو غياب رأس الهرم الحاكم في سوريا وبالتالي تعم الفوضى ولا تبقى جهة حكومية مسؤولة عن أعمال القتل بحيث يتم استخدام هذا السلاح دون معرفة الجهة التي تستخدمه في حين أن جميع دول المركز تعلم مسبقا أن الذي سيستخدم هذا السلاح هي القيادة الإيرانية وأن المخطط لها هو الإدارة الأمريكية، ولذلك نعتقد أن مقتل بشار الأسد سيكون مطلبًا أمريكيًّا إيرانيًّا لأجل استعمال هذا السلاح في ظل غياب نظام حقيقي حاكم، بل مليشيات قتل وإبادة بحيث لايمكن ملاحقة أحد دوليًّا لأنه لا يوجد نظام مسؤول ،و في ظروف فوضى سوداء وتحت مسمى حرب أهلية . إن أمريكا لن تزج قواتها في سوريا تحت حلف الناتو إلا بعد الانتهاء شبه الكامل لهذه المرحلة ليقطفوا ثمرة الانتصار التاريخي للمسلمين وخاصة أن دخول قوات دولية في ظروف حرب طائفية هو دخولها في محرقة لذلك سيكون التدخل مستحيلًا، فمثلًا لم يتدخل حلف الناتو في الحرب البوسنية الصربية إلا بعد ثلاث سنوات من الحرب الطائفية المستعرة.

يجب استعداد المقاتلين لهذه المرحلة وأن يضعوها في حسابهم أنها قادمة وسيقف العالم ليتفرج علينا ولكننا لا نشك للحظة بانتصار المسلمين واجتثاث شأفة هؤلاء الخونة وسوف يرون السيف اليماني لسعد بن أبي وقاص كيف يقطع رقاب أحفاد يزدجرد ورستم وستكون قادسية أخرى ولن تنتهي دماء المسلمين إلا بالنصر الحتمي بإذن الله لشدة هشاشة هذا الجيش في تركيبته  العقائدية والوطنية والقومية والذي جمعهم هو الكذب والأموال كمرتزقة كما بينا سابقا.

المرحلة الثالثة من الخطة الأمريكية:

ويمكن أن يتطور الوضع فيها داخل سوريا لأحد احتمالين:

الأول: أن لا يحدث أي اتفاق بين الحلف الغربي والحلف الشرقي ويحدث صدام حقيقي بسبب عدم الوصول لأي تفاهم في تقسيم المصالح في سوريا وبالتالي سينتهي الوضع بحرب عالمية ثالثة كارثية لن تكون بمنأى عن استخدام الأسلحة النووية وحدوث دمار عالمي شامل وهو احتمال قائم وقوي ويمكن أن نجد أدلة حقيقية تغذي هذا المنحى خاصة مع وجود هذا التوجه الإسرائيلي كما ذكرنا سابقا.

فعلى هذا إن تم الانفجار الإقليمي فلن تكون أمريكا وحلفاؤها بمنأى عن زج نفسها اختيارًا أم اضطرارًا في أتون الحرب الطاحنة،بل حذر كوفي أنان عشية اجتماع جنيف القوة الدولية من خطورة الثورة السورية مشيرا إلى(الأخطار التي يمثلها الصراع على الوضع في المنطقة و العالم) ،وسواءً ابتداءً أو انتهاءً فإن الأمر كائن وعليه ستكون المواجهة مع الحلف الشرقي بزعامة روسيا مرشحة إلى حد كبير خاصة مع قناعة الروس ببدء أفول التفرد الأمريكي فقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتن في 11-7-2012 (إن نفوذ الغرب آخذ في الاضمحلال مع تراجع اقتصاده…..و أنه مشارك في دبلوماسية منفردة خارج الأمم المتحدة للحفاظ على نفوذه في السياسة الدولية)،وكل هذا يدل أننا  أمام مرحلة كارثية من المواجهة بين القوى العالمية ستندلع إثر تداعيات إقليمية متمخضة عن ثبات الثورة السورية وانفجارها نحو الخارج وعدم هزيمتها أمام النظام السوري ودول المركز بكل ثقله،ومع أن الصورة العالمية ستكون عندئذ شديدة الظلامية  والاستعار، ومع ذلك فقد تكون هذه الصورة القاتمة فرصة للمسلمين لهدم حدود سايكس بيكو وصياغة إسلامية جديدة، وإن تصريحات الأخضر الإبراهيمي التي جاءت بعد لقاء المجرم بشار الأسد ليعلن أن (الأزمة السورية تهدد الأمن العالمي) تؤكد ذلك، أيضا علينا أن نتأمل هذا الاضطراب والقلق الذي ينتاب الكتل الجيوسياسية في العراق وسوريا وتركيا(أكراد- سنة- نصيرية- علمانيين- رافضة ….) ولبنان وإسرائيل(والهدم الوشيك للمسجد الأقصى لبناء هيكل سليمان المزعوم) والسنة في الأردن بما فيهم الفلسطينيين وشبه الجزيرة العربية برمتها والتي تبدو هادئة الآن تحت الجمر،لكن هذا الهدوء لن يطول وإن الوضع كله في حالة الغليان والمرشح للانفجار في لحظة قادمة ولا بد ،كما علينا أن نتأمل هذا الحشد الهائل للقوات العسكرية  في الداخل السوري وحول سورية من كل الجهات سواء القوات من الدول المجاورة أم من جميع القوى الدولية ولن تحتاج جميع هذه القوى سوى شرارة أولى لتكشف الجنون الرأسمالي والتجبر والغطرسة اليهودية الصليبية و الخداع الصفوي،وهم أول من سيدفع الثمن باهظا جرَاء صلفهم.

(ومكروا مكرًا ومكرنا مكرًا وهم لا يشعرون).

نقلت صحيفة ميل أون صاندي بتاريخ 15\7\2012 عن مصدر في البحرية الروسية: (نأمل أن لا يطلق أحد شرارة الحرب العالمية الثالثة بسبب ذلك فنحن لم نتلقى أوامر حتى الآن لمرافقة السفينة آلايد) والسفينة آلايد هي حاملة طائرات روسية تم اعتراض مسيرها لسوريا من قبل القوات البريطانية في منطقة البحر الكاريبي لذلك فالأزمة السورية هي مسألة دولية صرفة وبالغة الخطورة وهناك مؤشرات أخرى على نفس الدلالة، و لا يستبعد أن يسعى العالم الغربي إلى تسعير الحرب العالمية الثالثة بدافع عقائدي لأنهم يرون وفق نبوءاتهم الإنجيلية أن المسيح عليه السلام سينزل إلى الأرض وتكون ألفيتهم الثالثة ،ولا يتم هذا إلا بعد معركة هرمجدون التي سيفنى فيها حسب نبوءاتهم ثلثي البشرية (أي حرب نووية)،بل إن تيار المحافظين الجدد في أمريكا يتبنى هذا المعتقد،وأن سبعة رؤساء حكموا الولايات المتحدة يؤمنون بهذه المعركة ويسعون إليها.

نقلت صحيفة الديلي تلغراف البريطانية بتاريخ 27-7-2012 في سياق ورقة أعدتها مجموعة للبحث في شؤون الدفاع بعنوان(سوريا:توجه التدخل) وقدمت إلى المعهد الملكي البريطاني للخدمات المتحدة أن (نقطة البدء لحساب التدخل الكامل ستكون 300 ألف جندي على الأقل)وترى المجموعة في النهاية أن الثورة السورية(بدلا من أن تنفجر انفجاراً داخليا مثل الدول العربية الأخرى،فإن سوريا سوف تنفجر إلى الخارج لتتقيأ مشاكلها على نطاق الشرق الأوسط بأكمله مع احتمال حدوث تداعيات إقليمية) .

الحقيقة أن الحرب العالمية الثالثة ليست بعيدة فإن البشرية تعيش منذ فترة طويلة في حالة هستيريا متصاعدة نرى مظاهرها في كل أشكال الحياة، ولا ريب أن مظاهر الهستيريا هي ما يطفو على السطح أما القسم العائم غير المرئي فهو الدماغ العالمي وذروة الهرم الحاكم للأمم وهي في الحقيقة النوى الدماغية العالمية المرضية المهيمنة على العالم مثل: الأوف شور – المجمعات الصناعية العسكرية النفطية – المؤسسات الإعلامية – الماسونية – الإيديولوجيات الوضعية –الأمم المتحدة- منظمة التجارة العالمية- البنك الدولي- السيناركية –صندوق النقد الدولي….

وجميع هذه المراكز العالمية متصارعة مع ذاتها وإن حالة التصارع والفوضى والتوحش العارمة في كل منها سينتهي قريبا بالتحطم والانهيار.

إن الهستيريا الممتدة إلى دول المحيط صادرة عن جحيم هستيري محموم في المركز، وإننا مشرفون على نهاية حدية وشيكة للصراع المتفاقم والخالي من أي ضمير، وسينتهي دماغ المركز العالمي بالتحلل والانهيار وهذه هي السنة الكونية لنهاية كل فساد وهي سنة التدافع الربانية كما يسميها ابن خلدون.

إن دول العالم تتقدم نحو شتاء عالمي قاصف و متخم بالصواعق والأعاصير والرعود النووية ،وسيتمخض عنه محاور عالمية جديدة يقودها الربيع الإسلامي.

الثاني: التفاهم حول الملف السوري وإن حصل هذا التفاهم فحصرًا سيكون على حساب الحصة الروسية لصالح الغرب ولتبدأ مرحلة احتلال جديدة لسوريا من قبل القوات الأمريكية بقيادة حلف الناتو، ولكن الولايات المتحدة تعتقد أن هذه الشدائد  قادرة على تركيع المسلمين كما ركعت اليابان بعد الصدمة الهائلة التي أحدثتها قنبلتي هيروشيما وناكازاكي.

إن الأقنعة الأمريكية ستتكشف بشكل كامل من خلال تركيز المقاتلين على الدعوة السياسية الإسلامية للمدنيين وسيعلم الجميع أن السكوت الأمريكي في الظاهر والدفع العظيم لنظام الطاغية بشار الأسد في الخفاء هو الذي قاده مع القوات الصفوية الرافضية لهذا الاستهتار بالدم المسلم، وستتكشف في هذه المرحلة مدى الخديعة التي عاشها المسلمون عقودًا وهم لا يفرقون بين الصديق والعدو، وهم يحسنون الظن في نظام الأسد النصيري وفي حزب الله وإيران وأمريكا وأوروبا وتركيا في حين كان الجميع يحيك الخيانة الخسيسة في الظلام، إن هذه المرحلة لن يبقى فيها أعمى أو ضائع ولن يبقى من تلتبس عليه الأمور وسيعلم الجميع من المسلمين أنه كان مستهدفًا من أعداء الإسلام فقط لأنه مسلم وهو غافل عن إسلامه تماما، وينام في أحضان الذئاب التي لبست مسوح الضأن والذين سلخوا المسلمين عن دينهم وقيمهم ووجودهم غيلة.

إن المراحل الثلاث سوف تكون صاعقة مدوية لدى المسلمين ولكنها لن تقتلهم بل ستحييهم، لأن الصدمة العظيمة التي ستمر بها أمتنا كافية لإخراجها من سباتها العميق ونفخ الروح في فطرتها الإسلامية وها نحن اليوم نجد التزام جيل ستار أكاديمي والثقافة الغربية ليحمل مسؤولية الأمة وهو ينادي بدموعه الساخنة (لبيك…. لبيك…. لبيك يا الله)،إنها عبارات تطرب لها الروح و يهتز لها الوجدان وهي كفيلة بتضميد كل جرح نازف لتكون سلوة الأحزان، والإقبال على كل تضحية بالأرواح والمهج،إن الأمة ستقوم للنفير في الهجمة الثالثة وستكون في هذه المرحلة الحرب عقائدية إسلامية بكل المعايير وسيكون جميع المقاتلين على أرض الشام ذوي فكر واحد، إنه الإسلام بهيبته وقوته وتألقه، نعم سيعود الإسلام من جديد، إنها أرض الشام وبشائر البركات التي فيها، وسيحيى الإسلام في كل الأرض ابتداءً منها ،هذا هو الحلم المنتظر، و بشائر التمكين، والظفر بالنصر الإلهي الموعود. في هذه المرحلة لن نجد أبدًا أي تناحر بين الفرق الإسلامية التي ظهرت في عهد الحكومات الجبرية بل ستنصهر جميع التنظيمات الإسلامية مع الجيش الحر مع الثوار مع عوام المسلمين لتتشكل منظومة إسلامية واحدة وصف واحد وجسد واحد وقيادة واحدة… إنه الانعطاف التاريخي العظيم في تاريخ البشرية حيث أرادوا لهذه الأمة الاستئصال…. ولكن الله غيور ” إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد “.

في هذه المرحلة يمكن  للمجلس الوطني الانتقالي في تركيا أن يرى سبيله إلى السلطة السورية ولكن لن يكتب له البقاء ولا لأمريكا لأن جميع الأوراق ستكون قد كشفت وستكون هذه المرحلة حربًا عقائدية إسلامية يهودية نصرانية بكل المعايير، ونؤكد لمن ستكتب له الحياة أنه سيجد نماذج فذة من التفاني والأخلاق والإنسانية والحياة الإسلامية الحقيقية التي قام الغرب والعلمانيين بتشويهها لأكثر من مئة عام، وسنجد صور قريبة من صور الصحابة رضي الله عنهم لأن كل هذه الآلام والجراحات سوف تغسل مجتمعنا وتعيده للحياة الحقيقية من جديد ففي الوقت الذي فشلت فيه جميع الثورات في الدول العربية لأنها انتقلت من حكم المركز إلى حكم المركز تحت قيادة جديدة بينما سيكون هذا الجهاد للمسلمين في سوريا هو نقطة التحرر من دول المركز وستدفع ثمن هذا التحرر من دماء أبنائها في هذه المراحل الثلاث ،وإن من له خبرة في قراءة الأحداث يستيقن أن هذه الثورة بحكم الظروف الخانقة التي تمر بها وبحكم طريق اللا عودة الذي ولجته وبحكم طبيعة المسلمين في سورية بوصفهم شعب حي شرس مبدع وبحكم العقيدة الإسلامية الصلبة الحية سينتصر على دول المركز وتلك هي بشائر البركات لأرض الشام….

أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)” سورة الكهف.إن المراحل المذكورة قد تأخذ وقتًا طويلًا لذلك يجب وضع البرامج وفق هذا التصور والله الهادي للصواب.

إن حكمة الله البالغة تقضي بتسلط أهل الكفر على أهل الإيمان حتى تستيقظ الهمم وتنبعث الحمية للدين وتتصلب في الحق وتتطهر النفوس فتصبح الأمة عندئذ مهيأة للنصر فيتنزل عليها الرضى والظفر والتمكين في الأرض، وإن النفوس الضعيفة إن لم تملك عمق النظر وقبس النور في لجة الظلام فإن أسباب النصر الحالية قد تؤدي بهم إلى القنوط ،فيرون الأسباب ولا يرون رب الأسباب،ويرون الأجناد ولا يرون من ساقهم إلينا ولا لماذا ساقهم إلينا….

يقول الله تعالى: “مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11)” سورة التغابن.

فمن آمن أن مصيبته من الله بسبب سوء في نفسه ، وأن الله أرسلها له تأديبًا وزجرًا عن غيه ورجوعًا وإنابة إليه فاستسلم لها ورضي بها فإن الله يكشف للعبد عندئذ سر هذا البلاء وحكمته وكيف كانت لمصلحة العبد من حيث لا يدري فيزداد رسوخا في الإيمان،وهذا عينه ما حدث لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،لذلك يجب أن ننظر إلى البلاء الذي نحن فيه على أنه الابتلاء الذي لا محيد عنه قبل التمكين…

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)“سورة السجدة. وكما أن الله تعالى أمرنا بإعطائه عبوديتنا في السراء لنشكره  فكذلك أمرنا الله جل وعلا بإعطائه عبوديتنا في الضراء لنصبر وبذلك يتم تمحيص العبد من جميع الوجوه قبل أن يرتقي به إلى مرحلة التمكين ليكون خليقًا بها وأهلها ولا يستحقها أحد سواه، فيكون عطاء بحكمة وضع الأمور في موضعها قبل أن تكون عطاء مكافأة،وتلك هي سنة الله التي لا بد منها لأوليائه المصطفين قبل حكم الأرض،وكلما اشتد البلاء وعم، كلما تبعه اتساع السلطان في الأرض،فمن مات منا فله الشهادة والجنان ،ومن عاش منا فله النصر والتمكين،فلله الحمد والمنة من قبل ومن بعد .

مراحل خطة النظام الأسدي في  إخماد الثورة

 

لم يحمل الطاغية حافظ الأسد وابنه من بعده في دمائهم يومًا من الأيام حس الانتماء حتى الوطني لهذا البلد لذلك يتعامل مع بلادنا أشد مما يفعله المحتلون المتصفون بالمجون والعربدة والسفالة والإجرام، إنه ليس حقدًا على عدو بل حقدًا يغذيه عقيدة متأصلة في كل جوارحه القذرة بل ويحملها في موروثاته العصية على الوصف النكد، لذلك فإن المراحل التي سوف يتعامل فيها مع المسلمين ستكون دموية، ومنذ البداية كان يهدد (وإذا فرضت علينا المعركة فأهلا وسهلا)، (سأشعلها من بحر قزوين حتى جنوب شبه الجزيرة العربية)، ويصرح رامي مخلوف مع ابتداء الثورة (إن الحديث عن سقوط النظام هو الحديث عن فناء الشعب) إنها معركتهم الحاقدة ضد المسلمين وطبعا ستكون هذه المراحل بالتوافق مع الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وروسيا ومن يعتقد خلاف ذلك فليتذكر الصمت الدولي خاصة الأمريكي عن تسليم النظام السوري شمال سوريا لحزب العمال الكردستاني العلماني، وان أمريكا لو سمحت فقط بالحل الخليجي لتمويل وتسليح الثورة منذ بدايتها لتم إسقاط النظام منذ أشهر.

إن المراحل الثلاث التي سيتعاطى معها النظام في قمع الثورة السورية هي تحت الإشراف الأمريكي الروسي والتي ستكون كالتالي:وهي تمتد من ابتداء الثورة حتى اشتدادها وظهورها كقوة مسلحة على الأرض بحيث يمكن أن توازي قوة الجيش السوري في المعارك وتهدد بانهيار الجيش السوري ويبدو أننا في نهايات هذه المرحلة، وقد تدرجت هذه المرحلة بشكل متصل مابين المناورات السياسية والإصلاحات الكاذبة بالتزامن مع القمع المخابراتي وأخيرًا القصف على المدن في أماكن تواجد المقاتلين وتجنب المدنيين قدر المستطاع أملًا في إخماد الثورة وبقاء النظام في الحكم، فإذاً حتى الآن يقوم النظام بأعمال الترويع والتخويف للشعب عن طريق بعض المجازر والقتل اليومي لحوالي مئة إلى مئتي مسلم كل يوم  وإن هذه النسبة كانت بشكل يومي ومتواتر 30 -40 قتيل يوميًّا ثم ارتفعت وتيرة القتل لتصبح بعد حوالي ستة أشهر 80 قتيل يوميًّا، ولكن اليوم أصبح النظام مهدد بتفكك جيشه لذلك رفع نسبة القتل إلى 150 قتيل مسلم وسطيًّا كل يوم، وما يميز هذه المرحلة أن النظام لازال يفكر في الرجوع واحتمالية قمع الثورة واستمرارية حكمه وكلنا يعلم أن هذا النظام الإجرامي يضبط نفسه كثيرًا في حين أنه يقدر أن يجعل الحصيلة اليومية من القتلى آلاف المدنيين ولكنه سيأتي إلى هذه المرحلة في وقت يأسه من البقاء في الحكم.

في هذه المرحلة سيكون هناك استقطاب كبير لقوات الحرس الثوري الإيراني والرافضة من الأحزاب والمتطوعين العراقيين والسوريين واللبنانيين، وبالرغم من أن الحشد الرافضي في سوريا بدأ منذ حوالي 2005 وازداد تدريجيًّا ليبلغ ذروته حتى الآن فإن هذه القوات يتم الآن الحفاظ عليها ضمن سوريا ولم يتم زج قسم كبير منها حتى الآن حفاظًا على قوتهم لأن الذي ينوب عنهم في هذه المرحلة الضباط والجنود من المسلمين السنة في الجيش السوري، في حين أنه تم مشاركة أعداد جزئية من القوات الرافضية التي دخلت سوريا والتي ينحصر دورها الأساسي في هذه المرحلة كقيادة تدير الجيش السوري والمخابرات (بالتنسيق مع القيادة الروسية) بالإضافة لعناصر قليلة منهم في أفرع المخابرات للتعذيب وكقناصة في أماكن التماس مع الثوار سواء لقنص المقاتلين أو من ينشق عن الجيش السوري الخائن وأيضا للقيام ببعض المجازر في حين سيستمر التكتم الإعلامي العالمي عن حقيقة الواقع الذي يعيشه الناس من التهجير والقتل ونحو ذلك.

المرحلة الثانية:وهي مرحلة انقلاب الموازين على الأرض لصالح الثورة وسيطرة المجاهدين من الجيش الحر والفصائل الإسلامية والثورية على مساحة واسعة من الأرض والتزامن مع انهيار الجيش السوري وتحلله وحصول التمايز شبه التام بحيث لا يبقى في الجيش السوري آنذاك إلا عشرات الآلاف القليلة من المسلمين السنة متحولًا بذلك إلى جيش طائفي، وفي هذه المرحلة يعلم الأسد أنه لم يبقَ لديه أي أمل في قمع الثورة ويعلم أن وجوده في أي دولة في العالم سيكون مستحيلًا باعتبار إيوائها لأعظم مجرم حرب في العالم لذلك سيكون تفكيره في هذه المرحلة منصبًّا نحو مستويين الأول: وهو هدم المدن بكل الإمكانيات العسكرية الجبارة التي كان يدخرها النظام منذ أكثر من أربعين سنة لهذه الأيام ليقصفنا بالأموال والضرائب التي جناها منا، وإن هذه المرحلة سيكشف النظام عن كامل دمويته وحقده العقائدي على المسلمين وسيجهد في تسوية المدن والقرى بالأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا بحيث يجعل انتصار المسلمين ينتهي بإرثهم لأرض خاوية وجراحات وآلام وقتلى ومعاناة تشغلهم زمنًا طويلًا، في حين يتراجع هو وطائفته نحو المنطقة الساحلية التي يجهزونها لإقامة دولتهم عليها باتفاق دول المركز، ولن يتورع في هذه المرحلة خاصة في أواخرها بقصف البنية التحتية للمسلمين ، أما المخزون الاستراتيجي للقمح السوري فقد باعه بأقل من ثلث قيمته العالمية منذ أواخر عام 2007 والذي يكفي سوريا لعشر سنوات، وبالتالي تجويع المسلمين وارتمائهم في أحضان إبليس ليتخلصوا من الجوع .

وستقوم الطائرات والآليات الثقيلة والصواريخ خاصة (سكود) بدك المدن دون أي ضمير أو وازع أخلاقي ولا نستبعد تخطيطه لضرب السدود. المستوى الثاني: هو المنطقة الساحلية حيث أن الأسد وأعوانه قاموا في المرحلة الأولى بعملية إجلاء جماعي لأهل السنة في محيط الدولة النصيرية المزعومة ولا سيما في حمص وحماة وريفهما عن طريق المذابح والقتل المتعمد للمدنيين في هذه الأماكن لاضطرارهم للنزوح حيث تركز القصف والمذابح في الجيوب السنية كما حدث في تلكلخ والرستن ودير بعلبة والتريمسة وبعض أحياء حمص وعموما فإن جميع هذه المناطق سوف تكون الحدود الشرقية للدولة النصيرية التي يتخيلونها لذلك قام خلال المرحلة الأولى بإخلاء هذه المناطق بشكل كبير من المسلمين بحيث يضمن الداخل الساحلي في قبضته التامة وبحيث يكون أي اعتداء على إحدى القرى النصيرية سيكون الانتقام والرد عليه في المدن الساحلية السنية وذلك بعد إغلاق جميع الممرات عليهم والتحكم التام بهم، بل إنه قام ببناء خزانات المياه والكهرباء لمدينة اللاذقية خارجها كي يتحكم بالمدينة بشكل كامل، وسيتم التركيز في المرحلة الثانية من الخطة على القيام بمذابح واسعة في المدن الساحلية السنية فيتخلص من قسم كبير منهم والباقي يهرب نحو الداخل والعمق السني، ولتبرير هذه المجازر يمكن أن يفتعل عدوانًا على طائفته لبعض القرى النصيرية كي يتقدم نحو الانتقام في المدن الساحلية ذات الأغلبية السنية، ولا شك أنه وفي نهاية المرحلة الثانية سيكشف النظام عن الحقد العقائدي التاريخي الفلكي على المسلمين ويبدو أن هذه المرحلة قصيرة غالبًا ولن تدوم لأكثر من أشهر ولكن في هذه المرحلة سنشهد ازديادًا كبيرًا جدًا في أعداد المجاهدين وغالبا سنشهد اندماجًا كبيرًا بين الجيش الحر وبعض التنظيمات الإسلامية المرنة وسيكون تحول تاريخي يلهب مشاعر المسلمين ، إلا أن المسلمين سترفدهم مساعدات مالية كبيرة جدا خارج المظلة الأمريكية وستأتي من السعودية ودول الخليج لأن مصير المسلمين في سوريا هو نفس مصير المسلمين هناك، وفي هذه المرحلة ستبقى الدول العالمية تظهر موقف العاجز إزاء ما يجري وستضطر إلى نقل الفضائح التي تحصل في سوريا ولكن ضمن أضيق صورة ممكنة .

المرحلة الثالثة:وفيها ستخرج الأعداد الكبيرة من المقاتلين الصفويين من مخابئها في سوريا والتي يدخرها الخائن بشار الأسد بينما سترفد هذه الأعداد قوى رافضية من إيران والعراق، فقد تم الإعلان عن تشكيل جيش الإمام الحسين في العراق منذ مطلع 2012، إضافة إلى تصريحات المسؤولين الإيرانيين عن تأهبهم لإرسال المقاتلين إلى سوريا للمشاركة في الحرب الطائفية ضد المسلمين وهذه المرحلة هي أخطر المراحل على الإطلاق، بل إن قيام الثورة الإيرانية بالمؤازرة الإسرائيلية والأوروبية والأمريكية هي للوصول لهذه الأشهر التاريخية وغالبًا هذه هي الفترة المرشحة لاستخدام السلاح الكيماوي، ويمكن أن يحدث  صدام حاد لدرجة أن بعض المسلمين الضعفاء سيصابون باليأس والقنوط بسبب النجاح الأمريكي الجزئي، وستكون في هذه المرحلة قد تهيأت المنطقة الساحلية من كل النواحي للإعلان عن قيام دولة نصيرية وهذا واقع ما يخطط له المجرم بشار الأسد وأسياده الدوليين ولكن الزلزال الذي سيحدث هو سقوط الأسد ومقتله الذي سيكون إما في نهاية المرحلة الأولى أو مع بدء المرحلة الثانية للخطة الأمريكية.

هذه المرحلة ستكون قصيرة لأن الجيش الطائفي بقيادة إيران لن يجد له ملاذات آمنة داخل سوريا على المدى البعيد بسبب التوزع الديمغرافي للمسلمين بشكل واسع وسيتم مطاردتهم وسيضطرون للجوء إلى المناطق الساحلية التي تؤوي الطائفة النصيرية وستكون مقبرتهم هناك كما هي على جميع أراضي بلاد الشام إن شاء الله،وقد ذكرنا الطبيعة الهشة والمهزومة لهذا الجيش…

قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّه إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّه بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38)” سورة الزمر…يمكن أن تتداخل بعض هذه الأحداث مع المرحلة الثانية خاصة في نهايتها .

منذ الآن تم تفريغ كامل المصارف السورية وتم نقل الآثار المهمة والعتاد العسكري والذخائر الاستراتيجية إلى دويلتهم القادمة التي يبنونها في أحلامهم كما تبني إسرائيل أحلامها في دولة إسرائيل الكبرى وكما تحلم أمريكا بقيام مشروعها العالمي الموحد وسيصطدم الجميع بالمارد الإسلامي المتوجسين من يقظته،لذلك إن أخطر مؤشر لديهم أن تتحول الحركة الثورية في سوريا من حركة تحررية إلى حركة عقائدية إسلامية لأنهم يعلمون أن الإسلام يمكن أن ينام ولا يمكن أن ينهزم أو يموت ….

بالنسبة للسلاح الكيماوي فقد رصدت الأقمار الصناعية الأمريكية تحرك صواريخ سكود من مخابئها إلى مركز البحوث العلمية في دمشق ثم عودتها للمخابئ وتبين بعد ذلك أنه تم تحميلها بالرؤوس الكيماوية، لذلك فإن أمريكا تعلم أن الطاغية الأسد في أواخر عهده يمكن أن يستعمل السلاح الكيماوي ضد شعبه وبالتواطؤ الكامل مع أمريكا، أو في مرحلة الحرب الطائفية ،أما الإعلام الغربي فيعزف على أيقونة أخرى وهي التعاطف مع الشعب السوري ولذلك صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في مطلع تموز 2012 أنه سيحدث هجوم كارثي في سوريا وسوف تمتد تداعياته إلى المنطقة الإقليمية فلو كانت تقصد الهجوم من قبل المقاتلين ضد النظام لما وصفته بالكارثي على اعتبار أن أمريكا مؤيدة للثورة في الظاهر، فهذا يعني إذاً هجوم كارثي من النظام على المدنيين والمقاتلين سواء، فما هو هذا الهجوم الكارثي الذي ستكون له تداعيات إقليمية؟…. إنهم على علم بتهيئة هذا السلاح لاستخدامه بشكل واسع.

يعلم الكثير من المسؤولين السوريين اللصيقين بذروة الهرم السياسي أن الأسد سيقوم بهذه الخطوة في نهاية حكمه ومن ثم الطائفة النصيرية وإيران….. لقد وضعوا كل الحسابات السببية لكنهم لم يضعوا في حسبانهم وجود الرب الخالق فوقهم، و لا شك أنه سينقلب الكيد عليهم. “فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ” (55) (الزخرف)

قد يظن البعض أن هذه الأحداث ضرب من الخيالات والأوهام ،ولكني أعتقد أن الخطين المتوازيين يمكن أن تقدر المسافة بينهما في نقطة اللانهاية وهذا لا يحتاج إلى توفيق لأنه معلوم بالضرورة… ولكن التوفيق هو أن تتمكن من النجاح في تقدير حجم الهوة السحيقة بعد مسافة معينة من بدء الانحراف البسيط لأحد هذين الخطين المتوازيين عن الآخر.

إن كل المعطيات والوقائع والتصريحات والأحداث تتجه نحو هذا التصور بل إن مركز إدارة الأزمات العالمي في واشنطن صرح في منتصف عام 2010 بأنه (ستقوم حرب واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط والمستهدف الأول فيها هم المدنيون) فلماذا المدنيون ومن الذي سيستهدفهم؟…. من الذي كان يتوقع أن الاستهداف سيبدأ من العسكريين المسلمين في الجيش السوري ضد المدنيين لينتهي بالجيش الرافضي؟!….. إنها خديعة كبرى ولكن يبدو أن واشنطن على علم مسبق لهذه الأحداث، بل إن ضباط الجيش الحر ممن خدم   في العاصمة دمشق خاصة الحرس الجمهوري منهم يعلمون أنه منذ عام 2008 بدأ تغيير التكتيك التدريبي للجيش السوري نحو حرب الشوارع ومن المؤكد أن قيادة الجيش بررت هذا الموقف آنذاك باستهداف أمريكي لسوريا في حين لم يعلم الجميع أنه تدريب للعسكريين من أجل قتل أهاليهم المسلمين السنة، وأن الأسد يدربهم لقتل إخوانهم…

قد يعتقد البعض الآخر أن هذه الخطوات ضرب من السوداوية والتشاؤم ويدعو للانهزام بسبب التصورات المرعبة لكن كثيرون ينكرون أن كتمانك للأحداث الجسام القادمة وسكوتك عن الكارثة لا يعني أنك صنعتها بل استطعت أن تتصورها وتتنبأ بها وفق المعطيات الغزيرة التي ظهرت على الواقع والتي ستجعل من الأحداث تنحو هذا المنحى وإننا نضطر للحديث عن هذا الموضوع مرغمين كي يعلم أصحاب القرار من المقاتلين ما عليهم فعله فإن وضع التصورات يعني وضع الجانب الأعظم من الحل وتدارك الكوارث قبل فوات الأوان، ويمكن لنا الآن أن نضع كل الترتيبات حسب هذه التصورات وعلى جميع المستويات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والغذائية…. ويمكن لنا أن نضع خارطة الطريق التي تنقلنا على جسر السلامة عبر شفير جهنم الذي ينتظرنا جميعا لامحالة  إلا إذا استدركنا أنفسنا قبل أن تتفلت الأمور من زمامها…. يمكن أن نترك بقية لنتسامح، ونترك الأغلال والضغائن ليوحدنا الصدق في قوة إسلامنا… يمكن لنا الآن أن نستنفر كل طاقاتنا وبشكل مدروس ونذهل أهل الأرض بما نصنع وبالطاقات الكامنة فينا كما أذهلنا العالم اليوم في طريقة تعاطي المتظاهرين العزل أمام أعتى الأنظمة الاستبدادية التي عرفها التاريخ إنهم يتحدون الرصاص وآلة القتل بلحومهم…. يمكن لنا… ويمكن…فيا أيها القادة الأبطال هل أنتم على قدر المسؤولية التاريخية اليوم؟…

يجب أن يكون إيماننا بالله راسخًا،و نتذكر أن ماضي أمتنا ضم مثل هذه النكبات ومع ذلك بقيت صامدة لأربعة عشر قرنًا…

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ (160)” سورة آل عمران.

هناك رجال هم قدوة أمة بمفردهم…

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)” سورة النحل…

فكيف بأمة من الرجال وكل منهم قدوة أمة…..

إنهم يتحدون الموت….ويبعثون في الأرض الحياة….

تخطب الشموس ود أحدهم…

ويخوضون المنايا بمفردهم….

لسان حالهم ومقالهم حال الأنبياء من قبلهم:

فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أمْرَكُم ْوَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71)” سورة يونس.

اندحار العاصفة – الحلقة الثانية

اندحار العاصفة

اندحار العاصفة

اندحار العاصفة  – الحلقة الثانية

الكتاب يتحدث عن مخططات القوى الدولية لاحتواء الثورة السورية وعن كيفية مواجهتها

خاص وحصري – شبكة المرصد الإخبارية

ملحوظة هامة : الكتب والأبحاث والمقالات المنشورة تعبرعن رأي كاتبيها ولا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة المرصد الإخبارية وليس للموقع أي مسئولية قانونية

 

الحمد لله على السراء والضراء…الحمد لله على ما نحن عليه من بأس وابتلاء… ومن خوف وجوع وشقاء…فما من أمة كتب لها أن تحمد الباري عز وجل في علاه على قسوة المصاب إلا وكان الله لها وليًّا ونصيرًا..

يا أهل الإسلام في بلاد الشام وقد تكالبت علينا قوى الشر والظلام كقطع الليل المظلم المدلهم…

فما لنا لا نستفيق… أم أصابنا من النوم سهم في المقل…

أم تعودنا الذل والهوان حتى أصابنا منه إدمان…

وقلوبنا قد عشعش الخوف فيها وأقام له صروحًا من الوهم والجزع حتى ضاعت ملامح الإيمان في صدورنا… ابحثوا عن الباقيات من فسائل الإيمان في الصدور، فليس هذا الطود من الخوف إلا سرابًا، والحقيقة الساطعة تلك الفسائل…. أعيدوا غرسها من جديد، وأحسنوا السقاية ولسوف تورق من جديد…

إن من أكبر نعم الله على عباده الأمن والأمان، ولكنها وقد هبت العاصفة فلا أمن لكم ولا أمان ولو لجأتم إلى جحور الضب فإن العاصفة ستدق مضاجعكم، فما أنتم فاعلون؟!…

 

غاضبة كوجه الشهيد هي البنادق…

مطرزة بالأنين والعتب… مشتاقة لأبطالها هي البنادق، تصرخ في ضمير المسلمين… بعد كل هذا الجور والهوان… أما من غضب؟!… أما من صحوة تمسح دموع الثكالى…

انهض انهض أُخيّا… هات يدك ضعها بيدي… نقتحم ساحات الوغى… نخوض غمار الحرب… نموت ونحيا سويًّا… وليس لنا من العيش كرامًا… وليس لنا في هذا الطريق إلا حمل رشاش أو بندقية … هكذا علمتنا دروس التاريخ… فكلما شاهد الطاغية منا ضعفًا وخوفًا كلما ازداد في بطشه وتجبر..وكلما شاهد منا بأسًا وشدة تراجع وتقهقر… وكلما ازداد بأسنا فلسوف يندحر…

ولكنها أشجار بلاد الشام جذورها ضاربة في الأرض لا تطالها براثن الريح ولسوف تنهض من جديد بجذوعها أقوى وأشد ولسوف تورق أغصانها أزهى وأجمل .

فيا طغاة الأرض انفثوا بحقدكم ما تشاؤون فإن مشيئة من أورث الأرض لأهلها أقوى وأكبر.

وما من أمة تغلب في أرضها وتقهر… والنصر آت والله أكبر…

ربما يسأل سائل كيف يتسنى النصر لشعب أعزل أمام هذا البركان الهائل من الطواغيت ، فإن نجا من الأول فسوف يسقط أمام سطوة الطاغوت الآخر والنصر لا يكون إلا بمعجزة من عند الله وقد ولى زمن المعجزات…

للإجابة على مثل هذا السؤال فلا بد لنا أن نقر أولًا بأن زمن المعجزات الإلهية ونصرة الله لأنبيائه ورسله بمعجزة من السماء فذلك من خواص الأنبياء والرسل، فليس منا من يضرب البحر بعصاه فينشق له البحر بإذن الله ، وليس منا من يحيي الموتى بإذن الله، ولكن قد جعل الله معجزاته قائمة إلى قيام الساعة… وما حدث في سوريا إلى الآن هو معجزة بحد ذاتها…

فأين تكمن المعجزات؟…                          

والله إني لأرى المعجزات تكمن في صدورنا وفي بوح أرواحنا وفي زغاريد البنادق فكلما ازداد بطش الطغاة كلما ازداد تقربنا إلى الله أكثر، وكلما سقط شهيد يولد خلفه عشرة مقاتلين يطلبون حمل السلاح في وجه الظالم ومن يراقب الأحداث يعلم جيدًا بأن ما أقوله هو من واقع الثورة، فيومًا بعد يوم ينحسر جيش الطغاة ويزداد سواد المقاتلين الذين نفروا نصرة ودفاعًا عن دينهم وعرضهم وكرامتهم…

ليس بالأماني تحيى الأمم… وليس بالخطب العصماء يتحقق النصر وإنما بجهد كبير ومرير.. وبجراح عميقة تستنهض همم الرجال….فثمة تصريحات مريبة متتالية كانت جميعها عام 2010 لتنذر بقرب هبوب العاصفة ومنها تصريح مكتب إدارة الأزمات العالمي في واشنطن ( سوف تقوم حرب واسعة النطاق في منطقة الشرق الأوسط والمستهدف الأول فيها هم المدنيون ) ، وتصريح وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون ( إن منطقة الشرق الأوسط سوف تشهد أحداثًا عاصفة وإن هذه العواصف سوف تخدم مصالحنا ) ، وتصريح وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغادرو ليبرمان ( إن هناك زلزالًا قادمًا سوف يضرب الشرق الأوسط – سنعيد سوريا إلى العصر الحجري ) وهذا كله يدل على مكر دبر لنا بليل .

ثم أقبلت العاصفة واستفاق المسلمون من رقادهم على واقع شديد الألم … وقع بعض المسلمين في حبال الخديعة والغدر من قبل المواقف الأوروبية والأمريكية والتركية مع بدء الثورة، فكان هناك أكثر من 24 قناة إعلامية عالمية داعمة للثورة وخرجت تصريحات ملتهبة ( الشعب السوري يستحق الحرية ) ، ( لن نسمح بحماة ثانية ) ، ( النظام السوري فقد شرعيته ) ، ( على بشار التنحي ) ، ( النظام السوري أصابنا بصدمة ) …. إن بشار الأسد لم يكن إلا جلادًا يعمل بإمرة أسياده الغرب ، وإن استعبادنا من قبل النظام لم يكن إلا من سيده الغربي … فإذاً كيف نرجو الرحمة ممن أعطى الأمر بجلدنا ؟…

لقد ظهرت منهم مواقف اللؤم على حقيقتها تجاه المسلمين،وظهر تواطؤهم مع النظام بعد أن صار العمل المسلح واقعًا لا يمكن له التراجع، وتستر الإعلام الغربي إلى حد كبير عن المجازر حتى أن القتلى يوميًّا بلغ 200 إلى 300 شهيد لم تعد تذكر في الإعلام، وكان خبثهم ومكرهم يظهر من فلتات ألسنتهم فقد صرحت الخارجية البريطانية بتاريخ 12-12 -2011 ( إن المجازر التي ستتم في سوريا ستقنع روسيا والصين بالانضمام للمجتمع الدولي ) !…وتصريح الساسة البريطانيين على جريدة الغارديان ( لن نسمح للربيع العربي بالخروج عن سيطرتنا وسنسعى إلى ترويض الإسلاميين الصاعدين ) … هكذا هو الوجه الحقيقي الغادر للغرب ، لكن بعدنا عن الإسلام أعمى قلوبنا … يقول هنتينغتون منظر المحافظين الجدد في كتابه صراع الحضارات ( الإسلام هو العدو الحضاري الأول للغرب وهو بؤرة الإرهاب ) هكذا ينظرون إلينا ، لذلك ليس علينا قراءة الحدث وحسب بل علينا أن نستبق الحدث بل أن نصنع الحدث أيضا … وأسأل الله التوفيق في تقديم مجموعة من الرؤى التي تستكشف لنا خيوط المؤامرة عسى أن نمسك زمام الأمور في مجريات الأحداث ولا نقاد من قبل الأعداء ولا نمضي حيثما يشاؤون .

وليس للتهويل فإن المصاب كبير وثمة أشهر وربما سنين عجاف قادمة هي أقسى من شرايين الصخور … فقد أعدو عدتهم لإبادة أكبر عدد من المسلمين في بلاد الشام وما تبقى يصبحون أكثر ذلًا وقهرًا مما كانوا عليه .

فيا أبناء المسلمين :

ليس لنا إلا أن نوحد صفوفنا ونهجر أوجه الاختلاف فيما بيننا وننهض بكل عزيمة شبابنا وأن نكون صادقين مع الله ومع أنفسنا ليصدقنا الله وعده … وقد أقسم الباري جل في علاه أن ينصر المسلمين ولو بعد حين …

فصبرًا كبيرًا وجهادًا أكبر … والله أكبر .

المواقف الدولية من الثورة السورية

كثيرة هي التقلبات في المواقف الدولية والإقليمية من الثورة السورية، لكنها لا تتعدى عن أقنعة متعددة لوجه واحد وهو المخطط الغادر لمستقبل بلاد الشام

أولا: الولايات المتحدة الأمريكية:

بالرغم من التهديد بالانهيار الاقتصادي الأمريكي في غضون السنوات القليلة المقبلة، وبالرغم من التفكك الاجتماعي الضارب في عمق البنية الأمريكية حتى أن عدد العصابات فيها أكثر من 300 ألف ميليشيا وعصابة ويسميها بعض الساسة الأمريكان بالإرهاب المرعب، وبالرغم من التضخم الهائل للدولار والديون الأمريكية التي بلغت أكثر من 14،6 تريليون دولار (بلغت الديون الداخلية والخارجية 30-40 تريليون) ومع ذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية لازالت القوة الأولى في العالم والقطب الأوحد الذي تدور وفق سياسته سياسات دول العالم متراوحة ما بين الدول ذات العمالة الانبطاحية مثل الدول العربية والإفريقية، ودول تابعة رهنت نفسها وإمكانياتها إلى حد كبير للإرادة الأمريكية واقعة تحت الهيمنة مثل تركيا وإيران وأوربا الشرقية واليابان وغيرهم، ودول أخرى ذات سيادة مستقلة تماما إلا أن سياساتها لايمكن أن تتخطى فيها القوة الأولى في العالم ولا يمكن أن ترسم مصالحها بعيدة عن المصالح الاستراتيجية أو الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية وهذه الدول مثل بريطانيا وفرنسا والصين وروسيا وهي واقعة في إطار المشاركة مع أمريكا في حل القضايا العالمية منضوية تحت القيادة الأمريكية المهيمنة.

وعلى هذا فإن أمريكا هي صاحبة القرار الأول في العالم وإن مخالفة القرار الأمريكي سيكلف الدول المخالِفة ثمنًا كبيرًا وإن المشروع الأمريكي في الامتداد الدولي ماضٍ ولن يقتصر على المياه الدافئة في منطقة الشرق الأوسط بل إن هذا الامتداد بدأ يتناول قلب آسيا الوسطى ودول شرق وجنوب شرق آسيا. إنَّ الولايات المتحدة الأمريكية تسير وفق مشروعها المستقبلي المخطط  له جيدًا بأن تكون قائدة العالم  الموحد والذي تسيطر عليه حكومة أمريكية موحدة ومن ورائها كبرى الشركات الأمريكية العسكرية النفطية ،وكي يتسنى لها هذا الدور دون تكاليف مباشرة يجب أن تقوم بحملات متتابعة من التجهيل للشعوب وحرق هويتها وأصالتها وتنشيط العولمة الأمريكية حتى تخرج أجيالًا هجينة فكريًّا ومريضة نفسيًّا يسهل السيطرة عليها وهذا ما قامت به منذ مطلع ثمانينات القرن المنصرم ثم تُتبِعُها بإشعال موجات الحروب بين الطوائف والقوميات لتنتهي إلى دويلات صغيرة تصبح في المستقبل كولايات مبتورة تابعة للولايات المتحدة ثم تتقدم بدور الحماية والوصاية لهذه الشعوب بعد تمام إنهاكها، وإن بعض الدراسات تتوقع أن يقوم هذا المشروع ليعلن عنه بشكل رسمي عام 2025.

إن الولايات المتحدة تعلم تمامًا أن بلاد الشام هي قلب العالم النابض ومن يمتلك الشام يمتلك العالم بحكم الموقع الجغرافي الذي يتوسط القارات كصلة وصل في ما بينها وإشرافها على البحر الأبيض المتوسط ومناخها المعتدل وثرواتها العظيمة، وتخومها مع القارة الأوربية، وضمها  لشعوب ذات أصالة تاريخية وعراقة إنسانية وقيم حضارية حيث قادت العالم من خلال عقيدتها الإسلامية الرصينة لقرون عديدة وهي تطل مباشرة على منطقتين في غاية الحساسية الأولى إسرائيل (وهي جزء من بلاد الشام)، وأطماعها في المنطقة وحدودها الأمنية مع الشام ودورها الرادع للدول المارقة (وفق مفهومهم) والمنتشرة في الشرق الأوسط.

والثانية هي شبه الجزيرة العربية التي تعتبرها أمريكا كرئة حيوية في إمدادها بالطاقة. ولئن كان مشروع العالم الموحد سيأتي متأخرًا في دول آسيا الوسطى والشرقية إلا أنه كان حاضرًا منذ نهايات القرن العشرين عام 1990 مع حرب الخليج الأولى حملة شوارزكوف (عاصفة الصحراء) في منطقة الشرق الأوسط، لذلك فإن مشروع التقسيم ليس ترديدًا لبعض كتابات المنظرين السياسيين الغربيين بل دخل الآن حيز التنفيذ على الأرض ابتداءً من سوريا، في حين تم تأجيل التقسيم الجغرافي في العراق في الوقت الذي تم التقسيم الديمغرافي فيها وزرع بذور الحرب الطائفية، وأصبحت الآن مهيأة تماما لترسيم الحدود لولا أن عملية الترسيم مرتبطة بشكل وثيق بمشروع التقسيم في سوريا.

إذاً هناك تحول جذري لأداء أمريكا وحلفائها الغربيين على مستوى العالم الثالث وأولها العالم الإسلامي ولم يعد ثمة حاجة لإخفاء مشاريعها الجهنمية أو المواراة أمام المسلمين،بل تعلن عن مشاريعها بكل صفاقة وغطرسة.

من المعلوم أن هناك أسباباً قريبة ومتوسطة وبعيدة المدى بجدية الغرب في الإطاحة بنظام الطاغية بشار الأسد بالرغم من عمالته لهم، لذلك دفع الغرب باتجاه إسقاط النظام السوري وذكرنا في مقدمة الكتاب لمحة عن التعاطي مع الثورة السورية ولكن نريد في نفس الوقت أن نعلم مدى الرغبة الأمريكية في دعم الثورة السورية، فهل قرارها بإطاحة النظام تعني تلقائيا دعم الثورة الشعبية في سوريا؟…..

حسنًا… إن الكثير من المثقفين والسياسيين في العالم العربي لازال يعتقد بمبادئ الديمقراطية التي ترفعها أمريكا، ودعمها لقضايا حقوق الإنسان وينام عن آلاف القضايا الدموية التي إرتكبتها أمريكا سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، أو تلك القضايا التي غضت الطرف عنها بحكم مصالحها وهنا يحق لنا أن نسال:أين الإنسانية في رمي العراق باليورانيوم المنضب والفوسفور الأبيض والأسلحة البيولوجية في الحرب العالمية الثانية وحربها مع فيتنام، ولماذا سكتت عن مذابح حافظ الأسد في ثمانينات القرن الماضي سواء مجازر حماة أو حلب أو جسر الشغور أو تدمر، ولماذا دعمت إعلاميًّا الشعوب العربية في ثورتها بينما كان الشعب الفلسطيني شعب متمرد في نظرها، ولماذا الفيتو الروسي الصيني كان مثير الاشمئزاز في عدم إدانة النظام السوري حسب وصف وزيرة الخارجية الأمريكية بينما كان الفيتو تلو الفيتو المثير للشهية والصادر عن الإدارة الأمريكية لمنع إدانة إسرائيل في مجازرها ضد الشعب الفلسطيني؟… يقول المفكر الفرنسي روجيه غارودي (إن أمريكا مسؤولة كل يومين عن هيروشيما جديدة)لقد سعت الولايات المتحدة منذ نشأتها إلى رفع الشعارات البراقة وبالرغم من الوجه القبيح الذي كانت تخفيه خلف هذه الشعارات إلا أن هذا السلوك الجديد لن يبقي ماءًا في وجهها لأنها تريد أن تفرض صلفها وجبروتها بكل عنجهية وقوة رضي من رضي وأنكر من أنكر، إنها ماضية في تحقيق أحلامها العقائدية في الشام من قيام الملحمة الكبرى وقتل القوى المارقة (أمثالنا) فيها ليكون النصر التاريخي لها، وهي ماضية في تحقيق مصالحها في الهيمنة الدولية السافرة، بل إنها خططت لأكبر مجزرة تاريخية كونية في حق المسلمين في سوريا والذي سيتم خلال مراحل متتالية حسب مخططاتهم التي سنأتي على ذكرها إن شاء الله.

إن الصورة التي لعبتها أمريكا في الدول العربية من دعم الثورات الشعبية العربية من أجل تغيير الحكام الدكتاتوريين ومحاولة احتواء الثورات بزرع قيادات جديدة لها صلة مباشرة قريبة أو بعيدة معها لن تتكرر في سورية، وهي بعيدة جدًا عن الواقع السوري لأن وجود المجلس الوطني الانتقالي السوري في اسطنبول  هو وجود رمزي محفز فقط للثورة السورية ومحفز للمقاتلين في سوريا بأن أمريكا جادة في دعم الثورة، بينما تعلم أمريكا أن دور هذه القيادة هو دور إعلامي فقط لأنه لن تكون حكومة سورية داخل سوريا على المدى القريب، بل سوف تتشرذم هذه الحكومة الانتقالية في غربتها خلال عدة سنوات ولن تصل إلى الأرض السورية بشكل فاعل وحقيقي، وهذا التفسير ليس أقل من المدى القريب لأن نجاح الثورة السورية وفق الرؤية العالمية (وليس الإسلامية) يعني نجاح المعارضة الخارجية وبالتالي دخولها إلى الأراضي السورية لاستلام الحكم تحت الرعاية الأمريكية بعد أن يتم رسم خارطة طريق لها، ولن تستطيع أن تحيد عن هذه الخارطة أبدا وبالتالي عودة الدكتاتوريات وقمع المسلمين نصف قرن أو قرن آخر.

لقد قام المجلس الوطني الانتقالي في تركيا بمشروع مسودة قرار لتشكيل حكومة انتقالية وكان رئيس المجلس العسكري المقترح فيها العميد مناف طلاس صديق الطفولة  لبشار الأسد وقد قام بالعمرة في رمضان وتم تصويره لتلميعه بطريقة مكشوفة واقترحوا خالد أبو صلاح الناطق الإعلامي عن الثورة في حمص دون علمه أصلا كوزير للشباب، وكل هذه الألاعيب كانت فقاعة اختبار أمريكية لشق صف الجيش الحر لأنهم يعلمون أن هناك من تعب من الصراع وشعر بخطورة الأزمة فانحاز نحو الحل السياسي الترقيعي، وآخرين أشد تمسكًا بالمبدأ والذين اختاروا الحل الانقلابي الجذري، وفعلا نجحت فقاعة الاختبار بشق الجيش الحر جزئيًّا، علمًا أن طبيعة تشكيل الحكومة الانتقالية وطرحها لم يكن جادًا، وحتى لو تشكلت فإن أمريكا ليست جادة في إيصالها إلى الحكم إلا كحكومة طوارئ فقط عندما تضطر إليها لأن المشروع الأمريكي أكبر من بقاء سوريا على ما هي عليه الآن.

إذاً لو كانت الولايات المتحدة جادة في دعم المجلس الوطني الانتقالي لدعمت الثورة الشعبية في سوريا، ولكن حتى الآن مضى أكثر من 17شهراً على قيام الثورة السورية ولم يبدُ في الأفق بادرة خلاص، بل إن الوضع الداخلي السوري يتقدم رويدًا رويدًا نحو فوهة بركان عمياء تبتلع فيها السوريين وفق مراحل منضبطة رسمتها الإدارة الأمريكية بدقة فائقة وخبث ودهاء. إن الاتجاه الأمريكي الآن هو التظاهر بموقف الأمة ذات العراقة الإنسانية المفرطة وهي تتباكى على هذا الشعب السوري المسكين الذي يناضل من أجل استرداد حريته وكرامته على طريقة ثورة الزنوج في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنها تصرح بأنها وقفت أمام خيار اللا خيار على أنها مكبلة لأن الفيتو الروسي الصيني يمنعها من أي تدخل وهي ملتزمة بالقوانين الدولية وبالقيم الأخلاقية في المعاهدات لذلك فهي سوف تستمر في ذرف دموعها ولطم خدودها على ما يعانيه الشعب السوري من اختناق….

ولعل شعبنا الأصيل يصدق ذلك ولكننا نتوجه إلى هؤلاء لنقول لهم إذا عجزت أمريكا أمام الفيتو الروسي الصيني فلماذا تحدت الشرعية الدولية برمتها وتخطت مجلس الأمن ووطأت بقدمها القرارات الأممية ودخلت العراق كدولة محتلة؟…..

وإذا اعتقد البعض أن الأوضاع الدولية تغيرت لأن أمريكا تم إنهاكها في حرب العراق وأفغانستان لذلك فهي تريد الآن قرارًا أمميًّا فنقول لماذا لا توقف المجازر فينا خارج مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن طريق رفع جامعة الدول العربية طلب الاستعانة بحلف الناتو على غرار تدخلها في يوغسلافيا السابقة وكما فعلت في ليبيا؟….

ولماذا تدخل قوات حزب الله كشبيحة للأسد؟….

ولماذا تنهال المساعدات على النظام السوري؟.. في حين أن أمريكا لم تسمح بتمويل أو تسليح الثورة (مع أنها لن تكلف خزينتها دولارًا واحدًا) بل إنها لم تسمح للمملكة العربية السعودية ودول الخليج بتمويل وتسليح الثورة السورية (مع أننا لا نحتاج إلى الأموال والأسلحة الأمريكية كشريك متواطئ في قتل المسلمين).

الحقيقة أن كميات خجولة جدا من الأسلحة وصلت إلى أيدي أبطال الثورة من المجاهدين وإن هذه الكميات الشحيحة كانت في بداية الثورة السورية فقط والغاية منها تشجيع الشعب على الانطلاق في ثورتهم والاتجاه نحو المسار المسلح (وإن كنا نؤيد المسار المسلح منذ بداية الثورة) وإحداث حالة الصدام العسكري للثورة وكانت الغاية منها عملية توريط الثورة السورية في عسكرتها (وفق المفهوم الأمريكي) ثم توقيف المساعدات العسكرية لأجل استفراد النظام وتوحشه أمام شعب أعزل من السلاح، لذلك ذهب السفير الأمريكي في سورية روبرت فورد إلى مدينة حماة واستقبله عشرات الألوف (بكل براءتهم) كداعم للثورة ثم أخذ يلقن الشعب السوري كي يخرجهم من نطاق العمل السلمي إلى المسلح فقال (إن الشعب السوري بدأ ينفد صبره)….. إنهم يعلمون أن بيوت المسلمين معظمها خالية من أي قطعة سلاح، بل إن هذا النظام المجرم أصبح يسجن من يحمل سكينًا… وهكذا على مدى أربعين سنة تم تجريدنا من أي سلاح مطلقا في حين تم توزيع سلاح وذخيرة الجيش السوري على بقية الطوائف خاصة النصيرية في جبالهم استعدادًا للحرب القادمة.وهنا نريد أن نستطرد في الفكرة، وهي أن عادة الولايات المتحدة الأمريكية في الأشهر الأولى من دخولها البلد المحتل تقوم بزج أكبر شريحة ممكنة من الشباب في السجون لبتر أي عملية مقاومة منذ البداية وتفكيك كل الشبكات عن طريق الاعتقالات التعسفية والعشوائية، وتنشر بين المساجين الصيت الحسن عن المعاملة النزيهة والمحترمة كي تعطي الانطباع الجيد عند الأهالي وتدفع بالمطلوبين لتسليم أنفسهم، وفي حال تم حصار المطلوبين فلن يستبسلوا وسوف يسارعون لتسليم أنفسهم بسبب حسن المعاملة من المحتل، وما هي إلا أشهر أو سنوات بعد أن تحكم قبضتها على البلد حتى تذيق السجناء أشد العذاب ليكونوا عبرة لكل من تسول له نفسه بالجهاد… إنها عملية تدجين للمجاهدين ذوي العقيدة الهشة.

دخلت إلى سوريا شبكة استخبارات أمريكية ومنها على هيئة ضباط أمريكيين وضباط بريطانيين وأتراك تحت ذريعة تعليم بعض كتائب الجيش الحر والثوار القتال، والحقيقة أن هؤلاء الضباط دخلوا في مهمات استخباراتية بحتة مرتبطة مع الـ CIA ومهمتهم مراقبة الساحة السورية عن كثب وعملية اختراق عميقة في صميم المقاتلين لرفع تقارير استخباراتية إلى قيادتهم المركزية في الخارج عن الأحوال النفسية للمقاتلين وطريقة تفكيرهم ومستوى مهاراتهم وإمكانياتهم الفكرية والعسكرية والتنظيمية ومدى حضور الإيديولوجية العقائدية الإسلامية فيهم ونحو ذلك، وحسب صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية بتاريخ 7-8-2012 أن الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والألمانية تعاني من فجوة استخباراتية في سوريا حول هوية القوى العسكرية المقاتلة والنظام السوري وتنشط منذ شهور في بناء شبكة اتصالات مع كبار الضباط المنشقين وتجنيد العملاء.

والأسوأ من ذلك فرضها على بعض قادة الجيش الحر بعض التكتيكات العسكرية بل والاستراتيجية وفق رؤيتها العسكرية والمخالف لمبدأ حرب العصابات مما يثير الريبة والشك حول نزاهتها، فلصالح من هذا التدخل ؟….. من المؤسف أن المسلمين في هذا القرن يقعون مرات ومرات ولا يتعلمون من التاريخ لأن معظمنا لا يقرأه أصلاً، فصورة العقيد اليهودي البريطاني لورانس العرب وتحريضه للقبائل العربية للثورة على الخلافة الإسلامية لا زالت ماثلة في أذهاننا و تتكرر صورة الغدر باستمرار ونحن نسلم قيادنا ومصيرنا الأسود إلى أعدائنا.

يجب أن يحدد المسلمون بدقة متناهية جميع الأصدقاء والأعداء كي لا يقعوا في شباك العدو كما وقع أجدادنا من قبل في تحالفهم مع أوروبا بدعم الثورة العربية الكبرى ضد الخلافة الإسلامية والحصول على الاستقلال فكان ما سمي بصفقة المغبونين أو اتفاقية حسين مكماهون عام 1915 حيث غدر الغادرون بريطانيا وفرنسا بالمسلمين كعادتهم، وإن مآسي الماضي واستغبائهم لنا تلوح من فجر الثورة السورية.

إن أمريكا تلجأ الآن إلى إطالة أمد المعركة لتمكين الأسد ونظامه من قتل أكبر شريحة ممكنة من المسلمين في سوريا ومن يتتبع عمل اللجنة الوزارية للجامعة العربية والمدة الطويلة التي أعطوها للنظام يعلم تماما من خلال هذه المدة درجة العبثية الأمريكية في هذا الموضوع ومدى إعطائها المهل للنظام السوري تلو المهل كي يقوم بحرق الثورة السورية وإبادتها وفق سياسة الأرض المحروقة، ولكن بشار الأسد يفشل في كل تمديد يمنح له من اللجنة الوزارية، وبالرغم من أن القاصي والداني يعلم مدى انتهاك بشار الأسد لخطة جامعة الدول العربية إلا أن تقرير الدابي الذي خرج بمفاجآت أن وضع مدينة حمص آمن وأن سبب القتلى هو العصابات الإرهابية وكان واضحًا تمامًا لدى الجميع مدى تسييس تقرير الدابي وفق متطلبات الحلفين الشرقي والغربي.

جاءت بعدها خطة أنان وما تحمله من حقن الطاقة الإجرامية في شرايين النظام السوري وتمكينه من قتل المسلمين وكذلك المبعوث الدولي روبرت مود الذي لعب دور المتستر أيضا على نظام الأسد وتبرير أفعاله، بل كان من السهولة بمكان أن يكذبوا كل الحقائق والشهود في مجزرة التريمسة في ريف حماة بأن المجزرة حدثت بسبب اشتباك الجيش السوري مع مسلحين إرهابيين والدليل وجود فوارغ الطلقات؟…لقد أقاموا الدنيا لأجل تفجير قبور فيها عظام أموات (في تومبكتو – مالي) ولم يقفوا مثل هذا الموقف في القتل اليومي للمسلمين السوريين وإزهاق أرواحهم… وإننا ندرك جميعا لو أن المسلمين يقتلون كل يوم عشرة كلاب لقاموا بجموعهم في إدانة الأعمال الوحشية لنصرة الكلاب… أما قتل النظام المستبد للمسلمين فهذا فيه نظر ويجب أن نفكر في حل سلمي لتنحي الأسد عن الحكم في حين أنهم متفقون على بقاء النظام برمته بشكل مرحلي لاستمرار قتله فينا (تسربت معلومات عن الاجتماع التحضيري لمؤتمر جنيف عن تمديدهم للأسد لعام أو عامين)، والحفاظ على التركيبة الاستخباراتية والجيش في سوريا التي اشترطت القوى الغربية على عدم تغييرها مطلقًا… والحفاظ على ضباطها وعناصرها.

كل هذه المهازل التي يعيشها المسلمين في سوريا جراء القبضة الأمنية الخانقة عليهم ومع ذلك فإن أمريكا وأوروبا يشترطون الحفاظ على أقذر وأعتى الأجهزة الأمنية إجرامًا في العالم… أما لماذا؟… فإن هذا لا يحتاج إلى جواب….

كل هذه السخرية الأمريكية من الثورة السورية واحتقار دماء المسلمين ومع ذلك هناك من المنهزمين أو المغفلين ممن يجدها راعية للثورة السورية والمسلمين.

كان من المثير للانتباه أنه منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 وحتى قبل قيام الثورة السورية عام 2011 بقيت الآلة الإعلامية في العالم جميعا تتكتم عن المشروع الإيراني الصفوي وامتداد الهلال الشيعي، وبالرغم من أن هذا الهلال لم يعد هلالًا بل كاد يصبح حلقة ابتداءً من إيران إلى العراق فسوريا ولبنان وفلسطين وشرق المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص ودول الخليج واليمن (الحوثيين) وبالرغم من بدء تغيير الخارطة الجيوسياسة والخارطة الديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط إلا أن هذا الموضوع يحرم الكلام عنه… ولكن السكوت عن هذا المشروع لمصلحة من؟… هل هو لصالح التعاون الأمريكي الإيراني أم لصالح الدول العربية الإسلامية؟… وهل من مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية حدوث الامتداد في الأذرع الإيرانية ومحاولة السيطرة على العالم في قلب الشرق الأوسط أم أن هناك خلافات حقيقية وعداءً كاملاً بين الطرفين، أم أن هذا الامتداد الإيراني يخدم في نفس الوقت المشروع الأمريكي ودول المركز في منطقة الشرق الأوسط على مبدأ تقاطع المصالح؟…

سنجيب هنا بشكل مختصر جدا ونترك التفصيل عند الحديث عن الدور الإيراني في المنطقة، وهو أن عملية التهيئة للمشروع الأمريكي في قلب الشرق الأوسط سيحتاج ومنذ مطلع الثورة الإيرانية إلى هذا الامتداد الإيراني لأن هذه المرحلة المرسومة أمريكيًّا منذ حوالي ثلاثين عاما كما جاء في خطة برنارد لويس في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وكان هناك تزامنًا بين ثورة الخميني عام 1979 وبين مخطط برناد لويس الذي تم الإعلان عنه عام 1980 وهو تفتيت تام للمنطقة عن طريق حرب شعواء تحرق فيها أكبر تكتلين بشريين في قلب العالم وهم المسلمون السنة مقابل الفارسية الصفوية المجوسية، وخلف هذا المفهوم نعلم لماذا صمتت كل وسائل الإعلام قاطبة عن إثارة موضوع الهلال الشيعي وامتداده وتغلغله بين المسلمين، ثم ليبدأ بالظهور بشكل فجائي على كثير من وسائل الإعلام وبزخم ودفع أعمى وكشف فاضح للمستور وإحداث احتقان فلكي هائل في كلا الجانبين تمهيدا لخطة الملحمة التي ستشعلها دول المركز بين الطرفين لتبدأ تدريجيًّا في نهاية مرحلة حكم الطاغية بشار الأسد، ولتطفو على السطح بشكل كامل في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.قد يظن البعض أن مجمل الحديث عن أمريكا فيه لوم لمواقفها لأننا نريد منها تدخلًا مباشرًا أو حظرًا جويًّا أو حتى مساعدات عسكرية أو إنسانية، والواقع أننا عبثا ننتظر من القاتل الرحمة، وإن سواعدنا جميعا سواء من إخواننا الأبطال في الجيش الحر أو من إخواننا في التنظيمات الإسلامية ممن لهم ميدان السبق في العمل الجهادي لهي كفيلة لأن تتعاضد مع بعضها لاقتلاع الشجرة الخبيثة من جذورها،

إذاً لماذا تصر المعارضة الخارجية على التدخل الأمريكي؟… أليس هذا التدخل هو إطلاق لكامل يد أمريكا في بلادنا بعد أن تسلطت علينا من خلال نظام الأسد لمدة أربعين عاما ثم نكرر المأساة فينا؟…

لو أن أمريكا الآن وقفت على الحياد وسمحت للملكة العربية السعودية ودول الخليج بتمويل وتسليح الثورة لسقط نظام الأسد منذ الأشهر الأولى لبدء الثورة السورية.

لقد بنينا مقدمة هذه الفقرة على فكرة أن الولايات المتحدة لها مآرب كثيرة في تفتيت سوريا وفي إزاحة النظام السوري، وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: كيف تكون أمريكا جادة في إسقاط النظام ثم تسمح بالمساعدات للنظام السوري بكل أشكالها العسكرية والمالية واللوجستية والمعنوية والمواقف الدولية، وكيف تكون جادة في إسقاط النظام ولا تسمح بتمويل وتسليح الشعب إلا ضمن قنوات ضيقة جدا جدا؟…

للإجابة عن السؤال يجب أن نرجع إلى مخطط القوة والضعف لكلا الكتلتين المتصارعتين سواء عند الثوار أم النظام. نقاط قوة النظام الداخلية:

1-العتاد العسكري للجيش السوري.

2-الخزينة السورية برمتها.

3-بعض علماء السلطان ممن يخدرون الأمة كي تبقى نائمة بين الأحذية.

4-الآلة الإعلامية السورية.

5-الطائفة النصيرية والشبيحة والدولة الصفوية المجوسية مع ما تسخره من الرافضة العرب لخدمة مشروعها الصفوي علمًا أنها تخادعهم وتستغل تشددهم لأهل البيت لإقامة أحلامها بالإمبراطورية الفارسية بل تعتبر الرافضة العرب من الدرجة الثانية أو الثالثة لذلك نجدها الآن تضحي بهم أولًا بدل مواطنيها الفارسيين،وهي تزجهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل  .

6-الجيش السوري بشكل نسبي وهو يصلح كقوة فاعلة وجبارة في الأشهر الأولى ولكن سيخذله في الأشهر المتقدمة لذلك فهو يرتب كتائبه المقاتلة في مواجهة المتظاهرين أو المقاتلين إلى مراحل، فالأولى منها هي الجيش النظامي بقيادته النصيرية وقاعدته السنية لذلك ستكون الخطة هي استهلاك القاعدة بشكل كامل من الجنود والضباط من المسلمين السنة ويتم وضعهم الآن في مقدمة أي اقتحام ويتم توثيق أقدامهم بالدبابات لمنع انشقاقهم، أما المشاة فيتم السيطرة عليهم ومنع انشقاقهم عن طريق توزيع القناصة من الحرس الثوري الإيراني في الأماكن العالية، وإن البقايا القليلة من المسلمين التي ستبقى مع النظام حتى مقتل بشار الأسد سيقوم الجيش نفسه بقتلهم لأن الحرب القادمة ستكون طائفية معلنة من كل الوجوه كما يخطط لها المركز وسيميطون اللثام عن القناع الذي يرتدونه اليوم.

ومن المفيد أن نذكر هنا أن وفود الحرس الثوري الإيراني بدأت تدخل سوريا منذ أكثر من سبع سنوات وتم منحهم بطاقات الهوية السورية، ولكن تضاعفت هذه الأعداد في السنوات الأخيرة لتبلغ عشرات الألوف الكامنين في سوريا سواء من الحرس الثوري الإيراني أم من المتطوعين الشيعة من العراق أو سوريا أو لبنان، وهؤلاء حتى الآن لم يتم زجهم في المعركة إلا بشكل محدود وأٌقرب إلى الرمزية، إذاً المرحلة الثانية ستكون مع بدء انهيار الجيش النظامي بسبب كثرة القتل والانشقاقات في الجيش من المسلمين السنة، وهنا سيتم الدفع ببعض القوى الإيرانية والرافضية المخبأة الآن في سوريا لأجل تعديل الضعف في الجيش، أما المرحلة الثالثة فسيتحول الجيش السوري إلى جيش طائفي محض وهجين من النصيريين والحرس الثوري الإيراني والرافضة في العراق (فيلق بدر – جيش المهدي – حزب الله العراقي – جيش الإمام الحسين…) ومن رافضة سوريا وحزب الله اللبناني والمتطوعين منهم، لذلك سيكون الخط البياني لمسار قوة الجيش النظامي متذبذبة بين القوة والضعف، حيث سيكون قويًّا في المرحلة الأولى وسيضعف في الثانية (كما هو عليه الآن) وسيكون قويًّا ونقطة تسجل لصالحهم عندما يتحول كامل الجيش إلى جيش طائفي محض مسلط على رقاب المسلمين السنة، لذلك سنجد مدًا في الانتصارات التي سيقوم بها المجاهدون الأبطال في المرحلة الثانية والتي يمكن أن تتعرض إلى شيء من النكوص بعد مقتل بشار الأسد بأسابيع قليلة أي عند دخول المرحلة الثالثة من التبدل في تركيبة الجيش السوري وهي المرحلة المرشحة بشكل كبير إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد المسلمين السنة ويكون المخطِّط لهذه العملية دول المركز أما المنفذ لها فهو الحرس الثوري الإيراني وأشياعه.

نقاط قوة النظام السوري الخارجية:

1-الدعم الإعلامي المفتوح من المحور الشرقي (روسيا – الصين –إيران – العراق…).

2-الدعم البشري كمقاتلين.

3-الدعم اللوجستي.

4-الدعم الحربي.

5-الدعم المالي.

نقاط ضعف النظام:

1-انهيار الآلة الإعلامية الداخلية القائمة على الكذب.

2-انهيار مؤقت للجيش.

3-انهيار خزينة الدولة.

4-انهيار العتاد العسكري لأن الحرب الطاحنة المفتوحة الآن ستكون كمستنقع نفايات عسكرية لا حدود لها ولذلك يجب أن يتنبه الجميع أن طول المعركة ومدها وعدم الحسم هو عامل نصر قطعي لنا و لأسباب أخرى سيأتي بيانها لذلك يجب أن يسعى المقاتلون إلى مد الحرب قدر المستطاع لأن القوة المالية والعسكرية الداخلية والخارجية لن تستطيع الاستمرار في الضخ لسنوات عديدة على المستوى السوري والروسي والإيراني، أما على المستوى الأمريكي فإن عامل الزمن الطويل مطلوب لأنه في النهاية سيضعف كافة الأطراف من الحلف الشرقي ومن المسلمين السنة، وبالتالي دخول الناتو إلى سوريا كجسد بلا روح وفق التصور الأمريكي، إلا أن عامل طول الزمن ليس هدفًا استراتيجيًّا بل تكتيكيًّا لاحتمالية استحالة الثورة السورية وانزياحها كثورة عقائدية إسلامية.

التركيبة النفسية لكل المقاتلين الإيرانيين والرافضة والنصيرية ذلك أن المعتدي دائما يشعر بالخوف لأنه ليس صاحب حق، وإن هذه العقدة ستلازمهم وتتحكم في حسهم الانهزامي حتى نهاية المعركة الطائفية التي يخططون لها بينما يكون قتالهم في بداية هذه المرحلة في غاية الشراسة. الجيش الطائفي وعدم وجود امتداد ديمغرافي لهم ضمن سوريا ماعدا الجبال الساحلية التي تضم النصيريين.

5-السقوط التام لرجال الدين الداعمين للنظام، وكذلك التركيبة القومية والوطنية والعلمانية والعقائدية التي تتهاوى تماما في هذه المرحلة مما يضعف تماسكهم الطائفي، فعلى المستوى القومي فإن هذا الجيش الطائفي يحمل قومية عربية وفارسية وعلى المستوى الوطني يحمل إيرانيين وعراقيين وسوريين ولبنانيين وعلى مستوى العقيدة فإن الرافضة يكفرون النصيرية، ومشايخ النصيرية تكفر الرافضة والذي جمع هذه التركيبة العجيبة هو مجموعة من الكذب على بعضهم والمصالح والعمالة للغرب ولذلك فإن هذه التركيبة شديدة الهشاشة فبينما تكون صلبة في بدايتها فإنها سرعان ما ستتهاوى في المرحلة اللاحقة.

نقاط قوة المقاتلين المسلمين الداخلية:

1-العامل العددي البشري حيث أن نسبة المسلمين السنة في سوريا تتجاوز 82% نسبة للطوائف الأخرى.

2-أنهم أصحاب الأرض وهم أعلم وأخبر بالقتال عليها.

3-دفاعهم عن حريتهم وكرامتهم هو دفاع مصيري بامتياز.

4-الدافع النفسي للقتال جبار وصارخ بسبب سنين التقتيل والاضطهاد والتعذيب والتجويع.

امتدادهم على الرقعة الأعظم في سوريا.الإسلامية التي ستمر بطورين: ابتداء سيكون الضعف العقائدي الشديد سائدًا وسيكون هناك ضعف وعي لطبيعة المعركة لأن المسلمين السنة خرجوا بعد سبعة عشر شهرًا من الثورة إلى مستوى لا زال بسيطًا جدًا ولا يفي بالأبعاد الفكرية والعقائدية التي نمر بها في هذه الآونة ونعتقد أن نقطة الانطلاق العقائدية التامة ستتم بقفزات متسارعة جدًا في المرحلة الثالثة لاستحالة الجيش السوري إلى جيش طائفي صرف وغالبًا ستكون الصدمة الرهيبة التي سيمر بها المسلمون هي جرعة زائدة عن الحد لن تكفي لصحوتهم التامة بل إلى دفعهم بشكل جامح نحو الأمام، ويبدو أن هذه المرحلة الرهيبة التي ستمر بها هذه الأمة العريقة ستكون بمثابة صدمات الإنعاش الكهربائية لمريض الأزمة القلبية وهذه بدورها ستخدم الأمة الإسلامية من حيث ظنوا أنهم طعنوها في مقتل.

نقاط قوة المقاتلين المسلمين الخارجية:

1-استقطاب النخبة العقائدية الإسلامية من جميع الأرض نحو بلاد الشام وهؤلاء متصفون بغاية الضراوة والشراسة القتالية بسبب اندفاعهم العقائدي، بل وستكون الشام خلال السنوات المقبلة معقلًا لأكبر تجمع عقائدي إسلامي قتالي في العصر الحديث.

2-عودة الكثير من المفكرين والعلماء والكوادر العلمية التي يمكن استقطابها سواء الكوادر الإسلامية أو السورية على وجه الخصوص فهناك الكثير من هؤلاء العلماء غادروا بلاد الشام أثناء حكم الأسد عندما كان يمارس خطته في تهجير العقول نحو الخارج وهذه الطبقة ستشارك بعلمها ومالها.

التأييد الإسلامي المطلق على مستوى الشعوب الإسلامية وهذا يساعدنا في تصدير ثورتنا ومد ساحة الحرب إلى البلاد الأخرى التي يسترخي فيها عدونا الذي يقاتلنا على أرضنا.بينما سيبقى الدعم بالسلاح والذخيرة والمال محدودًا في معظم مراحل الحرب الطويلة، لذلك يجب علينا توفير المال والذخيرة ونقوم بسياسة ادخار صارمة كي تعيننا في المرحلة القادمة لأن الأسد لن يترك البلد إلا بعد أن يعيدها للوراء مئات السنين كما يخطط، وعليه يجب التفكير بصناعات عسكرية تقليدية قابلة للتطوير، ويجب الإعداد لذلك داخل بلاد الشام وإيجاد الكوادر التي تختص بهذه المهمة لأن السنوات العجاف القادمة قد تجعلنا بحاجة للرصاصة الواحدة.

لو نظرنا إلى معظم نقاط قوة النظام لوجدناها مرحلية حيث تكون قوية في بدايتها، وكلما تقدم الزمن تحولت إلى نقاط ضعف بسبب نفاد مخزونها وانكشاف كذبها وخداعها، ولذلك فإن النظام يجهد نفسه في قمع الثورة بشتى الوسائل وبسرعة قصوى لأن الزمن ليس من صالحه بل هو كفيل بإنهاكه وإسقاطه.

وعلى النقيض تماما فإن نقاط القوة التي تصبح ضعيفة عند النظام تتحول تلقائيا إلى نقاط قوة للثورة، أي أن الزمن في صالح المقاتلين لذلك فإن المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية سوف تأتي في مرحلة انهيار جميع نقاط القوة لدى النظام السوري وعندها ستحولها لحرب طائفية ذات بعد ودعم إقليميين.

لو تأملنا مليا في هذا الواقع لوجدنا أن أعظم قوة ساحقة يمتلكها المقاتلون المسلمون هي نفسها أضعف نقطة عند العدو وهي العامل النفسي، فهو المخزون الروحي الأعظم للجيوش فبينما كانت الروح المعنوية والحس الإيماني الإسلامي عند المقاتلين المسلمين بلغت حدًا مدهشًا من البسالة فإنها كانت عند العدو في تمام الانهيار، وهذا الذي أحال نقاط قوتهم الساحقة إلى جبل عظيم من القش الذي لا يثبت أمام العاصفة.

يقول نابليون بونابرت:(في الحرب تمثل المعنويات ثلاثة أرباع القوة،أما توازن القوة المادية فلا يمثل إلا الربع الباقي ).إن ما يقال عن واقع النظام من استحالة قوته إلى ضعف وتشتت وانهزام هو ما يمكن أن نقوله أيضا عن الجيش الطائفي القادم الذي سيكون قويًا في أسابيعه الأولى ولكنه سيكون الأشد تفككًا وتفسخًا وذوبانًا.

وهي أيضًا نفس القاعدة لكل عدو محتل إذ يكون الزمن دائمًا ضده لأن طول الحرب يستهلك القوة مهما كانت عظيمة، كما أن طول الحرب يكشف كذب ومراوغة المحتل لصالح الثوار، فإذا استمر الشعب في إمداد الثوار فإن نصرهم حتمي بإذن الله.

بالعموم نجد أن جانب تفوق النظام مادي فقط ولا يحمل أي قوة روحية، بينما نجد أن مصدر التفوق للمقاتلين المسلمين هو في الجانب الروحي العقائدي، ولكنه تفوق على المدى البعيد، وسيكون المخزون الثوري الأساسي على المنظور البعيد هو العقيدة الإسلامية بعد نضوج فكرها في نفوس المقاتلين، وهذا الواقع يجعل من تبني الثورة للعقيدة الإسلامية ضرورة حتمية ومصيرية يتعلق على مدارها بشكل شامل الانتصار التاريخي لنموذج ثوري فريد أو الهزيمة التاريخية له.

نعود للتقرير في هذه المناسبة أن أي محاولة حسم عاجلة للمعركة لن تكون في صالح المجاهدين لأن مصدر قوتها في الجانب الروحي، والجانب الروحي لن يتأتى إلا بطول الزمن وهذا يدفعنا إلى ضرورة السرعة في التجنيد الروحي للثورة والمباشرة فيها بصورتها المنهجية.

إذاً عندما نقرر منذ بداية الثورة أن هناك تفوقًا ساحقًا للنظام اضطرت دول المركز للوقوف بحزم لجانب الثورة وكانت التصريحات آنذاك نارية على أنهم عازمون للوقوف إلى جانب المطالب الشرعية للشعب السوري وإن هذا الوقوف الإعلامي الغربي منع في ابتداء الثورة من القمع الدموي للنظام مما اضطره آنذاك إلى مسك أعصابه بشتى الوسائل لعل التهدئة تفيد في امتصاص الصدمة الثورية من الشعب واحتوائها، بل لا نبالغ إن قلنا إن الأشهر الأولى كانت حافلة من جهة الإعلام الغربي بتضخيم آلة القمع للنظام السوري من حيث قصف المدن، وبسبب ضعف الثورة السورية في الأشهر الأولى اضطر الغرب إلى الموافقة على الدعم العسكري والمالي المحدود جدا من السعودية والخليج وحصرا لجهة الجيش الحر ذي التوجه العلماني على ما يعتقده ويرجوه الغرب وكان هذا الدعم الإعلامي الغربي والعسكري المالي الخليجي هو الذي دفع الثورة السورية نحو الأمام والوقوف وإمكانية تلقي الصفعات المنهكة دون أن تموت وليس لأجل القدرة على المواجهة أو الهجوم أبدا لأن المساعدات كانت خجولة جدًا، وبالرغم من ذلك فإن المسلمين في سوريا استطاعوا التحول إلى المواجهة المسلحة من خلال ثلاثة عوامل أولها التصميم على نصر الثورة والإطاحة بالنظام وثانيها الدعم الإعلامي المحدود وثالثها المساعدات المالية والعسكرية الشحيحة، ولكن طرأت نقطة تحول بعد حوالي أيلول 2011 إذ بدأت الثورة تشتد وتأخذ طابعًا مسلحًا وظهرت الكثير من المناطق الرمادية على الأرض السورية لم يسيطر عليها بشكل حاسم كلا القوتين وهذا مؤشر لدى دول المركز لاحتمالية السحق السريع للثورة على النظام لذلك توقفت المساعدات الشحيحة المالية والعسكرية وتوقف الدعم الإعلامي بشكل كبير وتراجع الغرب عن كل تصريحاته ليكتفي بالتنديد والإدانة، وتلاشت التصريحات الحاسمة التي ساعدت في تحريك الشعب السوري، ولكن الثورة أصبحت واقعًا ويستحيل معه التراجع لأن هذا التراجع سيحولنا إلى عبيد من الدرجة الثالثة لمن سيبقى على قيد الحياة، وهذا الإحساس دفع بكثير من أبطال الثورة إلى الاستماتة من أجل الحصول على السلاح والذخيرة من العدو عن طريق الكمائن ونجحوا في ذلك إلى حد بعيد. كان رد فعل النظام بدخول جزئي للمرحلة الثانية من الخطة العسكرية التي وضعها منذ ابتداء الثورة وتشمل بداية هذه المرحلة بعض المذابح والقصف الجزئي للمدن لذلك كانت نقطة التحول الثانية لمسار الثورة وهو مسار النكسة بعد مجزرة الحولة في شباط وآذار 2012 حيث استطاع النظام السيطرة على معظم المدن السورية تحت سطوة الآلة العسكرية الدموية لكن بقي الريف الشمالي لمدينتي إدلب وحلب عصيًّا عليه، وهكذا نجد أن هذه المرحلة وخلال حوالي ثلاثة أشهر بدأت تهدد باحتمالية القضاء على الثورة مما اضطر الغرب إلى عودة التسليح الشحيح بعد الشهر الخامس من عام 2012 على حساب الأموال العربية والخليجية.

من خلال هذه المراحل نجد أن طريقة التعاطي الغربي مع الثورة هي صدمات الإنعاش قبل الممات لأجل صمودها فقط، والغاية من ذلك استمرارية التصارع من خلال تأمين الحد الأدنى المطلوب من صمود المسلمين في سوريا لأن شح المساعدات لن يأتي بنصر مظفر ولا حتى النصر وبنفس الوقت لا ينتهي بموت الثورة بل يبقيها في حالة الترنح وهذا هو المطلوب غربيًّا، ولو رسمنا خطًا بيانيًّا لتعاطي دول المركز مع المقاتلين المسلمين في سوريا سنجد تماما هذه الحقيقة التي قررناها وسوف نفاجأ أن الخط البياني الذي سيخرج معنا سيوصلنا لغاية واحدة فقط، وهو إنهاك النظام من خلال الثورة وسقوطه على المدى البعيد، وهذا الذي يرغبه الغرب ويسعى إليه في حين سيوصلنا الخط البياني أيضا إلى هدف آخر مطلوب من الثورة وهو بقاؤها في حالة ضعف شديد بحيث تحافظ على صمودها ولكنه سيكون سببا في فناء المسلمين على المدى البعيد.

إنها عملية إنهاك لكل المقدرات المالية والفكرية والبشرية للمسلمين وسوف تستمر آلة القتل من نظام الأسد، وهذا الواقع يمكن أن يجعلنا نرى تحول فكرة الفوضى الخلاقة وتهيئة المنطقة للتقسيم من فكرة نظرية إلى واقع حقيقي مطبق على الأرض السورية وحصرًا على حساب المسلمين.إن دول المركز لا تريد بقاء النظام الديكتاتوري ولا تريد حتى بقاء المسلمين أحياء (كأغلبية) بل تفكر بفنائهم بشكل شبه كامل وفق المراحل التي سنذكرها لاحقا إن شاء الله.

إن المخطط لسوريا هو إبادة جماعية للمسلمين ليس على النموذج الفلسطيني في التهجير (لأنهم يضيقون على الهجرة بشتى الوسائل) بل على غرار تعاطيهم مع الهنود الحمر في التقتيل.

والحال هذه يجب أن نعود إلى دراسة نقاط قوتنا فنزيدها تحصينا وتقوية نقاط ضعفنا واستهداف نقاط قوة العدو لإضعافها والعمل على زيادة الضعف لديهم.

سنجد لو تأملنا في معادلات القوة والضعف أن أعظم مصدر وأقواه هو الجانب العقائدي الإسلامي لأن استجرار المشروع الإسلامي وإحيائه سيحول جميع نقاطنا إلى قوة، والواقع المأزوم الذي نعيشه وخطورة الأمر المرسوم لنا سنجد أنه على المنظور القريب ستبقى جميع النقاط المذكورة تتقدم ببطء بالرغم من الجهود المبذولة ولكن أقوى ورقة يمكن أن نلعب فيها وتجعل الجهود المبذولة جبارة وحيوية هي تنشيط وإحياء الإسلام في نفوس المسلمين المضطهدين، وسنجد أن هذا المطلب هو مطلب حيوي لإنقاذ الأمة من الخطة التاريخية للإعدام الجماعي.

إن الشعب الذي يمتلك هذه الإرادة الفولاذية الإسلامية لهو شعب حي وقوته في روحه العظيمة وهي أعظم مصادر الانتصار، والأمة التي تمتلك هذه الإرادة لهي أمة عصية على كل الأمم بل إن بشائر النصر مرسومة على ثيابهم الشعثاء وعلى  غضون جباههم و محيا وجوههم المغبرة، فإن هؤلاء المسلمين العزل استطاعوا بحناجرهم وصبرهم أن يفككوا شطر الدولة في أعتى الأنظمة استبدادًا دون تسليح يذكر، وأما في عالم الإيمانيات فإن الله تعالى عاهد وكتب:

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)” سورة الأنبياء.

وقول الله تعالى:

 “إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51)” سورة غافر

فهو تعهدٌ وقَسَمٌ من الله تعالى بنصر أوليائه المؤمنين ولكن لابد من الصبر.

إن هذه الأمة النحيلة الظامئة تبحث عن مصدر قوتها لتروي ظمأها، وما عليها إلا أن تمد يدها إلى عاتقها لتنهل من ماء الحياة الذي حملته من أمانة الله التي جعلها الله مصدر حياتها وقوتها وارتوائها…

يَا أَهْل الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَد جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُل السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)” سورة المائدة

إن الولايات المتحدة الأمريكية تعلم تماما أكثر مما يعلمه كثير من المسلمين ماذا يفعل الإسلام في أصحابه وأي قوة يشحنون بها، لذلك وفق كل المعطيات السابقة نجد أن القوة الروحية والعددية مع دعم بسيط جدا بالسلاح للمسلمين السنة فإنه لا يمكن أن يوازي النظام فحسب بل يمكن أن يتغلب بصورة ساحقة هذا بالرغم من كل المساعدات الهائلة التي يتلقاها النظام من الحلف الشرقي، وهنا تكمن المصيبة لدى الحلف الغربي لأنه سيضطر اضطرارًا للنزول إلى ساحة الصراع في بلاد الشام ليصارع المارد الإسلامي المستيقظ في عهده القريب ولكي يضمن لنفسه عدم الصراع مع هذا المارد القادم خلال الأشهر أو السنوات القليلة المقبلة سوف يقوم بتوجيه ضربات قاسية لنا من خلال النظام ومن ثم طعنات مميتة كما يعتقدون من خلال المرحلة الثانية للمعركة التي أعدتها دول المركز وهي الحرب الطائفية التي سنواجهها بعد سقوط النظام…..و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله !!!….

هناك أمر في غاية الخطورة يهدد أمننا الغذائي وهي أن نظام الأسد أفرغ البلد خلال السنوات القلية الماضية من المخزون الاستراتيجي للقمح كما سعى حثيثا لخفض الإنتاج حيث كان الإنتاج السنوي لدى سوريا 7 مليون طن ليصبح عام 2010 بحدود 4 مليون طن. وبالعموم فإن المجتمع السوري ينتشر في الأرياف أكثر من المدن، وبالطبيعة فإن المجتمع الريفي يخزن طعامه لسنة بينما المجتمع المدني لا يخزن لأكثر من شهر فهو مستهلك يومي من الأسواق وبالتالي فإن امتداد الحرب لسنوات طويلة سيؤدي إلى اختراق تام لأمننا الغذائي، وهذا المشروع الذي نفذه النظام السوري يصب في صالح دول المركز بشكل كامل لأن الشعب الذي يجوع ويحتاج إلى اللقمة سيتحول إلى مجتمع مستعبد ابتداء من رئيسه إلى بسطاء الناس، وبالتالي ستأتينا المساعدات الغربية بشرط عودة الوصاية والحكومات العميلة، ولكي نبقى أحرارًا يجب إلزام المزارعين بزراعة القمح منذ هذا العام تحت خطة ترشيد زراعية وإلا فإن الجوع الأسود الذي يمكن أن نمر به في نهاية عام 2013 يؤهلنا بشكل كامل للدخول في الحرب الأهلية أو خيار الاستسلام لدول المركز وبالتالي ذهاب كل دماء الشهداء ومعاناة أمتنا العظيمة وآلامها وجراحها دون أدنى مقابل من الحرية المسلوبة وكرامتنا المهدورة وإسلامنا المغيب.

 

ثانياً: الموقف الأوروبي (فرنسا وبريطانيا):

إن موقع أوروبا من الثورة السورية مشابه إلى حد بعيد للتوجه الأمريكي ولاسيما عملية الاستنزاف البشري في المنطقة ونهب خيرات وثروات البلاد في مرحلة موجة التفليس والديون التي تجتاح القارة العجوز ابتداء من بريطانيا وحتى اليونان وإسبانيا وانتهاء بالبرتغال، وما حصة أوروبا من منطقة الشرق الأوسط بالنسبة لأمريكا إلا كحصة الثعلب التي يخلفها الأسد من الفريسة، إذاً هي حصة قليلة وهي منتفعة في جميع الأحوال لأن نجاح المشروع يعني الوصول إلى بعض من أطماعها، وفي حال فشل أمريكا في مشروعها يعني إزاحة المارد الأمريكي المهيمن حتى على الدول الغربية، بل ليس عجيبًا أبدا أن نرى أوروبا تدعم بعض المقاتلين المسلمين لإسقاط أمريكا في مرحلة دخولها إلى سوريا والغاية من ذلك عودة الاستفراد الأوروبي على العالم العربي الإسلامي.

لقد انتهجت أوروبا نهجا فاضحا في تواطئها مع النظام لقمع الثورة السورية لأن هذه الدول ليست ذات مبدأ بل ذات مصالح، إنها تتذرع بمبادئها حيثما وجدت مصالحها لذلك نجد أن جريدة الفايننشال تايمز خرجت بفضيحة الحكومة البريطانية منذ أسابيع قليلة فنشرت أن هناك تسعة تراخيص منحت لشركات أسلحة بريطانية لتصدير الأسلحة إلى سوريا وذلك في الوقت الذي تدين فيه الحكومة البريطانية أعمال العنف التي يقوم بها الجيش السوري ضد المدنيين، وقد أعلن الاتحاد الأوروبي قبل ذلك عن عفوه عن الأسد وجرائمه ضد الشعب إن هو تنحى عن الحكم لنائبه !… وكأن دماء المسلمين السنة ليس لها أي قيمة وهم أوصياء عليها حتى يعفوا عن جرائم هذا المجرم ….هذا هو المعلن في حين يتم دعمه بأحدث وسائل الاتصالات والأسلحة. علينا أن نعلم أن أوروبا عاجزة عن حل الوضع السوري خارج مظلة الولايات المتحدة وبإشرافها وبالاتفاق معها لأن هناك أطرافًا عالمية ضالعة في الشأن السوري وبشكل مباشر مثل روسيا والصين ولذلك فهي عاجزة عن الاستفراد في القرارات خاصة احتمالية انقطاع الإمداد بالطاقة سواء الغاز من روسيا أو النفط من إيران وتجارتها مع الصين، وهل الخسائر التي ستمنى بها أوروبا جراء حرب واسعة في منطقة الشرق الأوسط يمكن أن تساوي الأرباح التي ستجنيها؟…

أم أن الخسارة ستكون أوسع بكثير في حال تفردها في إسقاط النظام السوري بشكل عاجل؟… وهل يمكن لأوروبا أن تتجاوز الضغوط الاقتصادية والمواجهة العسكرية أمام روسيا والصين إذا لم تملك قرارًا أمريكيًّا داعمًا؟…

هنا سنجد أن المصالح الأوروبية ستكون في إسقاط نظام الأسد على وجه السرعة واستبداله بنظام علماني يدور في فلك الغرب مرة أخرى ويكون لها نصيب من الاستثمارات والقرارات التبعية في سوريا بما يتناسب مع حجمها كقوة بين القوى العالمية، ومع أن أوروبا ستنتفع من مشروع التقسيم في سوريا إلا أن انتفاع الولايات المتحدة الأمريكية هي المنتفع الأكبر لأن هذا التفتيت يصب أولا في مصلحة المشروع الأمريكي، ثم إن نجاح عملية التقسيم في سوريا التي هي العقدة في العالم سيكون له عظيم الأثر في تتالي عملية التقسيم وفق خطة برنارد لويس، وإن انفراط هذه العقدة في قلب العالم(سورية) سيتبعه تداعيات واسعة جدًا وسريعة نحو عمليات التفكيك للدول المجاورة، وعندما نفترض نجاح المشروع الأمريكي في تقسيم سوريا سوف نضطر إلى التسليم بقيام مشروعها الجديد وهو العالم الموحد تحت القيادة الأمريكية وهذا يستلزم أيضا التبعية الكاملة من أوروبا لأمريكا وفقدان سيادتها الحالية لذلك نجد الكثير من الكتاب الأوروبيين من يناهض مد العولمة الأمريكية في أوروبا ويحذر منها ويتذمر من التبعية الأوروبية لأمريكا إلى حد وصفهم بالأمة اللقيطة التي تريد السيطرة على العالم بأسره وعندها لن يكون حكام أوروبا سوى موظفين لصالح البيت الأبيض.

إذًا… هنا نجد تقاطع مصالح بين الأوروبيين والأمريكيين في إسقاط النظام وقطع اليد الإيرانية في المنطقة عن طريق الصدام الطائفي المخطط للمنطقة ومن ثم فتح استثمارات واسعة بعد التقسيم ونشر الثقافة الغربية واستبدال قوانين نظام الطاغية بنظام جديد يضم هامشًا محدودًا جدًا من الحريات وستكون الصورة بشكل أو بآخر قريبة مما هي عليه في عهد الأسد لأن الغرب يعلم أن منح الديمقراطية الحقيقية للمسلمين يعني تفلت المسلمين من دول المركز ولكن يبقى هامش محدود جدًا من الحريات مضطرين له بحكم وجود استثماراتهم في منطقتنا، أما القبضة الحديدية على المسلمين عامة و الدعاة فسوف تستمر (راجع كتاب الصدمة وصعود رأسمالية الكوارث لنعومي كلاين)

ثالثاً : الموقف التركي :

لعبت تركيا دورًا إيجابيًّا منذ الأيام الأولى للثورة السورية واعتبرت أن مطالب الشعب شرعية وأنهم بأمس الحاجة للحرية وحض الأتراك الأسد على القيام بالإصلاحات الحقيقية مع علمهم أن الأسد لن يقوم بأية إصلاحات وأن ما سيقوم به هو مراوغات فقط لذلك صعدت تركيا من لهجتها وكانت أكثر من نارية (لن نسمح بحماه ثانية…)، (لن نقف مكتوفي الأيدي…)، (الهجوم على مدينة حلب هو خط أحمر…) وقاموا بدعم الثوار حيث أمنت لهم ملاذات آمنة وطبابة لهم ولكن لما بدأت وتيرة الحرب في سوريا بالتصاعد وبدأ النظام بالمجازر واشتدت الثورة وأصبح لها وزن على الأرض تبدلت مواقفها تماما وتراجعت في تصريحاتها وفي مدى الدعم المقدم للثوار وقامت بضبط الحدود التركية لمنع تهريب السلاح إلا بالقدر المراد من الجانب الأمريكي وكانت سياستها مشابهة تماما لتعاطي أمريكا مع الثورة السورية بل إنها تعزف على نفس الأوتار التي تعزفها أمريكا.

 لقد بدا على الحكومة التركية حالة التماوت سواء في انتهاك سيادتها في قتل الجيش السوري لبعض الأتراك على الحدود التركية السورية أو في قتل الرعايا من النازحين في المخيمات التركية أو حتى في إسقاط الطائرتين التركيتين وأخيرًا في دخول حزب العمال الكردستاني إلى شمال سوريا واستيلائه على طول الحدود السورية التركية بعد أن قام النظام السوري بتسليمه إياها حيث دخل أكثر من 15 ألف مقاتل من الحزب، و لكي نحلل هذه الأحداث يجب أن نعلم حقيقة الواقع التركي وحجمه وبالتالي يمكن أن نعرف الأبعاد المترتبة على تعاطي الساسة الأتراك مع الثورة.

إن العالم الإسلامي ينظر إلى تركيا كدولة متحضرة ودبلوماسية كامتداد داعم للعالم الإسلامي وصاحبة آخر مقر للخلافة الإسلامية ألا وهي الخلافة العثمانية ويمكن أن تلعب دورًا مهمًا في الثورة السورية ولكن الحقيقة أن هناك جملة من التهديدات التي يمكن أن تتعرض لها تركيا:%  من النفط التركي من إيران والعراق الداعمين لنظام الأسد.

1-                  بدء ظهور نشاط غير مسبوق لأكراد حزب العمال الكردستاني على الجبهة التركية منذ نهاية عام 2011 وواضح أن هناك دعمًا إيرانيًّا عراقيًّا سوريًّا لهذا الحزب والأحزاب الأخرى المناوئة لتركيا لإيصال رسالة إلى الحكومة التركية أن أي تدخل مباشر في سوريا سيكون الثمن باهظا، بل إن حزب العمال الكردستاني هدد الحكومة التركية أن أي تدخل مباشر في سوريا ستكون جميع المناطق الكردية في تركيا ساحة حرب.

2-                  تركيا عضو في الناتو فهل التورط التركي في الحرب يمكن أن يزج حلف الناتو في الدفاع عنها أم ستدخل الحرب بمفردها.

3-                  إن أي تدخل عسكري مباشر في تركيا سيظهرها كدولة مارقة خرجت عن نطاق الشرعية الدولية في حين أنها تسعى نحو سمعة دولية حسنة منذ استلام الحزب الإسلامي ( !! )  للحكم.

4-                  هناك بعض الأحزاب التركية المعارضة لأي تدخل عسكري في سوريا بل إن هذه الأحزاب تجهد في تصوير الثوار السوريين أمام الشعب التركي على أنهم إرهابيين قتلة وهذا سيضعف موقف الحكومة التركية أمام شعبها.

ما هي محفزات التدخل العسكري في سوريا وهل هي مستعدة لدفع التكاليف الباهظة للحرب والتي يمكن أن تدخلها في حالة الإفلاس خاصة في ظل الحشد الإيراني الروسي في سوريا. هذه العوامل وعوامل أخرى تجعلنا نعتقد أن تركيا غير جادة في تصريحاتها منذ البداية لأن الحكومة التركية تعلم تمامًا مدى الارتباط السوري بروسيا وإيران وأن التدخل في الشأن السوري بشكل مباشر سوف يجعلها تنزلق نحو حرب مفتوحة قد تخرج منها منهزمة، وأنها عاجزة تمامًا عن أخذ هذا الموقف الحازم بالحل العسكري في الشأن السوري إلا تحت العباءة الأمريكية بشكل كامل بحيث تكون الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الأول للحرب.

إذا كان هذا هو الحجم التركي فلماذا قامت في بداية الثورة بتضخيم قدراتها حتى بدت معتصم هذا الزمان؟.

الحقيقة هي أن الموقف التركي يتماشى مع الموقف الأمريكي بل إنها أحد الأذرع الأمريكية الحيوية في المنطقة وكانت تصريحاتها ومواقفها الحماسية في بداية الثورة هو دفعها نحو الأمام في الوقت التي كانت تترنح فيها الثورة، وأخذت نفس المواقف الأمريكية والأوروبية في لهجات حدة التصريحات ومن ثم فتورها في المرحلة المتقدمة.

إن مخطط  التقسيم الأمريكي يشمل إعطاء لواء اسكندرون الذي يضم الطائفة النصيرية التركية إلى الدولة النصيرية الساحلية في سوريا فتتخلص تركيا من عبء هذه الطائفة الباطنية في حين سيكون نصيب تركيا هو اقتطاع الشمال السوري إلى تركيا لذلك كنا نجد الدور التركي المبالغ فيه لأجل شعبيتها وكثرة مؤيديها بين السوريين، وهذا المفهوم يمكن أن يقودنا إلى فهم سبب السعي الحثيث من الحكومة التركية للوصول إلى قرار من الأمم المتحدة لإيجاد ممرات آمنة للمدنيين مرة بعمق 5 كم ومرة بعمق 30 كم وأخرى بعمق 50 كم، ولكن الحلف الشرقي يعلم أن هذه الممرات ستكون المرحلة الأولى من تقسيم سوريا، ولوتم ذلك لتمت عملية التقسيم والناس يصفقون لهم، لذلك تم تراجع الموقف التركي لأنه لا يوجد شرعية دولية.

ثمة أمر مريب في دخول أكثر من 15 ألف مقاتل من حزب العمال الكردستاني إلى شمال سوريا فإن تبعية هذا الحزب أمريكية ووقف مواقف داعمة جدا للقوات الأمريكية في حربها على العراق حيث ساهم في جعل قوات الحلف تهاجم بغداد انطلاقا من إقليم كردستان العراق، ولهذا الحزب موقف شديد العداء من المسلمين السنة خاصة المتدينين وله مذابح وخيانات ضدهم، فما معنى دخول هذا الحزب على كامل الشريط الحدودي السوري مع تركيا حتى مدينة عفرين في أقصى الغرب السوري وما معنى هذا الانتشار ورفع علم الحزب في المناطق التي سيطروا عليها؟….قد نفسرها باصطياد حزب العمال الكردستاني في المياه السورية العكرة ووصفه بالانتهازية وأنه أراد أن يبني أمجاده العلمانية على دماء أبطال المسلمين السنة من الثوار.

وقد نفسرها أن العملية هي تواطؤ إقليمي إيراني عراقي سوري في إخلاء هذه المواقع لصالح الحزب وبذلك يتم كسب نقاط أهمها:

1-                إيجاد جبهة أمامية كردية أمام الأتراك في حال التفكير بالدخول إلى سوريا في حين تم إعفاء النظام عن حماية هذه الجبهة الطويلة بينما يستفرغ الآن قواه في الداخل السوري.

2-                تأمين ممرات جغرافية آمنة لخطوط الإمداد العسكري والبشري من العراق وإيران عبر إقليم كردستان ثم الحسكة ثم عمق الشمال السوري وضرب السنة في قلب تمركزهم العصي خاصة أنه تزامن مع سقوط المعابر الحدودية الشرقية لسوريا مع العراق بيد الجيش الحر إذ أن مرور القوات الإيرانية والقوات العراقية الرافضية عبر المثلث السني والدخول بشكل مباشر من العراق إلى سوريا سيهيج مشاعر المسلمين السنة في العراق، وقد تتهيج حرب طائفية في العراق

3-                مرور هذه القوات في عمق المثلث السني العراقي قد يعرضها للضرب من قبل المجاهدين العراقيين ولذلك يمكن أن نعتبر أن أسلم طرق العبور لهذه القوات هو إقليم كردستان ثم الشمال السوري.

تحريك الحرب الطائفية في المرحلة الثانية للخطة الأمريكية في سوريا بحيث يتم افتراس المسلمين السنة من أكراد الشمال ومن الطائفة النصيرية والقوات الإيرانية التي ستتمركز في وسط سوريا قريبا من الجبال الساحلية. إن الفرضية الثانية بوجود تواطؤ إقليمي إيراني عراقي سوري (بمعزل عن إرادة المركز) في إدخال الحزب إلى الشمال السوري يضعفه إلى حد بعيد السكوت الأمريكي والأوروبي التام، بل إن الإعلام تكلم بشكل محدود جدا ثم تم تغييبه بشكل عجيب حتى أن معظم المسلمين في سوريا لم يعيروا هذا الموضوع أهميته بل لم يسمعوا به أصلًا، فلماذا هذا السكوت الدولي المريب مع أنهم متفقون على رفض أي تدخل خارجي؟… وهل أصبحت الأرض السورية مشاعًا عالميًّا في عهد نظام الأسد أم أن هناك ما يحاك في الظلام؟!…

إن مثل هذا التدخل لا يمكن أن يتم أبدًا إلا بموافقة دول المركز لكن ما الغاية من هذه القوات؟….

يمكن أن نضع احتمال دورهم الفعلي الحقيقي في المرحلة الثانية وهي الحرب الطائفية العظيمة من الخطة الأمريكية كي يتم إيقاد أوار الحرب في المنطقة ويحتمل أنهم دخلوا الشمال السوري بمباركة أمريكية غير معلن عنها كمبرر دولي قوي في دخول القوات التركية إلى الشمال السوري وقد تزامن مع بدء نشر القوات التركية على طول الحدود السورية التركية مع انتشار حزب العمال وهنا ستجد تركيا المبررات الدولية الكافية والمقنعة لأجل التدخل في الشمال السوري للسيطرة على حزب العمال الكردستاني والقضاء عليه، ولذلك سارع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان للتصريح أنه في حال ظهور الاستفزازات من الحزب فإن تركيا سوف تدخل المحافظات السورية الشمالية الأربعة (الحسكة – دير الزور– حلب – إدلب) وبدا أردوغان انه غاضب من دخول الحزب ويبدو أن لعابه كان يسيل لأجل الدخول في المستقبل تحت مبرر دولي ويكون الطُعم هو حزب العمال الكردستاني.

يتبع الحلقة القادمة.

كتاب اندحار العاصفة

اندحار العاصفة

اندحار العاصفة

اندحار العاصفة – الحلقة الأولى

كتاب يتحدث عن مخططات القوى الدولية لاحتواء الثورة السورية وعن كيفية مواجهتها

 خاص وحصري – شبكة المرصد الإخبارية

تبدأ شبكة المرصد الإخبارية بمشيئة الله نشر كتاب “إندحار العاصفة” حصرياً على حلقات اعتباراً من اليوم الاثنين 29 ربيع الثاني 1434 هـ الموافق 11 مارس 2013 م ، الكتاب يتحدث عن مخططات القوى الدولية لاحتواء الثورة السورية وعن كيفية مواجهتها وهو من تأليف ماهر سيف الدين الخطيب ” اسم مستعار “

 (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ . فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ . وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ . أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ . فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ .) [الصافات : 171 – 177]

الإهداء

عندما تهيج الخواطر لمولد الإرادة فإن بحراً في الأعماق يبدأ لتوه بالتلاطم….يشتد …..يغلي….

يقذف بالحروف والكلمات والعزائم ساخنة على شاطئ الروح

تتسربل بالآمال و المتاعب…معلنة فجر الانتصار

تلك هي أرواح الشهداء والمقاتلين…….وإليهم نهدي هذا الجهد المتواضع .

نحن أنصار رسل الله……

إننا غرباء في عالم مجنون…..

نحمل إلى البشرية الحياة…..

ويحملون لنا الموت…..

نحزن لآلامهم…..

ويفرحون على  دمائنا…..

جئناهم لنسقي أرواحهم العطشى…..

وجاءونا بمكر أحمر تنوء به الجبال…..

“يَا أ َيُّهَا الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون “سورة يونس (23)”

                 الفهرس   

الإهداء………………………………………………. 3

تقديم………………………………………………. ..6

تمهيد …………………………………………………12

المواقف العالمية من الثورة السورية…………..……. 19

مراحل الخطة الأمريكية في سوريا………………….  94

مراحل خطة النظام في إخماد الثورة السورية…….. 119

جدلية الثورة السورية والانتصار الحتمي………….. 134

نداء إلى الشباب المجاهد وكتائب الجيش الحر…… 153

مجتمعاتنا وصدمة الحياة…………………………….. 167

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديمٌ بقلم أبي العباس الشامي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله وصحبه الغر الميامين، وبعد:

تفجرت الثورة السورية المباركة، قبل حوالي عشرين شهراً من غير إرهاصاتٍ واضحة، وانطلقت من أنين الكبت والضغط والسحق القائم في أعماق الشعب المظلوم، فانفجرت براكين في وجه الأعداء، ومادت بهم الأرض زلازلَ تهزّ عروش الطغيان.

كانت الانطلاقة من نقطة الصفر، بسبب ما قام به حكم النصيريين الحاقد على الإسلام والإنسانية من حرب شعواءَ على المسلمين لإبعادهم عن دينهم الحق، بل عن إنسانيتهم الكريمة عبر أربعة عقودٍ من الزمان، مارس فيها أبشع الجرائم المادية والفكرية والعقدية، وأعانه على هذا ـ بالترغيب والترهيب ـ أناسٌ من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، فكانت الطامة، وكانت الحاقة، وما ربك بظلام للعبيد.

ورغم كل هذا فقد انطلقت الثورة تحث الخطى نحو النور والحرية بسذاجة وعفوية، ما لبث أن دخل على الخط ـ شعورًا منهم بالواجب الديني والإنساني والأخلاقي  ـ أهل النهى والتقى طارحين الحل الإسلامي بديلا عن الجاهلي، والجهاد الإسلامي، بديلا عن الذل الإنساني، وصاروا رقمًا صعبًا في المعادلة السورية يحسب حسابها ولله الحمد والمنة والفضل.

لقد عانت الثورة منذ بدايتها بطش الداخل الحاكم بالحديد والنار، وتواطؤ بل تآمر الخارج بمجمل أطيافه، الذي كان يتظاهر بالحرص على مصالح الشعب المظلوم المقهور، وإن جاز أن يكون الأمر غير واضح في البداية، فلم يعد يجوز أن يقال مثل هذا بعد مضيّ حوالي عشرين شهرًا على الثورة، بل اتضح لكل ذي عقل وبصيرة أن حقيقة المعركة في بلاد الشام بين أهل السنة والجماعة من جهة، وبين اليهودية العالمية والصليبية العالمية برأس حربتها الفارسية الشعوبية الحاقدة على العرب الذين أطفاؤوا نار مجوسيتهم ومعها الرافضية الخبيثة الرافضة لكل ما هو حق من دين الإسلام، ومعها أيضا الباطنية المارقة التي تسترت بالرفض على مرّ الأزمان، كما قال بعض العلماء عنهم: (ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض)، تجمع جميع هؤلاء على أهل السنة في بلاد الشام ـ القلب النابض للأمة الإسلامية ـ يريدون إبادتهم جسديًّا كما حاولوا إبادتهم عقدياً. فباءت محاولاتهم ـ ولله الحمد ـ بالفشل الذريع بسبب ظهور المجاهدين الموحدين الذين باعوا دنياهم لأجل الدين وصدعوا بها بين ظهرانيها: (الخلافة الإسلامية أو الموت).

ولم يزل الغرب والشرق بمكره وخداعه يقدم يوميًّا للشعب السوري السم ممزوجًا بالدسم، مشاريع ومشاريع بأشكالٍ وألوان، وفي الوقت نفسه تعمل آلة القتل عملها بالشعب الأعزل المسكين، وظهر أن همه الأول المحافظة على ا لحكم النصيري الحاقد الذي قدم أروع الولاء لليهود والصليبيين على مر التاريخ، وليس هذا بغريب عنهم، لكن الغريب أن ينقاد لهم من يدّعي مصلحة الشعب مستجديًا عطفهم وحنانهم مع ظهور كذبهم وخداعهم، وقبولهم بالاصطفاف خلفهم لسرقة الثورة من أبنائها ومنعهم من الوصول إلى الأهداف الحقيقية للثورة، بل وقبولهم التعهّد بمحاربة المتطرفين “الإسلاميين” كشرط للحل، وهكذا استطاعوا أن يشرخوا البنيان المقابل للنصيريين لينعم النصيريون بالأمان وتتحول المعركة عنهم إلى الجهة المقابلة لهم!! فأي مكرٍ بعد هذا المكر؟!يجب على أهل الإسلام في بلاد الشام خصوصًا، وديار الإسلام عمومًا الوقوف في وجه هذا المخطط الخبيث، وأن يساعدوا أهل السنة في الشام بإمدادهم بالرجال والمال والسلاح للوقوف في وجه مخططاتهم الخبيثة، فإنما هم ـ أي أهل السنة في بلاد الشام ـ في الحقيقة يدافعون عن أهل السنة في الخندق قبل الأخير لهم

هذا الكتاب للأخ ماهر سيف الدين كتاب طيب مبارك إن شاء الله تعالى، يكشف ـ بحق ـ مخططات الأعداء من الداخل والخارج، ويساهم في رسم صورة الحاضر والمستقبل، ليضعه بين يدي أهل القرار ليعينهم على اتخاذ القرار المناسب لمعالجة هذا الواقع، فإن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، وحق هذا الكتاب أن يخرج قبل أشهر من الآن لولا موانعَ قاهرة غلبت ما كان في النفوس من أمنيات جزى الله خيرا مؤلف هذا الكتاب، فقد وضع النقاط على الحروف، وقرأ ما بين السطور، فكان من ذلك ما يلي:

  1. 1.                ما يجري في سوريا مؤامرة كبيرة على أهل السنة.
  2. 2.                القتل والتدمير الممنهج مقصود له لتطويع الشعب الأعزل ليقبل بالفتات، وليعيد سوريا إلى العصر الحجري حسب زعم أحد قادة اليهود.
  3. 3.                الثورة السورية خرجت عن المتوقع، بعودة الحياة إلى أهل السنة بإعلان الجهاد في سبيل الله.
  4. 4.                الحل هو أدلجة الثورة وتبني الحل الإسلامي بإعادة الخلافة الراشدة.

أكرر فأقول: جزى الله خيرا المؤلف، ونحن ننتظر منه ومن غيره من أهل الاختصاص ممن يحمل هموم الأمة الإسلامية المزيد، ننتظر دراسات أخرى في فهم الواقع، بعيدا عن العواطف، موثقة بالنقول الكثيرة، مزيلة بالمصادر والتواريخ. وصلى الله على عبده ورسوله، والله أعلم.

كتبه الفقير إلى الله تعالى

أبو العباس الشامي

مؤسسات العولمة

العولمة

العولمة

مؤسسات العولمة

د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد

مؤسسات العولمة

هي كثيرة ، ولكن من أبرزها :

1.  منظمة الأمم المتحدة UN 

2.  صندوق النقد الدولي IMF

3.  البنك الدولي للإنشاء والتعمير IBRO

4.  اتفاقية “الجات” والتي تحولت بعد ذلك إلى “منظمة التجارة العالمية” WTO، وأعضاؤها 128 دولة (لغاية 13/12/96م).

5.  منظمة الوحدة الأوربية بجميع عناوينها.

6.  حلف الأطلسي.

7.  نادي باريس: وهو مؤسسة مالية ذات سلطة كبيرة ومعقدة ، ولا تملك المنظمة ميثاقاً أو قواعد عمل أو عضوية ثابتة أو رسمية، ودورها بارز في جدولة القروض الرسمية للبلدان النامية والفقيرة.

من خلال التدقيق في مؤسسات نشر العولمة ، نلاحظ الإمكانات الهائلة المتاحة لها على كل المستويات والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها بلا حدود، مع توفير جميع الإمكانات وتيسير كل السبل لنغطي أرجاء المعمورة بدون معوقات أو عراقيل.

وسائل نشر العولمة:

إن التقنية الحديثة هي الوسيلة الرئيسة في نشر العولمة، وتتمثل في:

–   الحاسوب.

–   الإنترنت. 

–   الأقمار الصناعية والبث الفضائي. 

–   الصحافة الدولية ومؤسسات النشر (المسموعة والمقروءة والمرئية). 

–    السياحة والرياضة. 

–    بنوك المعلومات وبنوك المال.  

–    السينما. 

–    المؤتمرات والندوات.  

–    المؤسسات بجميع تخصصاتها. 

إن معظم هذه الوسائل هي أيضاً مستخدمة لنشر الإسلام عالمياً، ولكن بشكل محدود جداً، لا يكاد يقارن مع استعمالاتها الكبيرة في نشر العولمة.

قصور العولمة المعاصرة عن بلوغ غاياتها.

 

لن تتمكن العولمة المعاصرة من تحقيق غاياتها في إعادة صياغة الهوية الخصوصية للشعوب للأسباب الآتية:

 

1-     افتقادها للمنهاج العام الذي يعتبر مرجعية مكتوبة أو مقننة.


2-  بشرية منطلقاتها الفكرية (ومفهوم البشرية يتضمن التعدد الفكري، والقصور الذاتي). 


3-  جهلها بالسنن الربانية (مما يؤدي إلى اصطدامها بها). 


4-  اعتمادها على أساسين غير دائمين:  

 

أ – قوة النفوذ الغربي.

ب – التقنية الفائقة المعاصرة.

وكلاهما مهدد بالتقويض في حالة نشوب حرب كونية.


5-  الدخول في صراعات كثيرة منوعة مع خصوصيات الشعوب. 


6-  افتقادها للبعد الزمني التاريخي الشمولي ، مما يلحقها – بالنسبة لكل أمة من الأمم على حدة – بالأمور “الطارئة” لا يستطيع أن “يلغي الجذور التاريخية” للشعوب والأمم.  


إن العولمة المعاصرة تمثل “تياراً عاماً” يدفع إلى الأمام بوسائط تقنية ووسائل أخرى، لكنه ليس “مشروعاً حضارياً متناسقاً ومتكاملاً” ولذلك فإن الإخفاق هو منتهى طريقها.


مفرزات “العولمة المعاصرة”:

 تتمثل مفرزات العولمة المعاصرة في سلوك منحى العولمة المركزية، والمنظمة والمتخصصة، والتي إذا جمعت مفردات تخصصاتها شكّلت الماسحة المتاحة من العولمة العامة الشاملة. إن الاتجاه الحالي للعولمة هو في بذل الجهود الدولية والعالمية لاستكمال الشمولية لتغطية جميع مساحة العولمة العامة من خلال استكمال مفرداتها التفصيلية، وقد تطلّب ذلك جهوداً مضنية بُذلت، ولا تزال تُبذل لتحقيق الوصول لهذه الغاية.


ولعلنا نشير إلى بعض تلك الجهود وفق النقاط الآتية:

أولاً: عقد مؤتمرات عالمية : منها:

· مؤتمر “البيئة والتنمية” في ريودجانيرو 1992م.

· مؤتمر “حقوق الإنسان” في فيينا 1993م. 

· مؤتمر “الإسكان والتنمية” في القاهرة 1992م. 

· مؤتمر “التنمية الاجتماعية” في كوبنهاجن 1995م. 

· مؤتمرات “المرأة” : 

– في نيومكسيكو 1975م.

– في كوبنهاجن 1980م. 

– في نيروبي 1985م. 

– في بكين 1995م. 

· ندوة “البديل الثالث” جامعة نيويورك، سبتمبر 1998م. 

· المؤتمر العالمي لـ”العولمة” في دافوس السويسرية 1999م (حضره حوالي 1500شخصية عالمية متخصصة). 

· مؤتمر “الذهب النازي” في بريطانيا 1999م (شارك فيه 46دولة و6منظمات دولية غير حكومية على رأسها المجلس اليهودي العالمي). 

· مؤتمر “الصحة الإنجابية” القاهرة، فبراير 1999م. 

· مؤتمر ” الشباب” في بانكوك، مارس 1999م. 

· مؤتمر “سفراء الشباب” سان فرانسيسكو، يونيو 1999م. 

· مؤتمر “العنف ضد النساء” نيويورك، مارس 1999م. 

· منظمات شبابية بأسماء “منظمة اليوم الواحد”، “منتدى الشباب”، “مؤسسة جسر الحياة”.. وغيرها. 

ثانياً: العولمة الاقتصادية:

وذلك من خلال تشكيل هيئات اقتصادية كبيرة، تتمكن بإحكام هيمنتها ونفوذها من السيطرة على أدوات السوق الدولية، وأكتفي للتدليل على ذلك بنموذج واحد فقط، وهو نموذج “الاندماج” ، مثل اندماج:

· شركات صناعية عملاقة ، كاندماج شركتي “ديملرز” و “كرايسلر”. 

· شركات بترول ، مثل: 

– “أكسون” و “موبيل” (مقدار رأس المال 214ملياراً).

– “رويال داتش” و “شل” (مقدار رأس المال 162ملياراً). 

– “بريتيش بتروليوم” و “أموكو” (مقدار رأس المال 149ملياراً). 

·  بنوك كبيرة في أوروبا وأمريكا. 

وقد ذكر “تقرير الشال الاقتصادي” أن في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها حدثت 3385 عملية شراء واندماج خلال النصف الأول من عام 2002م، وفي بريطانيا نحو 1150 عملية اندماج، وفي ألمانيا نحو 538 عملية، وفي فرنسا نحو 504 عملية، وفي الصين نحو 452 عملية،وفي كوريا الجنوبية نحو 83 عملية، وفي البرازيل نحو 81 عملية، وفي المكسيك نحو 42 عملية، وبالجملة فإن بيانات تنشرها مجلة الإيكونوميست نقلاً عن dialogic – uk    أن عدد عمليات الشراء والاندماج في النصف الأول من عام 2002م قد بلغت 11887 عملية، وبقيمة إجمالية في حدود 645 ملياراً.


إن هذه الشركات الضخمة والبنوك المتخمة تستخدم قواها الاقتصادية في دعم عملية العولمة من خلال التأثير في :

– دخول الدول النامية.

– خطط التنمية فيها.  

– ابتزاز اقتصاد الدول النامية من خلال السيطرة على مشاريعها الاقتصادية. 

– إضفاء أساليب التغريب على مناهج الحياة فيها، لتقليص أو مصادرة خصوصيتها الوطنية أو الإقليمية، من خلال إخضاعها اقتصادياً أو سياسياً.


وقد أكدت مصادر اقتصادية أن احتكارات البلدان الغربية قد ابتزت من هذه الدول في الفترة من 1970م إلى 1980م مبالغ قدرها 125مليار دولار.


ورغم أن الاقتصاد الربوي قد أنشب أنيابه بقوة في جميع أنحاء الجسد البشري على المستوى العالمي مبتلعاً في طياته الأفراد والشعوب، سواء منها الإسلامية وغير الإسلامية، إلا أن جهود الصحوة الإسلامية قد أثمرت – ولو بشكل ضئيل – في التخلص شيئاً ما من براثن بعض تلك الأنياب الحادة، حيث أنشئت المصارف الإسلامية وبعض المؤسسات الاقتصادية القائمة على المنهج الإسلامي في المعاملات المالية، وذلك بغرض تحقيق الممارسات التجارية والاستثمارية والمصرفية على أسس إسلامية. وقد تحددت الخطوط العريضة لهذا التوجه – كما يراه الدكتور البعلي – فيما يأتي:

 

1-     نبذ الفوائد الربوية بأشكالها المختلفة أخذاً وعطاءً.


2-  ممارسة الاتجاه المباشر. 


3-  ملكية أصول لغايات الاستثمار. 


4-  المشاركة المباشرة في مشاريع منتجة.


كل ذلك باعتبار أن التوازن الاقتصادي في المجتمع الإسلامي هو أحد المقاصد التي رمت الشريعة إلى تحقيقها.

وقد بيّن د. البعلي أن “البنوك في ظل استراتيجياتها السابقة ، متفردة بهويتها، لا تصدر الأزمات الاقتصادية، بل تقدم منهجاً متفرداً، وتصدر الحلول للمشكلات، حيث تستطيع في ظل إستراتيجية واضحة أن تستأثر وتستأسد بحصة من السوق المصرفية لا يستطيع غيرها ينافسها فيها، وهي:

1-     شريحة الذين لا يرغبون في التعامل بسعر الفائدة.


2-  شريحة الذين يرعبون في الحصول على مزايا العمل المصرفي الإسلامي. 


3-  شريحة الذين ينادون بتنمية حقيقية مستمرة تقوم على بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي. 


إن العولمة الاقتصادية، والتي يُقصد منها فرض هيمنة الدول الغنية بقصد امتصاص خيرات الدول الفقيرة وثرواتها، ستؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية ، إذ لا يزال نحو 900مليون نسمة يعيشون في فقر مدقع، و826 مليون نسمة يعانون من سوء التغذية، ومليار نسمة يفتقرون إلى مصادر مياه مناسبة، و 115 مليون طفل لا يتلقون تعليمياً، و 10% من مواليد جنوب الصحراء في إفريقيا يموتون.


وقد جاءت مؤشرات التدهور الاقتصادي الشديد في العالم العربي لتؤكد عدم قدرته في الصمود أمام الضغوط الاقتصادية للدول الغنية، لقد انخفض معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي لسبع عشرة دولة عربية من 4,2 % عام 2000م إلى 3,9% عام 2001م وتراجع مؤشر الاستثمار عام 2001م بنحو 0,7 نقطة مقابل 1,2 نقطة عام 2000م كما أن خمس عشرة دولة عربية تعاني ندرة شديدة في المياه، أو هي فعلاً تحت خطر الفقر في المياه. لكل ذلك ، فإن مؤشر التنمية البشرية (
H.D.I) يضع البلاد العربية في المؤخرة ما بين 111دولة باستثناء إفريقيا. ولقد أدت أزمة آسيا الاقتصادية إلى هبوط معدل نمو تجارة السلع العالمية من نحو 11% عام 1997م إلى 5% لعامي 1998م و 1999م ، مما زاد من تفاقم الأزمة الاقتصادية في العالم العربي.

ولقد جاء التصنيف العالمي للدول بحسب إنجازاتها التقنية كرياح عاتية عرّت حقيقة الأوضاع المزرية والمتردية للاقتصاد في البلاد العربية ، إذ تم تصنيف الدول إلى خمس فئات : القادة، والقادة المحتملون، والنشطون، والمهمشون، والآخرون. ضمن هذا التصنيف جاءت 18 دولة في فئة القادة ، من بينها دولة الكيان اليهودي، و18 دولة ضمن القادة المحتملون ، ليس بينها بلد مسلم سوى ماليزيا.


بهذه المقاييس، فإن البلاد العربية والإسلامية لن تقوى بتاتاً على مقاومة أعاصير العولمة الاقتصادية، على الأقل على مستوى الزمن المنظور، والذي قد يمتد عقوداً، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن دعامات العولمة الاقتصادية أرست ركائزها في أعماق البنى الاقتصادية الدولية من خلال :

– التعميم العالمي لعمليات الإنتاج والتسويق للصناعات الحديثة ذات التقنية الفائقة.

– نمو حجم التجارة الدولية وتنوعها.

– انتقال رؤوس الأموال عبر الحدود.

– زيادة الشركات متعددة الجنسيات في عددها ونشاطها.


غير أن ذلك كله يعتمد بشكل أساسي على حالة الاقتصاد الأمريكي، والذي بدأت أركانه تتزلزل بسبب المشروع الأمريكي الظلامي، والمتلخص بالسيادة على العالم باستعمال القوى المسلحة الكاسحة تحت شعار (الحروب الإستباقية)، للقضاء على التهديد الذي تستحدثه الولايات المتحدة نفسها – إذا لم يكن موجوداً في الأصل -، ليكون غطاء لشن الحروب الغاشمة كما حصل في أفغانستان ثم العراق.


إن العولمة الاقتصادية الأمريكية قد تعرضت وستتعرض إلى هزات متوالية ، كلما أصرت على خوض الحروب الباهظة التكاليف، يقول فهد بن عبد الرحمن آل ثاني في بحثه القيم (جدلية تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط): “أما بالنسبة للولايات المتحدة فقاتلت ما يقارب عقداً من الزمن، منذ انتهاء الحرب الباردة، لكي تطبق إستراتيجية عولمة العالم على الطريقة الأمريكية، ولكن هذه الإستراتيجية فشلت – فيما نرى- فشلاً ذريعاً في العالم، وخاصة في الشرق الأوسط.

ولعل من أهم الدلائل على ذلك أن العجز التجاري الأمريكي قفز من 100 مليار دولار عام 1990م إلى 450 مليار دولار عام 2000م، والأخطر في العجز التجاري في عام 2000م هو أن الواردات النفطية لا تشكل إلا 18% من الواردات الأمريكية، أما 82% الباقية فهي سلع صناعية مستوردة.

يضاف إلى ذلك أن العجز التبادلي مع الصين بلغ في عام 2001م 83 مليار دولار، وهذا يؤكد الفشل الأمريكي في إدارة عولمة العالم، وأن أمريكيا أصبحت في موقع التبعية لا موقع الحكم.


يقول الكاتب الفرنسي إيمانويل تود: إن الإمبراطورية الأمريكية أشبه بالإمبراطورية الرومانية التي كانت تعتمد على الاستيراد الخارجي ، منها إلى الإمبراطورية السوفييتية التي كانت تعتمد على الاكتفاء الذاتي، فأمريكا إمبراطورية للاستهلاك لا للإنتاج، وحاجتها إلى العالم في استهلاكها أشد من حاجة العالم إليها في إنتاجها. 


ولكن في الوقت الذي بات فيه العالم ضرورياً لها لتحافظ على مستوى استهلاكها الإمبراطوري ، فإن هذا العالم نفسه لا يقع تحت سيطرتها الإستراتيجية، القطبان الندان لها في مجال الإنتاج الصناعي، وهما الاتحاد الأوروبي واليابان، يبلغ العجز التجاري الأمريكي مقابلهما 60 مليار دولار – على التوالي – فبالتالي لا تجمعهما مع أمريكا علاقة تبعية كما يقضي المنطق الإمبراطوري، كذلك فإن القطبين الكبيرين الآخرين في العالم – وهما الصين وروسيا – يقفان خارج مجال سيطرة واشنطن الإستراتيجية، لاسيما أن روسيا تتمتع باستقلالية نووية تامة، وعندما شعرت أمريكا بعجزها التجاري الكبير مع الصين، وكذلك مخافة أن تطور الصين نوعاً من تكنولوجيا الأسلحة الذكية ، عملت على محاربة تصدير التقنية إليها. ففي عام 2001م مثلاً تسلّمت وزارة التجارة الأمريكية 1294 طلباً فيما يتعلق بتصدير التكنولوجيا إلى الصين، 72% من الطلبات حصلت على موافقة ، بينما رفضت وزارة التجارة الأمريكية 28% من الطلبات. إن أمريكا ستحاول تطبيق سيطرتها العالمية من خلال محاولة المحافظة على تفوقها على 72% من احتياطات النفط في العالم، و 35% من احتياطات الغاز الطبيعي.


إن المسلك الأمريكي المتغطرس والمتّسم بالاستعلاء، واتخاذها من العولمة جسراً تعبر بواسطته إلى خصوصيات الشعوب، وتسيطر بذلك على اقتصادها وثرواتها ، قد حرك كثيراً من شعوب العالم ضد العولمة، أو إن شئت قلت ضد الأمركة، فحيثما يعقد مؤتمر “مؤتمر التجارة العالمية” اجتماعاته تخرج المظاهرات الشعبية العارمة للتنديد بالعولمة ، باعتبار هذا المؤتمر هو من أهم وجوهها. ومن اللافت للنظر حقاً أن تكون مدينة “سياتل” الأمريكية من أبرز المدن التي حصلت فيها المواجهات الكبرى ضد العولمة عام 1999م، وكذا حصل في بومباي لدى عقد المؤتمر فيها في يناير 2004م، حيث تجمّع أكثر من 80 ألفاً من المتظاهرين، قدموا من 130 دولة خصيصاً للاحتجاج على العولمة.


غير أن مقاومة العولمة الاقتصادية لا تكفي المظاهرات لإيقاف امتداد فاعليتها ، إذ لا بد من تفعيل الإمكانات الاقتصادية المتاحة، وخاصة فيما يتعلق بالعالم الإسلامي، ومن ضمنه العالم العربي الذي يغطي مساحة قدرها حوالي 14 مليون كيلو متراَ مربعاً، يقطنه حوالي 250 مليون نسمة، بلغ ناتجه الخام عام 2000م 603,5 بليون دولار بحسب ما ورد في برنامج الأمم المتحدة للتنمية عام 2002م، ويختزن في جوفه ما يمثل 56% من النفط و 25% من الغاز من مجموع المخزون العالمي ، فضلاً عن موارده المائية والمساحات الكبيرة من الأراضين المتاحة للاستثمار الزراعي بشكل واسع.


إن التحدي الاقتصادي الذي يواجه العالم الإسلامي ذو طابع فريد وحاسم وقوي، إن على المخططين الإسلاميين الاقتصاديين الاستراتيجيين أن يجلو النظر جيداً في الأرقام الاقتصادية التي تدق بعنف ناقوس الخطر للزمن القادم، ومن تلك الأرقام على سبيل المثال – ما ذكره الدكتور مالك الأحمد في بحثه (العولمة مفاهيم ومقارنة)، حيث ذكر أن:

– 500 شركة عملاقة عابرة للقارات تسيطر على 70% من حركة التجارة العالمية.

– 350% شركة استأثرت بـ 40% من التجارة العالمية. 

– 6 شركات تسيطر على 85% من تجارة الحبوب. 

– 3 شركات تسيطر على 83% من تجارة الكاكاو. 

– 7 شركات تسيطر على 90% من تجارة الشاي. 

– 3 شركات تسيطر على 80% من تجارة الموز. 

– 358 فرداً يملك الواحد منهم مليار دولار على الأقل ، بما يضاهي ما يملكه 2,5 مليار نسمة. 

– يوجد في الدول النامية 1,3مليار شخص يعيشون بأقل من دولار واحد في اليوم، و 11% من سكان الدول الصناعية يعيشون بأقل من 11,4دولار. 


– يمتلك أغنى ثلاثة أشخاص في العالم أكثر من مجموع الناتج الإجمالي الداخلي للدول الـ48 الأكثر فقراُ في العالم، فيما يمتلك أغنى 15شخص في العالم أكثر من مجموع الناتج الإجمالي الداخلي لدول إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء، ويمتلك أغنى 32 شخصاً في العالم أكثر من الناتج الإجمالي الداخلي لدول آسيا الجنوبية. 


 –  20% من قوة العمل ستكفي حالياً لإنتاج جميع السلع التي يحتاج إليها المجتمع العالمي، 80% ستواجه شيئاً آخر.

– تكلف تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية لسكان العالم 13 مليار دولار ، في حين تكلف أغذية الحيوانات في أوروبا والولايات المتحدة 17مليار دولار ، والاستهلاك السنوي من التبغ في أوروبا 50 مليار دولار، واستهلاك المخدرات يكلف العالم 400 مليار دولار سنوياً، والإنفاق العسكري العالمي يبلغ 780 مليار دولار سنوياً.


– يستهلك كل أمريكي 119 كجم من اللحم سنوياً، والنمساوي 103 كجم سنوياً، في حين يبلغ متوسط ذلك في بنغلادش 3كجم سنوياً ، وفي الهند 4 كجم.


لا داعي للاستطراد أكثر من ذلك، فما ذكرته من تحليلات وأرقام كاف للدلالة على خطورة العولمة الاقتصادية.

العولمة

العولمة


ثالثاً: العولمة الثقافية:

أولاً: أهدافها:

هذه العولمة عند تنزيل مفهومها على العالم الإسلامي ، فإنه يُقصد منها التدخل المباشر في ثقافات الشعوب الإسلامية، وذلك لتحقيق أهداف خطيرة ، من أهمها:

1-     تشويه ثقافات “الذاتية التاريخية ” للأمة الإسلامية.


2- بث الشبهات في أساسات تلك الثقافات من خلال التشكيك في مرجعيتها الأصلية (الكتاب والسنّة)، ويتضمن ذلك دعم وتشجيع الفئات الطائفية التي تتبنى في أصل عقيدتها ذلك النوع من التشكيك.


3- إضفاء ألوان من القدسية الثقافية على الكُتّاب الذين يختطون ذلك المنهج، سواء باسم الأدب أو الفن أو السياسة أو الاقتصاد أو التربية أو الإدارة أو غيرها ، إذ تمنح لهؤلاء الجوائز العالمية ، كجائزة نوبل التي مُنحت لنجيب محفوظ على ثلاثيته، وجائزة الأدب التي مُنحت لأدونيس في مطلع 2004م. 


4- إقحام المرأة في كل المجالات دون استثناء ، بقصد استغلالها باسم الثقافة والفن لتكون أداة ميدانية لتطويع الشعوب الإسلامية للهجمة الثقافية الغربية. ويتجسد ذلك أكثر ما يتجسد ببث ما يُسمّى (بثقافة الجنس)! والتي تتضمن استغلال صورة المرأة، والحديث عن جسدها، وإبراز مفاتنها، سواء في الكتب أو الصحافة أو المجلات أو التلفزيون أو الإعلانات أو الندوات أو غيرها، ويدخل ضمن هذا الهدف إلهاء المرأة المسلمة بأمور خارج منزلها بغية عزلها عن هدفها الأساس، وهو تربية الأجيال. 


5- تغليب المنتج الثقافي العلماني والليبرالي والقومي على المقابل الإسلامي، ليكون ذلك المنتج هو الصبغة العامة المؤثرة في ثقافة الشعوب الإسلامية، وخاصة فيما يتعلق بالأخلاق والسلوك، فضلاً عن الأفكار والمعتقدات.

6- تغيير المناهج التعليمية في البلاد الإسلامية، وذلك باستغلال ما بقي فيها من آثار ضعيفة تذكّر الطالب المسلم بدينه وتاريخه.


7- تذويب المجتمع المسلم في بحر الثقافة الغربية، وخاصة ما يتعلق منها بالإسفاف المادي والانحراف العقدي والترهل المعنوي، مع محاولة عزله عن الثقافة ذات المردود الإيجابي والاتقاء الحضاري والبعد الاستراتيجي. 

8- الاستحواذ على الطاقة المعرفية في العالم الإسلامي ، بربطها بالثقافة العلمانية، وذلك لتحقيق غايتين :

الأولى : حرمان المجتمع الإسلامي من تلك الطاقات.

والثانية: استغلالها في المساهمة في بناء الكيان الحضاري الغربي. 


9- وباعتبار أن العولمة الثقافية لا تنفك في حركتها عن باقي مكونات العولمة (أي العولمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية والتربوية وغيرها)، باعتبار أنها من أهم تلك المكونات وأبرزها ، فإن نجاح العولمة الثقافية في التغلغل في المجتمع الإسلامي سيسلكه قسراً في باقي مكونات العولمة، بل يجعله جزءاً فاعلاً ومؤثراً في تحقيق غاياتها، وعاملاً رافداً في منظوماتها.


10- إدخال العالم الإسلامي في بوتقة الحركة الثقافية العالمية ، بما تتضمنه من مفهومات مصطلحية ذات طابع جماهيري كالديمقراطية، أو طابع عقدي كالعلمانية، أو طابع انعتاقي كالليبرالية، أو طابع انتمائي كالوطنية والقومية.


ومن خلال سبر أغوار تلك الأهداف العشرة ، نستطيع أن نفهم كثيراُ من العبارات التي يسوّقها المفكرون الغربيون ، من مثل قول “مايكل هيوارد”: “أن الافتراض الغربي السائد الآن يشير إلى أن التنوع الثقافي ليس إلا ظاهرة تاريخية عابرة، سيتم القضاء عليها بسرعة ، جرّاء نمو ثقافة عالمية مشتركة ذات توجهات غربية، وناطقة باللغة الإنجليزية”، ومن مثل إطلاق “ماكلوهان” مفهوم “القرية الكونية” على العالم. وكذلك نستطيع أن نفهم ونفسّر بشكل علمي وموضوعي ما ذهب إليه “صامويل هنتنجتون” في كتابه (صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي)، وما ذهب أليه “فرانسيس فوكوياما” في كتابه (نهاية التاريخ).

ثانيا: لغة الأرقام:

لا أستطيع في هذه العجالة لملمة أكوام وأكداس الأرقام التي تتحدث عن الإحصاءات الثقافية ووسائلها في مختلف بقاع العالم، ولكني سأكتفي بذكر بعض الأرقام تحت خمسة عناوين:

1- الإذاعة والسينما والتلفزيون والفيديو:

أسوق الإحصاءات الآتية، وهي مستقاة من بحث قّيم نشره الدكتور ناصر العمر بعنوان (كيفية التعامل.. رؤية شرعية):

· جميع الوسائل الإعلامية لا يتجاوز تأثيرها 30% من قوة تأثير التلفزيون والفيديو.


· ذكر الدكتور حمود البدر- وكيل جامعة الملك سعود سابقاً وأمين مجلس الشورى السعودي حالياً – أن الدراسات والأبحاث أثبتت أن بعض الطلاب عندما يتخرج من المرحلة الثانوية يكون قد أمضى أمام جهاز التلفزيون قرابة 15ألف ساعة ، بينما لا يكون قد أمضى في حجرات الدراسة أكثر من 10800 ساعة على أقصى تقدير. ومعدل حضور بعض الطلاب في الجامعة 600 ساعة سنوياً ، بينما متوسط جلوسه أمام التلفزيون 1000 ساعة سنوياً. 


· ذكرت إحصاءات منظمة اليونيسكو عن الوطن العربي أن شبكات التلفزيون العربية تستورد ما بين 33% من إجمالي البث كما في سوريا، و50% من هذا الإجمالي كما في تونس والجزائر. ولكن في لبنان تزيد البرامج الأجنبية على نصف إجمالي المواد المبثوثة ، إذ تبلغ 58,5% وتبلغ البرامج الأجنبية في لبنان 69% من مجموع البرامج الثقافية، وأغلبها يُبث بغير ترجمة، كذلك فإن 66% من برامج الأطفال تُبث بلغاتها الأجنبية من غير ترجمة – في معظمها.


· ذكر الدكتور محمد عبده يماني أن منظمة اليونيسكو أجرت دراسة اتضح من خلالها أن 90% من الأخبار التي يتناقلها العالم هو من نتاج خمس وكالات عالمية فقط وهي: أسوشيتدبرس (أمريكية)، يونايتدبرس (أمريكية)، وكالة الصحافة الفرنسية (فرنسية)، رويتر (إنكليزية)، تاس (روسية).


· في إحصاءات إسبانية تبين أن 39% من الأحداث المنحرفين اقتبسوا أفكار العنف من مشاهدة الأفلام والمسلسلات والبرامج الإعلامية. وفي دراسة سلبيات التلفزيون العربي، جاء أن 41% ممن أجري عليهم الاستبيان يرون أن التلفزيون يؤدي إلى انتشار الجريمة، و 47% يرون أنه يؤدي إلى النصب والاحتيال. وذكر الدكتور حمود البدر أنه من خلال إحدى الدراسات التي أجريت على 5000 فيلم طويل، تبين أن موضوع الحب والجريمة والجنس يشكل 72% منها، وتبيّن من دراسة أخرى حول الجريمة والعنف في مائة فيلم وجود 168 مشهد جريمة أو محاولة قتل، بل قد وجد في 13 فيلماً فقط 73 مشهداً للجريمة. وقد قام الدكتور “تشار” بدراسة مجموعة من الأفلام التي تُعرض على الأطفال عالمياً فوجد أن 27,4% منها تتناول الجريمة. 

2- استغلال جسد المرأة:

تكاد ألا توجد مطبوعات أو إعلان أو دعاية تخلو من استغلال المرأة وجسدها بطريقة تثير الغرائز في معظم الأحيان! وفي رسالة ماجستير أعدها أحد الباحثين بعنوان (صورة المرأة في إعلانات التلفزيون)، ذكر أنه قام بتحليل 356 إعلاناً تلفزيونياً، بلغ إجمالي تكرارها 3409 خلال 90 يوماً فقط، وقد توصل في بحثه إلى ما يأتي:

– استُخدمت صورة المرأة في 300 إعلان من 356 إعلاناً، كُررت قرابة 3000 مرة في 90 يوماً. 

– 42% من الإعلانات التي ظهرت فيها المرأة لا تخص المرأة. 

– سنّ النساء اللاتي ظهرن في الإعلانات من 15-30 سنة فقط. 

– اعتمدت 76% من الإعلانات على مواصفات خاصة في المرأة كالجمال والجاذبية، 51% على حركة جسد المرأة، 12,5% اسُتخدمت فيها ألفاظ جنسية.

– أن الصورة التي تقدم للمرأة في الإعلان منتقاة بعناية وليست عشوائية.


وقد أظهرت إحصائية ضمن رسالة علمية جامعية بعضاً من السلبيات المنعكسة على الأسرة (خصوصاً النساء)، بسبب متابعتها للقنوات الفضائية، ومن ذلك:

– 85% يحرصن على مشاهدة القنوات التي تعرض المشاهد الإباحية.

– 53% قلّت لديهن تأدية الفرائض الدينية.

 – 32% فتر تحصيلهن الدراسي.

 – 42% يتطلعن للزواج المبكر ولو كان عرفياً.

 – 42% تعرضّن للإصابة بأمراض النساء نتيجة ممارسة عادات خاطئة.


3- الأطفال فريسة:

إن كل ما يراه الطفل ينطبع في مخيلته ويُختزن في ذاكرته، ومن هنا تأتي خطورة ما يُعرض على الأطفال من الصور والإعلانات ومختلف الدعايات، وقد قام الدكتور سمير محمد حسين بإعداد دراسة حول برامج وإعلانات التلفزيون كما يراها المشاهد والمعلنون، وتوصل فيها إلى أن:

– 98,6% من الأطفال يشاهدون الإعلانات بصفة منتظمة.

– 96% من الأطفال يتعرفون على المشروبات المعلن عنها بسهولة.

– 96% قالوا: إن هناك إعلانات يحبونها، فيحفظون نص الدعاية ويقلدون المعلن.


كما أن الدكتور “تشار” أجرى دراسة على مجموعة من الأفلام التي تُعرض على الأطفال عالمياً، فوجد أن:

– 29,6% تتناول موضوعات جنسية.

– 27,4% تتناول الجريمة.

– 15% تدور حول الحب بمعناه الشهواني العصري المكشوف.


4- الابتكارات والاختراعات:

أفادت الإحصاءات أن حوالي 15% من سكان العالم يمثلون تقريباً مصدر كل الابتكارات التكنولوجية الحديثة ( النسبة ليست للأفراد بل للشعوب)، 50% من سكان العالم قادرون على استيعاب تلك التكنولوجيا استهلاكاً أو إنتاجاً، وبقية سكان العالم، أي 35%، منقطعون ومعزولون عن تلك التكنولوجيا.


وقد نبهت هيئة اليونيسكو في تقريرها العلمي إلى تدني نصيب الدول العربية من براءات الاختراع التكنولوجي على مستوى العالم، حيث بلغ نصيب أوروبا منها 47,2%، وأمريكا الشمالية 33.4%، واليابان والدول الصناعية الجديدة 16,6%، وبقي حوالي 2,6% تتنافس في باقي دول العالم.


فانظر إلى هذا البون الشاسع بين العالم الإسلامي وبين سائر دول العالم فلا شك إذن أن تطغى العولمة الثقافية على مرافق التوجيه في هذه الدول المتخلفة ، حتى لا تجيد طريقة التعامل مع هذه المبتكرات والمخترعات، فهي في أحسن الأحوال لا تصلح إلا أن تكون سوقاً استهلاكية ليس أكثر !! علماً أن سرعة إنزال المبتكرات إلى السوق أسرع بكثير من الوقت المتاح لاستيعاب مساحات الاستفادة منها ومن إمكاناتها التشغيلية، وذلك بسبب التسارع المضطرد الذي تتّسم به ثورة الاتصالات لعام 1995م قّدرت بحوالي 1000مليار دولار.


5- الشبكة العالمية (الإنترنت):

هي شبكة معلومات تُعدّ من أعجب ما توصل إليه الإنسان ، إذ جعلت أدق المعلومات بين يدي كل من يطلبها بسرعة مذهلة وبتفاصيل استثنائية، وذلك بمجرد أن يداعب بأنامله أزرار الحاسوب. وعلى الرغم من أن هذه الشبكة المعقدة قد غلّفت جميع أنحاء الكرة الأرضية ، فإن حظ العالم الإسلامي من التعامل مع هذه المعلومات المتوفرة بسهولة عبرها لا يزال ضعيفاً. بل إن بعض دول العالم الإسلامي كانت تحظر هذا التعامل لفترة قريبة ! قارن هذا الحال المتخلف مع دولة متقدمة كاليابان مثلاً، فإن اليابانيين المتصلين بالإنترنت عبر الخطوط الثابتة والهواتف المحمولة ارتفع في ديسمبر عام 2002م إلى 43مليون شخص مقارنة بـ26,3 مليون شخص قبل ستة أشهر فقط (!!). وأما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن عدد العاملين في قطاع الإنترنت بلغ 1.2 مليون شخص.


إذا أمعنا النظر فيما سقته من إحصاءات ، فإن دلالة الأرقام تفسر لنا بشكل واضح ما أحدثته أعاصير العولمة الثقافية، وهي تهبّ بشدة على عالمنا الإسلامي، تحاول اجتثاث خاصيته الثقافية من جذورها ، لتغرس بدلها ثقافات وافدة، اختلط فيها الصالح القليل بالطالح الكثير !!


رابعاً: طمس هوية الشعوب وتشويه عقائدها وثقافاتها وتاريخها:

وهذا هدف أصلي من أهداف العولمة، وتوجّه رئيس في وضع خططها وبرامج تنفيذها، والنماذج على ذلك كثيرة وتكاد ألا تحصى، فمنها دراسة للدكتور “جاك شاهين” أستاذ علوم الاتصال الجماهيري بجامعة ألينوي الأمريكية، رصد فيها نيات الإعلام الأمريكي تجاه الإسلام والمسلمين من خلال تحليل مضمونه خلال عشرين سنة مضت. يرى الدكتور شاهين أن صورة العربي المسلم في الذهن الغربي، يمكن تلخيصها بعبارة “الآخر الثقافي الخطير” الذي يهدد محاولات الانفراد الأمريكي بقيادة العالم بعد انهيار الشيوعية، ومن توابع هذه العبارة أن يكون مصطلح “الجهاد” و “عدم التسامح” و “اضطهاد المرأة” في الرواية الغربية مرادفاً لـ”كراهية الآخر” و “للتعصب” و “والعنف”.

وتصور وسائل الإعلام الأمريكية العرب الأمريكيين أنهم “غرباء” ويشكلون “خطراً على الأمن القومي”، وأنهم يقفون جنباً إلى جنب مع مهربي المخدرات والمخربين ويؤازرون النشاط الإرهابي.


وتكشف الدراسة أن الإعلام الأمريكي يصوّر المسلمين على أنهم يعبدون القمر، قالت الإذاعية “جانيت مارشالز” ذلك عبر الإذاعة في 15/5/1996م، وكرر المستشرق الدكتور “روبرت مدري” مزاعمها في مطبوعات ومحاضرات.

وتُخرج المكتبات الأمريكية سنوياً مئات الكتب المعادية للإسلام، وتحمل عناوين مثل “ميزان الإسلام” و “الإسلام الملتهب” وكذلك مقالات تحت عناوين مثيرة مثل “جذور التعصب الإسلامي” و “الإسلام قد يكتسح الغرب” و “الحرب الإسلامية ضد الحداثة” و “القنبلة الزمنية الإسلامية”.


في الكتب المدرسية كتاب المواد الاجتماعية – المقرر على الصف السادس الابتدائي – يقدم المسلم على أنه: راعي غنم يعيش في الخيام، ويرتدي العباءة، ويتزوج عدداً غير نهائي من النساء ويطلق كما يشاء، ولا همّ له إلا الجنس العنف، ويخطف الطائرات، ويدمر المنشآت! وفي “السينما” يُصوّر المسلم على أنه “إرهابي”.


وأنتجت هوليود، ما بين عامي 1986م و 1995م، ما بين 15إلى 20 فيلماً أسبوعياً (أي يُعرض بشكل مسلسلات أسبوعياً)، أظهرت فيه صورة بغيضة للعرب والمسلمين في أكثر من 150 فيلماً. وكانت صورة العربي في العشرينات تاجر عبيد وحشياً، وأصبح في السبعينيات والثمانينيات شيخاً بترولياً، والآن إرهابياً متعصباً يصلي قبل أن يقتل الأبرياء، ففي فيلم “ليس بدون ابنتي” المسلم يخطف زوجته الأمريكية وابنته إلى إيران، ولا يكتفي بسجن زوجته وضربها، بل يحرمها من ابنتها. وفي فيلم “أكاذيب حقيقية” وفيلم “القرار التنفيذي” يظهر الفلسطينيون في صورة أناس ساديين يقتلون القساوسة والأمريكيين الأبرياء، ويقومون بتفجير قنبلة نووية قبالة شاطئ فلوريدا، ويعملون لهدم أمريكا.


خلاصة الموضوع:

ثالثاً: العولمة الثقافية:

أولاً: أهدافها:

هذه العولمة عند تنزيل مفهومها على العالم الإسلامي ، فإنه يُقصد منها التدخل المباشر في ثقافات الشعوب الإسلامية، وذلك لتحقيق أهداف خطيرة ، من أهمها:

1-     تشويه ثقافات “الذاتية التاريخية” للأمة الإسلامية.


2- بث الشبهات في أساسات تلك الثقافات من خلال التشكيك في مرجعيتها الأصلية (الكتاب والسنّة)، ويتضمن ذلك دعم وتشجيع الفئات الطائفية التي تتبنى في أصل عقيدتها ذلك النوع من التشكيك.


3- إضفاء ألوان من القدسية الثقافية على الكُتّاب الذين يختطون ذلك المنهج، سواء باسم الأدب أو الفن أو السياسة أو الاقتصاد أو غيرها ، إذ تمنح لهؤلاء الجوائز العالمية ، كجائزة نوبل.  


4- إقحام المرأة في كل المجالات دون استثناء ، بقصد استغلالها باسم الثقافة والفن، ويدخل ضمن هذا الهدف إلهاء المرأة المسلمة بأمور خارج منزلها بغية عزلها عن هدفها الأساس وهو تربية الأجيال.


5- تغليب المنتج الثقافي العلماني والليبرالي والقومي على المقابل الإسلامي. 


6-  تغيير المناهج التعليمية في البلاد الإسلامية، وذلك باستغلال ما بقي فيها من آثار ضعيفة تذكّر الطالب المسلم بدينه وتاريخه. 


7-  تذويب المجتمع المسلم في بحر الثقافة الغربية الهابطة، مع محاولة عزله عن الثقافة ذات المردود الإيجابي والاتقاء الحضاري والبعد الاستراتيجي. 


8- الاستحواذ على الطاقة المعرفية في العالم الإسلامي ، بربطها بالثقافة العلمانية، وذلك لتحقيق غايتين : الأولى : حرمان المجتمع الإسلامي من تلك الطاقات. والثانية: استغلالها في المساهمة في بناء الكيان الحضاري الغربي. 


9-  وباعتبار أن العولمة الثقافية لا تنفك في حركتها عن باقي مكونات العولمة (أي العولمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية والتربوية وغيرها)، باعتبار أنها من أهم تلك المكونات وأبرزها، فإن نجاح العولمة الثقافية في التغلغل في المجتمع الإسلامي سيسلكه قسراً في باقي مكونات العولمة، بل يجعله جزءاً فاعلاً ومؤثراً في تحقيق غاياتها، وعاملاً رافداً في منظوماتها. 


10-    إدخال العالم الإسلامي في بوتقة الحركة الثقافية العالمية. 


ومن خلال سبر أغوار تلك الأهداف العشرة، نستطيع أن نفهم كثيراُ من العبارات التي يسوّقها المفكرون الغربيون، من مثل قول “مايكل هيوارد”: “أن الافتراض الغربي السائد الآن يشير إلى أن التنوع الثقافي ليس إلا ظاهرة تاريخية عابرة، سيتم القضاء عليها بسرعة، جرّاء نمو ثقافة عالمية مشتركة ذات توجهات غربية، وناطقة باللغة الإنجليزية”.

فوائد طبية لإطلاق اللحية

فوائد طبية لإطلاق اللحية

فوائد طبية لإطلاق اللحية

فوائد طبية لإطلاق اللحية

منها : الحماية من الأشعة المسبّبة للسرطان

كشفت دراسة طبية بريطانية حديثة النقاب عن الفوائد الطبية لإطلاق اللحى وتأثيره الإيجابي في صحة الإنسان، خاصةً فيما يتعلّق بإبطاء عوامل التقدُّم في السن والحماية من أشعة الشمس الضارّة المسبّبة للسرطان.

وقال باحثون بجامعة “كوينزلاند الجنوبية”: إن اللحية تقدم حمايةً كبيرةً ضدّ أضرار أشعة الشمس وارتباطها بسرطان الجلد، ووجدوا أن أجزاء الوجه التي تغطيها اللحية والشوارب كانت أقل تعرُّضاً للأشعة فوق البنفسجية الضارة، مقارنة بالمناطق الخالية من الشعر بالوجه بمقدار الثلث. واستخدم الباحثون تقنيات قياس الجرعات، التي تقيس كمية الأشعة أو الإشعاع الممتصّة، وأظهرت النتائج أن اللحى تقدم ما يراوح بين 90 و95% من الحماية ضد الشمس، اعتماداً على طول الشعر.

وأكد الدكتور روب هيكس، بجامعة لندن، أن اللحى والشوارب تساعد على تقليل أعراض الربو الناتجة من التعرُّض لحبوب اللقاح والغبار، حيث إن الشوارب التي تصل إلى منطقة الأنف تعمل على منع المواد المثيرة للحساسية من الوصول إلى الأنف عن طريق الاستنشاق من قِبل الرئتين.

بدوره، أوضح الدكتور نيك لوي، أخصائي بشركة لمستحضرات العناية بالجلد، أن اللحية تعمل على إبطاء عملية التقدُّم في السن وظهور علامات الشيخوخة، وتعمل على إبقاء المياه على سطح الجلد وتركه في حالةٍ رطبة عن طريق حمايته من الرياح التي تعمل على جفافه. وقالت الباحثة كارول ووكر “إن اللحى تساعد على محاربة السعال، وإن الشعر الكثيف الذي ينمو تحت الذقن والرقبة يعمل على رفع درجة حرارة الرقبة ويساعد على الوقاية من نزلات البرد، وإن الشعر بمنزلة عازلٍ يبقي الانسان دافئاً، حيث إن اللحى الكاملة التي تبعد الهواء البارد وترفع درجة حرارة الرقبة ستكون ذات فائدةٍ إضافيةٍ عند الطقس البارد“.

مالي بوابة إسرائيل لأفريقيا

مالي

مالي بوابة إسرائيل لأفريقيا

شبكة المرصد الإخبارية

تفيد التقارير الدبلوماسية القادمة من مالي ان التدخل الفرنسي العسكري لمواجهة الجماعات الاسلامية في هذا البلد المسلم قد يصب في مصلحة اسرائيل وخططها التوسعية في القارة الافريقية باسرها.

الهدف الاستراتيجي الاسرائيلي يتلخص في التغلغل في الدول الافريقية على حساب الوجود العربي، ولتحقيق هذا الهدف تعكف الدبلوماسية الاسرائيلية على تحريض الدول الافريقية وحكوماتها ضد هذا الوجود، وتعرض في الوقت نفسه خبراتها الفنية وعلاقاتها الدولية الواسعة، خاصة مع المؤسسات المالية لتمويل وبناء مشاريع ضخمة فيها.

احدى الدراسات الاسرائيلية قالت ان رئيس دولة مالي يشعر بالاستياء الشديد من الدول العربية، او بعضها على الاقل، لانها لم تدن ما وصفها بتجاوزات جماعات اسلامية متشددة في بلاده، بينما ادانت التدخل العسكري الفرنسي. وعاير العرب بان الدول الافريقية جميعا، باستثناء اربع دول، قطعت علاقاتها مع اسرائيل تضامنا وبالحاح من العرب.

الرئيس المالي ربما يردد اقوالا اسرائيلية تجافي الحقيقة تماما، فمؤتمر القمة الاسلامي الذي انعقد في القاهرة بحضور حوالى ستين دولة، ثلثها من الدول العربية ايد التدخل العسكري الفرنسي في الازمة المالية، وعارض اي محاولات انفصالية لتقسيم البلاد.

قطع العلاقات مع اسرائيل موقف اخلاقي ومبدئي تفرضه جميع الاديان والاعراف والقيم الانسانية، فاسرائيل دولة معتدية، احتلت ارضا عربية وغيرت الهوية الديموغرافية فيها، وشردت الملايين، وشنت العديد من الحروب ضد جيرانها، ومالي وعدد كبير من الدول الافريقية تضم اغلبية مسلمة تعتبر احتلال القدس، وتهويد مقدساتها اهانة لمليار ونصف المليار مسلم.
اسرائيل تغلغلت في دول حوض النيل، ومولت مشاريع لبناء سدود لتحويل المياه، وحرضتها على تعديل اتفاقات توزيع المياه بما يؤدي الى تقليص حجم كمية المياه الذاهبة الى مصر دولة المصب، والسودان دولة الممر، ومن المؤسف ان النظام المصري المخلوع كان في غفلة من امره، او متواطئا بطريقة مباشرة او غير مباشرة في هذه المؤامرة الاسرائيلية.

من المؤسف ان الوضع الرسمي العربي مهلهل ويعيش حالة من الضعف غير مسبوقة هذه الايام، الامر الذي يوفر المناخ الملائم جدا للتغلغل الاسرائيلي في القارة الافريقية.

فمصر مشغولة بالاعراض الجانبية لثورتها، وما يترتب عليها من حالة عدم استقرار، وتونس تواجه ازمة سياسية ضخمة، وليبيا تحولت الى دولة فاشلة، وباتت حكومتها المركزية الضعيفة تأتمر بأوامر دول حلف الناتو التي اسقطت النظام السابق، اما الجزائر الدولة الاكثر تأثيرا في هذه القارة فغارقة لاذنيها في ازمة مالي وتخشى من تبعاتها وانعكاساتها على امنها واستقرارها.


نتحدث هنا عن الدول العربية الافريقية على وجه الخصوص لان مسؤولية مواجهة هذا التغلغل الاسرائيلي تقع على عاتقها بالدرجة الاولى، وهذا لا يعني ان الدول الاخرى معفاة من المسؤولية. ولكن كيف يمكن لسورية التي تعيش حربا اهلية، او العراق المقسم على اسس طائفية، او اليمن الممزق ان تلعب دورا بناء في القارة الافريقية؟

لم نغفل السعودية ودولا خليجية اخرى ودورها الفاعل وامكانياتها المالية الضخمة، ولكن هذه الدول او بعضها، منشغلة اما بالتدخل في الازمة السورية لمصلحة المعارضة، او كيفية افشال الثورة المصرية من خلال دعم المعارضة، وهي دول بعضها لا يعرف الديمقراطية وقيم حقوق الانسان.

إن اسرائيل وفي ظل هذه الغيبوبة العربية، ستخرج رابحة حتما في هذه المواجهة في الوقت الراهن على الاقل، وهذا امر مؤسف بكل المقاييس.